الفصل الخامس عشر 15
بقلم خضراء القحطاني
الليل كان ساكت سكون ثقيل قبل العاصفة.
صوت الريح وهي بتحرك ستاير القاعة، كأنه إنذار خفي بشيء جاي.
حسام كان عند الباب، ماسك س*لاحه بحذر، عينه بتتحرك يمين وشمال.
همس لسليم: في اتنين بيتسللوا من الجهة الجانبية واضح إنهم محترفين.
سليم أومأ برأسه بهدوء، لكن ملامحه كانت ن*ارية، عينه فيها شرارة الغضب.
قال بنبرة غليظة وهو بيشد المس*دس من الحزام: اللي يفكر يقرب مني مش هيخرج من هنا حي.
سلسبيل كانت واقفة وراهم، مرعوبة،
قلبها بيدق بسرعة وهي بتحاول تفهم اللي بيحصل.
سليم، في إيه؟ قولّي!
رد وهو بيبص لها بنظرة حنان وسط التوتر:ادخلي الأوضة وقفلي على نفسك بسرعة يا سلسبيل!
دخلت وهي مش قادرة تبعد عن الباب،
بتسمع أصوات خطوات، بعدها صرخة مكتومة،
وبعدين دوّي رص*اص هزّ المكان.
حسام صرخ:ورا الكرسي يا سليم!
الرص*اصات بتطير حوالين القاعة، والزجاج بيتكسر.
سليم اتراجع ورا العمود، ضرب ط*لقة، والتانية واحد من المهاجمين وقع، لكن التاني دخل من الجهة الخلفية.
حسام حاول يمنعه، لكن اتفاجئ بض*ربة قوية خلته يقع على الأرض.
سليم شافه، واندفع بكل قوته في لحظة شجاعة، ض*رب المهاجم التاني، لكن التاني أط*لق الن*ار عليه قبل ما يقع.
صوت الرص*اصة مزّق الهدوء سليم اتراجع خطوة، إيده على صدره، والد*م بدأ يخرج ببطء.
سلسبيل، اللي كانت ورا الباب، سمعت الصوت
وصرخت: سليم!
جريت ناحية القاعة، والدموع في عينيها،
وشافته مرمي على الأرض، أدهم بيحاول يضغط على الج*رح.
قالت وهي بتنهار: لااااا، لأ يا رب سليم! قوم بالله عليك!
حسام قال بصوت متوتر: هيتنفس، بس لازم إسعاف بسرعة!
سليم فتح عينه بالعافية، صوته مبحوح:ما تخافيش أنا كويس حاول يبتسم، لكن الد*م نزل من فمه.
وعدتك إني مش هسيبك لوحدِك.
سلسبيل كانت بتبكي وبتح*ضنه،
إيده الباردة لمست خدها، وصوته بدأ يضعف.
حسام صرخ للحرس اللي وصلوا: بسرعة! خدوّه على المستشفى!
وفي اللحظة اللي شالوه فيها على النقالة،
سلسبيل كانت بتجري وراهم، صرختها بتشق صمت
القصر: متسبوش سليم! بالله عليكم متسبوش سليم!
والقصر اللي كان مليان أنوار وضحك،
بقى كله صمت صمت ثقيل كأن الروح نفسها واقفة تستنى مص*ير سليم.
المستشفى كانت مليانة دوشة صوت الأجهزة، الممرضين اللي بيجروا، صوت سلسبيل وهي بتعيط وتناجي ربها.
أدهم ماسكها من كتفها، بيحاول يثبتها رغم إن قلبه هو كمان بيتقطع.
الدكتور خرج من غرفة العمليات، ملامحه كانت متوترة،
سلسبيل جرت عليه وهي منهارة:طمني يا دكتور سليم كويس؟ هيعيش؟
ابتلع الطبيب ريقه وقال بهدوء حزين:الرص*اصة دخلت قريبة من القلب، ولحقناه في آخر لحظة بس هو دلوقتي في غي*بوبة، واللي جاي في علم ربنا.
الكلمة دي غيب*وبة خبطت في عقلها زي سك*ين.
وقعت على الأرض، وأدهم سارع يشيلها.
قومي يا سلسبيل، بالله عليكي ما تضعفيش دلوقتي.
دخلت الغرفة بعد شوية،
كانت الإضاءة خافتة، وسليم نايم على السرير الأبيض،
الأنابيب طالعة من صدره، وجهاز المراقبة بيصدر صوت ثابت كل شوية.
قربت منه بخطوات بطيئة،
قلبها بيرتعش وهي بتشوف وشه الشاحب، اللي لسه عليه آثار الد*م.
جلست جنبه، لمست إيده بخوف،
ولما حسّت ببرودتها، دموعها نزلت أكتر.
ليه يا سليم؟ ليه دايمًا بت*تأذى علشاني؟
أنا ما استاهلش اللي بتعمله ده أنت دايمًا بتقف قدام الكل عشان تحميني وأنا حتى ما كنتش أعرف إنك بتحبني كده.
صوتها كان واهي،
كأنها بتحكي لروح مش لجسد.
مدت إيدها ولمست شعره بخفة،
قوم يا سليم، أرجوك قوم أنا مش قادرة أشوفك كده
وقف أدهم عند الباب،عينه كانت مليانة غُصة،
قال بصوت مبحوح:هو أقوى من كده يا سلسبيل، سليم دا ما بيقعش بسهولة.
في اللحظة دي دخل رشيد،
وشاف المنظر فتنهد بحزن: يا رب اشفيه، الولد ده قلبه جامد بس ربنا هو القادر.
أيام عدت، وسليم لسه بين الحياة والم*وت،
وسلسبيل ما فارقتهش لحظة،
كانت بتقرأ له قرآن، وتكلمه، وتضحك أحيانًا كأنها بتحاول ترجعه من عالم تاني.
وفي يوم وهي قاعدة جنبه،
مسكت إيده وقالت:عارف يا سليم لو قمت المرة دي، هقولك كل حاجة في قلبي مش هخاف ولا ههرب تاني.
لكن سليم كان ساكت،
عيناه مغمضتين، وصدره بيعلو بهدوء مع كل نفس ثقيل وصوت الأجهزة هو الوحيد اللي بيشهد إن لسه في أمل.
عدّت أيام طويلة، والكل تعب سلسبيل ما كانتش بتروح البيت، بقت جزء من الغرفة دي،
تنام على الكرسي الصغير جنب سريره،
تصحى على صوت الأجهزة، وتفضل تراقب تنفسه كأنه هو نبضها.
الشمس بدأت تدخل من الشباك الصبح،
الإضاءة كانت دافية، وهدوء المستشفى شبه م*خيف.
سلسبيل كانت قاعدة وراسها على السرير، نايمة وهي ماسكة إيده.
وفجأة إيده اتحركت.
حركة بسيطة جدًا كأنها همسة حياة.
فتحت عينيها بسرعة،
قامت تنتفض وهي بتبصله،
سليم! سليم! سمعتني؟
لكن ما فيش رد،
غير إن أصابعه ضغطت على إيدها بخفة،
دموعها نزلت من الفرحة والخوف مع بعض.
يا رب يا رب، هو بدأ يحس بيا!
خرجت بسرعة تنادي الممرضة،
هو اتحرك! الدكتور! بسرعة!
دخل الطبيب ومعاه الممرضة، وبدأوا يفحصوه،
ضغط، نبض، تنفس قال الطبيب بابتسامة خفيفة: الجسم بدأ يستجيب دي علامة كويسة جدًا.
سلسبيل حطت إيدها على فمها، دموعها نازلة وهي بتقول: الحمد لله الحمد لله يا رب!
الطبيب خرج، وقال لرشيد اللي كان برا: الحالة مستقرة، ودي أول إشارة وعي.
رجعت سلسبيل له،
قعدت جنبه بهدوء،
ولمّا قربت منه، همست له بصوت مرتعش: أنا هنا يا سليم، مشيتش ولا ثانية عنك افتح عينيك بقى، كفاية غياب.
وكأن قلبها نادى قلبه،
سليم حرّك رأسه بخفة، وصدره ارتفع بتنفس أعمق.
ثم، بعد لحظات طويلة من الصمت رمشه الأول ظهر.
الدموع غرقت وجهها،
ضحكت وسط البكاء،
سليم! حمد الله على سلامتك يا حبيبي!
عيناه اتفتحت ببطء، نظرته كانت تايهة،
شافها قدامه، شعرها متبعثر ووجهها مليان دموع وفرحة.
همس بصوت واهي: كنت بحلم بيكي.
ردت عليه وهي بتبكي وتضحك:وأنا كنت بدعيلك ترجعلي، ومارجعتش غير عشان كده.
سكت لحظة، حاول يرفع إيده،
ولما لمست خدها قال بخفوت:ما كنتش عايز أسيبك ولا دلوقتي.
غمضت عينيها وهي تبكي،
ولا أنا، يا سليم، ولا أنا.
