رواية ظلال منزل الاحلام الفصل الثاني2بقلم نورهان عبد المعبود
كانت سارة مازالت مستيقظة ، منتبهة الحواس إلى كل ما يدور حولها ، ولكن
غلبها النعاس وهي تجلس على الأريكة وتنظر إلى المدفأة، ولكن سرعان ما انتبهت حواسها لصوتٍ يحوم حول المنزل. سحبت سارة سلاحها وجعلته في وضع الاستعداد، وتوجهت حيث مصدر الصوت، فلاحظت وجود ظل خارج باب المنزل. تأهبت ووقفت خلفه شاهرةً سلاحها، واقتربت تنظر من العين السحرية. عندها أرخَت يدها عن سلاحها، ولانت ملامحها، وتنهدت تنهيدةً طويلة قبل أن تعيد سلاحها مكانه وتفتح الأقفال، لتجد عبدول يقف أمامها.
عبدول هو شرطي وصديق إدوارد. كان في عطلة مع عائلته هو الآخر، وعندما سمع خبر الحادث أراد الاطمئنان على الأسرة، وخاصة عندما علم بخروج سارة وإيما من المستشفى.
أخبرته سارة، عندما سألها عن الأقفال الجديدة، أنها تشعر بالخوف لوجودها بمفردها بصحبة ابنتها في المنزل، وخاصة في غياب إدوارد.
لذا عرض عليها عبدول أن يؤمّن لهم حماية حتى عودة إدوارد. شكرته سارة، وأخبرته أنها لا تستطيع زيارة إدوارد في المستشفى لأنها لا تريد اصطحاب إيما إلى هناك، إذ تتأثر كلما تذكرت الحادث، ولا تستطيع أيضًا تركها بمفردها.
فأخبرها عبدول بأنه سيتكفل بالأمر، وأنه إن كانت تريد الذهاب لزيارة إدوارد يمكنه أن يصطحب هو إيما إلى المدرسة غدًا، ثم إلى منزله. شكرته سارة كثيرًا لمساعدته لها.
بعد مغادرة عبدول، شعرت سارة ببعض الأمان، مما جعلها تنام بجوار ابنتها بعد أن علمت أن عبدول سيقضي الليل في مراقبة المنزل لأجلهما.
في الصباح استعدت سارة للذهاب إلى المستشفى بعد أن سلّمت إيما إلى عبدول ليصطحبها إلى المدرسة، والذي بدوره وعدها بأنه سيصطحبها بعد انتهاء اليوم الدراسي إلى منزله.
توجهت سارة إلى المستشفى، وفور وصولها أخبرها الطبيب بتحسن حالة إدوارد، ولكنه لم يستيقظ بعد، إلا أن ذلك قد يحدث في أي وقت.
فور خروج الطبيب، وقفت سارة واتجهت إلى باقة الأزهار الموضوعة في مكانٍ مقابل لسرير إدوارد، وقامت بتحريكها قليلًا، ثم فتحت هاتفها وتأكدت من أنها صححت زاوية الكاميرا الموضوعة داخل باقة الأزهار والمتصلة بهاتفها، والتي تركتها سارة قبل خروجها من المستشفى، لتطمئن ألا يقترب أحد من إدوارد.
ابتسمت سارة برضا، وقبّلت رأس زوجها وطلبت منه أن يستفيق سريعًا، فهي تشعر بالخوف بدونه، والخطر يلاحقها في كل مكان.
غادرت سارة المستشفى وقررت أن تذهب إلى المنزل أولًا، ثم تذهب لاصطحاب إيما من منزل عبدول.
ولكنها فور وصولها إلى المنزل وجدت أن هناك من حاول فتح الباب واقتحام المنزل. لم تكن تدري أن هناك من اقتحم المنزل بالفعل، ويقف لها الآن خلف الباب ليضرب يدها ويطيح بسلاحها الذي شهرته أمامه. فور أن تداركت الصدمة استعادت تركيزها وبدأت في الدفاع عن نفسها، لكنها كانت وحيدة تواجه أربعة ملثمين.
كانوا يوجهون لها ضرباتٍ قوية أفقدتها الوعي، فقاموا بتكتيفها إلى مقعد، وجلسوا في انتظار التعليمات.
استيقظت إيما لتجد نفسها في غرفة مشابهة تمامًا لغرفتها، عدا ذلك الباب الحديدي المصمت الذي لم يكن يشبه باب غرفتها. ظلت إيما تنادي على أمها، كانت تشعر بالخوف، لذا أخذت تطرق على الباب بقوة وتنادي أمها وتطلب المساعدة، ولكن بمرور الوقت شعرت بالإرهاق وأن صراخها لن يُجدي.
فعادت إلى سريرها واحتضنت دميتها التي وجدتها بجوارها بعد أن فقدتها في الحادث. صحيح أن والدتها وعدتها بشراء دمية أخرى لها، ولكن هذه كانت دميتها ذاتها، لم تكن جديدة، إنها نفس دميتها، فلها نفس الرائحة الدافئة والعناق المألوف. ووجدت أيضًا دفتر الرسم الخاص بها، فأمسكت ألوانها وبدأت في الرسم، ولكن لم يخطر ببالها شيء ترسمه وهي تشعر بالخوف إلا تلك الجمجمة التي يخترقها سيف، والتي تدور في عقلها بشكلٍ ما لا تفهمه.
بدأ الضوء يزيح ظلامًا سيطر على عيون نامت لوقتٍ طويل. فتحت سارة عينيها ببطءٍ شديد وهي تشعر بألمٍ لا يُحتمل في جسدها، وخاصة وجهها الذي تشوه بكدماتٍ عنيفة إثر التعدي الذي تعرضت له.
أجبرت عينيها على الاستيقاظ، وعقلها على الاستيعاب، فوجدت يدًا تمسك بيدها. ارتجف جسدها الممدد لثوانٍ قبل أن يسكن في أمان عندما وجدتها يد إدوارد، الذي اقترب منها ليطمئن عليها. فوجدها تعتذر له وتبكي أنها السبب في ذلك الحادث الذي قادهم إلى هنا، وبين دموعها سألت عن إيما وكيف وضعها.
حينها أتى الطبيب إلى غرفتها ليطمئن عليها، وعندما كان يجري الطبيب فحصه أخبره إدوارد أن سارة تسأل عن إيما وعن وضعها بعد الحادث. ففهم الطبيب أن إيما تعاني من فقدان ذاكرة مؤقت، وأنها تعتقد أنها هنا بسبب الحادث، لا بسبب التعدي الذي تعرضت له في منزلها أثناء سرقته.
لم تكن سارة تفهم ما يخبره به الطبيب وإدوارد، بأنها تعافت من الحادث وغادرت المستشفى بصحبة ابنتها، ثم عادت بعد عدة أيام وهي في حالةٍ حرجة إثر تعرضها للضرب.
كان هناك سؤال واحد فقط يدور في عقل سارة الآن، وهو: أين إيما؟
عقدت حاجبيها وحاولت أن تتذكر أين تركت إيما، وهل كانت موجودة معها في المنزل أثناء الاقتحام أم لا، لكنها لم تستطع.
فأخبرهم الطبيب أن هناك شرطيًا هو من أحضر سارة إلى هنا، وربما تكون لديه معلومة بشأن إيما.
فور أن خرج إدوارد من غرفة سارة وجد عبدول يقف مع الطبيب ليطمئن على وضع سارة وإدوارد، الذي استعاد وعيه مؤخرًا في نفس موعد دخول سارة مرة أخرى للمستشفى.
عانق إدوارد عبدول، الذي بدا عليه القلق، وسأله عن إيما.
أخبره عبدول بكل ما جرى في الأيام الماضية، وأخبره بخجلٍ وحزنٍ شديد أنه اصطحب إيما إلى المدرسة، وعند انتهاء اليوم الدراسي ذهب ليصطحبها فلم يجدها في المدرسة. لذا اعتقد أن سارة قد مرت بمدرستها أثناء عودتها فاصطحبتها إلى المنزل. وطرأ عمل هام فلم يتمكن من الاتصال بسارة للتأكد، وفور انتهاء عمله قرر المرور بالمنزل ليطمئن عليهم، وخاصة عندما لم تجب سارة على هاتفها.
وفور وصوله إلى المنزل كان في حالة اقتحام، وكانت سارة مقيدة على مقعدٍ خشبي في المنزل. بحث عبدول عن إيما في كل مكان فلم يجدها، فاتصل بالإسعاف لإنقاذ سارة التي كانت في حالةٍ حرجة.
شكره إدوارد على ما فعل، لكنه طلب منه إيجاد إيما في أسرع وقت.
أخبره عبدول أنه بالفعل بدأ في البحث عنها والتحقيق حول اختفائها، ووعده بأن يبذل قصارى جهده ليعيدها إليهم سالمة.
عاد إدوارد إلى غرفة سارة بعد رحيل عبدول، وأخبرها بكل ما دار بينه وبين عبدول. الغريب أن سارة لم تكن تتذكر شيئًا مما أخبرهم به عبدول، وآخر ما تتذكره هو عودتهم من رحلتهم وتعرضهم لحادث.
في اليوم التالي أصرت سارة على مغادرة المستشفى لتبحث بنفسها عن ابنتها المفقودة.
عند دخولهم للمنزل صُدمت سارة من الوضع المزري الذي كان عليه المنزل. كل شيء كان محطمًا، الأقفال تملأ الأبواب، وأدوات الدفاع تملأ الغرف، والألواح الخشبية معلقة على النوافذ.
تجول إدوارد في المنزل وعلامات التعجب لا تفارق وجهه، وتساءل مع سارة عن سبب كل التأمينات التي اتخذتها فور عودتها للمنزل في المرة الأولى. هل كانت تعلم أن هناك اقتحامًا سيحدث؟ أم كانت تشعر أن هناك خطرًا يحيط بهم ويتربص بابنتها؟
كانت إيما تشعر بالملل حتى من الرسم، فعادت لتطرق الباب مجددًا لعلها تجد من يجيب أو أن يحضر لها طعامًا، فقد بدأ الجوع يسحق معدتها. كانت تبكي بخوفٍ ويأس، تسند رأسها على الباب، حين وجدت حقيبتها المدرسية على الطاولة. اقتربت لتفتحها فوجدتها مليئة بالسندوتشات والفاكهة والطعام. أكلت إيما حتى امتلأت معدتها، وتذكرت أن والدتها هي من وضعت لها الطعام من أجل المدرسة.
ولكن لماذا هذا الإسراف؟
في منتصف الليل وردت رسالة إلى هاتف سارة:
(عليكِ التنفيذ الآن).
تسللت سارة خلسة حتى لا توقظ إدوارد، ونزلت إلى الطابق السفلي للمنزل. فتحت صندوقًا قد مُسح عنه التراب وتحطمت شباك العنكبوت التي كانت تغطيه حديثًا. أخرجت سارة سلاحًا ولقمته بالرصاص، ومقبضًا ترتديه في أصابعها له أطراف مدببة، وأغلقت الصندوق، لكنها فتحته مرة أخرى وسحبت منه ملابس سوداء ارتدتها، ورفعت القلنسوة لتخفي وجهها.
تحركت حتى وصلت إلى وجهتها، والتي كانت منزل ألبرت بترو. تسلقت سارة أسواره بخفة لتصبح داخل المنزل بعد دقائق، متخطية كل الحراس الذين يحيطون بالمكان، فهي تعرف ثغراته جيدًا. بعد قليل وصلت سارة إلى غرفة نوم ألبرت بترو، أخرجت كاتم الصوت وركبته في فوهة سلاحها، وأطلقت عدة رصاصات لم يتجاوز صداها حشو الوسادة التي أسندت إليها مقدمة سلاحها.
عادت سارة إلى منزلها وبدلت ملابسها في القبو، وصعدت بخطواتٍ حثيثة إلى غرفة نومها، وانسلت إلى الفراش بجوار إدوارد، لكنها لم تستطع النوم. كانت الذكريات تضرب عقلها بلا رحمة؛ لقطات غير مفهومة لمنزل العطلة، ولحادث الطريق، ولتعرضها للضرب. لكن الذكريات الأكثر وضوحًا تلك التي لم تمر عليها ساعات.
شعرت بأنفاسها تضيق، اقتربت بجسدها من إدوارد ووضعت يدها على جسده لعل قربه يبث في روحها بعض الأمان، ولكن…
كان هناك شيء لزج تلامسه يدها. شيء لم تلاحظ رائحته لأنها ظنته لعنة ستلاحقها بعد حادثة الليلة، لكنه لم يكن وهمًا ولم يكن لعنة.
لقد كان دمًا حقيقيًا.
لقد كان دم إدوارد…
الذي قُتل في سريره.
