رواية هوس من اول نظرة الفصل الحادي عشر11 بقلم ياسمين عزيز
كانت الساعة تشير إلى السادسة مساء عندما
توقفت سيارة سيف الفاخرة و يتبعها أسطول سيارات الحراسة أمام قصر عزالدين...فتح باب
السيارة ثم إتجه للجهة الأخرى ليفتح الباب لسيلين
التي نزلت بارتباك واضح....
أوقفها أمامه قائلا بنبرة مطمئنة :"متخافيش
طول ما أنا جنبك متشيليش هم أي حاجة..إحنا
حندخل جوا نقعد شوية و لو لقيتي نفسك
مش مرتاحة حنمشي على طول... إتفقنا"
همست بعدم إقتناع لكن لا حل لها سوى الوثوق
به حتى النهاية :"ماشي".
أحاط كتفيها بحماية ثم دلف للداخل بعد أن
فتح له أحد الحرس باب الفيلا... وجد جميع
العائلة مجتمعيش... عميه و زوجتهما.... و أبناء عمه
آدم و عشام... و أخيرا والدته..... الجميع بإستثناء صالح و فريد و الفتيات..... البقية كانوا في إنتظاره فقد إتصل بهم منذ ساعة و طلب منهم أن ينتظروه من أجل خبر مهم....
أسرعت نحوه والدته لتقبله و هي تحمد الله
على رجوعه سالما من سفره... ثم عادت و جلست
في مكانها و هي مازالت تنظر نحو تلك الفتاة الغريبة التي كانت تقف بجانبه... لم تكن هي وحدها
بل جميع أفراد العائلة.....
أردف آدم بوقاحة و هو يطالع الفتاة بنظرات
مندهشة من شدة جمالها :" مجمعنا كلنا عشان
تورينا عشيقتك الجديدة صح..".
تجاهله سيف بينما نظرت نحوه سيلين بعدم
فهم.... ليبادلها بنظرة مطمئنة قبل أن يهتف
بصوت واثق :
" أقدم لكم سيلين.... بنت طنط هدى... هدى عزالدين.. ".
ضغط سيف علي خصر سيلين ليقربها أكثر منه
و هو يعيد كلامه للتأكيد متفرسا بنشوة عارمة ملامحهم المصدومة :"أيوا فعلا... اللي بتفكروا فيه صح.... طنط هدى طلعت عايشة و دي... بنتها".
ركز بصره على جده... اكثر شخص يريد معرفة
ردة فعله...كيف إستطاع تزييف موت إبنته و حفيدته
َ هما مازالت على قيد الحياة... لاحظ شحوب
وجهه و إرتعاش يده التي كانت تقبض
بشدة على عصاه المصنوعة من خشب الابنوس التي كان يرتكز عليها ردة فعله كانت طبيعية رغم ذلك تعجب سيف كثيرا فمن يراه بهذه الحالة يصدق فعلا أنه متفاجئ بوجود إبنته على قيد الحياة....
نقل سيف بصره نحو عميه ليجدهما يحدقان
بعدم تصديق في سيلين ملامحهما متجهمة و غاضبة و هو يعلم لماذا فوجود اخت جديدة يعني وريث جديد ...إبتسم بسخرية و هو يتأمل زوجة عمه
إلهام التي كانت تنقل بصرها بين الفتاة و تلك
الحقيبة التي كانت تحملها.. أمسك نفسه بصعوبة
حتى لا ينفجر ضاحكا فهو توقع ردة فعل الجميع
هكذا بالضبط كما يراهم أمامه الان ....
قاطع صمتهم قدوم إنجي التي أسرعت تركض
لتحتضن سيف قائلة :"حمد الله عالسلامة يا ابيه".
إبتسم بصدق و هو يقبل جبينها قائلا :"الله يسلمك
يانوجة.. أخبار مزاكرتك إيه؟؟
إنجي و هي تنظر لسيلين باعجاب :" تمام يا أبيه
مين الأمورة دي اللي شبه الباربي... ".
سيف بضحك غير مبال بتلك الاسهم النارية
الموجهة له من عميه و زوجة عمه إلهام..
:" دي سيلين بنت طنط هدى اللي كنا فاكرينها
ماتت بس الحمد لله طلعت عايشة".
إنجي بصراخ :"بجد يعني طنط هدى عايشة و القمر دي بنتها ...
أومأ لها سيف بالايجاب و هو يقول :"ايوا و ممكن تاخذيها
على اوضتك ترتاح شوية اصلنا جايين من السفر...
إنجي و هي تسحبها من يدها :" طبعا يا أبيه دي
حتنور أوضتي... انا بكره حاخدها معايا الجامعة
عشان اوريها لصحابي....
سيف بضيق :"هي عربية عشان توريها لاصحابك يلا روحي و خلي بالك منها..
أخذتها إنجي و صعدت بها الدرج نحو غرفتها هي و أروى التي كانت تتأملها ببلاهة...
صرخ كامل بغضب و هو ينظر لسيف بحقد يود لو يقتله :" إنت عرفت إزاي إنها بنت هدى.... جايبلنا
بنت من الشارع و عاوز تضحك علينا ".
جلس سيف بأريحية و أسند ظهره على الكرسي
قائلا بشموخ و ثقة:" انا قابلت طنط و هي اللي
قالتلي إن سيلين بنتها...كل الأوراق و الوثائق
اللي بتأكد الكلام داه موجودة... حبقى أبعثلك
النسخ مع كلاوس ".
أمين بحدة :" أوراق إيه و كلام فارغ إيه... حتى
لو كانت بنتها و حتى لو هدى موجودة إحنا
مالنا... هي غلطت زمان و هربت و إختارت
طريقها...إيه اللي رجعها ثاني ".
كامل :" أيوا صح... إنت تاخذ البنت دي و تتصرف
معاها إحنا معندناش أخت... هدى ماتت من زمان
من يوم إختارت تهرب مع عشيقها و تفضحنا
و تخلي سيرتنا على كل لسان... هي راجعة
ليه عاوزة تفضحنا ثاني...إحنا ماصدقنا إن الناس
نسيت الحكاية...البنت دي ملهاش قعاد في القصر
خدها إرميها في أي داهية...
أمين بغل :" أكيد جاية طمعانة في الورث...
امال باعثة بنتها ليه...كان المفروض تيجي
بنفسها و إلا مكسوفة بعد عملتها السودة ".
إلهام بخبث :" أنا مستغربة هي إزاي سمحت
لبنتها تروح مع واحد غريب... لا و جاي حاضنها
و كأنها.... مراته".
أمين :"ماهي أكيد طالعة لأمها...
شهقت سميرة و سناء باستنكار بينما تعالت ضحكات
آدم المستمتعة....
إبتسم سيف برود و هو يلتفت نحو جده الذي كان
يستمع لكلامهم بصمت و قال :"و إنت ياجدو
معندكش حاجة تضيفها على كلام ولادك المحترمين....
قاطعه كامل الذي زاد إشتعاله برود سيف
و نبرته المستفزة:" محترمين غصب عنك
و تقوم دلوقتي حالا تاخذ البنت اللي إنت جايبها
و تغور من هنا....
وقفت سميرة مدافعة عن إبنها :"إنت بتطرد
إبني من بيته يا كامل هي حصلت...و إنت ياعمي
ساكت ليه ماتقلك كلمة سايبهم كده بينهشوا في
إبني زي الضباع.....
نظرت نحوها إلهام بحنق و هي تجيبها :" و إنت
مش شايفة عمايل إبنك ياسميرة.....
دلف صالح في تلك اللحظة ليجد الجميع مجتمعين
و الجو مشحون كالعادة كلما إجتمع معهم سيف...
صالح :" السلام عليكم... في إيه يا جماعة صوتكم
جايب آخر الجنينة...
كور قبضته ليسلم على سيف و هو يكمل :"حمد
الله على السلامة يا سيفو... إيه الأخبار ".
رمقهما آدم بحقد فهو يكره كثيرا رؤية علاقة
سيف و صالح الهادئة و كم حاول من مرة
إفسادها لكنه لم ينجح...كز على أسنانه بحنق و هو
يدير عيناه لوالدته التي كانت تهمس لوالده خفية
ليبتسم بخبث فهو يعلم جيدا أن والدته الان تحرض
كامل على إبن أخيه أكثر.....
جلس صالح بقرب سيف الذي كان ينتظر جده
أن يتحدث غير مهتم بثرثرة الأخرين التي تعود عليها
ضرب الجد بعصاه أرضية القاعة لينتبه له الجميع
ليقول بصوت صارم دون أن تظهر أي مشاعر واضحة على سحنته :"قفلوا على الموضوع داه...
لغاية ما نتأكد من كلام سيف...و إنت يا سيف
إلحقني على المكتب...
وقف من مكانه بصعوبة بسبب إرتعاش و رغم
ذلك ظل محتفطا بهيبته و صرامة ملامحه التي
تجبر الجميع على إحترامه و تقديره...
دلف المكتب ثم إرتمى على أقرب كرسي
و هو يرتكز بكفيه على عصاه ينتظر دخول
حفيده العنيد الذي تحرك بدوره ليلتحق به تاركا
وراءه حربا مشتعلة....
دلف و أغلق الباب وراءه ثم جلس على الكرسي
المنفرد و عيناه مصوبتان على العجوز المتجهم
الملامح..الذي بادر بالحديث قائلا :"عرفت مكانها
إزاي؟؟
أجابه سيف على الفور :" صدفة...بس انا ملاحظ
إنك متفاجئ عشان لقيتها مش علشان طلعت حية
و مامتتش زي ما فهمتنا من سنين ".
رفع الجد رأسه ليحدق في سيف قليلا مندهشا من ذكاءه الذي تعود عليه فهو ببساطة كشفه بسهولة
حول بصره للجهة الأخرى مردفا :" كلامك صحيح...
انا زيفت خبر موت هدى من سنين... و خليت الكل
يفتكر إنها خلاص معادش ليها وجود في الدنيا
دي...
سيف باستنكار :"طب ليه؟؟ للدرجة دي قلبك
حجر...مكنتش عارف إن تأثير كامل و أمين عليك
حيخلوك ترمي بنتك في بلد غريب لوحدها..
مسألتش نفسك هي عايشة مش يمكن كانت تعبانة
و بتموت...او يمكن كانت عايشة في الشارع....
محدش طلب منك إنك تسامحها على غلطة
حصلت من سنين.. بس على الاقل كان لازم تطمن
عليها حتى من بعيد ...
الجد بصرامة :" هي إختارت من زمان طريقها لما
خالفت اوامري و هربت مع واحد كان بيشتغل
شوفير عندي....
وقف سيف من مكانه و هو يمسح وجهه بضيق
فهو يعلم جيدا جده الذي لم يتراجع من قبل عن
أي قرار إتخذه في حياته....إنتفض فجأة بسبب
كلام جده عندما اضاف :" رجع البنت مطرح ما جبتها ... لا هي و لا أمها ليهم مكان هنا و داه
آخر كلامي".
سيف و قد بدأ الغضب يتصاعد لرأسه :"جدي...
ارجوك إسمعني الأول و بعدين قرر...طنط هدى
في المستشفى عملت عملية خطيرة على القلب...
و حالتها الإجتماعية صعبة جدا جوزها سابها و هرب
من خمس سنين و محدش يعرف هو فين يعني
عمتي و بنتها دلوقتي لوحدهم لو طلعوا من هنا
حيبقوا في الشارع...
صالح ببرود و كأن التي يتكلم عليها ليست إبنته
:" عاوز إيه يا سيف هات من الآخر".
سيف و هو ينظر له بنظرة ذات معنى و كأنه يقول
له ها قد بدأت تفهمني الان :" انا حبقى المسؤول
على طنط هدى و سيلين...حضرتك إعتبرها لسه
في ألمانيا....
الجد بغموض :" و ياترى حتقدر تحميها من
أخواتها...
سيف و تملكه غضب أعمى عندما تخيل أن أحدا منهم سيؤدي محبوبته الصغيرة ليهدر بحدة :"
خلي واحد منهم بس
يتجرأ و يقرب منهم...أقسم بالله ليكون آخر يوم في عمره..... كل اللي عملوه معايا كوم و الجاي كوم ثاني... حضرتك اللي كنت بتحوشني عنهم بس لحد هنا و كفاية ...سيلين و طنط هدى
حط أحمر و مش حسمح لحد يلمس منهم شعرة
واحدة...انا بستأذنك دلوقتي عشان انا راجع
من السفر و تعبان....
أشار له صالح بيده ليغادر المكتب تاركا جده
يفكر في هذه المصيبة الجديدة التي نزلت
عليهم دون إنذار...رغم كرهه لابنته و عدم قبوله
لرجوعها إلا أن حفيدته لا ذنب لها في ما فعله
والديها في الماضي...طوال تلك السنوات إستطاع
حمايتهما من جنون ولديه كامل و أمين باختراعه
لقصة موتها حتى أنه لم يستطع الاطمئنان عليها او
السؤال و لو لمرة واحدة خشية معرفتهم بوجودها
لكن الآن سيف دمر كل خططه بل لم يكتف بذلك
بل قام بإحضار الغزال لعرين الوحوش....
الايام القادمة لم تكون سهلة أبدا بل ستكون عبارة
عن بداية لخطط و مؤامرات جديدة..و نهاية لبدايات
كثيرة...
صعد سيف الدرج نحو الطابق الثالث حيث
يقع جناح فريد و غرف الفتيات إنجي و ندى...
توجه نحو غرفة إنجي التي تقع آخر الرواق
ليطرق الباب عدة مرات....
في غرفة إنجي.....
وضعت أروى كوب العصير أمام سيلين و هي مازالت
تتفحصها و كأنها كائن غريب مما جعل الأخرى
تشعر بالقلق...
نهرتها إنجي قائلة:"متخفي شوية عن البنت يا أروى
حتاكليها بعنيكي....
أروى بمرح :" أصلي اول مرة اشوف بنت شعرها
برتقاني... فكرتني في دفنة بتاعة عمر إبليكجي...
إنجي و هي تتنهد بيأس :"سيبك منها يا سيلين
دي مجنونة....قوليلي هو إنت بجد بنت طنط هدى؟؟
اومأت لها سيلين دون أن تتحدث مكتفية بنقل
بصرها بين الثلاثة فتيات....
ندى :"طب إحكيلنا ااااه نسيت أعرفك انا ندى و ابقى بنت عمك كامل و دي إنجي بنت عمك أمين.. و دي أروى... مرات فريد اخوها....
سيلين بخفوت :" أهلا و سهلا....
أروى :"يااااا دي طلعت بتتكلم عربي انا فكرتها
خوجاية...".
ندى :"طيب إحكيلنا هس طنط هدى فين ليه
ماجاتش معاكي.. و إتعرفتي على ابيه سيف
فين و إيه علاقتك بيه و.....
نهرتها إنجي :"خلاص يا ندى مش وقت تحرياتك
سيبي البنت تعبانة من السفر....".
ندى و هي تلوي شفتيها بحنق :"عاوزة أتعرف عليها
مش أكثر.....
إنجي :"لما ييجي أبيه سيف إبقي إسأليه...
سيبي البنت في حالها دلوقتي... ".
رمقتها ندى بحنق ثم غادرت الغرفة عازمة على
معرفة حكاية هذه الفتاة الغريبة...
تشبثت سيلين بحقيبتها و هي تبتسم بعدم إرتياح
لتتحدث إنجي محاولة طمئتها :" مش عاوزة تدخلي
تاخذي شاور و تغيري هدومك... إنت جاية من السفر
أكيد تعبانة ".
سيلين بخجل :" لا... انا حيستنى سيف مش
عاوز....".
إنفجرت أروى بالضحك قائلة :"طب مش عاوز
ياكل....لما مزة زيك كلها جمال و أنوثة تتكلم على نفسها بصيغة المذكر
أومال انا اسمي نفسي إيه؟؟ جاموسة ".
إنجي بعد أن حدقت في أروى بلوم قائلة :"طيب...خذي راحتك إنت
مش غريبة...
أروى بمرح :" أنا شاكة إن سيف داه خاطفك
و حيجبرك تتجوزيه زي روايات الواتباد... إحكيلنا
ما يمكن ننقذك".
قطبت سيلين حاجبيها بعدم فهم لتكمل أروى
بنفس النبرة :" لالا ماتبصيليش كده...إشربي
العصير عشان تبلي ريقك و إحكيلنا بالتفصيل
بقى ".
إنجي بنفاذ صبر :"يوووه بقى.. إنت كمان يا أروى
بقيتي زنانة زي ندى.... ماتسيبوا البنت في حالها...
كتفت أروى ذراعيها و هي ترسل نظرات حارقة
لإنجي قبل أن تلتفت نحو سيلين متناسية غضبها
لترتسم إبتسامة خبيثة على شفتيها حالما تذكرت
كيف كان سيف يحتضن سيلين و كأنه يحميها من
عائلته...يبدو أن هناك حلقة مفقودة في الحكاية
و سوف تظهر قريبا جدا...
قاطع صمتهم طرقات خفيفة على باب الغرفة
لتسرع إنجي لفتح الباب... إبتسمت عندما وجدت
سيف يقف منتظرا أمام الباب...
سيف :"سيلين فين؟؟
إنجي بابتسامة :" جوا ثواني... و حندهلها ".
عادت للداخل لتخرج بعدها سيلين التي شعرت
بالارتياح حالما رأت سيف أمامها...
َ
أحاط كتفيها كعادته بذراعه و هو يسير بها
ليصعد الطابق الثالث الذي يحتوي على جناحه
هو و باقي أبناء عمومته....
فتح سيف باب الجناح لتتسع عينا سيلين
باعجاب من شدة فخامته و جماله...
تمتمت بانبهار :" واو... ".
توقفت أمام مرآة
الخزانة لترى إنعكاسها...ثم إبنتسمت براحة
فمظهرها الانيق أيضا تماشي مع فخامة الغرفة.....
سارت قليلا نحو الصالون الذي تزينه مكتبة
كبيرة تحتوي على كمية كبيرة من الكتب
بلغات عدة....مررت يدها على الرف الذي يقع
مباشرة أمامها ثم
إلتفتت نحو سيف الذي كان يناظرها بابتسامة
عاشقة قائلة :"ذوقك حلو أوي...
أجابها و قد زادت إبتسامته:" بجد... يعني عجبتك ".
أومأت له و هي تتحرك بضع خطوات نحو الصالون
الذي لم يكن اقل فخامة عن باقي الجناح....
أشار بيده نحو أحد الأبواب و هو يقول :" دي
أوضتك...شوفيها لو معحبتكيش حجيبلك
الكاتالوج عشان تختاري بنفسك...".
سارت لتفتح الباب لتتراءى أمامها غرفة
في قمة الروعة بلون أنثوي جميل.... شهقت
لتضع يدها على ثغرها هاتفة بأعجاب :"لا
يجنن.... حلو جدا الأوضة....
جلست على طرف السرير لتتلمس غطاءه الحريري
ثم رفعت عيناها نحو الخزانة البلورية الكبيرة
لتتقدم نحوها و تفتحها...توسعت عيناها باندهاش
و هي ترى تلك الفساتين التي إختارتها من ذلك
المحل الشهير في ألمانيا معلقة بعناية في ارفف
الخزانة....
نظرت نحو سيف الذي كان يتكئ على باب الغرفة
و هو يتأمل بشغف تفاصيلها الهادئة المريحة للعين التي باات يعشقها و يحلم بها كل ليلة....
همست بصوت خافت و هي تبادله نظرات
ممتنة :"ميرسي جدا على اللي إنت بيعمله
معايا...انا مش عارف أنا من غير إنت كنت حعمل
إيه...".
مسحت بسرعة دموعها التي بللت رموشها
و هي تخفض رأسها ليسارع سيف نحوها و يجذبها
إلى أحضانه الدافئة و هو ينتهد بصوت مسموع
تشبثت به الصغيرة و كأنه بر الأمان بالنسبة لها
في هذا المكان الغريب...
أبعدها بصعوبة عنه و يحيط وجهها بكفيه مزيلا
بابهاميه باقي دموعها و هو يتحدث بصوت متحشرج
:"اوعي اشوف الدموع دي ثاني في عنيكي... إنت
إتخلقتي علشان تفرحي و بس...يلا غيري هدومك
و إرتاحي شوية عقبال ما يجهزوا العشا ".
ضمت سيلين شفتيها بعبوس قائلة :"انا مش عاوز
عشا.... إحنا أكل في الطيارة من شوية...
سيف بضحك و قد فهم غرضها الحقيقي :" لا
إحنا لازم ننزل... عشان تتعرفي على العيلة...
انا معاكي متخافيش... حفضل أقلك الجملة دي
لحد إمتى ها....".
سيلين بعدم رضا :"أيوا.. بس هما عينيهم
وحشين بيبصولي مش حلو.... انا عارفة إنهم
بيكرهوني...".
سيف بحيرة :"هي إنجي ضايقتك في حاجة ...".
سيلين بنفي :" لا... في واحدة بنت صغيرة
انا مش حبيتها... وحشة بتسأل كثير....
سيف و هو يخفي قلقه :"دي أكيد ندى...ربنا يستر
حبيبي متقلقيش دي زي ما قلتي بنت صغيرة
و اكيد كانت عاوزة تتعرفي عليهم... صدقيني
حتنبسطي هنا جدا مع البنات... و لو لقيتي نفسك
مش مرتاحة حنرجع الفيلا... إتفقنا".
سيلين باستسلام :"حاضر..."..
قبل جبينها طويلا قبل أن ينسحب من الغرفة
تاركا قلبه معها.....
توجهت نحو التسريحة و هي تتأمل الغرفة من جديد.. ألوان الجدران، الخزانة و السجاد السرير و الاغطية ... كل شيئ مختار بعناية لا مثيل لها....
لكن أجمل ما فيها هي تلك الشرفة الكبيرة التي
تطل على الحديقة الخلفية للقصر...أزاحت الستائر
لتبتسم باسترخاء و هي تتأمل البساط الأخضر
تحتها الذي كان يمتد على مساحة كبيرة قبل
ان يحده صف من الأشجار الضخمة التي يصل
طولها للطابق الثاني أو أقل بقليل...
كل شيئ بدا لها في غاية الجمال حتى تمنت
انها تبقى في هذا المكان الرائع طوال حياتها
لو لا تذكرت فجأة تلك الأعين المخيفة التي كانت
تتطلع فيها منذ قليل بغصب عارم.
في صالة القصر......
قلب صالح عينيه بملل و هو يستمع إلى شجار
أفراد عائلته منذ قليل صعدت زوجة عمه الراحل
سميرة إلى غرفتها لتبدأ بعدها حرب باردة ....
كامل :" انا بس عاوز افهم هو بابا ليه كذب
علينا زمان و فهمنا إنها ميتة...".
أمين بغضب :"ياريتها كانت ماتت بجد...
إلهام بخبث :" يمكن عشان خايف عليها...إنت عارفين
عمي... حويط قد إيه ".
آدم :" طيب و لما هو عارف إنها حيه ليه مرجعهاش
هنا خصوصا إن عندها بنت...لمعت عيناه بخبث
عندما تذكر شكل سيلين الذي أعجب بها بشدة...
كامل :" أكيد هو اللي خلى سيف يجيبها ابويا و انا عارفه محدش يقدر يعرف إيه اللي بيدور في دماغه
و كل مرة بيفاجئنا بقرار ".
إلهام :"بس هو كان مصدوم لما شاف البنت.....
كامل :" كله تمثيل و كذب.... ماهو اللي يكذب مرة
يكذب الف...
امين بصراخ :"كامل... إنت بتتكلم على بابا متنساش
داه ".
شاور له كامل بعدم إهتمام و هو يفتح أزرار قميصه
بعد أن أحس بالاختناق....
وقف صالح من مكانه مقاطعا حديثهم المهم
:" أستأذن انا حطلع لأوضتي عشان ارتاح...
أمين :" بدل ما تقعد تلاقي معانا حل للمصيبة
اللي حلت فوق دماغنا فجأة.... طالع تتخمد .
صالح ببرود :" و انا من إمتي ليا دعوة
بمخططاتكم....
أمين بتجهم :" و إحنا بتعمل كل داه ليه مش عشانك و عشان أخوك... يلا غور في ستين داهية
حتبقى طول عمرك مجرد موظف بتاخذ اوامرك من
إبن عمك... ".
صالح :" يوووه يا بابا انا طالع تصبحوا على خير....
صعد الدرج غير مهتم بشتائم والده و صوت صراخه الذي بدأ بتلاشى كلما إبتعد عنه.... فكل تفكيره الان
منصب على يارا...حالتها اليوم كانت غريبة جدا
و هذا طبيعي فما تحملته منه طوال الايام الماضية
يفوق احتمالها بأضعاف...
دخل جناحه ليغلق الباب وراءه ثم أخرج هاتفه
من جيب بنطاله... ضغط بعض الازرار إحدى يديه
بينما وضع السماعات باذنه بيده الأخرى...
رمى الهاتف على الاريكة ثم إنحنى لينزع حذاءه
قبل أن يأتيه صوتها المرتجف....
زفر الهواء بعد أن حبسه داخل رئتيه لوقت
طويل قبل أن يهتف :"كنتي فين... بقالي ساعة
برن عليكي".
يارا بخفوت :"انا اول ما سمعت التلفون..جاوبت على طول....
صالح مقاطعا إياها :" خلاص... خلاص كفاية رغي
انا بكلمك عشان أقلك إني موافق أديكي فرصة
جديدة...
يارا :"مش...فاهمة يعني إيه...
صالح و هو يتكئ بجذعه على ظهر المقعد :"قلت
حديكي فرصة جديدة..يعني حنمسح الصور و الفديوهات و لو حابة ححرق الفيلا المهجورة
كلها و ننسى كل حاجة في الماضي و نبدأ من
جديد ....
إنقبض قلبها بعدم إرتياح رغم فرحتها الكبيرة
بقراره الذي كانت تحلم به منذ أيام مرت عليها
و كأنها دهر لتجيبه بتردد:" طب و المقابل إيه؟؟؟
اطلق ضحكة طويلة و كأنه كان يتوقع سؤالها
ليتحدث بزهو :" لا ذكية...فاجئتيني بصراحة...
ممممم المقابل هو... إنك تكوني معايا ".
تجمدت يارا مكانها و قد بدأت دقات قلبها
في التسارع و هي تدعو بداخلها ان لا يكون ما فهمته صحيح فذلك يعني نهايتها فعليا ... :"مش فاهمة".
تمتمت بخفوت و هي تواصل دعائها بداخلها
مركزة بكامل حواسها على صوته الكريه الذي
اجابها :" بما إنك بقيتي عاملة نفسك غبية
و مش فاهمة انا قصدي إيه فأنا حسايرك و أبسطلك أكثر ...انا قصدي حنسافر انا و إنت لأي حتة تختاريها... نقضي وقت حلو مع بعض مش عارف أسبوع عشرة ايام...لغاية ما أزهق منك حنرجع و ححررك مني نهائي.... ها إيه رأيك".
شهقة مسموعة أفلتت منها و هي تقبض بيدها
المرتعشة على الهاتف بينما إمتدت يدها الأخرى
تجذب خصلات شعرها بجنون قبل أن تصرخ
ببكاء:" لا.... حرام عليك..متعملش فيا كده.. إنت
عارفني... إني مش كده ".
صالح بسخرية :" اه فعلا بأمارة الكباريه اللي كنتي
عايشة فيه...على العموم داه اللي عندي و حديكي
لغاية بكرة الساعة تسعة الصبح عشان تفكري... تسعة
و خمس دقائق حعتبر إنك رفضتي العرض و إنت عارفة وقتها إيه اللي حيحصل....
يارا بانهيار :"حقتل نفسي قبل ما خليك تذلني بحاجة
زي دي....
صالح ببرود :" إبقي فكري في عيلتك حيجرالهم
إيه بعد الفضيحة...و إلا إنت فاكرة إنك لما تقتلي
نفسك حتفلتي من إيدي تؤتؤتؤ...أظن بقيتي تعرفيني كويس....
يارا :"إنت شيطان... شيطان مستحيل تكون بني
ادم... بكرهك بكرهك.... .
صالح و قد تعالت قهقاته المستمتعة :" متنسيش
بكرة الساعة تسعة... يا عروسة ".
رمت يارا الهاتف من يدها ثم إتجهت نحو احد الإدراج لتخرج علبة المهدئ التي بدأت تتناوله منذ
يومين..تناولت حبة ثم أعادت العلبة لمكانها و اخذت
كوب الماء لتترشفه على دفعات.....
بعد بعض الوقت شعرت بهدوء أنفاسها الثائرة لتتمدد
على سريرها متمتمة بشرود :" مش حخليك تذلني أكثر من كده يا إبن عزالدين.... مش حخليك تذلني......
لم تشعر بعدها بما يدور حولها لتغمض عيناها و تسقط في نوم عميق لا يخلو من كوابيسها المعتادة.....
في قصر عزالدين..
بعد أن تناولوا طعام العشاء إنتقل الجميع للصالون
بأمر من الجد...
همس آدم في أذن والدته قائلا بانزعاج :"هو في إيه إجتماعاتهم كثرت النهاردة..
إلهام :" ششش دلوقتي حنعرف... اكيد في مصيبة
جديدة...اهو جدك جا ".
وجه الجميع أبصارهم نحو الجد و بمن فيهم سيلين
التي كانت تجلس بجوار سيف و إنجي.... تحدث
صالح بعد صمت طويل :" انا فكرت كثير قبل ما
أقرر القرار داه...عشان لقيت فيه مصلحة للكل
خصوصا إن أغلبنا معترضين على وجود البنت دي
و أمها... أشار بعيناه نحو سيلين التي أخفضت
عيناها بتوتر و خوف.....
:" الحل الوحيد و هو إن سيف يتجوزها....
أكمل الحج حديثه متجاهلا الشهقات المستنكرة
التي صدرت منهم :" يا إما تتجوزها... يا إما ترجعها
مطرح ماجات...تصبحوا على خير....
هكذا هو هذا الرجل يقرر قراره لوحده دون إستشارة
اي أحد ثم يخبرهم به و يختفي دون أن يسمح لاي
منهم مناقشته او إعتراضه...
هب سيف من مكانه صارخا بغضب و تمرد على
جده الذي أغلق باب غرفته في وجهه ضرب الباب عدة مرات و هو يصيح بجنون :"مش من حقك
تتحكم في حياتنا زي ما إنت عاوز إحنا مش عبيد
عندك... إفتح الباب و رد عليا....
اسرع نحوه صالح و فريد و هشام ليجروه بصعوبة
من أمام غرفة جدهم التي تقع في الدور الأرضي ليتحدث
فريد محاولا تهدئته :" يا سيف كفاية ما إنت عارف
جدك لما بياخذ قرار يبقى خلاص..
سيف و هو يدفعه ليتركه :" يقرر حياتكم إنتوا
مش انا.... مش انا ....
تحرك للخارج و هو يصرخ بجنون ليلحقه هشام
بينما إكتفى البقية بمراقبته من بعيد
:"سيف... يا سيف إستنى...ميصحش إلى إنت
بتعمله داه جدك حيزعل منك و إنت عارف زعله
كويس".
ناداه هشام بصوت لاهث بسبب جريه وراءه محاولا إيقافه عن مغادرة القصر بعد نقاشه الحاد
مع جده.. توقف سيف عن السير عندما وصل
إلى سيارته الكاديلاك السوداء ليضرب بابها
بقبضته عدة مرات دون أن يفتحه...
امسكه هشام من ذراعه ليمنعه من أذية
نفسه فهو يعلم جيدا كيف يتحول سيف
عند غضبه إلى شخص آخر متوحش
لا يعي اي شيئ من حوله....دفعه سيف
ليحرر ذراعه قبل أن يهتف بصراخ:"إنت
مش سامع جدك بيقول إيه.. بقى انا
سيف عز الدين أتجبر اتجوز واحدة
مخترتهاش عشان إيه ؟؟ لو على
الورث مش عاوزه خليهوله يشبع بيه
أنا عندي قده مية مرة...يكون في علمكم
كلكم انا مش حسمح لأي حد في الدنيا
إنه يجبرني أعمل حاجة انا مش عايزها
لسه متخلقش اللي يخلي سيف عز الدين
يركع....
صرخ في آخر كلامه و هو يخفي إبتسامته الخبيثة التي ظهرت لثوان قليلة على شفتيه قبل أن ينقل بصره نحو شرفة غرفة الجد حيث يقف جده بملامحه الصارم يتابع من بعيد ثورة حفيده الأكبر...
