رواية حريم الباشا الفصل الثامن والعشرون28 بقلم اسماعيل موسي
كما وعد ،لم يظهر فارس فى الصوره
بدا كأنه غادر القصر ورحل بلا رجعه ،أوقف الحفلات وامتنع عن نزواته االيليله، كان القصر غريب على فريده ومليكه
الغرفة اللي اتحطوا فيها كانت كبيرة، مرتبة، كل حاجة فيها في مكانها كأنها مستنية ضيوف مؤقتين، مش سكان، السرير نضيف، الملايات مكوية، والهدوء اللي في الأوضة كان مختلف عن هدوء القصر، أقل قسوة، لكن برضه بارد.
مليكة قعدت على طرف السرير ومتكلمتش، كانت بتبص على شنطهم كأنها جاية من حياة تانية، حياة اتقفلت من غير إنذار، وفريدة قعدت على الكرسي، ظهرها مفرود أكتر من اللازم، كأنها بتحاول تثبت لجسمها إن اللي حصل خلص.
أول ليلة عدّت من غير نوم حقيقي، مليكة كانت تصحى على أقل صوت، على حركة ستارة، على صرير بعيد، وفريدة كانت تغمض عينيها وتفتحهم بسرعة، مش فزع، حذر، الحذر اللي بيتولد بعد ما الثقة تتكسر.
تاني يوم الصبح، فريدة لبست ونزلت تفطر، الأكل كان جاهز، متنوع، زيادة عن الاحتياج، بس هي أكلت قليل، ومليكة بصّت عليها من بعيد، من غير ما تسأل، لأنها لو سألت كانت هتفتح باب الكلام، والكلام بقى تقيل.
الخدم كانوا مهذبين زيادة، كلامهم محسوب، نظرتهم ثابتة، مفيش فضول، وده كان غريب، مليكة اتعودت على الفضول، على الأسئلة، على التقييم، هنا مفيش حاجة من دي، كأن وجودهم مسلم بيه، لكنه مش مرحب بيه.
بدأت الأيام تمشي بنظام، فريدة تروح الجامعة بالسواق وترجع في مواعيد ثابتة، ومليكة تفضل في الأوضة أغلب الوقت، تطلع تتمشى في الجنينه شوية، ترجع، تنظف حاجات ملهاش لازمة، لمجرد إن إيديها تفضل شغالة.
كان القصر كريم، لكن غير حنون، كل حاجة متوفرة، لكن مفيش حاجة بتضم، ومليكة كانت فاهمة الفرق، عاشت عمرها محتاجة الستر أكتر من الرفاهية، وهنا كان فيه ستر تقيل، ستْر ما بيسألش.
فريدة حاولت تتأقلم، حاولت تضحك مع الناس في الجامعة، تحكي الحكاية بنسخة ناقصة، تحذف منها الحواف الحادة، ومليكة كانت تستناها كل يوم، مش على باب القصر، لكن جوه صدرها.
في الليالي، مليكة كانت تقعد لوحدها، تسمع صوت فريدة وهي بتتحرك في الأوضة التانية، غرفة المذاكره ، الصوت كان بيطمنها ، وتحمد ربنا إن بنتها لسه بتمشي، ولسه بتتكلم، ولسه بتختار.
القصر كان واسع، بس عالمهم فيه كان صغير، غرفة، ممرات، شجرة في الجنينه، طريق ثابت للجامعة، طريق ثابت للرجوع، كأن الحياة اتلمّت بعد ما كانت مشروخة
مليكة ما كانتش بتسأل هي هنا ليه، ولا لحد امتى، ولا مقابل إيه، لأنها اتعلمت إن الأسئلة دي بتيجي بعد الفاتورة، وهي ما بقاش عندها استعداد تدفع تاني.
ومع الوقت، فهمت إن القصر مش ملجأ، ولا سجن، القصر كان مساحة انتظار، انتظار لحاجة جاية، هي مش عارفاها، لكنها حاسة إنها مش هتكون سهلة.
وفريدة، من غير ما تقول، كانت حاسة بنفس الإحساس
رزان كانت متوليه كل طلباتهم، المسؤله الأولى عن كل سؤال او طلب، مفيش حاجه ناقصه لكن فريده كان ليها شعور اخر
فارس ليه مش فى القصر ؟
عايزه تشكره، تشكره كتير وتعتذر عن إلى عملته فيه، لكن كانت خايفه فى نفس الوقت من نظرة عنيه إلى هتفكرها بكل حاجه بحاول تنساها.
مليكه مش متعوده على الراحه، عمرها ما قعدت كده من غير شغل، حست بملل ووحده أكتر من الاول
قالت لرزان انا عايزه اشتغل، مش هقعد عاله على حد
رزان قالت أوامر فارس باشا كانت واضحه، انتى ضيفه مش خدامه ،ومش لازم تعملى اى حاجه
انا مش هقعد كده هتجنن من الوحده، هطبخ اكل او اكنس
اتصرفى
رزان الحاجه دى مش بايدى، فارس بيه هو الى لازم يدى الأمر
هو فين فارس؟ فى القصر اصلا ؟انا حاسه انه مشى من هنا
لا بشوفه بياكل معانا او فى غرفته او اى حاجه ؟
بالعكس فارس موجود هنا اكتر من الاول لكنه ذى ما قال خرج من حياتكم
انا عايزه اقابل فارس لازم اشتغل، الشغل مش عيب ودى اقل حاجه اعملها لرد جميله.
فارس بيبقى موجود فى الجنينه من الصبح لحد ميعاد وصول فريده بعدها بيدخل غرفته او بيخرج
تقدرى تقابليه وتطلبى منه الى انتى عايزها بس لحد دلوقتى الوضع كما هو.
فريده راحت الجامعه بعدها مليكه غيرت ملابسها ووقفت قدام المرآيه ضبطت شكلها ونزلت الحديقه
فارس كان قاعد بيقراء كتاب جنبه كوب شاى ومنفضة سجائر
ملكيه سلمت وقعدت ،انا عايزه اتلكم معاك فى موضوع يا فارس بيه...
همس فارس اتمنى ان عرفتكم مريحه وكل طلباتكم بتتعمل ؟
فيه حاجة ناقصه معاكم ؟
همست مليكه مفيش حاجه ناقصه ،بس انا مش هقدر اقعد بالطريقه دى، انا عايزه اشتغل، اعمل اى حاجه بتموت من الوحده وقعدت الغرفه.
/بسيطه اشفلك شغل فى إى شركه يا مدام
مش عايزه اخرج من القصر، كرهت الحياه بره، عايزه اكون جنب بنتى على طول بعد إلى حصل عايزه افضل قريبه منها
هشتغل فى القصر اعمل اى حاجه.
خدامه يعنى ؟
سميها كى ما تسميها المهم اتحرك اشتغل اعمل اى حاجه
ترك فارس الكتاب، انا وفرتلك كل حاجه يا مدام مليكه
لكن موضوع خادمه ده مش سهل خاصه بالنسبه ليكى
ليه؟ سألت ملكيه بأستغراب ،عندك كتير خدم داخل القصر
نفس فارس سيجارته، لو بقيتى خامه هتكونى خادمه ليا انا يا مدام مليكه
شعرت مليكه بنغزة فى صدرها ،جرت الذكريات داخل عروقها ككلب جائع
تقصد القهوه والاوامر ؟،ببرود همس فارس ايوه
قالت مليكه ليه عايز تعمل كده؟ سبنى اشتغل ذى إى شخص هنا
ومين قالك ان كل شخص هنا مش بيخضع بطريقه ما يا مدام مليكة ؟
الاختيار متروك ليكى ،لو قررتى تشتغلى بشروطى
القهوه توصل مكتى بعد شويه، ثم ترك مكانه ودخل القصر وصعد إلى غرفته
