
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثامن والعشرون28 بقلم نور زيزو
بعنـــوان " نـــــــــــــــداء "
سؤال دائما يطرحه عقلي على قلبي ، لماذا قلبي عشقك أنت من بين الجميع؟ أو بصيغة أخرى لما أختارك قلبي على الجميع حتى على نفسي؟، لا أملك جواب فى كل مرة لذا وحده الملام هذا القلب الأحمق سبب كل شيء، متى سيتوقف قلبي عن النبض واللفظ باسمك حتى تتلاشي كل أوجاعه وتنتهى حيرته؟
إلى متى سأظل حائرًا بين القلب والعقل هذا ؟
الحياة لا تعطي كل شيء أو ما يريده القلب بلا مقابل، لما دائمًا القلب لا يبتلي إلا فيما أحب ؟
فى الصباح الباكر استيقظ "الجارحي" على صوت ضجيج يضرب أذنيه حتى قاطع نومها العميق ، فتح عينيه بتذمر على هذه الضجة التى أيقظته قبل موعده وخرج من الغرفة يتثاءب بتكاسل شديد يسير وراء مصدر الصوت وكانت زوجته "قُدس" تتحدث مع "ياسمين" التى صوتها يصنع ضجة خافتة فى المكان تقول:-
_ أنا مش عارفة أقول حاجة لفتحي، إذا كان أنا أمها مش مستوعبة أنها عملت كدة وراحت أتجوزت من ورانا المجرم دا فتخيلي كدة أبوها اللى هو راجل ممكن يعمل أى ولا يتقبل الكلام دا أزاى؟
_ أنا كمان مش عارفة أزاى ليان عملت كدة؟ وأزاى أصلا قبلت أنها تتجوز مجرم زى دا وليه؟ عشان الحُب؟ هو ممكن الحُب يخرس العقل بالطريقة دى ما هو متقنعنيش أن عقلها الكبير والمتعلم قبل أنها تتجوز من شخص زى دا عادى
تفوهت بها "قُدس" بضيق شديد من تصرف أختها وكيف لها أن تعبر عن هذا الشيء لأبيها "هادي" الذي لم يعرف حتى الآن بسبب حجم الكوارث التى تنهل عليهم من موت "عماد" ودخول "قُدس" للمستشفى والآن حادثة "ليل"، لكن السهم الذي لفظت به كان وقد أخترق أذني "الجارحي" حين قال بصدمة ألجمته مما سمع الآن:-
_ أتجوزته؟!!
ألتفت الأثنتين على صوته والصدمة أحتلت عينيهما، تجمد الدم فى عروق "قُدس" وهى تعرف زوجها لم يمر هذا الامر مرور الكرم ، بل سيقلب العائلة راسًا على عقب، أقترب "الجارحي" منهما بخطوة قوية وما سمعه الآن أيقظه تمامًا وجعلت اليقظة عينيه مُتسعة على وسعهما، جلس على المقعد المقابل لـ "ياسمين" وبجوار زوجته وقال بحدة أكثر ونظرة ثاقبة مُرعبة تتطاير من عينيه :-
_ أتجوزت البلطجي دا، ومن ورانا؟ صح اللى سمعته صح؟
أبتلعت "قُدس" لعابها بتوتر وشعرت بجفاف فى حلقها من قشعريرة جسدها التى تملكته فتحدثت "ياسمين" ترفع عنها الحرج والخوف من زوجها:-
_ اه ، راحت تتجوزه من ورانا فى اليوم اللى مات فيه عماد
هز رأسه بنعم ثم قال بنبرة خافتة:-
_ وأنتِ عرفتي يومها؟
القى سؤاله ناظرًا إلى "قُدس" بجدية فهزت رأسها بنعم وقالت بتعجل خائفة منه:-
_ اه لكن والله أنا مسكتش يا جارحي واتخانقت معها ورفضت جدًا اللى عملته
كانت تعتقد أن بكلماتها ودافعها عن نفسها أمامه تصلح الأمر لكن أمام ذكاء "الجارحي" كان سبيل نجاتها هو نفسه إجابة أسئلته ودليل الأتهام، قال بحزم:-
_ ورفضك دا اللى خلالها تطاول عليكي وبسبب دا أغمي عليكي وروحتي المستشفى، كدة أنا فهمت ؟
نظرت "قُدس" بقلق إلى "ياسمين" وذكاء "الجارحي" يزيد الأمر تعقيدًا ولن يحل المشكلة أبدًا، فقالت بتلعثم شديد واضح:-
_ لا، مصحلش أنا وقعت لأنى دوخت شوية وأديكي عرفت سبب الدوخة أي عشان متقولش دى جت منين، أنا حامل وطبيعي يحصلي دوخة أو هبوط بسبب قلة الأكل والزعل كمان أنت ناسي أن أننا كنا فى عزاء عماد والصدمة اللى كنا كلنا فيها
مسك فك فمها بقوة يضغط عليه بأحكام محاولًا السيطرة على غضبه الآن، أرتجفت "قُدس" فزعًا من قسوة زوجها وعدم تملكه لأعصابه أمامها فقال بنبرة غليظة خشنة يُرعبها أكثر:-
_ دا على أساس أنكِ كُنتِ حزينة على عماد أوى وقطع فيكِ ، أنتِ شايفاني أهبل أوى كدة
_ يابني أهدا الكلام أخذ وعطا
قالتها "ياسمين" بعد أن وقفت وأقتربت منه ماسكة يده تحاول أن تجعله يترك زوجته البريئة ، فترك "قُدس" بغيظ ثم وقف وألتف لكى يدخل غرفته فسالته بقلق:-
_ طب أنت رايح فين؟
_ رايح لعمي يشوف بنته المحترمة عملت أى ونشوف هنغسل عارنا أزاى؟
قالها بحزم ودلف إلى المرحاض ليأخذ حمام دافئ ثم أرتدى عباءة باللون الأسود وبها خيوط من الذهب ثم خرج من الشقة تحت أنظار "قُدس" التى لم تتحمل الأمر وعقلها كاد أن يجن فأخذت هاتفها بسرعة جنونية وهى تتجول به فسألت "ياسمين" بقلق:-
_ بتعملى أي ؟
_هبعتلها رسالة عشان تتصرف قبل ما يروحوا ، أنا خايفة عليها جدًا
قالتها بدون وعى وهى لا تفكر فى شيء غير أختها وما يمكن أن يُصيبها إذا وصل إليها والدها و"الجارحي" فوضعت "ياسمين" يدها على الهاتف تمنعها من أرسال الرسالة مما أدهش "قُدس" التى رمقتها بدهشة فقالت بهدوء:-
_ ومش خايفة هى تأخد رسالتك وتوريها للبلطجي اللى هى متجوزه ويستعد هو بأذي جوزك وأبوكِ
تردد "قُدس" للحظة وشعرت بأنها عالقة بين السماء والأرض كحرف الواو بينهما بسبب أختها وأهلها ....
_________________________
دق "يزيد" باب الغرفة برفق ولم يجد جوابًا فقال بنبرة خافتة:-
_ أنا نازل وقبل ما أطلع بليل هرن عليكِ عشان لو حابة ترجعي أوضتك لكن رجاءً أول ما أنزل تخرجي تفطري أى حاجة وتتنفسي بحرية من غير خوف
غادر الشقة فى هدوء محترم خصوصيتها ومُقدرٍ لجرحها التى لم يُشفى بعد وما زال ينزف بداخلها ، أغلق الباب بقوة حتى تسمع صوته من داخل غرفتها وبالفعل ما أراده حدث، فور أغلاق الباب فتحت "ليل" باب الغرفة وخرجت منها ذابلة وحزينة ودموعها لم تجف بعد مُنكمشة فى جلدها وعينيها تتطلع بكل مكان حولها بخوف مُسيطر عليها، ما زالت لا تُصدقه وتعتقد بانه يكذب ولم يغادر لكنها لم تجد له أثرًا ووجدت الإفطار جاهز على السفرة من أجلها وكوب من الشيكولاتة الساخنة مُغطى ، أخذت سندوتش بلا مبالاة لما بداخله فأى شيء يطفى جوعها كافي فلم يعد لديها رغبة حتى لتذوق الطعام ، تناولت لقماتها الخفيفة أثناء سيرها إلى باب الشقة وأغلقت الباب من الداخل بالمفتاح وهكذا الأقفال اليدوية ثم أخذت حمام دافئ ربما يخفف من كهرباء جسدها الذي يسيطر عليها من الحادثة، ظلت بحوض الأستحمام لساعتين تقريبًا حتى أصبحت المياه الدافئة باردة كالثلج لا تشعر بشيء ولا ترغب بأى شيء من داخلها، خرجت من حوض الأستحمام بعد أن شعرت أن جلدها ذاب من الماء وأرتدت روب الأستحمام ثم خرجت إلى الأريكة الموجودة بالبهو وفتحت التلفاز وأصبعها على الزر تقلب القنوات بلا شعور أو رغبة فقد الوقت بالنسبة لها كأنه واقف لا يمر ....
__________________________
نزل "الجارحي" إلى شقة "وصيفة" ووجد "مديحة" جالسة على الأريكة بغيظ تكظمه بوضوح وعينيها على "وصيفة" التى تتناول إفطارها فى هدوء ليقول:-
_ صباح الخير
_ صباح النور يا حبيبي تعال افطر معايا
قالتها "وصيفة" بحنية ونبرة دافئة فقال بجدية:-
_ تسلمي يا صفصف ، عمي هادى فين؟
تحدثت "مديحة" ببرود تُجيب على سؤاله بضيق مُشمئزة منه بعد أن أستولى على مالها وورثها:-
_ حماك العزيز جوا فى المكتب بتاع أبوه بيدور على حاجة يشفطها زى ما شفطت أنت الورث كله وطمعت فيه لوحدك
كز على أسنانه بغيظ من جدته العجوز وقال ببرود يستفزها أكثر:-
_ أنتِ لسه عايزة فلوس يا ستي ، دا أنتِ اللى زيك المفروض متقومش من على سجادة الصلاة ، دا عيال عيالك خلفوا يا ديحة مش كدة محدش بيأخد زمنه وزمن غيره
وقفت من مكانها غاضبة من كلماته الحادة التى سببت لها الإهانة وقالت بعنف:-
_ أما أنك قليل الأدب بصحيح ومتربتش، طب عيب على شنبك اللى واكل نص وشك دا
دلف "فؤاد" من باب الشقة على صوت والدته وهى تسب "الجارحي" فقال بقلق:-
_ فى أى يا أمى مالك مين مطلع صوتك على الصبح؟
قالها وهو يمسك يدها فى يده فدفعته بغضب شديد ونفور حاد قائلة:-
_ أوعي كدة، ما أنت لو كنت ربت عيالك وعلمتهم أزاى يحترموا أمك مكنش صوتي طلع على الصبح يا شيخ الجامع
نظر "فؤاد" إلى ابنه الذي يقف بضيق ولايبالي بعصبية جدته وقال بلطف:-
_ معلش حقك عليا وأمسحيها فيا
ألتفت إلى "فؤاد" بضيق شديد وقالت مُنفعلة :-
_ بلا أمسحها بلا نشفيها، أسمع يا تجبلي ورثي من أبنك الحرامي دا يا أما تنسي أن ليك أمك وقلبى غضبان عليك ليوم الدين ، أوعي كدة كتكم القرف
دفعته بعيدًا بحزم وخرجت من الشقة تأفف حانقة من هذا الأمر، نظر "فؤاد" إلى ابنه فهمس "الجارحي" له ببرود:-
_ كبر دماغك منها يا حج ، هتطلع تطلع وتنزل على مفيش ، هى كل ما تضايق اليومين دول تطلع ضيقها فى الورث مبتتعبش
دلف إلى المكتب بعد انهاء جملته دون ترك مجال لوالده بأن يتحدث بكلمة واحدة أو ان يفكر فى حديث أمه ، دلف إلى المكتب وكن "هادي" جالسًا على المقعد غارقٍ بين دفاتر الحسابات ويدون كل شيء فى الدفاتر ، حتى قاطع تركيزه "الجارحي" يقول بينما يسير نحو المكتب:-
_ عامل اى يا عمي ؟
هز "هادى" رأسه بنعم بتركيز شديد على الاوراق، جلس "الجارحي" على المقعد المقابل للمكتب فقال "الجارحي" بهدوء شديد:-
_ ليان فين يا عمي؟
رفع "هادي" نظره عن الأوراق وقاطع تركيزه بجدية مُهتمٍ بأمر ابنته وقال:-
_ قصدك أى؟
تنحنح "الجارحي" بهدوء قبل أن يلقى بقنبلة حديثه على عقل "هادى" وقال بحزم:-
_ ليان اتجوزت البلطجي من ورانا
اتسعت عيني "هادى" بجدية صارمة من هول الدهشة ومن تصرف أبنته التى منعها من الزواج برجل مثل هذا وكانت النتيجة عصيانها لأمره والآن قد تزوجته فعله ولا مفر من هذا الأمر فقال:-
_ ليان عملت كدة ؟ لا مستحيل
_ مستحيل ليه يا عمي ، أنت متعرفش هى متربية على أى ولا بتفكر فى أى؟
قالها بحزم وعينيه على "هادى" بينما دخل "فتحى" عليهم بعد أن طرق الباب ، جلس على المقعد المقابل لـلجارحي وقال بهدوء:-
_ ياسمين قالتلي على اللى حصل
_ مش دى تربيتك فيها؟
قالها "الجارحي" بغضب شديد وهو يلقى باللوم على "فتحى" ، وقف "هادى" بغيظ والغضب يحتله وهو يقول:-
_ أنا هروح أجيبها من شعرها وأكسر رقبتها بنفسي على الى عملته دا
تحدث "فتحى" بهدوء شديد وقال:-
_ أنا مربتهاش على الغلط لكن هى بتتصرف كدة بتنتقم من اللى حصل منى ، عموما لو عايز نصحيتي بحسب العشرة اللى بيني وبينها سيبها!!
ضحك "الجارحي" بسخرية شديد من هذا الرأى وقال:-
_ نسيبها تجبلنا العار عادى؟
تنحنح "فتحى" بهدوء شديد وقال:-
_ اه سيبها، ليان بتحب الأهتمام جدًا وأكتر حاجة بتزعجها عدم الأهتمام وأنك تهملها وتحسسها أنها مش متشافة ، لو سيبتوها ومسألتوش فيها أسبوع هتلاقيها فى الأسبوع التاني هتجنن وهى اللى هتيجي لحد عندكم عشان تلومكم على أهمالكم ليها وساعتها ممكن تسمع سبب أهمالك وتقبل أنها تسمع منك عن غلطها ، لو روحت لها دلوقت هتسيبك تزعق وهتعاند معاك أكثر وهتحس أنها صح
جلس "هادى" من جديد على مقعده وقال بهدوء:-
_ حد يسيب بنته تعمل كدة
تحدث "فتحى" بهدوء أكثر وعقلانية:-
_ سوء روحت دلوقت أو سوء سيبتها الأمر الواقع اللى حطتنا فيه مش هيتغير ، هى خلاص أتجوزته وبقيت مراته ، اللى لازم يتغير تفكيرها وعنادها ولازم تبطل تحسسننا أننا مجرمين فى حقها وأن ليها حق الأنتقام منكم على حاجة محدش عملها فينا ، أنا مقولتش للممرضة أنها تخطفها من المستشفى ولا أنتوا رميتوها يبقى لازم تفهم دا وتقدر وجودنا فى حياتها ، وفي الأول والآخر دا مجرد رأى والقرار ليكم
وقف من مكانه بهدوء شديد وقبل أن يغادر من المكتب قال بلطف:-
_ بالمناسبة أنا هأخد مراتي وهرجع إسكندرية الليلة ، إحنا تقلنا عليكم وبزيادة اليومين دول....
غادر المكتب فتأفف "الجارحي" بضيق وخرج خلفه يناديه قائلًا:-
_ أستن بس يا عم فتحى
اوقفه "يزيد" يقول:-
_ معلم جارحي
التف "الجارحي" إليه ليقول "يزيد" بهمس:-
_ عمران تعيش أنت
نظر بدهشة من هذا الخبر لدقائق يستوعب ما يسمعه وقال:-
_ يلا اللى يحرقه فى جنهم على اللى عمله... أوعى تكون أنت اللى عملتها
صمت "يزيد" بهدوء فأقترب "الجارحي" منه ووضع يده على كتفه برفق وقال:-
_ بلاش ... بلاش تلوث أيدك بالدم وقتل النفس يا يزيد
_ مش أنا
قالها بهدوء ليهز "الجارحي" رأسه بنعم ثم سأل بقل:-
_ ليل عاملة أى دلوقت؟
نظر "يزيد" له بحرج وقال:-
_ زى ما هي ، بس متقلقش مع الوقت هتفوق وتروق
هز "الجارحي" رأسه بنعم وذهب من أمامه .....
___________________________
نامت "ليل" بصعوبة والنوم لم يأتِ كراحة، بل كاستسلام للوجع ، الغرفة كانت ساكنة أكثر مما ينبغي، والظلام ثقيل كأنه يعرف ما يحمله لها
في البداية كان الحلم مشوَّشًا وأصوات بعيدة، خطوات غير واضحة، ثم فجأة عاد كل شيء واضحًا أكثر مما تحتمل الذاكرة كالطريق ،الليل وذلك الإحساس الخانق بأن شيئًا خاطئًا سيحدث، كل ذلك يراوغها ، هناك حين الركض لا ينقذ دائمًا، يزعقها رؤية ما حدث فى تلك الليل فى منامها أمام أعينها من جديد فجسدها شدّ نفسه فجأة فوق الفراش وأنفاسها تسارعت قصيرة، متقطعة كأن الهواء صار أثقل من أن يُبتلع ، تكوّرت أصابع قدميها وساقاها تصلبتا بلا إرادة، وارتجف فكّها ارتجافًا مؤلمًا، قلبها كان يطرق صدرها بعنف، ليس كنبض ودقات بريئة ؛بل كضرب يدمر قلبها وضلوعها.
_لا
خرجت الكلمة من بين شفتيها نائمة، مبحوحة، مكسورة وجسدها دخل في حالة دفاع كاملةكتفاها ارتفعا، ذراعاها انغلقتا على صدرها بقوة، وكأنها تحاول أن تحمي ما لم يعد يحتاج حماية،لكن الجسد لا يفهم الزمن تقلص بطنها بألم، وشهقة حادة علقت في حلقها محاولة الصراخ ولا يخرج صوت العرق غمر جبينها وظهرها التصق بالملاءة، بردٌ غريب زحف في أطرافها، بينما صدرها يحترق كانت تغرق فى ذكريات الليلة المُرعبة التى مرت بها داخل فراشها بجسدها الصغير .....
في الغرفة الأخرى كان "يزيد" مستيقظًا لم ينم معها عمدًا خائفًا أن يضغط عليها حتى وهو نائم، أن تمتد يده بلا وعي فتفزع، ففضّل أن يكون قريبًا لكن ليس ملتصقًا حين سمع أنفاسها المختنقة، انتفض فورًا وقف عند باب غرفتها، لم يدخل مباشرة وقف ثانيةً كاملة، يسأل نفسه بصمت:-
_ أدخل؟ ولا ده يخوّفها؟
ثم تحدث بصوتٍ هادئ جدًا، من مكانه :-
_ ليل ، أنا يزيد
صوت أنفاسها كان كافيًا ليعرف نوبة هلع كاملة دخل بخطوات بطيئة، كأنه يمشي فوق زجاج جلس على الأرض قرب السرير، في مستوى منخفض، حتى لا يبدو مهددًا، قال بلطف شديد :-
_ أصحى يا ليل أنا هنا، ومش هلمسِك
فتحت عينيها فجأة لم تكن تراه كانت ترى هناك صرخة خرجت أخيرًا، حادة، قصيرة، ومعها جسدها كله انهار ، انهارت بالبكاء،بكائها غير منتظم، وتشنجات في الصدر، وشهقات مؤلمة، كأن الرئتين نسيتا كيف تعملان ، مدّ يده ثم أوقفها في الهواء:-
_ قوليلي أعمل إيه؟
هزّت رأسها بلا وعي، والدموع تسيل بغزارة فاقترب أكثر، لكن دون لمس وجلس بجوار السرير، ظهره مسنود عليه، ليكون قريبًا دون حصار
_ أنا جنبك، اسمعي صوتي وخدي نفس على مهلك
حتى اخذ النفس بهدوء وأريحية كان صعبًا ولم تستطع في البداية وجسدها كان فى حرب لكن بعد محاولات دخل نفس قصير ثم آخر أطول قليلًا كان يتكلم ببطء،كأن صوته حبلًا تنقذ به نفسها من الغرق
_ دا كابوس ، أنتِ هنا فى أمان فى بيتك وأنا جنبك
بعد لحظات طويلة، مدّت يدها ببطء، لم تمسكه فقط لمست أطراف أصابعه إشارة صغيرة، لكنها كل شيء وشمعة نور لبداية خروجها من ظلمتها، مسك يدها بلطف شديد،كأنه يحمل زجاجًا مكسورًا، وقال بهمس:-
_ نامي وأنا صاحي جنبك أهو مش هسيبك
أغمضت عينيها أخيرًا، مرهقة، مستنزفة، لكن أقل خوفًا وبقي هو جالسًا على الأرض طوال الليل، يحرس نومًا هشًا، خائفًا من كسر هذه اللحظة التى مدها لها بالأمان ولم يجرأ على الصعود للسرير وقد رأى بأم عينيه أن جسدها ما زال يتذكر ما حدث أكثر من ذاكرتها ........