رواية هوس من اول نظرة الجزء الثاني2 الفصل التاسع9بقلم ياسمين عزيز
بعد أسبوع كامل....
في صالون القصر كانت إلهام كعادتها تجلس
بكامل أناقتها و جمالها ترتشف قهوتها الصباحية
و هي ترمق سناء الشاردة بجانبها بنظرات
حاقدة.... إبتسمت و هي تضع الكوب
على الطاولة أمامها و هي تسألها مبددة الصمت
الذي حل منذ ساعات :
-مالك يا سناء... بقالي نص ساعة بكلمك
و إنت سرحانة إيه اللي شاغل دماغك
بالطريقة دي...
تنهدت سناء بصوت مسموع و هي تجيبها
بشكوى :
- صالح تاعبني أوي يا إلهام.... من ساعة ما رجع من أمريكا و هو في عالم ثاني خالص منعرفش عنه
اي حاجة....بقى بيغيب بالاسابيع عن القصر ويرجع زي ماهو عاوز...و جوازه المفاجئ مبقاش خايف من
حد و لا عامل حساب حد حتى جده أنا لسه
مخاصماه من يوم ما ضرب مراته المسكينة ".
قلبت إلهام عينيها بملل و هي تكتم بداخلها
مشاعر الكره و الحقد التي تكنها لها قبل
أن تجيبها :
-طب ما تكلمي أمين و إلا هو كمان مش فاضي".
سناء : لا أنا حكيتله بس هو قلي إنه مش
في إيده حاجة يعملها...".
ردت عليها إلهام محاولة زرع الشك بداخلها
من جديد :
- معاه حق يمكن في حاجات جديدة بقت
أهم من أولاده ".
سناء قد فهمت مقصدها لتجيبها بقلة صبر:
-لا إطمني مفيش حاجة ملي في دماغك و أنا
واثقة في جوزي كويس و شفت تلفونه كذا
مرة و ملقتش حاجة غريبة...
إلهام و هي تمط شفتيها بحنق :
-طب متزعليش أنا بس كنت بنبهك اصل الرجالة
اليومين بقاش ليها أمان.... على العموم أنا
بنصحك متتدخليش يعني هو راجل و مراته
و هيعرفوا يتصرفوا مع بعض ".
سناء بهدوء :
- ربنا يهديه.. أنا مش عارفة هو بيعاملها
وحش كده ليه؟ مع إنها هادية جدا و مش
بتخالف كلامه ابدا".
إلهام بحسد :
- ياما تحت السواهي دواهي و بعدين
هي تحمد ربنا صبح و ليل عشان بقت
مرات صالح عزالدين....
سناء : أستغفر الله يارب...يعني تحمد ربنا
على الضرب و الإهانة و حبسة البيت حرام
عليكي يا إلهام إذا كان أنا إبني و مش عاجباني
تصرفاته".
إلهام بملل : سيبينا بقى منهم و قوليلي
إنت سألتي جوزك على آدم.... أنا بقالي
أكثر من أسبوع معرفش عنه حاجة و خايفة
يكون إبن سميرة عمله حاجة وحشة...".
سناء و هي تقف من مكانها : لا مقليش
و بعدين متخافيش آدم مش صغير تلاقيه
مسافر زي عوايده... عن إذنك رايحة اشوف
لوجين".
ظلت إلهام تراقبها و هي تسير في إتجاه الدرج المؤدي إلى الطوابق العلوية...تجهمت ملامحها
التي إكتساها الغضب و هي تتمتم بداخلها :
-كبر راسك يا سناء و بقيتي بتردي
عليا الكلمة بالكلمة بعد ما كنتي زي الكلبة...
بتجري ورايا من حتة لحتة عشان أرضى
عليكي... بس ملحوقة أنا هعرف إزاي أجيب
مناخيرك الأرض و أعرفك قيمتك من ثاني ".
في الأعلى...
كانت يارا تقف تحت المياه الفاترة في الحمام
تفكر في أيامها التي أصبحت متشابهة... مملة
روتينية خاصة الاسبوع الماضي حيث عاملها
صالح وكأنها غير موجودة معه في الجناح
لا يكلمها إلا عند الضرورة و يكتفي بسؤالها
عن صحتها و عن صحة الجنين فقط
حتى أنه لم يتحدث في أمر ضربه لها
و كأن الأمر لم يحدث على الإطلاق ....
أوقفت إنهمار المياه عليها ثم اخذت إحدى
المناشف لتلفها جيدا على جسدها و منشفة
أخرى على شعرها ثم خرجت نحو الغرفة
لتجلس أمام منضدة الزينة تمشط شعرها
الطويل...
توقفت عما تفعله و هي تلاحظ الهالات أسفل
عينيها من شدة إرهاقها و قلة نومها
طوال الأيام الفارطة... تأففت و هي تفتح
علبة المرطب لتضع بعضا منها على وجهها
و رقبتها و ذراعيها قبل أن تنتفض فجأة
و تلتفت وراءها بعد أن سمعت صوت باب
الغرفة يفتح...
توترت و جف ريقها و هي تراه يدلف بجسده
الضخم و طوله الفارع الذي بث بداخلها
الرعب...إرتعشت يداها ممثلة الانشغال
بوضع بعض مستحضرات التجميل على
وجهها بينما كانت دقات قلبها تتسارع على
وقع خطواته التي تقترب منها بهدوء مميت
ليسحب المشط من على التسريحة يبدأ
في تسريح شعرها و عمل ضفيرة متناسقة
إنتهى ليوقفها من مكانها محاوطا ذراعيها
العاريتين بكفيه مخترقا بنظراته القوية
أعماق روحها....
تململت يارا تريد الإبتعاد عنه و هي تشعر
برغبة عارمة في التقيئ بسبب رائحة
عطره القوية التي تغلغلت داخل رئتيها
لكنها تحاملت على نفسها حتى لا تظهر
إشمئزازها المعتاد منه رغم أنها بداخلها
كانت متأكدة أنه شعر بنفورها لكنه كالعادة
يستطيع السيطرة على ملامح وجهه المبتسمة
رغم غضبه منها و ذلك ليجاريها....
نطقت بصوت مرتعش رغما عنها :
-عاوزة أدخل أغير هدومي ".
لم يعلق بل تركها تذهب و هو يشيعها
بابتسامته الغامضة التي زينت شفتيه
قبل أن يتجه نحو الشرفة.....
إرتدت قميصا شتويا بلون الكراميل الفاتح
و تنورة طويلة بنفس القماش بعدة ألوان
مختلفة لكنها غير متنافرة....
خرجت لتجد صالح ينتظرها أمام باب غرفة
الملابس و حالما وقعت عيناها عليه لاحظت
أنه كان يتفرس ملابسها بدقة قبل أن يحرك
رأسه بعلامة رضا....سار عدة خطوات قبل
أن يجلس على حافة السرير ثم أخرج يده من
جيب بنطاله ليشير لها بأن تقترب.....
مشت يارا باتجاهه. بخطوات مترددة قبل
أن تتوقف على بعد خطوتين منه مما جعله
يرمقها بنظرة تدل على إستغرابه الذي قاطعته
قائلة :
- عاوز إيه؟؟؟
رأته و هو يضرب بخفة على حافة السرير
بجانبه قبل أن يجيبها بصوت هادئ :
- أقعدي....
لم تشأ إثارة مشكلة فهي تعلم أنه عنيد و لن
يستسلم حتى تفعل ما يريده لذلك أرادت
إختصار الأمر لتجلس لكن ليس في نفس
المكان الذي أراده هو بل أبعد بقليل...
لاحظت تضايقه لكنه ما فتئ أن تجاوز الأمر
و هو يشير لها بعينيه قاصدا الحزام الأسود
الذي كان يحد التنورة من الأعلى معلقا :
-مش مضايقك صح...
حركت رأسها بنفي لكنها تفاجأت به يقترب
منها ملغيا المسافة بينهما ليتلمس الحزام
متفحصا إياه و هو يردف بعدم إعجاب :
-بس أنا ملاحظ إنه كابس على بطنك شوية
أنا بقول تغيريه أحسن عشان إحتمال ميخليش
البيبي يتنفس ".
تجزم أروى أنها لو كانت في وضع مغاير
لإنفجرت ضاحكة عليه...تمالكت نفسها بصعوبة
ثم أجابته مفسرة :
- لا أنا مرتاحة فيه و بعدين البيبي لسه حجمه
صغير جدا يعني مش هيضايقه و لا حاجة...
لَو خلصت كلامك أنا عاوزة أنزل تحت".
تحدث بينما لإنزال اصابعه تعبث بالحزام :
-لا... خليكي في موضوع مهم عاوز أتكلم
فيه معاكي".
شعرت يارا بانقباض في قلبها بينما إرتعش
جسدها بشكل لا إرادي بعد سماعها لما قاله
لا ترتاح أبدا و عن تجربة كلما أخبرها بأنه يريد
أن يتحدث معها لأن كل مواضيعه هي عبارة عن مصائب متتالية...رفعت رأسها لتنظر له بتفحص
و عيناها تسألانه بعدم صبر لكنه طمئنها قائلا
و هو يأخذ يديها المرتعشتين بين كفيه :
-متخافيش...مفيش حاجة تستاهل ردة فعلك
الأوفر دي...إهدي عشان نعرف نتكلم إنت
ليه دايما محسساني إني وحش و ممكن في أي دقيقة آكلك.....
ضحك بعد أن إنتهى من كلامه لتظل يارا تنظر
له قبل أن تنطق معترفة :
-ما إنت فعلا كده...
توقف عن الضحك ثم جذب يديها نحوه
ليقبلهما طويلا و هو يغمغم بصوت متساءل :
- غيرتي البرفيوم بتاعك صح؟
تأفف و هو يقرب جذعه العلوي منها لييتنشق
رائحتها مضيفا بانزعاج واضح :
- مش قلتلك متغيرهوش...
أسرعت لتوضح له بينما كانت تجاهد لتحرير
يديها التي اطبق عليهما رافضا تركها :
- داه الجل دوش...أنا لسه محطيتش
برفيوم....
لاحظت إرتياح ملامحه لتضغط على أسنانها
بغيض من تفكيره الذي يشبه تفكير الأطفال
أحيانا...هل وصل به مرضه أن يهتم بهذه
الأمور التافهة كتغييرها لعطرها بينما يهمل
الجوانب المهمة في حياتهما...كالعادة تعلن
إستسلامها للمرة الالف أمام عقله الغريب....
أخرجها من تخيلاتها صوته و هو يحدثها.
و من حسن حظها أنها إنتهت له منذ
اول كلمة :
- بصي أنا عاوز أعرض عليكي إتفاق او صفقة
سميها زي ما تحبي...المهم عاوزك تفكري بسرعة
و تجاوبيني عشان الوقت مهم جدا في الحكاية
دي ".
يارا بتعجب : صفقة إيه؟؟
صالح بمكر : إنت مش كنتي عاوزة تروحي
تباتي عند مامتك يومين ثلاثة عشان ترتاحي
مني...
يارا بتعجب : أكيد مش هتقلي إنك موافق".
صالح بابتسامة غامضة :
- أديكي قلتيها بنفسك... موافق عشان تعرفي
بس إني مش وحش زي ما أتهمتيني من شوية
يا بيبي".
رفعت يارا حاجببها بعدم تصديق و هي تردد
كلامه : بجد موافق... يعني هتسيبني اروح
عند ماما و ريان يومين ".
صالح بابتسامة خلابة لا تخلو من الخبث :
-تؤ.. ثلاثة أيام و ثلاث ليالي إيه رأيك في
العرض داه ".
لم تصدقه يارا رغم أنها إبتسمت كالبلهاء
و هي تتخيل نفسها في غرفتها القديمة
في فيلا والدها...لكن لم تمر سوى لحظات
لتتلاشي تلك الإبتسامة و يحل محلها الضيق
فهي تعلمه جيدا من المستحيل أن يوافق
فجأة على طلب لها حتى و لو كان بسيط
دون مقابل....
لتنطق بما جعله بتفجر ضاحكا :
-و إيه المقابل ".
توقف عن الضحك بعد أن تغلبت عليه
رغبته في تقبيل رأسها و هو يقول من بين
ضحكاته :
-أكثر حاجة بعشقها فيكي هي دماغك
دي...بحس إن مفيش ست في الدنيا
هتقدر تفهمني قدك".
اضاف بينما إكتست ملامحه بعض الجدية :
- صح في مقابل طبعا.. بس بسيط جدا
لو وافقتي عليه هنفذلك طلبك و لو موافقتيش
يبقى نستنى الاتفاق اللي بعده....المهم
من غير ما طول عليكي أنا عاوز نقضي
يوم حلو مع بعض كأي زوجين طبيعين
تجوزوا عن حب...يوم واحد تعيشي
فيه معايا فيه زي ما أنا عاوز بس بإرادتك...".
رمشت يارا بأهدابها عدة مرات و هي
لاتزال تحاول فهم ما يقوله لها لكنها عجزت
عن ذلك او بالأصح لم تستطع تصديق
ما يقوله لتسأله من جديد :
-ممكن تشرحلي أكثر أصلي مش فاهمة ".
أخذ نفسا طويلا قبل أن يزفره دفعة واحدة
قائلا :
- بصي يا ستي...أنا حابب إنك تسيبيلي
نفسك يوم واحد نعيشه على مزاجي و انا
اوعدك إنك لو وافقتي مش هتندمي"
لا تنكر يارا أنها شعرت ببعض القلق من
طلبه لكنها وجدته فرصة مناسبة حتى
ترتاح منه لأيام لتهتف بدون تفكير :
- و انا موافقة المهم إنك مترجعش
في الاتفاق و تسيبني أروح عند ماما
ثلاث أيام".
إبتسم صالح على غير عادته ليسألها :
- شايفك وافقتي على طول و من غير
تفكير".
يارا : و هفكر في إيه؟ أكيد اليوم اللي
إنت بتتكلم عنه مش هيكون أسوأ من أيامي
العادية ".
صالح بإيجاب : صح معاكي حق... يلا
خلينا نطلع دلوقتي عشان يومنا بدأ و هينتهي
بكرة نفس الوقت داه... إستنيني شوية
عشان أجيبلك coat اصل الجو برا برد ".
سارت نحو التسريحة لتضع بعضا من
عطرها و تتفقد مظهرها مرة أخرى
بما أنه قرر أن يصطحبها خارجا...
لم تهتم يارا كثير بتغيره المفاجئ رغم أنها
إستغربت لكنها تذكرت إتفاقها معه عندما
وعدها بأنه سيحررها بعد أن تنجب له
طفله...
شعرت به يضع المعطف حول كتفيها ثم
رتب لها خصلات شعرها بعناية لترفع
وجهها و ترى إنعكاسه على المرآة أمامها
ملامحه كانت هادئة بينما تزين ثغره
إبتسامة ساحرة جعلتها تقع في عشقها
دون رغبة منها....
بعد دقائق قليلة كانا في سيارته
متجهين نحو إحدى المطاعم الفاخرة
حتى يتناولا طعام الإفطار...لم تنكر
يارا أنها سعدت كثيرا لهذه الفكرة فهو
لم ينفك عن معاملتها و كأنها أميرة
مدللة حتى أنه طلب منها أن تهاتف
والدتها حتى تنظم لها إن أرادت لكنها
رفضت لأنها تعرف أن والدتها لا تستيقظ
قبل العاشرة صباحا.....
وصلا أمام المطعم ليفتح لها الباب
و يساعدها على النزول قائلا بينما
البسمة لم تكن تفارق وجهه :
- لو معحبكيش المكان ممكن نروح لغيره....
نفت برأسها دون أن تتكلم مما جعله
يعبس بخفة و يقول :
- حبيبي أنا عاوز أسمع صوتك الحلو...
بلاش لغة الإشارة إتفقنا ".
لم تشأ مجادلته لتردف بصوت منخفض
مؤيدة طلبه : حاضر....
سارا للداخل لتتفاجئ يارا بمدى جمال المكان
و ديكوره ذو الألوان الزرقاء الفاتحة و البيضاء
و الذي أشعرها ببعض الحيوية و الدفئ فهذه
الألوان ذكرتها قليلا بفصل الصيف......
لاحظ صالح إعجابها بالمكان فهي قد وقفت
في مكانها لتتأمله :
-عجبك المكان صح؟؟
أجابته بدون تفكير : جدا... حلو أوي ".
سألها مرة أخرى : طب عاوزة نقعد فين و إلا
نطلع فوق أحسن".
وجهت يارا بصرها للأعلى حيث كان
المطعم يتكون في طابقين يربط بينهما
سلم زجاجي أعجبتها الفكرة لتهتف بحماس :
-يلا بينا ...
حاوط صالح كتفيها و هو يتناول منها حقيبة
يدها ثم بدأ يسير بها على مهل نحو السلم
ليعترضه النادل مرحبا به ثم قاده نحو إحدى
الطاولات الجانبية اللاصقة لجدار المبنى
الزجاجي....
ساعد يارا على الجلوس ثم شغل مكانه
- ها عاوزة تفطري إيه ؟؟
تذكرت يارا الإمتيازات التي منحت لها
هذا اليوم حيث أخبرها أنه يمكنها طلب
أي شيئ لتستغل فورا ذلك قائلة
- ممكن بس hot chocolate عشان
أنا مش عاوزة أفطر هنا في مكان ثاني
حابة أروحله".
لم يعقب صالح على كلامها ثم إلتفت نحو
النادل ليحدثه باهتمام :
- هوت تشوكلت و قهوة سادة بسرعة".
إنتهى النادل من تدوين طلبه ثم إستأذن...
حرك صالح قائمة "المنيو" من أمامه
ليضعها جانبا ثم امسك بدي يارا قائلا بنبرة
بدت لها صادقة :
- قوليلي نفسك في إيه؟ أنا قريت في النت إن الستات الحوامل بيبقوا عاوزين ياكلوا أو
يعملوا حاجات غريبة..
تذكرت يارا عندما توحمت على السجائر لتردف
بضيق قاصدة إستفزازه فهذه فرصتها حتى
ترد له و لو جزء قليلا من إهانته لها متجاوزة
بذلك إتفاقه معها : قصدك الوحم...اه فعلا
في روايح معينة بتضايقني زي ريحتك
مثلا بقيت كل ما تقرب مني ببقى عاوزة
أرجع...
توقعت أنه سينتفض من مكانه غاضبا و يحطم
الطاولة فوق رأسها لكنه بدل ذلك إبتسم
بكل لطف قبل أن يقول :
- هبقى أغير البرفيوم بتاعي رغم إني
بقالي ست سنين مغيرتوش عشان
إنت اللي إخترتيهولي بنفسك فاكرة....
أيام ماكنا في الكلية ".
تمتمت يارا بداخلها : كانت أيام سودا".
ضحك و هو يراقب ملامح وجهها الغاضبة
ليعلم بأنها تشتمه بداخلها لكنه لم يهتم مقررا أنه لن
يدعها تفسد يومه مهما حاولت...
قاطع حربهما قدوم النادل الذي وضع الاكواب
أمامها ثم إستأذن من جديد ليأتي بعده مدير
المطعم و معه أحد المحامين الذي أخرج
بعض الأوراق من حقيبته ليضعها أمام يارا
قائلا بكل إحترام :
-ممكن تمضي هنا لو سمحتي ".
نظرت يارا بذهول نحو صالح الذي كان يترشف
قهوته ببرود و عندما تلاقت أعينهما أشار
لها بأن تفعل ما طلبه منها المحامي لكنها
رفضت....
-أنا مش همضي على حاجة من غير ما أفهم".
تملكها رعب شديد من أن تكون هذه المسرحية
إحدى ألاعيب صالح و الذي فهم على الفور ما
تفكر به ليطمئنها قائلا :
- انا لما جبتك هنا كنت عارف إن المكان هيعجبك
جدا عشان كده حبيت أهديهولك".
فتحت عينيها ببلاهة و هي تنظر نحو الأوراق
لتقرأ فقط العناوين لكنها رغم ذلك لم تصدق
لتتمتم :
- إنت بتتكلم جد....
صالح بارتياح لأن الهدية قد أعجبتها :
- أيوا بعد ما توقعي على الورق اللي
في إيدك المطعم داه هيبقى ملكك و تقدري
كمان تديريه بنفسك".
رفعت يارا عينيها نحو المحامي ثم مدير
المطعم و أخيرا صالح و هي تشعر بأنها
سوف يغمى عليها من فرط دهشتها...
لم تتردد و هي ترفع يدها نحو جبينه
لتتحسس حرارته ظنا منها أنه مريض
قائلة :
- صالح... إنت بتتكلم جد يعني إنت
هتخليني أطلع من القصر و آجي هنا
كل يوم...إنت مش بتهزر صح.... ااه
فهمت إنت عملت كده عشان إتفاقنا
بس لما يخلص النهار إنت هترجع في
كلامك....ماشي أنا همضي ".
وقعت على الأوراق بسرعة حيث أشار
لها المحامي و عندما إنتهت اخذ الأوراق
ووضعها في حقيبته من جديد بعد أن أمره
صالح بإنهاء بقية الإجراءات...
ثم وجه حديثه مرة أخرى نحو يارا التي
تملكها شعور الخيبة بعد أن أفاقت سريعا من
حلمها :
- على فكرة العرض داه ساري على طول يعني
زي ما قلتلك من بكرة هتيجي تستلمي
المطعم بتاعك و إنت حرة بقى عاوزة تبيعيه
انا هساعدك تلاقي الشاري و لو عاوزة
تشغليه هخلي إدوارد المدير الحالي يساعدك
بس على شرط إنت هتشتغلي بس أربع
ساعات في اليوم مش مسموحلك بدقيقة
زيادة ".
شعرت يارا بقلبها بتضخم من شدة السعادة
التي لم تزرها منذ أشهر طويلة حتى انها
كادت تنساها لتقفز من مكانها و تعانق صالح
من الخلف غير مهتمة بأعين الزبائن الفضولية
التي كانوا يرمقونها بتعجب....
صالح أيضا لم يهتم فجل تركيزه كان
مع يارا التي همست في اذنه بتوسل :
-عشان خاطري متكسرش فرحتي المرة
دي... مترفعنيش لأعلى سماء و بعدين
تنزلني لآخر ارض صدقني مش هستحمل
جرح ثاني منك كفاية اللي حصل....
فك صالح ذراعيها من حوله ثم وقف من
مكانه ليجذبها نحو أحضانه مخفيا
وجهها في صدره و هو ياخذ معطفها
و حقيبة يدها حتى يغادرا قبل أن
تتعالى شهقات يارا..... ليغادرا المطعم
نحو السيارة.
في الجزيرة ليلا .....
كانت سيلين قد إنتهت من إعداد بعض
السندوتشات و العصير الطازج لسيف
الذي كان لا يزال يعمل على حاسوبه
بسبب قضاءه لكامل ساعات النهار برفقتها
ليضطر للبقاء لهذه الوقت المتأخر من
الليل... ...
وضعت الأطباق على الصينية و هي تدندن بسعادة
ألحان أغنية كرتون ألمانية قبل أن تتوقف
فجأة و هي تذكر نفسها أنها كبرت و أصبحت زوجة مسؤولة و تخطط لأن تكون أما أيضا ....صعدت الدرج بخطئ متمهلة في إتجاه الطابق العلوي
و لم تشعر بنفسها إلا و هي تلقي الصينية
أرضا من شدة فزعها لتصرخ بأعلى صوتها
برعب بعد أن سمعت صوت زئير أحد الأسود
القريبة و التي ظنت أنه قد دخل الفيلا...
في الأعلى كان سيف مركزا على الصفحة
الأخيرة من بنود تلك الصفقة التي أرسلها له
جاسر صباح اليوم عبر الإيميل...
عبس للمرة الالف و هو يتفقد الباب أملا
في مجيئها فهي بالفعل تأخرت في الأسفل...
ندم على تركها لكنه إضطر لذلك بعد أن
ظلت تلح عليه أن تنزل فقط خمس دقايق حتى تحضر له كوبا من العصير....قفز من مكانه
فجأة بعد سماعه لصوت صراخها ليرمي
الحاسوب من فوق ساقيه ثم اسرع حافيا
باتجاه الباب و هو ينادي بإسمها....
توقف فجأة ليسترجع أنفاسه التي سلبت منه
و هو يراها تقف على الدرج و تستدير نحو
باب الفيلا و كأنها تبحث عن شيئ و الذي
علم ماهو حالما سمع أصواتهم من جديد....
ناداها لتندفع نحوه محتضنة إياه بقوة وكم
راقه ذلك ليبتسم بخفة على مظهرها الخائف
و هي بين ذراعيه...
كانت ترتجف و تبكي و هي تحاول نطق
بعض الكلمات لكنها عجزت لتحدثه بالألمانية :
- ذلك الوحش... إنه هنا...في الفيلا ".
ربت على شعرها و هو يهمس لها مهدئا إياها:
-طب إهدي... خلاص أنا جمبك...إنت مش وعدتيني
إنك عمرك ما هتخافي و أنا معاكي".
هزت رأسها بإيجاب و هي تحاول أن تتحدث
لكن لم يكن هناك سوى شهقات خافتة
تصدر منها....
ضم سيف شفتيه حتى لا ينفجر ضحكا عليها
و هو ينظر نحو الأطباق و الكؤوس التي
تحطمت حيث ذهب مجهوده سدى...
سار بها نحو الأعلى حتى إذا وصلوا للغرفة
هدأت سيلين قليلا لتهتف من بين بكاءها :
-الاكل راح....أنا عملتلك عصير و ساندويتش
عشان إنت مش تعشيت كويس....
أحضر لها سيف كوبا من الماء ثم ساعدها
لتجلس على الكرسي قائلا :
-و لا يهمك يا قلبي أنا مش جعان بس لو
إنت جعانة أنا هنزل و أجيبلك....
قاطعته سيلين و هي تضع الكأس على الأرض
و تقف لتتشبث به :
- لا مستحيل.. أخليك تنزل و تسيبني لوحدي
في المكان داه سيف عشان خاطري يلا
خلينا نرجع مصر أنا هتجيلي ضربة قلبية
من الخوف من الأسدات اللي هنا ".
إحتضنها سيف و هو يلف يده حولها حتى
تصل إلى وجهه ليكتم بها ضحكاته لكن
إهتزاز جسده فضحه لتهتف سيلين بانزعاج
-إنت بتضحك عليا صح".
دفعته عنها برفق لتتفرس وجهه المحمر
مقطبة حاجبيها بطفولية قبل أن ترفع
يدها لتضربه عدة مرات و هي تصيح بغيظ:
-بقى أنا بقلك هموت و إنت بتضحك عليا...
طب إفرض إن أنا كنت حامل و إتخضيت هيحصل إيه للبيبي بتاعي... إنت عاوزه يموت".
قلبت عينيها بانزعاج و هي تحرك قدميها
باتجاه الفراش حتى تخلد للنوم لكن ذراعي
سيف التي حملتها في الهواء قطعت طريقها
دار بها عدة مرات حول نفسه ثم إرتمى على
السرير وراءه و هي فوقه يلهثان بقوة....
تحدثت سيلين أولا بعد أن إستعادت أنفاسها :
-سيف بجد عشان خاطري خلينا نرجع مصر
و إنت رجع الأسدات للغابة بتاعتهم و لما
تبقا الفيلا فاضية نرجع....
إستقام سيف في جلسته ثم أجلسها على
قدميه و قد كست ملامحه
بعض الجدية :
-حاضر...اللي تقول عليه أميرتي يتنفذ فورا
أنا أصلا كنت هقولك إني خلصت شغلي هنا و
بكرة المساء إن شاء الله هنرجع مصر...".
تهللت أساريرها لتهديه أجمل إبتسامة حتى
أنه لم يستطع مقاومة جمالها ليختطف قبلة
سريعة من شفتيها ثم همس بحنو :
- عارفة...مش هقولك إني بحبك و بعشقك
و مجنون بيكي تؤ... حاسس إني تجاوزت
المراحل دي من زمان من أول مرة شفتك
فيها في مكتبي....
ضحكت سيلين بدلال و هي تتعلق برقبته
قائلة :
-مممم أمال هتقلي إيه؟؟
قبلها مرة أخرى مضيفا :
- هقلك... إنك إنت... بقيتي عمري و حياتي
و قلبي و روحي و مش هقدر أعيش من غيرك
يوم واحد....
سيلين و هي ترفع رأسها بغرور : عارفة "
سيف : طب عارفة إنك لو غيرتي رأيك
و رجعتي سيلين القديمة أنا هرجعك على هنا
و هملالك الفيلا أسود و تماسيح...
شهقت سيلين و توسعت عيناها بينما تجيبه :
- أسود....يعني هما إسمهم أسود مش أسدات
اوووف دلوقتي بس عرفت إنت كنت بتضحك
ليه...سيفو هو يعني إيه تماسيح...
سيف : يعني إنت سبتي كلامي في الأول
و ركزتي على التماسيح....
سيلين و قد لمعت عيناها بعشق :
- انا هسيب الايام هي اللي تثبتلك إني
بقول الحقيقة و مش بخدعك ".
