الفصل الثالث والعشرون 23 والاخير
بقلم خضراء القحطاني
البيت كان منور كله ضحك الأطفال في الصالة، وأصوات الكاسات وهي بتتخبط ببعض على السفرة،ريحة الأكل طالعة من المطبخ، فيها عبق البيت اللي بيرجع الروح بعد تعب المستشفيات.
سلسبيل كانت بتتحرك بخفة بين الكل،توزّع العصير وهي بتضحك بخجل لما فارس يقول لها:كده يا سوسو! هو أنا مش لسه أب جديد؟ فين العصير بتاعي المخصوص؟
ضحكت وقالت وهي تمد له الكوباية:أهو مخصوص ليك يا فارس باشا، بس أوعى تتدلع على ليلى كتير.
ضحك الجميع، ومريم كانت قاعدة هادية في الركن،تحضن بنتها الصغيرة، تبص لها وكأنها الدنيا كلها في حضنها.
عيونها فيها دموع، بس مش دموع حزن دموع امتنان.
سليم كان واقف عند الشرفة،بيشرب قهوته في صمت، وعينيه بتتابع الجمع من بعيد.
ابتسامة صغيرة طلعت غصب عنه لما سمع ضحكة سلسبيل.
هي كانت مختلفة النهارده مليانة طاقة وحنية، كأنها بتعوّض غياب الفرح اللي اتأخر سنين.
قربت منه بهدوء، وقالت بصوتها الهادئ:مش ناوي تشاركنا؟
لفّ عليها، عينيه وقعت في عينيها، وسكت لحظة قبل ما يقول:أنا مبسوط وأنا شايفكم كده كل حاجة رجعت طبيعية، وده بالنسبة لي كفاية.
ابتسمت وقالت بخفة دمها المعتادة:يعني لو حد غيري قال كده كنت قلت له كلام جامد،بس أنا هاخدها على إنها مجاملة لطيفة.
ضحك بخفة، وده نادر جدًا،وقال وهو يبص لها:يمكن عشانك بس، الكلام بيبقى أخف.
سكتوا لحظة، والجو بينهم بقى مليان دفء وصمت مفهوم.
من بعيد سمعوا صوت فارس بينادي: يا جماعة، تعالوا، عايزين نتصور كلنا سوا!
رجعوا للصالة، الكل اتجمع،ليلى شايلة ابنها، مريم ماسكة بنتها،وفارس بيضحك بصوت عالي وهو بيحاول يوقف الكل في مكانهم.
وقف سليم جمب سلسبيل من غير ما يقصد،لكن إيده لمست يدها بالصدفة،اللحظة كانت قصيرة بس قلبها خفق بقوة،ولأول مرة، هو نفسه حس بحاجة شبه الخوف مش من الح*رب ولا من أع*دائه،لكن من الشعور اللي بدأ يكبر جواه من ناحيتها.
التقطوا الصورة،لكن ما حدّش يعرف إن دي كانت أول لقطة تجمعهم كعيلة حقيقية وفيها بداية حكاية جديدة،بين رجل اتعلم يق*سو عشان يعيش،وامرأة علمته إزاي الحنية ممكن تكون أقوى من أي س*لاح
الليل كان ساكن،والقمر نازل نوره على شرفة البيت،وسلسبيل قاعدة على الكنبة، لابسة روب بسيط،تحط إيدها على بطنها بخفة وتبتسم لنفسها.
سمعت صوت سليم داخل من باب الشرفة،خطواته الهادية، وصوته لما قال:بتكلمي البيبي تاني؟
ضحكت وقالت: آه بحاول أقنعه يبطل رفس، شكله واخد طبعك عنيد.
قرب منها وهو ماسك كوباية الشاي،قعد جمبها وقال وهو بيبص على بطنها:لو طلع زيه فعلاً، ربنا يعينك عليّ مرتين.
ردت بخفة:بس أنت بقيت أهدى كتير، حتى لما بتزعل، مابقتش بتص*رخ.
سكت لحظة، عيونه راحت بعيد كأنه بيفتكر نفسه قبلها.
قال بصوت واطي: يمكن عشانك؟
أنا؟
آه، وجودك غير فيّ حاجات أنا كنت فاكرها م*اتت من زمان.
كنت فاكر إني مش هقدر أحب ولا أحنّ،بس انتي علمتيني يعني إيه أعيش وأنا مش خايف أفقد.
دمعت عيونها،حطت إيدها على يده وقالت بحنان:وأنا كنت فاكرة إن حياتي خلاص خلصت قبل ما تبدأ،
بس وجودك علّمني أصدق إن ربنا ممكن يعوض.
قرب منها، لمس شعرها بخفة،وقال بابتسامة صغيرة: متخ*افيش، ولا من بكرة، ولا من أي حاجة أنا هنا مش بس كزوج،كمان كأب، وسند، وواحد بيحبك أكتر كل يوم.
ضحكت بخجل وقالت:يا سليم، أول مرة سمعت منك كلمة بحبك كانت وانت بتزعق.
ضحك وقال:وكنتِ فاكراها ته*ديد مش حب.
ضحكوا الاتنين بصوت عالي،لكن بعدها ساد بينهم سكون حلو،سكون مفيهوش توتر،بس مليان طمأنينة.
هو مد إيده ولمس بطنها،والبيبي رفس بخفة، فابتسموا سوا،وسليم قال وهو بصوته الدافي:شايفة؟ حتى هو بيأكد كلامي بيقولك إيه؟
بيقول إنه بيحبك زينا تمام.
ضحكت سلسبيل،واستندت على كتفه وهي تهمس:ربنا يخليك لينا يا سليم.
والليل لفّهم بدفء غريب،دفء العيلة اللي اتبنت على وجع،لكن دلوقتي بقت مليانة حياة وحب وطمأنينة.
وفي ذات ليلة كانت سلسبيل جالسة وتشعر بأل*م الولادة وكأن سليم بجانبها ولاحظ ذلك فحملها وخرج من الفيلا و فتح باب السيارة ووضعها وأغلق الباب وصعد بجانبها وانطلق بالسيارة للمستشفى والليل كان طويل،وسليم قاعد في ممر المستشفى،
إيده على راسه، وصوته مخ*تنق بين شهقة ودمعة.
الوقت واقف،كل دقيقة بتعدي كأنها سنة.
من جوه غرفة الولادة،كان يسمع ص*رخاتها،كل ص*رخة كانت بتخ*ترق قلبه زي الس*كين.
قام بسرعة، حاول يدخل،بس الممرضة منعته:استنى بره يا أستاذ، ممنوع الدخول دلوقتي.
ص*رخ فيها بعصبية:دي مراتي! أنا مش هقدر أسمعها بتتوج*ع كده وأقف أتفرج!
جت الطبيبة وقالت بهدوء:ادعيلها يا سليم هي قوية وهتعديها.
رجع يقعد على الكرسي،إيده بتترعش،الذكريات كلها بترجع له خ*وفه من الفقد، من الوح*دة،من إنه يلاقي نفسه من غيرها.
قعد يهمس لنفسه: يا رب يا رب احفظها لي،أنا مليش غيرها،دي هي روحي.
وفجأة،الهدوء ساد المكان وبعدها صرخة صغيرة، ناعمة، كأنها موسيقى من السما.
سليم وقف مكانه،عينه دمعت قبل ما حتى يشوفها.
فتح الباب بسرعة،دخل وهو بيجري،ولقى سلسبيل على السرير، منهكة بس مبتسمة،تحمل مولود صغير ملفوف ببطانية زرقا.
وقف سليم مكانه مذهول،عينه بين سلسبيل والطفل،اتقدم بخطوات بطيئة،مد إيده بخوف كأنه بيخاف يلمس الحلم فيختفي.
قال بصوت مبحوح: ده ابني؟
ابتسمت وهي دموعها بتنزل وقالت: أيوه يا سليم، ابنك شبهك بالضبط.
ضحك وهو بيبكي،مد إيده ولمس خد المولود،وقال بصوت مرتعش: الحمد لله الحمد لله يا رب.
بص في عيون سلسبيل وقال:أنا كنت فاكر نفسي راجل قوي،بس النهارده قلبي وق*ع أول ما سمعت ص*رختك.
ردت عليه بصوت ضعيف:وأنا كنت عارفة إنك هتيجي أول واحد تمسك إيده.
قرب منها، قبل جبينها وقال:ربنا ما يحرمني منكم، لا إنتِ ولا هو.
أنا وعد وعد إني هكون أحسن راجل وأب،علشان تستحقوني.
والليلة دي كانت بداية جديدة،مش لبيت جديد بس،لكن لقلبين كبروا مع بعض،واتولد بينهم حب من نوع تاني حب فيه حياة كاملة اسمها عيلة.
مرت السنين بسرعة تبدلت الأح*زان أفراح،وتحوّل كل ج*رح لحكاية بتتحكى في الليالي بابتسامة.
البيت الكبير في أطراف القاهرة كان مليان ضحك الأطفال وصوت الحياة.
في الحديقة الخلفية، كانت زينة بنت أيهم بتجري وهي تضحك،وشعرها يتطاير في الهوا،وراها أسد ابن سليم بيحاول يلحقها وهو بيصرخ: زينة! استنيني بقى، أنا اللي هلعب الأول!
ومن بعيد، كان أيهم الصغير ابن فارس،واقف بإيده على خاصرته وبيغ*لي من الغيرة،وقال بصوت عالي:دي بتلعب مع أسد كتير قوي! أنا هقول لبابا!
ضحك الكبار، سليم بص لفارس وقال وهو بيهزر:شايف؟ الغيرة تورّث يا فارس، دي طلعت منكم.
فارس رفع حاجبه بابتسامة جانبية وقال:ولا ناسي إنك كنت بتغير على سلسبيل من النسمة يا سليم؟
ضحكت سلسبيل بخجل وهي شايلة ابن فارس الصغير،
وقالت بمزاح:أهم حاجة إن الغيرة دي تبقى حب مش وج*ع زي زمان.
أما سلسبيل، فكانت قاعدة في الظل تراقب الأطفال،تبتسم بخفة وهي تحط يدها على بطنها،لأنها في شهور حملها الأخيرة.
همس سليم وهو ماسك يدها: لسه مش مصدق إن ربنا بيرزقني تاني بعد كل اللي راح.
ابتسمت وقالت بهدوء:يمكن لأنك ما فقدتش إيمانك.
أما كريمة، كانت جالسة على الكرسي الخشبي في الحديقة،حولها أحفادها،عيونها تلمع فرحًا وهي تشوفهم يضحكوا ويتشاجروا بحب.
محروس واقف جنبها،في إيده كوب شاي، قال بابتسامة هادئة:شوفي يا كريمة زمان كنتِ بتعيطي، دلوقتي ضحكتك ماليه المكان.
ردت عليه بهدوء دافئ: لأن ربنا عوضني خير عن كل حاجة راحت في السماء، كانت الشمس تغرب،وألوان الغروب بتلون وجوههم بخيوط ذهبية،كأنها تقول:كل نهاية هي بداية لحكاية أجمل.
صوت سليم يعلو وهو ينادي الجميع:تعالوا نصور صورة جماعية! دي ذكرى ما تتعوضش!
تجمعوا كلهم،ضحك، دعابات، حب، ودفء إنساني يملأ المكان.
وفي وسط الزحمة،وقفت سلسبيل تنظر للعائلة كلها،همست في سرها وهي تنظر للسماء:يا رب احفظهم دي الحكاية اللي ما تنتهيش.
وأسدل الليل ستاره على بيتٍ كان يومًا مليئًا بالبكاء،فصار اليوم عنوانًا للطمأنينة والحب.
تمت بحمد الله
