رواية الاستهتار الفصل الثاني2 بقلم وفاء الدرع

رواية الاستهتار الفصل الثاني2 بقلم وفاء الدرع 
 حين ما ت الأمان

كانت كاملية تعرف…
تعرف أن المرض الذي يسكن جسدها
لن يرحل بسهولة،
وأن أيامها أصبحت معدودة،
لكن أكثر ما كان يؤلمها
لم يكن السرطان،
بل الخوف على ابنها بعد رحيلها.
كانت تنظر إلى عمر طويلًا،
تتأمل ملامحه،
وتحفظ صوته وضحكته
كأنها تخشى أن تنساها السماء.
في إحدى الليالي،
كان عمر جالسًا إلى جوارها في المستشفى،
يمسك يدها بارتعاش،
وعيناه تسبحان في الدموع.
قالت له بصوتٍ متعب:
«خلي بالك من نفسك يا عمر…
الدنيا من غيري هتبقى أصعب،
بس ربنا عمره ما يسيبك.»
ابتسم لها وهو يحاول أن يبدو قويًا:
«إنتِ مش هتسيبيني… صح؟»
لم تُجبه…
اكتفت بضم يده إلى صدرها،
وكأنها تودع قلبًا
كانت تخاف عليه أكثر من نفسها.
مرت الأيام ثقيلة،
والمرض ينهش جسدها بلا رحمة،
ومهران…
غارق في أعماله،
يأتي قليلًا،
ويغادر سريعًا،
كأنه يخشى مواجهة الحقيقة.
وفي فجر يومٍ حزين،
توقف القلب الذي كان ينبض بالحنان.
رحلت كاملية…
ورحل معها الأمان.
وقف عمر أمام جسدها المسجّى،
غير قادر على البكاء،
كأن الصدمة سرقت حتى الدموع.
بعد الدفن،
عاد إلى الفيلا…
ذلك القصر الذي أصبح فجأة
باردًا…
مخيفًا…
خالٍ من الروح.
دخل غرفته،
جلس على سريره،
وترك نفسه للسقوط.
وفجأة…
رآها.
كانت جالسة على السرير،
كما كانت تفعل دائمًا،
بابتسامتها الهادئة
ونظرتها الحنونة.
تجمّد في مكانه.
قال بصوتٍ مرتعش:
«ماما…؟»
ابتسمت وقالت:
«تعالى يا عمر…
إنت خايف مني؟»
اقترب منها وهو يبكي:
«وحشتيني قوي…
متسبنيش تاني.»
مسحت على رأسه وقالت:
«أنا جنبك…
بس أوعى تضيع نفسك.»
ثم اختفت.
صرخ عمر بأعلى صوته،
حتى جاء مهران مسرعًا.
قال له ببرود حاول أن يخفي به ضعفه:
«أمك ماتت…
دي تهيؤات من كتر الحزن.»
لكن عمر كان يعلم…
أن روحه بدأت تتشقق.
دخل في انهيار عصبي،
عشرة أيام كاملة في المستشفى،
بين إبر مهدئة
ونظرات شفقة.
وعندما خرج،
وقف مهران أمامه وقال:
«إنت راجل…
لازم تكون جامد.
الحزن ضعف.»
لم يرد عمر…
دخل غرفته،
وأغلق الباب على وجع
لم يفهمه أحد.
منذ ذلك اليوم،
بدأ الفراغ يتمدد داخله،
وبدأ يبحث عن أي شيء
يُسكته…
أي شيء يُنسيه.
وكان هذا
أول بابٍ حقيقي
نحو الهاوية

تعليقات



<>