
رواية العار الفصل التاسع9والاخيربقلم نور الشامي
كانت نجمة ممددة فوق الفراش جسدها ساكن كجسد بلا روح، أنفاسها ضعيفة، ورأسها مائلة قليلا على الوسادة والضوء الخافت المنبعث من مصباح جانبي رسم ظلالا قاسية على ملامحها الشاحبة. حيث وقف جلال أمامها، ثابتا، لا يتحرك عيناه معلقتان بوجهها، وكأن الزمن توقف عند هذه اللحظة...... ثلاث سنوات…
ثلاث سنوات وهو يتخيل هذا المشهد، يراه في أحلامه وكوابيسه، لكنه الآن حقيقة فـ اقترب خطوة بطيئة، ثم جلس على حافة السرير ومد يده بتردد نادر، أصابعه توقفت على بعد سنتيمترات من وجهها ثم لامس خدها بخفة، لمسة مترقبة، حذرة، كأنها قد تختفي.
وفجأة…تحركت وارتعش جفناها، وانقبضت ملامحها، فأبعد يده بسرعة، وكأنه لمس جمرا وفتحت عينيها ببطء نظرة ضائعة، مشوشة، ثم اتسعت فجأة حين رأت وجهه واعتدلت في جلستها بفزع، وصرخت بصوت مبحوح:
إنت… إنت جيبتني اهنيه إزاي وعايز إي تاني مني؟!
وقف جلال، وملامحه هادئة على نحو مرعب، وقال ببرود:
— إنتي لسه مرتي… وطبيعي تبجي اهنيه
هزت رأسها بعنف، والغضب اختلط بالصدمة وهتفت:
مرتك؟! أنا مش مرتك
اقترب خطوة، ونبرته ازدادت قسوة:
لع… مرتي وفيه بينا حساب كمان
ضحكت بمرارة، والدموع بدأت تلمع في عينيها وقالت:
حساب إي عاد ! هو إحنا مش انتهينا؟!
انحنى قليلا نحوها، وعيناه اشتعلتا وهو يردد:
انتهينا إي.... هو انتي دوستي على رجلي.... دا انتي جتلتي أغلى واحدة عندي
تجمدت نجمه مكانها ونظرت إليه والدموع انهمرت أخيرا وبحركة مفاجئة، التقطت المسدس من فوق الطاولة القريبة، واندفعت نحوه، ووضعت السلاح في يده وضغطت فوهته على صدرها وقالت بصوت مرتعش لكنه ثابت:
تمام… وأنا موافجه.... انتجم.... يلا… اجتلني.. اجتلني يا جلال
نظر جلال اليها لثواني ثم فجأة رمى السلاح بعنف على الأرض، فارتطم محدثا صوتا حادا وصرخ فيها:
إنتي مش هتموتي بالسهولة دي... مش هتموتي بالسهوله دي يا نجمه
انهارت نبرتها وهي تصرخ:
أنا معملتش حاجة ومجتلتهاش.... صدجت أو لع… أنا مجتلتها ومش هجولك مين ال عمل اكده
انفجر غضبه وأمسك ذراعها بعنف وسحبها نحوه، حتى التصق جسدها به، وصرخ:
انتي بتعملي معايا اكده ليه.... أنا عملتلك إي علشان كل دا.... للدرجة دي بتكرهيني
اغرورقت عيناها، وصوتها خرج مكسورا:
إنت عارف إني محبيتش غيرك.... بس إنت ال محبتنيش.
ضحك بسخرية جارحة وقال:
بعد كل دا بتطولي إني محبتكيش... كنت أعمل إي تاني علشان أثبتلك إني بحبك
بكت نجمه صوتها خرج مختنق:
إنت عملت إي أصلا غير إنك دمرت حياتي كلها... كل دا ليه ها...... إنت أصلا واحد خاين
ضحك ضحكة عالية، مستهزئة:
بجد والله.... دا ال شاغل دماغك إني كنت مع واحدة تانية وإنتي في السجن... جتلتي جنات… وجاية بكل بجاحة تحاسبيني...... خلاص يا ستي، ولا تزعلي نفسك هعوضك.
وفجأة…اقترب منها وامسك وجهها، وقبلها على شفتيها قبلة خاطفة، عنيفة فتجمدت وأغمضتا عينيها دون وعي، ثم دفعته بعيدا عنها بفزع فابتسم بسخرية وهو يراقب ارتباكها، وقال بهدوء سام:
كويس… كويس إني لسه ليا تأثير عليكي
ابتعد خطوة، ثم قال ببرود قاطع:
إنما إنتي بجا… بجيتي ولا حاجة بالنسبة ليا وأنا قرفان منك يا نجمه
استدار جلال وخرج، وأغلق الباب خلفه بقوه فـ سقطت نجمة على الأرض وضمت ركبتيها إلى صدرها، وانفجرت في بكاء مكتوم و جسدها يهتز، وصوتها يختنق في الفراغ كانت وحدها…تماما كما أراد. وفي يوم جديد كان رائد يقف في ممر المستشفى البارد، خطواته مترددة، وقلبه يخفق بعنف غير مفهوم والرائحة المعقمة تخنق أنفاسه، وصوت الأجهزة الطبية يتردد كعد تنازلي لشيء لا يعرفه بعد فـ توقف أمام باب الغرفة قبل أن يمد يده ويدفعه.... كانت أم نجمة ممددة فوق الفراش، جسدها هزيل، أنفاسها متقطعة، وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة ووجهها شاحب فـ.
دخل الطبيب في تلك اللحظة، نظر إلى الأجهزة، ثم إلى رائد، وقال بصوت عملي خافت:
حالتها حرجة جدا.. مفيش امل
غادر الطبيب، واقترب رائد ببطء، حتى وقف بجوار سريرها.نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت خافت، مشدود:
إنتي اتصلتي بينا ليه..... عايزه إي بعد كل ال حوصل دا
تحركت شفتاها بصعوبة، كأن الكلمات أثقل من أن تقال.
ورفعت يدها المرتجفة قليلا، تبحث عن صوته واقترب أكثر وانحنى حتى صار وجهه قريبا من وجهها.
همست بصوت متقطع:
نجمه… وأسماء… مظلومين…انا ال عملت كل حاجه
تجمد رائد وردد:
بتجولي إي؟
سعلت، واختنق صوتها، ثم تمتمت:
نجمه… مجتلتش جنات…انا ال جتلتها أنا… أنا ال عملت اكده…انا ال جتلتها
تراجع خطوة للخلف، ووجهه شحب وصرخ بعصبيه:
إنتي اتجننتي..... إنتي فاهمه إنتي بتجولي إي
حاولت أن تلتقط أنفاسها وصدرها يعلو بعنف، والأجهزة بدأت تصدر صوتا متسارعا وهي تردد:
دي الحقيقه… هما مظلومين… نجمه بريئ
ابتلع ريقه، وصوته خرج مرتجفا رغم محاولته التماسك:
طيب سكتوا ليه... ليه تسيبوها تضيع عمرها اكده... انتي جايبه الشر دا كله منين عاد
أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحتها بصعوبة، وقالت:
هي سكتت… علشان محدش يأذيني أنا…خافت عليا
ارتجفت يدها، وأمسكت بطرف ملابسه كأنها تتشبث بالحياة نفسها وهتفت:
جولهم يسامحوني… جول لنجمه… تسامحني
تسارع صوت الجهاز أكثر وارتبك رائد، ونظر نحو الباب، ثم عاد إليها:
اهدي... اهدي هجيب الحكيم
لكن عينيها بدأت تزوغان وابتسمت ابتسامة واهنة، بالكاد ترى، وهمست:
العار… كان لازم يتغسل
ثم انقطع نفسها فجأة وارتفع صوت الجهاز في صفير طويل ممتد فصرخ رائد:
لع... لع..... يا دكتور.. حد ييجي
اندفع الأطباء إلى الداخل وأزيح رائد جانبا، وتداخلت الأصوات، والأوامر، ومحاولات الإنعاش. لكن بعد دقائق بدت كأنها دهور…ساد الصمت وخرج الطبيب بملامح جامدة، وقال بهدوء
البقاء لله.
وقف رائد في مكانه، كأن جسده لم يعد يعرف كيف يتحرك وفي صباح يوم جديد كان صباحا باهتا، بلا شمس حقيقية.. حيث وقفت نجمة في منتصف الغرفة،ط و حقيبة ملابسها مفتوحة فوق السرير، تطوي ثيابها بهدوء بارد لا يشبه العواصف التي مرت بها و جلال يقف أمامها، عيناه حمراوان من سهر طويل، وملامحه متعبة على نحو لم تعهده فيه من قبل وقال بصوت مبحوح:
نجمة… علشان خاطري متعمليش اكده.... إديني فرصة واحدة بس
لم ترفع عينيها إليه وهي تضع قطعة ملابس أخرى داخل الحقيبة فـ اكمل جلال:
أنا غلطت… بس كنت فاكر إنك جتلتيها... سامحيني بالله عليكي
توقفت لحظة، ثم أغلقت الحقيبة ببطء، واستدارت إليه.
كانت عيناها هادئتين… هدوءا مرعبا ورددت:
أنا مسامحاك يا جلال.
اتسعت عيناه فجأة وهتف:
بجد.... طيب خلاص… نبدأ من جديد.
هزت رأسها نفيا وقالت :
لا.... مسامحاك… لأن ال عملته كان طبيعي... كنت فاكرني جتلتها … وكنت موجوع وملكش ذنب في إحساسك بس مينفعش نعيش مع بعض أكتر من اكده... ال بينا مات. ابعتلي ورجة طلاجي يا جلال
شحب وجهه وردد:
نجمة… لا... بالله عليكي و
في تلك اللحظة، فتح الباب، ودخلت أسماء، تحمل حقيبتها هي الأخرى وقالت بهدوء حاسم:
يلا يا نجمة
وقبل أن تتحركا، دخل رائد مسرعا، ملامحه متوترة.
وتوقف أمام أسماء، وصوته خرج مكسورا:
أسماء… أنا آسف والله ما كنت أعرف.... سامحيني
نظرت إليه طويلا، ثم قالت بهدوء قاطع:
انتهينا يا رائد.... علاقتنا انتهت الاعتذار متأخر جوي
أشاحت بوجهها و أمسكت بحقيبتها، وأمسكت نجمة بيدها تحركتا نحو الباب لكن فجأة شق صراخ حاد سكون البيت. وتجمد الجميع وخرجوا مسرعين إلى الخارج. وهناك…وقفت أم أمين في منتصف الساحة، عيناها تقدحان نارا.. ويدها ترتجف وهي تمسك بمسدس موجه إليهم فصرخ جلال بفزع:
ماما.. اهدي بالله عليكي.. هما معملوش حاجه
ارتفع صوتها، مشروخا بالغضب والجنون:
هي السبب.. هي اللي جتلت حفيدتي وأختها جتلت ابني. . ولازم يموتوا
أشارت بالمسدس نحو نجمة فتجمدت نجمة مكانها، وعيناها اتسعتا وقال جلال بسرعة، وهو يمد يديه كأنه يحاول احتواء الموقف:
والله ما عملت حاجه... ملهاش ذنب
صرخت أم أمين بهستيريا:
لا... هما السبب ولازم يموتوا
وفجاه ضغطت على الزناد ودوى صوت الطلقة في الهواء وفي جزء من الثانية تحرك جلال ووقف أمام نجمة مباشرة واخترقت الرصاصة جسده.
فـ اتسعت عينا نجمة، وصرخت بكل ما تبقى فيها من روح:
جلال.. جلال جووم
ترنح جسده، والدم بدأ ينتشر فوق قميصه فصرخ رائد وهو يندفع نحوه:
حد يطلب الإسعاف بسرعة..... بسرعة
سقط جلال على الأرض، ونجمة تهبط بجانبه، يداها ترتجفان وهي تضغط على الجرح، ودموعها تسقط بلا توقف وتردد:
لا… لا… متعملش فيا اكده… فوق يا جلال
كان ينظر إليها بصعوبة، أنفاسه متقطعة، وعيناه معلقتان بوجهها…كأنه يحاول أن يقول شيئا…وقبل أن يثقل رأسه بين يديها كان صوت الصراخ يملأ المكان وفي يوم جديد في المستشفي كانت الأجهزة تصدر أصواتا منتظمة، والضوء الأبيض ينساب ببرود فوق الجدران.
فجلست نجمة إلى جوار سرير جلال، عيناها متعلقتان بوجهه الشاحب، ويدها تحتضن كفه كأنها تخشى أن يضيع منها إن تركته لحظة.... لم تنم منذ أدخلوه غرفة العمليات كانت فقط تهمس بالدعاء، وتراقب صدره وهو يعلو ويهبط ببطء فاقتربت منه أكثر، ومسحت بأنامل مرتجفة خصلة شعر سقطت فوق جبينه.
وفجأة تحركت أصابعه بخفة فتجمدت للحظة، ثم انتفض قلبها ورأت جفنيه يرتجفان… ثم ينفتحان ببطء.
فـ شهقت وهي تميل نحوه بسرعة:
جلال…الحمد لله… الحمد لله يارب
رمش جلال بعينيه عدة مرات، محاولا التركيز، ثم نظر إليها كان أول ما رآه وجهها وقال بصوت ضعيف:
انتي كويسة؟
انهمرت دموعها وهي تضحك من بين بكائها:
أنا كويسة… وكلنا كويسين.... ليه عملت اكده يا جلال؟
أغمض عينيه لحظة، وكأنه يستجمع ما تبقى فيه من قوة وردد:
مجدرش أخسرك تاني…سامحيني
انحنت نحوه أكثر، وكلماتها خرجت صادقة بلا حواجز:
أنا بحبك والله… ومسامحاك
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، ثم قال:
جولي لأسماء تسامح رائد
ضحكت نجمة بخفة وهي تشير نحو النافذة:
بص… هما واجفين بره مع بعض أهه.... وأصلا هما بيحبوا بعض جوي… متشغلش بالك
أدار جلال عينيه بصعوبة نحو الزجاج هناك، خلف الشباك، كان رائد يقف ممسكا بيد أسماء، يبتسمان له في امتنان وارتياح فعاد بنظره إلى نجمة، وقال بصوت أكثر ثباتا:
أنا مطدرش أعيش من غيرك... خلينا ننسى ال فات… ونبدأ من جديد بالله عليكي يا نجمه
اقتربت منه، ووضعت جبينها على جبينه برفق وهتفت:
هنسي كل حاجة… بس انت ج وم بالسلامة الأول
في تلك اللحظة، دق الباب بخفة، ودخل رائد وأسماء.
واقترب رائد من السرير وهو يهز رأسه مبتسما:
ينفع تخوفنا عليك اكده يا ابني
اقتربت أسماء بدورها، وعيناها تلمعان بدموع الفرح:
انت لازم تجوم بالسلامة علشان نعوض كل ال فات… ونروح نقضي كلنا شهر عسل جديد
ضحك رائد بخفة، وسحبها من وسطها ممازحا، بينما ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه جلال ومد يده، فالتقطت نجمة كفه بين يديها ونظر إليها بعينين ممتلئتين بحياة عادت لتوها، وقال:
هنروح فين بجا؟
اقتربت أكثر، واحتضنته بحذر خوفا على جرحه، وهمست قرب أذنه:
هنروح أي مكان انت عايزه… بس انت خف وابجي كويس.
أغمض عينيه مطمئنا وهمس أخيرا:
أنا بحبك جوي يا نجمه
وظلت يداهما متشابكتين…بين الغفران والحياة،
بدأ فصل جديد… لا يكتبه الدم هذه المرة،
بل يكتبه الحب و
تمت