
رواية العار الفصل الثامن8بقلم نور الشامي
رفع الطبيب رأسه ببطء، وكأن الكلمات تثقل لسانه ثم قال بصوت خافت لا يحمل أي عزاء:
البقاء لله… جنات مجدرناش ننقذها للاسف
نظر الجميع بصدمه وفي لحظة واحدة، انكسر الزمن.
لم يعد هناك ممر ولا فجر، ولا أجهزة طبية، فقط فراغ واسع ابتلع كل شيء فتجمد أحمد في مكانه وعينيه اتسعتا و فمه انفتح لكنه لم يصدر صوتا. كان كمن تلقى ضربة مباشرة في صدره، ضربة أوقفت قلبه دون أن تقتله... أما جلال… فظل واقفا. لم يتحرك. لم يهتز. كأن الجملة لم تصل إليه بعد وفجأة، دوى صوت اخترق الممر كله..... صرخة حادة، مشروخة، خرجت من أعماق صدر محروق كانت جدة جنات التي اندفعت من آخر الممر، وجهها شاحب، عيناها حمراوان، وحين سمعت الاسم سقطت على ركبتيها وهي تصرخ:
يا بنتيــي.... يا نور عيني... ابني وحفيدتي راحوا...ابني وحفيدتي راجوا..خلاص كل حاجه راحت
ضربت صدرها بيديها، وانحنت للأرض تبكي بحرقة، صرخة امرأة فقدت آخر ما تبقى لها في الحياة وفي تلك اللحظة، انهار أحمد. وتراجع خطوة، ثم أخرى، وأسند ظهره إلى الحائط، وبدأ يهز رأسه بعنف:
لع… لع.. مستحيل... مستحيل تموت.. هي اكيد لسه عايشه.. جنات عايشه
ثم صرخ فجأة، صرخة خرجت ممزوجة بالغضب والقهر
وهو يضرب الحائط بقبضته، مرة… واثنتين… وثالثة، حتى نزفت يده، لكنه لم يشعر أما جلال… فظل صامتا وتقدم خطوة واحدة، نظر إلى باب العناية المركزة المغلق، وكأن جنات تقف خلفه وتنتظر وابتلع ريقه بصعوبة، ثم خرج صوته منخفضا، مبحوحا:
ماتت... جنات ماتت
لم ينتظر إجابة وأغمض عينيه للحظة، وكأن عقله قرر أن ينفصل عن الواقع، ثم فتحهما… خاليتين من أي دمعة واستدار ببطء، وذهب... خطواته كانت هادئة أكثر مما ينبغي، كأن جسده يسير وحده، بلا روح.
ومر بجوار أحمد دون أن ينظر إليه، وترك خلفه صراخ الجدة وبكاء الممر.ومن بعيد… كانت أسماء تقف عند آخر الممر، نصف جسدها مختف خلف الجدار، دموعها تنهمر بصمت، وعيناها معلقتان بجلال فهمست لنفسها، بصوت مكسور لا يكاد يسمع:
خلاص اكده …نجمة حياتها انتهت... مستحيل يسيبوها تعيش
القت اسماء كلماتها وهي تراقبه وهو يبتعد، وكأنها تشاهد جنازة أخرى… جنازة رجل لم يمت بعد فخرج جلال من باب المستشفى وقف للحظة واستقبل هواء الصباح البارد، ونظر إلى السماء، ثم فجأة…انفجر.
وصرخ صرخة هزت المكان كله، صرخة رجل فقد كل شيء دفعة واحدة، ثم سقط على ركبتيه، يضرب الأرض بيديه وهو يردد:
والله ما هسيبك.... والله ما هسيبك يا نجمة.... جنات ماتت بسببك…وأنا هاخد روحك... هحليكي تتنمني لو انك جتلتي نفسك اهون من ال هعمله فيكي
انحنى جلال للأمام و جبهته لامست الأرض، وصوته خرج مبحوحا، مرعبا:
وعد مني...انا هجطع سلالتك كلها من علي وش الارض وهحسرك علي كل ال حواليكي
وبعد مرور ثلاث سنوات كان ضوء الصباح يتسلل بهدوء عبر ستائر غرفه جلال حين نهض من فوق السرير. كان عاري الصدر، جسده مشدود، وعلى ملامحه إرهاق لا يزول. والتقط كأسا زجاجيا من فوق الطاولة القريبة، ارتشف منه رشفة بطيئة، ثم اتجه نحو النافذة. وفتحها قليلا…وأغمض عينيه وهو يستنشق الهواء، كانه يحاول أن يتذكر كيف كان التنفس بلا ثقل و
خلفه، كانت مريم ما تزال ممددة على السرير. شعرها مبعثر على الوسادة، وعيناها نصف مفتوحتين. فنهضت بهدوء، واقتربت منه، ولفت ذراعيها حول خصره من الخلف، وألصقت خدها بظهره وقالت بصوت ناعم، دافئ:
صاحي بدري ليه اكده يا حبيبي
أمسك يدها برفق، دون أن يلتفت:
نامي إنتي… أنا هشم شوية هوا وألبس وامشي
سكتت لحظة، ثم رفعت رأسها تنظر إلى انعكاسه في زجاج الشباك، وقالت بقلق:
في حاجة مضايقاك؟ شكلك متغير من امبارح
التفت إليها أخيرا، نظر في عينيها نظرة سريعة، خالية من العمق، ثم قال:
عندي شغل مهم… ولازم أمشي بدري.
مدت مريم يدها وسحبت الكأس من يده بهدوء، ووضعته جانبا وقالت بنبرة أقرب للعتاب:
مينفعش تشرب الصبح اكده… مدام عندك شغل
اقترب منها خطوة وانحنى قليلا، وطبع قبلة خفيفة على عنقها، وقال بصوت منخفض:
سيبتلك فلوس اصرفي وهاتي ال انتي كنتي عايزاه.. مش عايز ارجع الاقي الفلوس زي ما هي ولو احتاجتي تاني الفيزا عندك … خلي بالك من نفسك
ثم ابتعد عنها ودخل إلى الحمام. فوقفت مكانها، تنظر إلى الباب المغلق وارتسم حزن صامت على ملامحها، وهمست لنفسها بصوت بالكاد يسمع:
ياريت أعرف إي ال جواك يا جلال…وتحبني نص الحب اللي بحبهولك... بس أنا عارفة…أنا مليش مكان في جلبك اصلا
وبعد دقائق، خرج جلال وهو يجفف شعره بالمنشفة، وقد ارتدى ملابسه و لمحها جالسة على طرف السرير، شاردة فاقترب منها وسأل:
مالك؟ زعلانة ليه؟
رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة هادئة، متعبة:
مش زعلانة يا حبيبي…تعبانة بس شوية
أومأ برأسه وقال ببرود معتاد:
خلاص، ارتاحي انا ماشي نامي براحتك
تناول مفاتيحه و ألقى نظرة أخيرة سريعة على الغرفة، ثم غادر وبقيت مريم وحدها وفي الغرفه الاخري دخل رائد غرفته بعنف و، أغلق الباب خلفه بقوة كأنه يريد أن يكسر ما تبقى من صمته. كان الغضب ظاهرا في خطواته الثقيلة، حيث توقف فجأة.عندما وجد أسماء تقف قرب السرير، ترتدي ثوبا خفيفا منزليا، وحين وقعت عيناها عليه شحب وجهها فورا، وسحبت الرداء حولها بغريزة دفاعية. ولكنلم يمنحها فرصة للكلام واندفع نحوها، أمسك معصمها بقوة، وقبل أن تستوعب ما يحدث دفعها لتسقط فوق السرير، وانحنى فوقها، ظله يبتلعها وقال بصوت منخفض لكنه مخيف:
إنتي عملتي إي
اتسعت عيناها رعبا، وخرج صوتها مرتجفا:
معملتش حاجة.... جسما بالله ما عملت حاجه
رفع يده فجأة، وضرب السرير بجوار رأسها بعنف، فانتفض جسدها بصرخه مكتومه واقترب أكثر وملامحه ازدادت قسوة وردد:
ازاي تفتحي كلام مع ال اسمه معاذ؟هو مش انا جولتلك مفيش كلمة بينكم؟!
هزت رأسها بسرعة، ودموعها بدأت تتجمع وهتفت:
ده شغل… والله شغل.... مكلمتوش ابعد عني، لو سمحت
ابتسم رائد ابتسامة باردة، واقترب أكثر حتى صار صوته عند أذنها مرددا:
مش إنتي ال تجوليلي أبعد… ولا أقرب... انتي مرتي وانا حر
دفعت اسماء صدره بضعف، وصرخت:
كفاية.... حرام عليك إنت متعبتش من العذاب ال بتعذبني بيه
ضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي رحمة وقال :
لع.. متعبتش وإنتي لسه مشوفتيش حاجة
مد رائد يده ولمس وجهها و مرر أصابعه على وجنتها ثم شفتيها ببطء متعمد فـ ارتجفت وحاولت أن تبعد رأسها ولكن فجأة ضغط على وجهها بقسوة، وقال بصوت خفيض لكنه مليء بالوعيد:
ال شوفتيه ده… ولا حاجة جمب ال جاية
ثم اعتدل فجأة، وكأن فكرة خطرت له وابتسم ابتسامة أخطر، وقال ببرود:
آه… على فكرة،.... أحب أعرفك خبر حلو جوي ليكي بنت عمتك… هتطلع النهارده من السجن
اتسعت عينا أسماء رعبا، واندفعت تمسك بذراعه مردده:
نجمه.... بالله عليك…متعملوش فيها حاجة.
سيبوها في حالها مفايه ال حوصلها
نظر إليها نظرة ممتلئة بالشر ونزع ذراعه من يدها، وقال وهو يتجه نحو الباب:
اطمني.... انا مش هعمل حاجه بس موعدكيش بخصوص جلال
القي رائد كلماته وخرج من الغرفه واغلق الباب خلفه بالمفتاح فصرخت اسماء وفي مكان اخر امام احدي السجون كانت تخرج نجمه وهي تغطي عينيها من الضوء ويبدوا علي وجهها الارهاق كان مر من عمرها ثلاثون سنه فنظرت حولها بتوتر وهي تحمل حقيبتها بيديها وقبل ان تسير خطوه واحده وقفت عربيه فارهه امامها ونزل منها السائق وفتح الباب فظهر جلال الذي ابتسم ببرود من داخل السياره وردد:
حمد علي السلامه
نظرت نجمه بخوف وجاءت لتذهب ولكن سحبها السائق لداخل السياره واغلق الباب فرددت:
انت عايز مني اي
جلال:
انتي عارفه انا عملت اي علشان اخليكي تتسجني 3 سنين بس... وكنت مستعد ادفع ملايين علشان تخرجي بدري...انا باخد بتاري بايدي... نورتي جحيمي يا مرتي الحلوه و
وفي لحظة خانقة من الصمت، رفع جلال السلاح وضربها من الخلف على رأسها، فانهارت بين ذراعيه فاقدة الوعي، فأسند رأسها بيده وهو ينظر إليها بعينين خاليتين من الرحمه و
الفصل التاسع من هنا