رواية ذنب لم يقترف الفصل الخامس5بقلم مريم نعيم


رواية ذنب لم يقترف الفصل الخامس5بقلم مريم نعيم  

"طبعًا سي زفت مش عاوزينه يطلع من السجن،
وعلشان ما يطلعش من السجن لازم نعملك شوية علامات كده في جسمك،
علشان ما يطلعش ويتعفّن هناك في السجن."

ابتعدت عنه بدورها، 
وأردفت بخوف ظهر في نبرة صوتها، 
جعله يبتسم باستمتاع:
"قصدك إيه؟"

قام بدوره وابتعد عنها، فارتاحت قليلًا، ظنًّا منها أنه لن يؤذيها.
فتح دولابها وأخرج طرحة من الطرح التي لا تلبسها، 
واقترب منها. 

أصابتها حالة من الخوف، وارتعش جسدها.
كادت أن تجري، 
لكنه أمسك شعرها، جعلها تتأوه بألم.

"أنت بتعمل إيه يا صالح؟ شعري بيوجعني!"

لم يستمع لها ولا لآلامها، لأنه كان يستمتع بها.
وضع الطرحة على فمها وأغلقه بها، تحت صدمتها.

لم تتحرك، لأنها تعلم جيدًا ماذا سوف يحدث لها إذا تكلمت.
ترك شعرها، وأخرج حزام بنطاله.
اتسعت عيناها، وعندما تحركت قليلًا وقعت على الأرض،
فانهال عليها بالضرب تحت صراخها المكتوم.

كان يتلذذ بهذا، وكان يتلذذ أكثر عندما يستمع إلى صوتها.
الشيء الذي كان يغيظه أنه وضع طرحة على فمها،
كان يريد الاستماع إلى آلامها.

توقف عن الضرب عندما وجعته يداه.
ظنت أنه انتهى، كما انتهت هي،
لكنه ضربها برجله ضربات متتالية في أنحاء جسدها،
وأمسك شعرها.

"فكراني عبيط، صح؟
بس كان لازم أصدّقك قدّامهم،
كان لازم علشان أشفّي نار غيظي منه.
خليه يتعفّن في السجن،
ولا يتجوز ولا يشوف دنيته،
وكله هيكون بمساعدتك يا حياتي.
وبعدين ده ضرب بسيط، للزوم الخطة يا روحي."

كانت دموعها تغرق وجهها،
وعيناها حمراوين من كثرة البكاء.
شعرت أن الدنيا تلف بها،
ولم تشعر بنفسها إلا وهي مُغمى عليها.

كانت ضرباته تخترق روحها،
لم تكن تستطيع أن تأخذ أنفاسها.
مع كل ضربة تشعر أن الدنيا تدور بها.
هي تستحق هذا وأكثر.

إذا كان زوجها يعلم أنها كاذبة،
لماذا يساعدها إذن على هذا؟
إلى هذه الدرجة يكره أخاه،
ليرميه في السجن؟

back

فاقت من شرودها،
وشعرت بدموعها على وجنتيها.
مسحتهما بعنف.
أهي أخطأت عندما أحبت شخصًا غير زوجها؟
ولكنها لن تستسلم.
بعد ما فعله بها زوجها، لا بد أن تكسر عينه.

قامت من مجلسها عندما استمعت إلى طرقات على باب الغرفة.
فهي بالفعل نزلت إلى بيت عائلة زوجها في الليلة الماضية.
كل شيء كان في هذا البيت وكان ملكها، أصبح خرابًا.

فتحت الباب،
وكان ابنها الصغير، الذي يبلغ من العمر خمس سنوات.
نفخت بمرارة،
فهذا ما كان ينقصها.

كان الصغير يفرك عينيه،
فلابد أنه استيقظ من نومه الآن.
تركت الباب مفتوحًا ودخلت الغرفة.

"ادخل واقفل الباب يا أويس."

استمع الصغير لها، وأغلق الباب خلفه،
وهو يذهب مسرعًا ناحية والدته حتى يقبلها.

كانت تمسك هاتفها،
فصعد على السرير واقترب منها،
وكاد أن يقبلها، إلا أنها ابتعدت عنه بخنق.

"عاوز إيه يا أويس؟"

نظرت إلى عينيه العسليتين،
اللتين تشبهان عيني والده.
فصالح ليست ملامحه سيئة،
بل وسيم إلى الحد المقبول،
وله كاريزما خاصة به.

وصالح يمثل المثل الذي يقول:
لا تحكم على الكتاب من غلافه،
فأنت لا تحكم على المظاهر،
فالمظاهر خدّاعة.
أنت ترى المظاهر ولا ترى ما بداخلها.

"عاوز أديكِ بوسة."

"ماليش نفس يا أويس."
قالت وهي تنظر إلى هاتفها بملل.

حزن الصغير وخرج من الغرفة،
وهي لم تهتم به حتى.

أصبح كل اهتمامها إلياس،
أصبح هوسها الخاص،
لا تهتم بأي شيء سواه.

_

إستيقظت من نومها ولم تشعر به بجوارها،
فاستنتجت أنه قد خرج.
لم تكن تعلم ماذا تفعل،
فأذنت للطارق بالدخول بعدما استمعت إلى صوت طرقات على الباب.

كانت نجاة، البنت الأصغر في عائلة الجرايحي.
دخلت وعلى وجهها ابتسامة،
وكانت تحمل في يديها صينية
عليها بعض من أطباق الطعام المخصّصة للفطور.

أغلقت الباب خلفها بقدمها.

"تاعبة نفسك ليه يا نجاة؟"

"ولا تعب ولا حاجة،
ده إلياس متوصي بيكِ جامد."

احمرّت وجنتاها خجلًا من حديثها،
فضحكت الأخرى.

"طب أنا هفطر لوحدي،
افطري معايا."

"لأ، مع الأسف سبقتك،
المرة الجاية."

هزّت ندى رأسها بتفهّم،
وشرعت في الأكل،
فقطعت نجاة الصمت اللي خيّم عليهم.

"ما تزعلّيش مني إني ما قلتلكيش حاجة."

"مش زعلانة يا نجاة،
وبعدين أزعل منك على حاجة
إنتِ مالكش دعوة بيها؟
زعلانة من القدر
اللي خلّانا نبعد المدة دي كلها،
بس مبسوطة
إننا رجعنا تاني."

"غيرك كان ممكن يصدّق حاجة زي دي."

ابتسمت ندى بدورها.

"اللي يخاف على روحه من نفسه
عمره ما هيأذي بنات الناس،
وإلياس ما يعملش كده."

"تعرفي؟
نفسي حد يحبني
نفس حب إلياس ليكِ.
من كتر ما إلياس كان بيحكيلي عنك زمان،
كان نفسي أشوف ندى
اللي خطفت قلب إلياس."

"هتلاقيه يا نجاة،
ربنا بيقول في كتابه
والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات.
إنتِ تستحقي كل الحب
وكل الود يا نجاة."

"إزاي إلياس اتقدملك يا ندى؟
عاوزة أعرف."

قالت حديثها وهي تعتدل في قعدتها،
وتنظر لها بشغف وفضول.

Flash back 

كانت تمشي في الجامعة،
فهذه أول سنة لها في كلية عين شمس.
كانت شاردة في حياتها البائسة،
التي فرضها والدها عليها،
وأصبح هو المتحكم،
وهي الكدمية التي يحركها أصدقاؤها.

"أنتَ غبي!"

أردفت بها عندما خبطت في شخص ظهر لها من العدم.
اعتذر لها وهو يلم أدواته التي وقعت منه.

"أنا آسف جدًا."

رفع عيناه عليها،
فكان الشاب الذي خبطت فيه منذ ستة أشهر،
فهي تتذكره جيدًا.

أرجعت شعرها خلف أذنها بفعل الرياح،
حينها لم تكن قد تحجبت بعد.

"ولا يهمك، بعد إذنك."

تركتُه ورحلت.

back 

"بعد الموقف ده، لقيته تاني يوم اتقدّملي.
وفي الرؤية الشرعية، حسيت براحة بسبب كلامه.
إلياس كان كلامه كلام راجل مثقف، شايف الدنيا صح.
واتخطبنا، مغلقناش شهرين، وصمّم أننا نكتب الكتاب.

كانت سارة شاهدة كل حاجة،
وهي اللي قالتلي إنه بحبه وواقعة في حبه.
من الدور العاشر كانت بتهون عليّ كتير،
كانت إنسانة رائعة…
تعرفي أنها وحشتني أوي." 

"طب وأنتم ليه بعدتوا عن بعض؟"

أردفت ندى بغصّة ومرارة في حلقها.
"ماتت."

شهقت ندى بحزن،
وأردفت وهي تواسيها:
"ربنا يرحمها يا ندى… هي دلوقتي في مكان أحلى."

أغمضت ندى عينيها
حتى لا تتذكر ما حدث في هذا اليوم،
ولكن خابت آمالها، وتذكرت.

Flash back

تبعت لها رسائل منذ الأمس،
ولا تردّ، حتى أنها رنت على هاتفها كثير من المرات،
ولكنها لم ترد.
كانت خائفة عليها بشدة،
لم تتأخر في الرد هكذا من قبل.

رنت للمرة الأخيرة، فردت عليها:
"تصدقي بالله أنك عاوزة تتضربي؟
قلقتيني عليكِ يا سارة، بكلمك من المبارح. يا بنتي فينك؟"

"ندى…"

"ريماس؟"
وقع قلبها عندما أجابت شقيقتها،
هل بها شيء؟ هل هي مريضة؟
لم تنتظر أن تجاب على سؤالها.

"فين سارة يا ريماس؟"

استمعت إلى صوت بكائها،
فقع قلبها أكثر، وشعرت بمرارة أعظم.
صرخت بها بدون إرادة منها:
"في إيه يا ريماس؟ وقع قلبي!"

"ماتت."

الغصة أصبحت أعمق، والدموع أصبحت أكثر،
وقلبها أصبح يدق بعنف، وأصابتها قشعريرة في جسدها.
أعصابها لم تتحمل، فقعت على الأرض ولم تهتم بكل هذا.

"بلاش هزار بايخ يا ريماس،
وأكيد أختك… أهبل هي اللي قالتلك تقوليلك كده."

"يا ريت كان هزار يا ندى…
عملت مبارح حادثة جامدة، وماتت النهارده الفجر."

بكت بقوة، وصوتها أصبح أعلى،
وأصبحت الغصة أعمق.
قامت بعدما تحامت على نفسها،
وخرجت من غرفتها وهي لا تقدر على أن تمشي.

رأتها والدتها، فاقتربت منها بخوف عندما رأت حالة ابنتها:
"ندى مالك؟"

"سارة…"

"مالها؟"

"ماتت سارة… ماتت يا ماما!
قولي لي إن ده كذب، يا ماما… صح هما بيكذبوا عليّ؟"

لم ترد عليها والدتها، فقط نظرت لها بحزن.
فصرخت هي بصوتها:
"ردّي عليّ… سارة ماتت!"

"أهدي بس… متعمليش في نفسك حاجة."

جاء والدها من الخارج، فأسرعت ناحيته:
"عاوزة أطلع لو سمحت… النهارده بس!
سارة، صاحبتي، بيقولوا ماتت…
عاوزة أروح أشوفها علشان خاطري، بس النهارده."

نظر لها والدها، ثم نظر لوالدتها:
"أبعديها عني يا هدي… علشان ما قتلهاش هي كمان."

"علشان خاطري يا بابا… النهارده بس خمس دقايق…
وأشوفها علشان خاطري يا بابا."

لم تشيل أعصابها، فوقعت على ركبتيها،
وأمسكت قدميه:
"أبوس رجلك يا بابا… خلّيني أروح."

ضربها برجله في بطنها:
"أبعدي عني!"

تألمت وتألمت وتألمت.
اقتربت منها هدي بخوف ثوانٍ، ولكنها كانت تغشى عليها.
تركها والدها، صرخت والدتها باسمها،
ولكنها لم تتحرك.

أخرجت والدتها هاتفها من عباءتها، ورنت على زوج ابنتها:
"إلياس، الحق ندى… أغمي عليها، ويونس مسافر… بنتي هتروح مني يا إلياس!"

"مسافة السكة… حاولي تفوقيها بأي حاجة، برفان أو أي حاجة ريحتها قوية."

لم يتأخر، وصل بعد مرور عشر دقائق.
دخل المنزل، عندما رآه مفتوحًا، صعق عندما رأها على الأرض، ووالدتها بجوارها.
ذهب مسرعًا ناحيتها:
"مش راضية تفوق يا بني! جبت برفان من بتوعها وجبت حتى بصلة… مفيش فايدة يا إلياس."

كانت تبكي، وكلامها متقطع.
حملها إلياس وخرج خارج المنزل،
ووضعها في سيارته، وقعدت والدتها بجواره.
انطلق إلياس مسرعًا إلى أقرب مستشفى.

عندما وصل، نزل من سيارته وحملها برفق وهو يصرخ بخوف:
"دكتورة بسرعة! دكتورة!"

جاءت بعد الممرضين، ومعهم ترولي،
وضعها إلياس برفق، وأخذوها إلى غرفة.
من الغرفة، أسرعت الدكتورة نحوها ونظرت إليهم:
"إيه اللي حصل لها؟"

"جالها خبر إن صحبتها اتوفت،
مستحملتش، وأغمي عليها.
حاولت أفوقها بأي حاجة، بس مفيش."

صعق إلياس من الخبر:
"سارة!"

هزّت والدتها بحزن عليها.
حزن إلياس هو الآخر، يعلم جيدًا أن ندى تتعلق بها بشدة.

_

كشفت عليها الدكتورة، ثم رفعت رأسها ونظرت إليهم بهدوء، وأردفت بعملية:

"اطمنوا… هي جالها إغماء عصبي بسبب الخبر اللي نزل عليها."

اقتربت هدي منها بخوف ودموع تغرق وجهها:
"يعني بنتي كويسة؟"

"أيوه، الحمد لله. الضغط واطي شوية، لكن مفيش أي مشكلة عضوية.
اللي حصل إن الخبر كان تقيل عليها، وجسمها مقدرش يستحمل."

نظر إلياس لندى، وعينيه لا تفارق وجهها الشاحب:
"هتفوق إمتى؟"

"ممكن خلال نص ساعة، وممكن تاخد وقت أطول شوية.
إحنا مدّينها محلول ومهدي خفيف، وهنسيبها تحت الملاحظة."

توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة حازمة:
"بعد ما تفوق، ممنوع أي انفعال أو كلام يضغط عليها،
نفسيتها محتاجة هدوء تام."

مسحت هدي دموعها وهي تنظر لابنتها:
"هتقعد قد إيه هنا؟"

"من أربع لست ساعات ملاحظة،
ولو فاقت واستقرت حالتها تقدر تمشي في نفس اليوم إن شاء الله."

ثم نظرت إلياس مباشرة:
"بس لو حصل أي إغماء تاني أو نوبة انهيار، لازم ترجعوا بيها فورًا."

خرجت الدكتورة، اقترب إلياس منها وأمسك يديها بقبضته.
كانت ملامحها متغيرة، ضعيفة وخائفة.

"أنت لازم تتجوزها بأسرع وقت يا إلياس…
أنا بنتي بتضيع مني بسبب أبوها…
أو خدها من غير ما تعملوا فرح،
المهم أشوف بنتي مرتاحة،
أنا مش عاوزة أشوف بنتي كل يوم بتموت بالبطيء."

"هو حصل حاجة يا خالتي؟"

حكت له ما حدث، فظهرت على ملامحه الغضب والعصبية:
"متجيبهاش البيت تاني يا إلياس…
أنا هبقي أجيلها من ورا أبوها، بس بنتي متجيش لأبوها."

شد شعره بقوة، وهو يصرخ بغضب من الذي يشعر به:
"أنا مش هسيبها… متقلقيش يا خالتي."

أقترب منها، وقبل أعلى رأسها، وهو يمسك يديها بقوة، خوفًا من فقدانها.

back 

"كل ما بفكّر إن والدي خلّاني أتزّل ليه علشان يودّيني أشوفها آخر مرة، قلبي بيوجعني أوي.
كان نفسي أشوفها أوي يا نجاة، كان نفسي أشوفها آخر مرة في حياتي.
كانت أعزّ أصدقائي، ومن بعدها ما صاحبتش حد.
كانت هي الوحيدة اللي بتقدر توقف دوشة دماغي،
بس من بعدها ملقتش حد يوقفها.

وفي نفس الشهر، إلياس فجأة بعد عني،
وبعد سبع سنين أكتشف إنه كان في السجن.
كل ده تقيل على قلبي بجد."

أخدتها نجاة داخل أحضانها، وهي تربّت على ظهرها.
فهي رأت الكثير من والدها،
لا تعلم لماذا يكرهها كل هذا الكره،
لا تعلم.

تعليقات



<>