رواية نجاة مؤجلة الفصل الرابع4والاخيربقلم ملك عبد الله احمد
اتـقـتـل…
دي كـانت آخـر كلمة قولتها بعد ما كانت الأيام بتمر عليّا بسلام في هدوء أكتر وإحساس مختلف من آخر اعتراف من يـوسف إننا نبدأ نتأقلم بشكل تدريجي لكن ملحقتش! ومن بعدها دخلت في حالة صـدمة.
ما توقعتش أبدًا إن ييجي اليوم ده وأعيش اللحظة دي.
مـلحقتش أحـاول عـشانه
مـلحقتش أخـليه يـحبني،
ما سمعتش منه كلمة بـحبك.
إحـساس بـشِع غـمرني.
الإنسان اللي كنت فاكرة حتى لو كان اللي بيأذيني مجرد رحيله هيهدّني ويقسّي عليّ ويخلّيني أتمنى لو الزمان يرجع
وأجاهد تاني…
يمكن مرة على مرة ينجو الـمؤذي والآذي.
— إنتِ كـويسة؟!
هزّيت راسي بـضعف مش قادرة أميّز مصدر الصوت، عيني مقفولة من كتر الدموع، ومتكوّمة على نفسي بـحارب النار اللي جـوايا.
— روان لو مش مرتاحة هنا تـعالي نـروح شـقتي اللي هـنا وناخد مامتك كمان حـاسس المكان هنا مش آمـن.
قومت بـتيه وانتبهت له.
_ يـوسف
الشـخص اللي كنت شايفاه غريب شـفت مـعاه كـمية دفء وحـنان في أعز احتياجاتي الماسّة.
في الوقت اللي كنت بنهار فيه كان سـند ليّ.
استحملني واستحمل وجعي وحزني بشكل مبالغ فيه من غير كـلل ولا مـلل.
على قد ما أنا كنت في حـالة لا وعـي خـوفت تكون دي آخر لحظات بينا
أنا حبيبته في ظروف مميتة وفي وقت قصير
لدرجة إني هـتقهر لو كان طريقنا هينتهي
أصـل السبب انتهى وده اتفقنا عليه من الأول.
بـاين مـكتوب عـليّا أفـضل وحـيدة مـفتقدة كـل شـعور حـلو دوقـني إيـاه.
اتعدّلت وبصّيت في عيونه بحزن:
— البيت ده مشوفتش فيه ذكريات تخليني أتمسك بيه.
بالعكس شفت فيه ذُل، ود.م ناس، وضعف، وقهر.
شُفت أبويا وهو بيظلم أمي وإخواتي وأنا.
شوفته وهو بيهين أمي ويتجوز عليها بدل الواحدة تلاتة.
وكل مرة كان يجيبهم هنا وتشوف بعينها الذل وبعدها يطلّقهم.
ياما حاولت ماما تطلب الطلاق بس دايمًا كان يهددها
بقتلها… وقتلي!
كان عنده استعداد يحرقني بالنار قدّام إخواتي وماما من غير ذرة خوف.
ياما خوّفني وما زال هو خوفي الأول والأخير في حياتي.
إخـواتي آه هما كمان ما حبّونيش بس ذنبهم إيه؟
مستقبلهم اتدمّر علّمهم كل حاجة حرام خلاهم مـدمـ.نين وأصـحاب شُـغل حـ.رام.
حـ.رامية بـ.يسرقوا الغلابة في البلد ويضحكوا على بنات الناس.
دمّرهم وفي النهاية؟!
قتلوا أبوهم عشان الـورث دخلوا السـ.جن وهـ.يتعدموا!
مـتخيّل؟
مـتخيّل إحنا وصلنا لإيه؟
هو كان فـاكر إن شرّه مش هينتهي وفـاكر إن أعماله الـ.مشبوهة مش هتنكشف
اتـفضح وخـسر دنـيا وآخـرة.
بس إخـواتي ذنـبهم إيه؟
مش بحلّل لهم غلطهم بس هما نتاج تربية غلط لأهل غلط.
ما أنا أهو أختهم وده أبويا بس طلعت غيرهم
مش شبههم تفتكر ليه؟
ده… ظـلم؟
قَرُب بهدوء…
الهدوء اللي ابتديت أعتاد عليه الأيام دي.
قعد جنبي وأخدني في حضنه يمكن بالنسباله حركة عادية
مواساة وخلاص.
بس أنا؟!
قلبي ما سلّمش من ضرباته اللي بتعلى، ونفَسي اللي بقى سريع وحب كانت على وشك تطلع للنور
اعتراف لسه مولود كنت هفصح عنها…
بس تفكيري اتقطع بصوته:
_ ربنا سبحانه وتعالى خلقنا عـباد، وخـلق الخـير والشـر،
وخلق فينا الـعقل علشان نميّز بينهم ونتحاسب على اختياراتنا مش على ظروفنا بس.
كونك إنتِ مش زيهم رغم إنكم نفس الإخوة ونفس الـد.م ده مش صدفة ولا ظلم معاكس
أبوكِ أخو أبويا، الاتنين أولاد نفس الراجل اللي فتح عليهم باب اللـعـنة.
بس هنا بقى الفرق…
أبويا وقف اختار النجاة، اختار طريق الحق والخير.
فهم إن الذنب مش بيلتصق بصاحبه لوحده وإن المعصية
مش أثرها فردي دي ممكن تبقى سبب في دمار عائلات،
وتشريد بيوت وضياع حقوق ناس ملهاش ذنب، وفساد بلد
ودولة كاملة.
أبويا عرف إن ربنا ما بيظلمش حد وإن الرزق الحلال
وإن كان قليل أبرك من مال يجيب لعنة.
أما أبوكي… لاء.
كمّل طريقه أغرته لهو الحياة وسكرته فلوس الحرام.
نسي إن فيه رب ونسي إن كل نعمة ليها حساب
وإن الظلم لو طال مصيره ينكشف.
نسي واجباته ونسي حقوقه كعبد قبل ما يكون أب أو راجل.
وإنتِ…
ما اخترتيش الشر رغم إنه كان أسهل، ولا مشيتي وراه
رغم إنه كان قدّامك.
وده مش ظلم ده اختيار.
وده عدل ربنا إنه يسيب باب النجاة مفتوح للي عايز يدخل.
اللي حصل بين أبوكي وإخواتك ظلم بس مش الظلم اللي معناه إن ربنا غايب.
ربنا عزّ وجل بيّن، وحاضر، وواضح.
وضح نهاية كل طريق العبد يختاره بإرادته.
لكن ده نوع تاني من الظلم…
الظلم اللي بيكشف قد إيه البشر ممكن يخونوا بعض
لما السلطة تبقى في إيد مريض ولما الخوف يتحوّل لقانون
ولما البيت يبقى ساحة رعب مش أمان.
ليه إنتِ مختلفة؟
مش لأنك محظوظة ولا لأنك أحسن منهم بالفطرة.
يمكن لأنك شوفتي القبح فقررتي ما تكونيش نسخة منه.
يمكن لأن قلبك رفض يطبع على القسوة.
ويمكن لأن الألم ما علّمكيش الإيذاء… علّمك الرحمة.
إخواتك ضحايا قبل ما يكونوا جُناة
وده ما يبرّرش أفعالهم ولا يخفّف من جرمهم
بس الحقيقة إن كان عندهم وعي كافي يخلّيهم يرفضوا
ويبعدوا، ويختاروا طريق غير اللي اتزرع فيهم.
وإنتِ؟
إنتِ البرهان.
الدليل إن السلسلة ممكن تتكسر.
وإن الشر مش وراثة إجبارية ولا قدر محتوم.
إنتِ اختيار واعي ضد كل اللي كان متوقّع.
طلع إنسان جميل…
محبوب، لطيف والأهم—إنسان سويّ.
فاكرة كويس إني كنت شايفاه متعجرف وقاسي لبسته صفات كتير من أول نظرة وكنت متأكدة إن ده هو.
لكن الحقيقة طلع غير كده تمامًا.
الإنسان مش شرط يكون بيرفكت من أول مرة نشوفه ولا لازم يكون مُريح من أول لقاء.
أحيانًا اللقاء الأول بيكون حاد، متوتر، مليان سوء فهم
وأحيانًا بيكون الغلط مضاعف لما الواحد يظهر أسوأ ما فيه
مش لأنه سيّئ، لكن لأنه لسه مش مطمّن.
اتعلمت إن الأحكام السريعة بتظلم، وإن بعض القلوب محتاجة وقت عشان تبان على حقيقتها.
مش كل قسوة قسوة
ومش كل برود غرور…
وفي ناس طيبتها مستخبية
ورا أول انطباع خادع.
بعد شهرين…
الحقيقة ثبتت والتهمة اتكتبت بالحبر التقيل
إخواتي قتلوا أبوهم عمدًا مع سبق الإصرار والترصّد.
في الوقت ده نفسيتي اتكسرت ونفسية ماما اتدهست أكتر.
مش سهل على أم تشوف بيتها وهو بيقع ولا سهل عليها تشوف ولادها بيتحوّلوا من دعاء في سجدة لِـ ينوّر بصيرتهم لحكاية في ملف قضية.
أيوه مكنوش حنينين عليها ولا عمرهم شالوها في قلبهم زي ما شالتهم
بس هي أمهم… والأم قلبها ما بيعرفش الحساب.
كانت الوحيدة اللي خايفة الوحيدة اللي بتدعي والوحيدة اللي لآخر لحظة كانت نفسها ربنا يستر.
وفي الآخر؟
كل ده اتبخّر.
بسبب جشع زوج، وقسوة أولاد.
ومع كده مهما كانت درجة القسوة هيفضلوا أهلي.
والـد.م، حتى وهو موجوع مش بيختفي.
كل حاجة اتكشفت والحق رجع لمكانه الصح ويمكن دلوقتي جه الوقت
إن العلاقة ترجع مش زي الأول لكن بوعي وبحدود
ومن غير ما أضحّي بنفسي عشان أصلّح حاجة اتكسرت غصب عني.
— كنتِ فين يا روان؟!
— كنت بخلص كام حاجة… فين ماما؟
كنت بتكلم وأنا بتحرّك بعشوائية، من مكان لمكان
يمكن خايفة، متوترة، قلقانة
بس اللي واثقة منه إني مضغوطة، وإحساس البُكاء كان بيشدّني من جوايا شد.
مسك يوسف مِرفق إيدي ولفّني ناحيته.
فضّلت عيني في الأرض؛ الدموع كانت خلاص أعلنت العصيان، وانتهكت عيني.
قال بحدّة وهو ماسكني:
— أولًا ارفعي راسك، وثانيًا قوليلي كنتِ فين.
ست ساعات برّه بتعملي إيه؟ مش فاهم.
وبعدين أنا نزلت أخلّص ورق سفر مامتك
إزاي تنزلي من غير ما تقوليلي؟
حتى أمك، مقولتيش ليها رايحة فين؟!
رفعت عيني…
أكيد كانوا حمرا من كتر ما أنا ماسكة دموعي.
واتكلمت بهدوء، رغم إن صوتي كان حادّ:
— كنت بدوّر على شغل يا يـوسف عشان أصرف على ماما وعليّا.
وموضوع سفر ماما خلاص، ألغيه.
عشان النقط هتتحط على الحروف وكل واحد هيلزم مكانه.
الحكاية خلصت يا يـوسف.
ساب إيدي ووقّفنا كده…
لا بنتحرك، ولا بنتكلم.
دقيقتين كاملين.
كنت عايزة اعيّط من شوية وكنت عايزة أبكي
دلوقتي طهقت…
وعايزة أصرخ في وشه وأمشي والله.
قطعت الصمت بملل من وقفتنا الغريبة:
— هنفضل واقفين كده كتير؟
من الفرحة الكلام راح ولا إيه؟
كنت مستعجل أوي كده؟
_ لما قلت إنك هبلة ونموّك متأخر، كنت غلطان للأسف.
إنتِ معندكيش نموّ أصلًا يا حِلوة…
إلا بقى إيه هي الحروف اللي هنحطّ عليها النقط اشجيني بيها.
اتغاضيت عن تهزيقته ليا، وردّيت بمرارة فيها سِنّة هزار مقهور:
— نتطلق، الحروف جوازنا، والطلاق النقط.
ردّ بتسلية شوفتها في عينه:
— جواز إيه يا أختي أنا لحد دلوقتي مشوفتش لون شعرك! هنتطلق على إيه يا حِلوة؟
بعدت كذا خطوة من ذهولي.
مش فاهمة كلامه معناه إيه… أهرب؟ ولا أستنى؟
بس في ثواني غيرت الموضوع، وقلبت الترابيزة عليه:
— هو مش جوازنا شو؟ مجرد عرض عشان تحميني؟
وهتحميني من مين من أهلي صح؟ أبويا؟
خلاص… أبويا اتـ.قتل، وإخواتي هـ.يتعدموا.
مفيش حد أخاف منه دلوقتي، ولا أخاف على حياتي بسببه.
إنتَ بنفسك قلت ده لما أهلك يـ.تسجنوا نتطلق.
يبقى إيه اللي اتغيّر؟
كتر خيرك إنك استحملتني الفترة دي ووقفت معانا وشغلك اللي سايبه هناك ودعمك ليا
عمري ما هوفّي حقك ليه.
قرّبت أكتر،
وهنا سمحت لعيوني تغرق في بحر عينه:
— فاكر لما قلتلك ابقى قابلني لو لقيت حد يبص في خلقتك ولا يستحمل يرتبط بيك؟
و إنك إنسان مش سوي…
دي غلطة، ولازم أعتذر عنها.
إنت كنز لأي حد مميّز وفريد، حِلو،
وتستاهل الحِلوة اللي شبهك… ليك.
— طب مش واخدة بالك يا حِلوة؟!
قالها بغمزة أثرت فيّا، والله…
بس مش فاهمة قصده إيه.
— مش واخدة بالي في إيه؟
قرّب زيادة…
زيادة أكتر، لدرجة إن نبضات قلبي علت لما لمسني وحاوطني بإيده:
— قلتي إني حِلو، وأستاهل واحدة حِلوة شبهي
وأنا من وقت ما شوفتك بقولك يا حِلوة.
ها بقى… يا حِلوة مش بيلمحك ده لحاجة؟!
— لا… بيلمحك إنت لحاجة؟
قولتها بتوتر من قربه أولًا ومن كلامه الغريب عليّ.
بصّوا… أنا فاهمة بس مش مستوعبة نهائي.
ده حلم؟!
— آه بيلمحني.
إني آه، حِلو وأستاهل فعلًا الحِلوة
وإني لقيت الحِلوة… إنتِ.
وبلاش بقى جو إيه؟ ومش إيه؟
وليه؟ وامتى؟ وازاي؟
ودي شفقة أكيد
وبلام بلام بلام…
كلام كتير محدش بيفهم منه حاجة.
بس آه… بـحبك
والحب بيدخل من غير استئذان
امتى؟ وازاي؟ معرفش الحقيقة
يمكن من أول مرة قابلتك فيها أعجبت بيكِ
بس الأكيد إني حـبيتك لما وقفنا قصاد بعض
وكل واحد طلع أسوأ ما فيه قصاد التاني.
أنا عامةً كنت بستفزك مش أكتر
بس باين… كنت حـابب أشوفك وإنتِ بتعانديني.
— طب ليه كنت بتختفي عني كده؟
مشغول دايمًا وكأنك بتعمل من ورايا مصيبة!
فكرتك تبع بابا أو هـ.تنتقم مني زي ما بشوف في المسلسلات وأبويا قـ.تل أبوك عشان الورث مثلًا.
ضحك عليّا…
ضحك لدرجة كان ناقص يقع.
وقفت ثانية، وكملت بقهر:
— زي ما بشوف في المسلسلات…
قال يعني ده محصلش في الواقع!
وإخـواتي قـ.تلوا أبويا.
هو ليه العالم شرير؟!
— سيبك إنتِ من العالم الشرير ده
وخلّينا في عالمنا الوردي الجميل.
— بس ماما قالتلي إنتِ خلاص اتجوزتي، وبقيتي في عصمة راجل، يعني مفيش عالم وردي ودلـع زي ما كنتي بتعملي.
— ما أنا قلتلك سيبك من العالم الشرير ده وخلّينا في عالمنا هيكون وردي…
وفراشات…
ودلـع.
— وعـد؟
— وعـد…
من الحِلو لـعيون الحِلوة.
تمت
