رواية انا لها شمس الفصل التاسع عشر 19 والعشرون 20 بقلم روز امين

      

رواية انا لها شمس الفصل التاسع عشر 19 والعشرون 20 بقلم روز امين


 الفصل التاسع عشر

أشرقت شمس يومًا جديد لتُعلن عن أحداثًا جديدة وتطورات داخل حياة كلاً  منا، فاقت نوال من غفوتها توضأت وقامت بقضاء ركعتي الضُحى لتتحرك نحو  المطبخ بعدما انتوت تجهيز وجبة الإفطار لنجلها قبل أن يذهب لعمله ك كُل يوم  إلى أحد المطاعم المتخصصة بطهي وبيع الكُشري المصري الذي يعمل به، وأثناء  إعدادها لوجبة البطاطس المقلية المفضلة لدى نجلها ولجت إليها ألاء حيث  تحدثت وهي تتكأ على باب المطبخ: -صباخ الخير يا ماما.
ردت الأم وهي تتابع تقليب أصابع البطاطس داخل الزيت: -صباح النور، صحي أخوكِ يلا علشان مايتأخرش على أكل عيشه.
-حاضر، نطقتها الفتاة وتحركت في الحال إلى حُجرة شقيقها لتدق بابها قبل  أن تدخل وتُفاجأ بعدم وجوده، كادت أن تُغلق الباب مرةً أخرى لتعاود  لوالدتها لكنها تسمرت عندما جذب انتباهها تلك الورقة المُعلقة على ظهر  التخت والمثبتة بقطعة صغيرة من العلكة الممضوغة، تحركت إليها وجذبتها وبدأت  بقراءة محتواها لتجحظ عينيها على مصراعيهما في صدمة لتصيح وهي تهرول إلى  والدتها قائلة بصوتٍ يرتجفُ من هول الصدمة: -إلحقي يا ماما.
إلتفت المرأة تنظر لابنتها بتمعُن لتتابع الاخرى صياحها: -علاء سرق الدهب بتاع نسرين وطفش
دقت على صدرها لتصرخ بتساؤل: -إنتِ بتقولي إيه يا بِت، طفش راح فين؟!
-سافر على المركب اللي رايحة إيطاليا، نطقتها لتشهر بالورقة بوجهها  وتكمل: -ساب جواب بيقول إنه أخد الدهب بتاع نسرين وسافر بيه، ولما الدنيا  تمشي معاه هناك هيبعت لها فلوسه
صرخت المرأة نادبة: -يا دي المصيبة، أبوكِ لو عرف هيروح فيها
واسترسلت وهي تدق على فخ. ديها بنحيبٍ: -ولا أختك، دي لو عرفت إنه سرق دهبها هتخرب الدنيا، ومش بعيد تفتكر إني متفقة معاه.
قاطعتها الفتاة لتهتف بخوفٍ على شقيقها: -سيبك من نسرين الوقت يا ماما  وخلينا في علاء، إحنا لازم نعرف هو سافر مع مين علشان نطمن إنه وصل  بالسلامة
نظرت للفتاة وهزت رأسها بيأسٍ وحيرة وشعورًا بالرعب ممتزجًا بالغضبِ وقلة الحيلة سيطروا عليها.
بجسدٍ مرهق كان يتوسط فراشه غافيًا على بطنه بشكلٍ عشوائي لا يرتدي سوى  شورتًا قصير، انتبه على صوت المنبة الذي صدح صوته من خلال هاتفه المحمول،  مد يده بعشوائية فوق الكومود وبات يتحسس باحثًا عن الهاتف حتى عثر عليه  وقربه أمام عينيه استعدادًا لغلقه، رفع رأسهُ وجاهد بفتح أهدابه بصعوبة  ترجع لنومه لبضع سويعاتٍ بسيطة، أغلق الهاتف ليرمي رأسهُ من جديد فوق  الوسادة بإنهاكٍ شديد، لم تمر عدة ثواني حتى رفع جسده متحاملاً على حاله  وجلس مستندًا للخلف، تنفس بهدوء ومسح على وجههِ بكف يده ثم بسط ذراعه ليجلب  عُلبة كانت موضوعة فوق الكومود وبدأ بفتحها وإخراج أحد الهواتف الذكية  منها، بدأ بتركيب خطًا جديدًا قد ابتاعه بالأمس مع الهاتف وسجله باسم  شقيقته ليستطيع من خلاله التواصل مع من استطاعت قلب حياته رأسًا على عقب  منذ أن تركته وقطعت جميع خيوط الوصل تاركة إياهُ بلا قلب بعد أن سلبتهُ  إياه وعقله حتى أصبح كالمچنون المغيب، فتح الهاتف وسجل رقمها وأخذ نفسًا  عميقًا قبل أن يضغط على زر تسجيل الرسائل الصوتية لينطق بصوتٍ أقرب إلى  الهمس يفيضُ من الإشتياقِ والعشق ما يجعل الحجرُ يلينُ: -وحشتيني، نفسي  أسمع صوتك، أشوف عيونك حتى لو هتبص لي بلوم، بس أشوفها واملي عيوني منها.
سألها بنبرة لائمة كي يلينُ قلبها وتعي لما أوصلته إليه: -طب أنا  موحشتكيش، مهو مش معقول أكون بتعذب بالطريقة دي وهموت وأشوفك، وإنتِ مش  فارق معاكِ وجودي في حياتك من عدمه.
نطقها بصوتٍ متأثر ليتابع بصوتٍ راجي: -إيثار إحنا لازم نتكلم، مينفعش  تنهي كل اللي بينا علشان غلطة، أيوة أنا غلطت وبعترف لك ومستعد اقضي الباقي  من عمري وأنا بعتذر لك، بس متبعديش عني، إختيارك لعقابي بحرماني منك منتهى  القسوة، ده الموت بالبطيء يا إيثار، علشان خاطري راجعي نفسك وإديني فرصة  واحدة نتقابل ونتكلم، وأنا واثق إني هقدر أقنعك.
تنفس بصوتٍ عالي يظهر كم الألم الساكن بداخله ليسترسل بوعدٍ صادق: -أنا  هعمل لك كل اللي يرضيكِ ويريحك، بس أرجعي لي، وحياة يوسف تديني فرصة  تانية.
انتهى من تسجيل المقطع الصوتي وأرسلهُ وجلس يراقب ردة فعلها وبعد أن طالت  المدة هب من مكانه ليتحرك إلى الحمام ويختفي خلف بابه بعدما قرر غمر جسده  بالماء البارد علهُ يزيل من اشتعال روحه ولو قليلاً.
بعد قليل نزل الدرج مرتديًا ثيابه بالكامل حاملاً حقيبته الجلدية  استعدادًا للذهاب لعمله، تفاجأ بشقيقته تخرج من المطبخ حاملة طفلها الصغير،  تنهد بثقلٍ في قلبه يرجع لوجعه مما حدث بينهما ليلة أمس، لم يكن يتخيل  بيومًا من الأيام أن يحدث صدامًا بينه وبين شقيقته الوحيدة والتي يعتبرها  إبنته ومدللة قلبه، تألم حين رأها تحول بنظرها بعيدًا عنه لتتحرك بطريقها  متجاهلة إقترابه منها ليُسرع بخطاه حتى توقف أمامها وتعمق بمقلتيها ليجد  فيهما حزنًا وألمًا وكثيرًا من الملامة، تنهد وبدون حديث قربها ليضمها إلى  أحضانه ليميل مقبلاً رأسها، بادلته عناقه ليشدد هو من احتضانها وبعد عدة  ثواني ابتعد ليتحسس وجنتها قائلاً بنظرة ترجو السماح: -أنا أسف.
قطبت جبينها تنظر له متعجبة وهي تقول باستغراب: -فؤاد إنتَ كويس!
ضيق ما بين عينيه مستفهمًا دون الإفصاح عنه لتتابع مسترسلة: -إنتَ قولت آسف يا فؤاد؟!
لتستطرد بتفخيم للكلمات: -فؤاد علام بيتأسف!
رفع حاجبه باستنكار قبل أن يجيبها بمشاكسة لتلطيف الاجواء: -خلاص سحبتها واعتبريني ما قولتهاش أصلاً
هتفت سريعًا بمداعبة: -لا وعلى إيه، ده حدث تاريخي والمفروض اوثقه.
تبادلا الإبتسامات وهو يتحسس وجنتها بحِنو ليرفرف قلب عصمت من فرحته  حين رأت نجلاها بكل هذا الوئام لتقترب عليهما وهي تقول بابتسامة: -صباح  الخير
لم تعلق على ما حدث بالأمس وقد قررت تخطي الأمر كي لا تُشعر صغيرها  بالإحراج لتسترسل بوجهٍ بشوش وهي تُشير لهما نحو غرفة الطعام: -يلا علشان  تفطروا مع بابا.
اقتربت على ابنتها لتحمل حفيدها الذي يحمل اسم ابنها الغالي وتتحرك أمامهما ليغمر فؤاد شقيقته بضمة حنون ويتحركا خلف والدتهما.
أما تلك الجريحة صاحبة أسوء حظًا فقد ولجت إلى غرفتها لجلب هاتفها  وحقيبة يدها للإستعداد للذهاب إلى العمل بعدما تناولت وجبة الإفطار بصحبة  عزة والصغير، التقطت الهاتف ونظرت بشاشته لرؤية اخر المستجدات الخاصة  بعملها ليلفت نظرها وصول رسالة صوتية، اعتقدت انها تخص العمل فشرعت لفتحها  ليدق قلبها سريعًا وينتفض بمجرد استماعها لنبرة صوتهِ وعلى الفور ضغطت  لإيقاف التكملة، شعرت بغصة مريرة سكنت بقلبها وكادت أن تحذف الرسالة وتحظر  هذا الرقم أيضاً، لكن شيئًا بداخلها منعها ليعطي القلب أمرًا إلى العقل  ليتوقف على الفور أصبع يدها الموضوع على زِر إختيار الحظر، تنفست كي تستطيع  المواصلة لتفتحها من جديد وتستمع لصوته المتأثر، هزت رأسها بحيرة وجنون،  لما دائماً تستشعر من صوته الصدق حتى بعد حديثه المهين وخيبة أملها به  مازالت تستشف الصدق من كلماته، تأثر قلبها بنبراته الحزينة واستشفت كم  الندم والألم الساكنان قلبه، أغمضت عينيها وضغطت على قبضت يدها لطرد شعوري  الحنين والتأثر لتهتف بصوتٍ داخلي غاضب وناقم: -استفيقي أيتها الغبية،  امازلتي للأنَ بلهاءٌ وتنخدعين بصوت ذاك الحقير المتلاعب بقلوبِ النساء؟  ألم تتيقني بعد أنهُ بارعٌ باللعب بالكلمات والمشاعر، اتركي كل هذا الهراء  خلفكِ وانطلقي للأمام، ضعي صغيركِ أمام عينيكِ فهو الوحيد الذي يستحق  عنايتك واهتمامك وجُل مشاعركِ، استفيقي بالله عليكِ ولا تدعي الفرصة لتلك  الأحاسيس الغبية لتتحكم بكِ، كفا ما حدث للأن فقد انقذتكِ العناية الإلهية  من براثن ذاك المخادع، فلتحمدي الله ولتمضي بطريقكِ دون الإلتفات للخلف.
فتحت عينيها وبملامح تحمل الكثير من الحقد والغضب حذفت الرسالة وحظرت  الرقم ملقية بإشارات ونداءات قلبها عرض الحائط، رفعت قامتها للأعلى لتأخذ  نفسًا قويًا وتحركت للخارج بقلبٍ أشبهُ بميت.
وأثناء تناولهُ لوجبة الإفطار التي تناولها بفقدانٍ كامل للشهية وعدم  تركيز لاحظه الجميع لكن لم يعلقوا إحترامًا لتلك الحالة الجديدة على عزيز  أعينهم وخصوصًا بعدما حدث ليلة أمس، على غير عادته أخرج هاتفه من جيب سترته  لينظر بشاشته بلهفة ظهرت بعينيه لتتحول لإحباطٍ وحزن كَسىَ ملامحهُ بعدما  رأى حظرها للرقم ليتنهد بيأس تحت نظرات علام الذي لاحظ تغيرات نجله ليسألهُ  كي يطمأن عليه: -مالك يا فؤاد، شفت حاجة ضايقتك في التليفون؟!
انتبه لحديث والده الذي اخرجه من شروده ليهز رأسهُ سريعًا وهو يقول بنفيٍ قاطع: -مفيش حاجة يا باشا
انتفض من مقعده ليقول بصوتٍ جاد فاقدًا للحيوية: -أنا مضطر أمشي علشان متأخرش.
تحدثت عصمت بصوتٍ حنون: -كمل القهوة بتاعتك يا حبيبي.
-هشرب غيرها في المكتب يا ماما، بعد إذنكم، جملة نطقها بصوتٍ خالي من  الحياة لينسحب للخارج بخطواتٍ سريعة وكأنهُ يهرب من شيئًا يطاردهُ، نظر  علام إلى زوجته يستشف منها حالة نجله لترفع له كتفيها بعدم استيعاب لما  يجري لصغيرهما ويصمتا تحت حزن فريال على ما أصاب شقيقها مؤخراً.
عِند الغروب
كانت نوال تجلس داخل غرفتها بقلبٍ يحمل الكثير والكثير من الهموم، ولجت  ألاء لتقول بنبرة مرتعبة: -وبعدين يا ماما، هنعمل إيه في المصيبة اللي إحنا  فيها دي؟
دقت على فخديها لتهتف نادبة: -مش عارفة، حاسة إني متكتفة ومش عارفة أعمل إيه.
نطقت الفتاة بترقب: -المفروض كنا قولنا لبابا علشان يتصرف.
هتفت بصوتٍ منهار: -هقول له إيه، إبنك سرق دهب اخته وسافر بيه ومش عارفين إذا كان وصل ولا بعد الشر حصل له حاجة؟!
لتستطرد وهي تتلفت حولها بعينين زائغتين: -ولو سألني بنتك جابت الدهب منين أرد عليه وأقول له إيه؟
صرخت بالكلمة الاخيرة ليباغتها ولوچ زوجها الذي عاد من أرضه ليأخذ  مالاً لشراء بعض السماد اللازم لتسميد الأرض فاستمع لحديثهما ليهتف  متسائلاً بقوة: -دهب إيه اللي بتتكلمي عنه يا وليه؟
وابنك فين؟ نطقها بصراخ لتبتلع المرأة لعابها برعبٍ من هيأة زوجها وبعد  إلحاحٍ وضغطًا من الأب اعترفت الفتاة لأبيها بكل ما حدث، مازال تحت تأثير  الصدمة ليخرجه منها تلك الخبطات التي صدحت على الباب ليهرول الرجل وخلفه  زوجته وابنته ليفتح الباب ويتفاجأ برجلاً يرتدي زيًا خاص برجال الشرطة  ليسأله بنبرة جادة: -ده بيت علاء محمد أبو سريع.
رد الرجل بارتياب وقلبًا يرتجف خوفًا من القادم: -أيوا يا باشا أنا أبوه
هز الرجل رأسه ليخبرهُ بهدوء: -الظابط عايزك في القسم.
ليه، خير يا باشا، نطقها بتوجس لتصيح المرأة متسائلة بنبرة مرتعبة  وقلبٍ يشعر بما أصاب نجلها: -إبني جراله إيه يا بيه، طمني وحياة حبيبك  النبي.
تنهد الرجل لينطق بيأسٍ: -البقية في حياتك يا حاجة، إبنك غرق هو وكل اللي كانوا معاه في المركب اللي كانت مهاجرة ل إيطاليا.
صرخة مدوية هزت أركان المنزل بأكمله ليهتز جسد الرجل ويرجع للخلف مستندًا على الجدار لكي لا يسقط أرضًا من هول مصيبته الكبرى
هتفت الفتاة وهي تسأل الشُرطي ك غريقًا يتعلق بقشة كي يبقى على قيد الحياة: -إنتَ متأكد إن علاء أخويا غرق، مش يمكن يكون لسة عايش؟!
البلاغ جالنا من السلطات الإيطالية باسماء الجثث اللي طلعها خفر السواحل، وجثة اخوكِ كانت من ضمن الجثث.
تعالت الصرخات وحضر الجيران لتشارك النسوة بالصراخ، ذاع الخبر المشؤوم  بين الناس لينتشر بأرجاء البلدة بأكملها حتى وصل إلى نسرين، ذهب الأب وتأكد  من وفاة نجله عن طريق الصور التي بُعثت للشرطة عن طريق إيطاليا لتأكيد  الأهالي من جثث زويهم، أخبر الضابط الاهالي ان الأمر سيستغرق بضعة أيام  لوصول الجثامين، كان المنزل يأج بالنساء اللواتي ارتدين ثيابهن السوداء  وحضرن لتقديم واجب العزاء، وصلت نسرين بصحبة والدة زوجها ونوارة بعدما علمت  بالنكبة التي حلت بعائلتها لتصرخ وهي تقترب على والدتها وتحتضنها لتصيح  الاخرة بعدما دفعتها لتسقط بعيدًا منبطحة على الارض لتقول وهي تنظر إليها  بكرهٍ وحقد: -إطلعي برة بيتي يا ملعونة، إنتِ السبب في اللي جرا لإبني،  لولا دهبك الملعون مكنش راح للموت برجليه، إنتِ اللي قتلتي ابني.
اتسعت عينيها بذهول من حديث والدتها وهجومها الغير مبرر والتي لا تعلم  مصدرهُ، اقتربت منيرة لتساند زوجة نجلها حتى تنهض بمساعدة مجموعة من النساء  التي تسائلت إحداهُن بفضولٍ قاتل: -دهب إيه اللي امك بتتكلم عليه يا  نسرين؟
تبرعت اخرى بالإجابة لتبرير ما حدث من وجهة نظرها: -الولية شكلها فقدت  عقلها من اللي حصل، الله يكون في عونها، ضهرها بقى عري. ان هي وجوزها  وبناتها الإتنين بعد ما الواد اللي حيلتهم راح في غمضة عين.
جحظت عيني نسرين بعدما استوعبت لكلمات والدتها لتقترب عليها وتمسكها من  ذراعيها كالتي فقدت عقلها وتهزها بعنفٍ وهي تقول صارخة بعدم استيعاب:  -إنتِ بتقولي إيه يا ماما، بتقولي إيه؟!
جذبت ألاء قبضتها من فوق ذراعي والدتها وهي تبعدها ناهرة بذات مغزى:  -اللي سمعتيه ووصل لك، وكفيانا فضايح بقى، كفاية اللي حصل، أخوكِ راح خلاص،  كله راح يا نسرين، كله راح.
لطمت خديها وباتت تطلق صرخاتًا هزت صداها أرجاء البلدة بأكملها، لا  تدري ما إذا كانت صرخاتها المدوية تلك تطلقها لأجل مصابها الجلل«وفاة  شقيقها الوحيد»إما أنها حزنًا وقهرًا على أموالها التي حصلت عليها من سمية  عنوةً عنها مقابل مساعدتها في تدمير زواج إيثار وحصول الاخرى عليه ك زوجًا  لها، والان فقدت كل شيء بلمح البصر.
هبت المرأة بعدما لاحظت صرخات ابنتها الطامعة وتيقنت بأنها تنعي مالها  وتندب حظها وليس أخاها لتمسكها من ذراعها وتسحبها باتجاه الخارج تحت صيحات  وتدخلات النساء اللواتي حاولن تخليص الفتاة من قبضة والدتها ولكن هيهات،  ظلت تجرها حتى وصلت بها إلى البوابة لتُلقي بها خارج المنزل وهي تقول  صارخة: - إطلعي برة وإياكِ تخطي برجلك هنا تاني، البيت ده بقى محرم عليكِ.
وبشهد كل الناس اللي موجودة، إن موت قبلك غُسلي وجنازتي محرمين عليكِ.
-وحدي الله يا أم علاء وإعقلي، نطقتها منيرة لتهب المرأة وهي تغلق  الباب بوجه كلتاهما: -غوري يا ولية إنتِ كمان وخدي مرات إبنك من هنا،  مشوفناش من وراكم خير.
قالت كلماتها لتقذف الباب بوجهيهما، حولت الفتاة بصرها إلى والدها  الجالس فوق المقاعد يتلقى واجب العزاء لنجدتها لكنها تفاجأت به يرمقها  باشمئزاز وكُرهٍ فعلمت أن والدتها أخبرته بقصة الذهب فقررت الإنسحاب للحفاظ  على ما تبقى من كرامتها التي بعثرت أمام سُكان البلدة بأكملها، استغرب  عزيز المجاور لوالد زوجته ما حدث للتو لكنه قرر التغاضي للوقوف بجانب الرجل  في هذا الظرف السئ، سندتها منيرة ونوارة التي خرجت خلفهما لتذهب  بصحبتيهما، هتفت منيرة متسائلة بتشكيك لما حدث: -هو فيه إيه بينك وبين امك  يا نسرين، الولية زي اللي صابها الجنان أول ما شافتك قدامها؟!
ابتلعت لعابها لتجيب بنحيبٍ ودموع لم تنقطع حزنًا على شقيقها واموالها  معاً فقد تلقت ضربة مزدوجة مميتة: -واحدة إبنها الوحيد مات غرقان وحتى جثته  لسة مدفنتهاش، عوزاها تجيب العقل منين؟!
ضيقت بين عينيها بتشكيك لروايتها: -واشمعنا إنتِ اللي عملت معاكِ كده؟!
لتتابع بتبرير متعجب: -ما اختك قاعدة جنبيها وساندين على بعض الإتنين.
صرخت بعدما فقدت القدرة على التحمل من كثرة الضغط عليها من تلك المرأة  فاقدة الحِس: -هو أنتِ بتحققي معايا ولا إيه، ماتسبيني في حالي، مش كفاية  المصيبة اللي حطت على دماغي.
نطقت نوارة بعدما شاهدت إنهيار تلك ال نسرين لتقول برجاء: -خلاص يا مرات عمي، سبيها في اللي هي فيه
لوت فاهها واسنداها طوال الطريق حتى وصلا للمنزل لتهرول نسرين إلى مسكنها  وتبدأ في الصراخ والعويل نادبة لحظها العسر بعد أن خسرت كل شئ.
ليلاً
ولج عزيز إلى مسكنه وجدها مسطحة فوق تختها تبكي وتنتحب بانهيارٍ تام، جلس  بجوارها وتحدث بعدما ربت على ظهرها: -البقية في حياتك يا نسربن، الله يرحمه
لم تجيبه بل ظلت على وضعها وصوت شهقاتها ارتفع ليسألها متعجبًا لما رأى دون  مراعاة حالتها النفسية: -هي خالتي نوال رمتك برة البيت ليه يا نسرين؟!
التفت اليه لتهب جالسة وهي ترمقه بغضب: -هو فيه إيه النهاردة، محدش  عنده دم ليه، الكل بيسأل عن اللي حصل من أمي ومحدش واخد باله إن أخويا  الوحيد مات؟
-هو حد قالك حاجة يا بنت الناس علشان تصرخي كده، ماأنا أول مادخلت قولت  لك البقية في حياتك، نطقها بحدة ليسترسل موضحًا بتعجب: -وبعدين سألتك  علشان بصراحة اللي حصل من امك غريب وملوش تفسير.
لاحت بمخيلتها كذبة لتقول لتنأى بحالها من أسألتهم التي ارهقت عقلها  وزادت من سوء حالتها النفسية: -كنت متخانقة أنا وعلاء قبل ما يمشي بيوم،  إرتحت يا عزيز؟!
تطلع عليها بضيق ليهز رأسه بلامبالاة وتمدد بجوارها ليغفو بعد قضاء يومٍ شاق بالنسبة للجميع.
عصر اليوم التالي
كانت تجلس بصحبة نجلها تراجع معه دروسه بتمعن واهتمام، استمعت لصوت رنين هاتفها ف ردت حين وجدته رقم نوارة: -إزيك يا نوارة.
ردت تلك الخلوقة بصوتٍ هادئ: -الله يسلمك يا إيثار، عاملة إيه يا حبيبتي ويوسف عامل إيه؟
-إحنا بخير الحمدلله، طمنيني على بابا، قالتها باهتمام وترقب لترد الاخرى: -الحمدلله كويس.
أخذت نفسًا لتسألها باطمئنان: -الفلوس اللي بعتها لك على الكاش وصلتك؟
-آه يا اختي كتر خيرك، صرفتهم ورحت اشتريت بيهم الكوتشات للعيال، نطقت  كلماتها بعرفان لتلك الحنون التي تبعث لها بين الحين والاخر بعض الاموال كي  تساعدها على شراء بعض مستلزمات الصغار سرًا بدون علم أحد حتى وجدي بذاته  وكان هذا شرط إيثار، لتسترسل نوارة: -أنا متصلة بيكِ علشان اقول لك إن علاء  أخو نسرين تعيشي إنتِ.
اتسعت عيني إيثار لتقول بصوتٍ متأثر: -لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، إتوفى إمتى وإزاي؟
قصت لها ما حدث تحت حزن إيثار على خسارة الشاب لعمره لتتابع الاخرى بتوضيح: -أنا قولت أبلغك علشان تكلميها وتعملي الواجب
تنهدت بهدوء لتقول بعقلانية: -خليني بعيد عن نسرين أحسن يا نوارة، أنا  مشفتش منها قليل واللي عملته فيا كتير، كفاية إنها طول الوقت بتحرض ماما  وعزيز عليا.
واسترسلت بتخوف: -وبعدين دي بني أدمة مريضة، مش بعيد تفتكر إني مكلماها علشان اشمت فيها، وتسمعني كلمتين ملهومش لازمة
لتستطرد بحزم: -ربنا يصبرها ويرحم اخوها، بس هي وعزيز البُعد عنهم غنيمة، وانا مش عاوزة اتواصل معاهم لأي سبب.
-اللي يريحك إعمليه يا إيثار، أنا قولت اقول لك وإنتِ أدرى بمصلحتك،  قالت كلماتها لتسترسل بإبانة ما حدث: -على العموم أهو ربنا خد لك حقك منها،  وزي ما حرضت أمك عليكِ ربنا سلط أمها طردتها وبهدلتها من قلب العزا بتاع  أخوها.
ضيقت بين عينيها لتسألها باستغراب: -مش فاهمة، وأمها تطردها ليه؟
أجابتها: -ولا حد يعرف حاجة، الولية زي ما تكون اتجننت، فضلت تزق فيها لحد  ما رمتها برة البيت واللي طالع عليها إنت ودهبك الملعون السبب في موت ابني.
بلامبالاة أجابتها الأخرى: -ربنا يسهل لها بعيد عني، خدي بالك من  الولاد ولو احتجتي أي حاجة أو بابا ناقصة أي حاجة رني عليا وأنا هبعت لك  على طول.
شكرتها بعرفانٍ لتنهي المكالمة وتعود إيثار لمتابعة المذاكرة للصغير.
بعد مرور يومان
يفترش عزيز وشقيقاه النجيل داخل أرض والدهم وهم يعدون مشروب الشاي على تلك  النار الشاعلة من بعض قطع أخشاب الاشجار، نطق عزيز موجهًا حديثه إلى أيهم:  -بقول لك إيه يا أيهم، ماتتصل باختك وتحاول معاها تاني في موضوع عمرو، ولا  عاجبك وقف الحال اللي إحنا فيه ده؟
رد وجدي سريعًا بتذكير: -وبعدين معاك يا عزيز، إنتَ نسيت كلام أبوك وتهديده للي هيقرب من إيثار؟
أجابه موضحًا مغزى حديثه: -يا ابني إفهم الكلام، هو أنا بقول له روح هاتها متكتفة ولا غصب عنها؟
ليسترسل بإبانة وهو يرفع الوعاء من فوق النار ليبدأ بسكب الشاي داخل  الاكواب: -هو ليه كلام معاها وهي بتسمع له، هيتفاهم معاها بالراحة وهيقول  لها كلمتين عن حالنا وحال عيالنا اللي يحزن يحنن بيهم قلبها علينا.
-ريح نفسك يا عزيز، إيثار من بعد أخر مرة كلمتها فيها وهي مش طيقاني  وحطتني في اللستة جنبكم، نطق كلماته بحزن سكن عينيه ليسترسل لائمًا على  شقيقه: -وبعدين مالها ظروفنا يا عزيز، ما احنا الحمدلله زي الفل اهو، أنا  ووجدي موظفين وانا لقيت شغلانة تانية بالليل والحمدلله المرتبين ممشيين  الحال، وادينا سيبنالك نتاج الأرض كله ليك ولعيالك، عاوز إيه بقى.
ارتشف من كوبه لينظر لشقيقه بعدم رضا وهو يقول ناقمًا على حاله: -نتاج  أرض إيه يا حسرة اللي بتتكلم عليه يا سي ايهم، هي الملاليم دي بتعتبرها  فلوس
ليستكمل بنبرة ساخطة: -مش شايف العز اللي ولاد نصر غرقانين فيه، وكل مادا فلوسهم بتكتر وتزيد وإحنا يزيد فقرنا.
قال وجدي برضا بعدما فقد الأمل في العودة للعمل مع نصر بعد قرار والدهُ  الحاسم: -الحمدلله على اللي إحنا فيه يا عزيز، بص لغيرك اللي مش لاقي  الرغيف الحاف واحمد ربنا.
هتف بسخطٍ ومعارضة: -وليه تبص للي مش لاقي، متبص للي بيلعب بالفلوس لعب.
نطق أيهم بنبرة حادة لغلق هذا الموضوع: -بص للي إنتَ عاوز تبص له يا  عزيز بس إبعدني عن موضوع إيثار، أنا مش عاوز اغضب أبويا ولا محتاج حاجة من  ورا نصر وعياله أصلاً
نطقها تحت غضب عزيز وحدة ملامحهُ.
كانت تغفو بغرفتها بجسدٍ منهك وعلى حين غرة شعرت بشيئًا ثقيل جثى فوقها  لتفتح عينيها ببطئٍ لتجده صغيرها الذي صاح بنبرة حماسية: -يلا يا مامي  علشان نروح نشتري حلاوة المولد، وعاوز كمان حصان
حاضر يا حبيبي، نطقتها بهدوء لتقوم وتبدل ثيابها وتذهب بصحبة الصغير.
ولج لداخل الكافية المرفق بمحل الحلوى الشهير بالعاصمة بصحبة صديقه  المستشار شريف ليتناولا قطعتان من الحلوى مع احتسائهما لكوبين من القهوة  الساخنة، جلسا وبدأ باحتساء قهوته مع مناقشتهما لقضية تشغل الرأي العام،  وأثناء تطلعه للشارع من خلال جدران المحل الزجاجية توسع بؤبؤ عينيه وانتفض  قلبه بداخل صدره معلنًا عن عصيانه وهو يرى من سلبته راحة باله برحيلها وهي  تترجل من سيارتها ممسكة بكف طفلٍ صغير توقع أنه نجلها، كاد قلبهُ أن ينخلع  من مكانه ليسبقهُ مهرولاً عليها وبدون سابق إنذار.
انتفض من مقعده ليسأله شريف متعجبًا: -على فين يا فؤاد باشا؟!
هروح أختار علبة حلاوة وأحجزها علشان اخدها معايا وأنا مروح، هكذا أجابه ليومي له الاخر.
ساقته قدميه إلى ان وصل امامها، نظر لها بعينين تفيضُ اشتياقً وولهًا  وتألمًا، فقد أصبح في ابتعادها كسفينة بلا شراع تتوه في ظلمات البحر ولا  تجد لها مرسى، كانت تقف أمام الفترينات المعروض بداخلها الحلوى لتنتقي من  بينها القطع المحببة لديهم، انتبهت حاسة الشم لديها على رائحة عطره المميز  لتلتفت سريعًا باحثة بعينيها عنه كما العطشانِ للإرتواء ليهتز جسدها وينتفض  قلبها حين رأتهُ يقف بجانبها يشملها بنظراته الولهة لتبتلع ريقها خجلاً  بعد رؤيتهُ لها بتلك الحالة، اخرج صوتهُ المهزوز وهو يقول بنبرة أقرب  للهمس: -إزيك.
تحمحمت لتجلي صوتها كي لا يخرج متأثرًا بالمفاجأة لتقول بهدوء: -الحمدلله.
نزل ببصره للأسفل ليتطلع على الفتى المُتشبث بكفها ليسألها بتأثر: -ده إبنك؟
هزت رأسها بإيجاب لينحني لمستوى الصغير وهو يقول بابتسامة بشوشة وصوتٍ حنون: -إزيك يا يوسف.
-الحمدلله، قالها ببرائة ليسأله فؤاد بمداعبة بعدما انتوى التقرب منه: -إنتَ مش عارف أنا مين؟
نفى الصغير بهزة من رأسه ليسترسل بعد أن قرر مشاكسته: -أنا شرشبيل
توسع بؤبؤ عيني الصغير وفرغ فاهه ليبتسم الأخر على تعبيرات وجهه الملائكي  ويكمل مسترسلاً: -شرشبيل اللي كلمت مامي الساعة ثمانية، مش فاكرني؟
رفع الصغير رأسه لأعلى ليستعين بها وجدها مبتسمة بخفوت ليعود الصغير  ببصره إليه مجددًا وهو يقول نافيًا: -شرشبيل إزاي وإنتَ عندك شعر حلو كده؟!
انطلقت ضحكة عالية من فؤاد تعجبت لها وهي تتطلع على وجهه لتراه كحديقة  مزدهرة بربيعها نظر لها وتحدث بدعابة: -ده مش شعري، أنا إستلفته من سنفور  علشان اقابلك بيه.
قال كلماته ولثم الصغير من وجنته ليهب واقفً وهو يقول بإصرارٍ: -إحنا لازم نتكلم على فكرة.
بوجهٍ مقتطب أجابته بصرامة بعدما تحكمت بمشاعرها: -مبقاش ينفع يا سيادة المستشار، الكلام مبقاش ليه لازمة خلاص.
-إقعدي معايا وخليني أشرح لك وجهة نظري وبعدها قرري، قالها بترجي لترد باقتطاب: -بيتهيء لي إنك قولت اللي عندك وأنا جاوبت بطريقتي.
-وانا غيرت كلامي، نطقها بايحاء لطلبه للزواج منها رسميًا لترد بقوة: -وأنا كمان غيرت كلامي.
قطب جبينه بعدم فهم مقصدها وأشار للعامل قائلاً وهو يسلمه الصغير  ليتحدثا بأريحية بعيدًا عنه: -خد يوسف قعده على تربيزة وهات له أيس كريم.
نظر الصغير يستشف موافقة والدته من عدمها لتومي له بعينيها فتحرك بصحبة  العامل، عاود النظر لها لتسترسل ما بدأته بإبانة: -موضوع الإرتباط أنا  قفلته وللابد، أنا أصلاً كنت قفلاه ورافضة أي مبادرات لفتحه.
لتسترسل بخيبة أمل وحُزن ظهرا بعينيها: -والحمدلله، إنتَ اثبت لي إني  كنت صح في قراري، وإني كنت غبية لما حبيت ادي لقلبي فرصة تانية، بس كويس  اللي حصل علشان افهم اكتر، وكأن الدنيا بتقولي إفهمي يا غبيه، ملكيش نايب  ولا نصيب في الحتة دي ومتحاوليش تقحمي نفسك وتخطفي حق مش مكتوب لك.
تنفس بألم ليقول بذات مغزى: -مينفعش تحكمي على حد من غير ماتفهمي ظروفه.
-ميلزمنيش أعرف ظروف حد، أنا واحدة بحارب ضد التيار، الدنيا كلها  معنداني ومعنديش إستعداد أشيل هموم غيري، كفاية عليا قوي اللي أنا فيه،  نطقت كلامها باستسلام لتتابع بمغزى: -أنا عندي مشاكل كتير قوي مع عيلة إبني  وحتى أهلي نفسهم عندي معاهم مشاكل.
-هقف معاكِ وفي ظهرك وهكون سندك قدام أي حد يتعرض لك، نطقها بصدقٍ وقوة  لترد بثبات واصرار كي تثبت له أنها اتخذت قرارها وقضي الأمر: -ربنا معايا  وده كفاية قوي، طول عمري وانا سند لنفسي ولإبني وربنا بيقويني، يعني مش  محتاجة لسند.
قالتها لغلق الموضوع ليهمس بقلبٍ يتألم وعينين تترجى لأجل إحياء قلبيهما: -بس إنتِ كده بتحكمي على قلوبنا بالإعدام.
-عارف، نطقتها بتأثر ليتمعن بعينيها مترقبًا لحديثها بلهفة كما  المسمومِ للترياق لتتابع بلمعة لغشاوة دموعٍ بعينيها: -على قد ما كلامك  وجعني وكسرني، على قد ما حمدت ربنا إنه حصل، لأنه نبهني وخلاني أفوق لنفسي  واكتفي بإبني
لتنظر للصغير بعينين تفيضُ حنانًا: -يوسف بالنسبة لي الدنيا وما فيها وأنا  مش مستعدة اخسره قدام أي مكسب، حتى لو هدوس على قلبي اللي كده كده اتحكم  عليه بالإعدام من يوم طلاقي من عمرو.
برغم تأثره الشديد لكلماتها وكم الألم الساكن بعينيها إلا انهُ شعر  بنارًا مستعرة تغزو جميع شرايينهُ لتسري بها، ضغط على أسنانه وهو يقول دون  وعيٍ منه: -أظن إني قولت لك قبل كده إني مبحبش الست بتاعتي تنطق باسم راجل  غيري.
ابتسامة ساخرة ارتسمت فوق جانب شفتها لتنطق بما أحزنه: -على فكرة يا  سيادة المستشار، إنتِ وعمرو متختلفوش عن بعض كتير، إنتوا الإتنين دخلتوا لي  عن طريق الكلام المعسول وأسر مشاعري، وبعدها دبح. توني بس كل واحد إتفنن  بدب. حي على طريقته الخاصة.
اتسعت عينيه بذهولٍ ليسألها لائمًا: -إنتِ بتشبهيني بالحقير اللي خانك يا إيثار؟!
اجابته بقوة ممزوجة بألم: -ما أنتَ كمان خونت ثقتي الكبيرة اللي حطيتها  فيك، خونت وعودك بأنك هتكون لي الأمن والأمان ومشفتش منك غير خيبة الأمل  والحسرة، وعدتني بالجنة وملقتش معاك غير جهنم اللي رمتني اتشوي فيها بعد  عرضك المُهين.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بألم: -إنسى وحاول ترجع لحياتك قبل ما تشوفني، وأخرج برة وهم إنك حبيتني لانك محبتنيش.
سألها متعجب?ا بتأثُر: -أنا محبتكيش، أمال اللي أنا فيه من بُعدك ده تسميه إيه؟!
بلامبالاة أجابته: -سميه تعود، زعل على حاجة كان نفسك فيها وأقلمت  حياتك إنك هتملكها قريب وما طولتهاش، لكن حب؟ مظنش، لأن اللي بيحب بيحافظ  على كرامة اللي بيحبه وعمره ما يقبل بجرحه.
هم بالرد لكن قاطعه اقتراب أحدهم الذي تحدث بكثيرًا من الود إلى إيثار وهو ينظر لها باشتياق: -إيثار، إزيك.
التفت لاستكشاف صاحب الصوت لتبتسم بإشراقة أنارت وجهها وأشعلت قلب ذاك  المحب الغيور، لتقول بصوتٍ مهذب: -إيه المفاجاة الحلوة دي، إزيك يا وليد.
إنه وليد حسين حبيب لارا أيمن والتي تعرفت عليه من خلال لارا حيث حددت  موعدًا قبل السابق لثقتها برأي إيثار ورأته بعدها عدة مرات بحفلات أعياد  ميلاد بمنزل أيمن، ابتسم لها ليسألها باهتمام: -بتعملي إيه هنا؟
اشارت على يوسف الجالس يتناول المثلجات باستمتاع وهي تقول: -جاية مع يوسف نشتري حلاوة المولد
التفت للصغير ليتحدث باشتياق: -المجرم، ده واحشني جدًا، هروح أسلم عليه وارجع لك
ليتابع باهتمام شديد دون ملاحظة وجود فؤاد: -لازم نتكلم في الموضوع إياه.
-أوكِ، مستنياك، نطقتها بهدوء لينسحب وليد تاركًا ذاك الذي يحترق ليضع يداه داخل جيبي بنطاله ويسألها بنظراتٍ حارقة: -مين الباشا؟!
ليستطرد بعينين تطلق سهامًا نارية: -وموضوع إيه ده إن شاء الله اللي عاوزك فيه؟!
قطبت جبينها متعجبة حدته، لقد تخطى حدوده فقررت ان تجيبه بما أحرق قلبه وزاد من اشتعاله: -وحضرتك بتسأل بصفتك إيه؟!
احتدت ملامحه لينطق من بين اسنانه: -إيثاااار، ردي عليا وبلاش تجننيني.
رمقته بحدة لتجيبه بذات مغزى: -ياريت يا سيادة المستشار متتخطاش الحدود  اللي بينا، وياريت كمان دي تكون أخر مرة تقحم نفسك في حياتي أو إني أشوفك  أصلاً.
-أصلاً، نطقها معقبًا بحاجب مرفوع لتتجاهل غضبه وتتركه دون استئذان وهي  تتحرك باتجاه نجلها و وليد تاركة إياه يغلى من شدة غضبه وغيرته، اثناء  حديثها مع وليد وجدته يذهب إلى الكاشير فعلمت أنه قرر أن يدفع عنها فاتورة  مشترواتها فاستأذنت من وليد لتصطحب الصغير من كف يده إلى أن وصلت سريعًا  لتتحدث بحزمٍ للكاشير: -حسابي كام لو سمحت.
-الأستاذ دفع الحساب خلاص، نطقها الموظف ليحتد صوتها وهي تنطق بقوة: -والاستاذ ولا غيره يحاسب لي ليه؟
لتستطرد بقوة: -أنا اللي طلبت منك الأوردر وأنا اللي هحاسب عليه.
تحمحم ليقول بإحراج: -خلاص يا إيثار محصلش حاجة، دي هدية بسيطة مني ليوسف.
رمقته بقوة ترجع لحساسيتها بأمر المال لتهتف بحزمٍ شديد: -يوسف مبياخدش  هدايا من حد، والحمدلله معانا اللي يكفينا ويعيشنا مستورين وميخلناش  محتاجين حاجة من أي حد.
حولت بصرها لموظف الكاشير لتقول بنبرة جادة: -الحساب وإلا هسيب لك الحاجة وهمشي.
نظر الرجل إلى فؤاد ليومي له ليرد له المال من جديد ويتسلم منها ثمن عُلبة الحلوى وحتى حلوى الصغير المثلجة الذي تناولها.
نزل لمستوى الصغير وغمره ثم ابتعد عنه ليقول بابتسامة صافية: -أنا مبسوط قوي إن أنا شفتك واتعرفت عليك.
-بس أنا مش مصدق إنك شرشبيل، هو مش شبهك أصلاً، نطقها الصغير بتشتت  ذهني ليبتسم له ومرر كفه فوق وجنته بحنو وهو يقول: -إنتَ جميل قوي وذكي  وانا حبيتك.
رفع بصره إلى تلك المتطلعة عليهما تتابع بتأثر لييسترسل بذات مغزى:  -قول لمامي ياريت تمشي ورا إحساسك وسيبي نفسك لقلبك، قولها إنها هتكون في  إيد أمينة هي وچو.
-يلا يا يوسف، نطقتها بتأثر ليقف فاردًا ظهره ليقابلها ويتمعن بالنظر  داخل مقلتيها وهو يقول بنبرة صادقة: -مش هيأس وهستناكِ لحد ما تهدي علشان  نقعد ونتكلم.
-يبقى هتقضي باقية عمرك كله مستني يا جناب المستشار، نطقتها بحزم  ليجيبها بنظرة تحمل الكثير من الغرام: -ولو لأخر يوم في عمري بردوا  هستناكِ.
ابتلعت لعابها وقبل أن تتأثر بشعاع عينيه الساحرة جذبت صغيرها بعدما  تسلمت العُلبة لتنسحب إلى الخارج ليتابع ذهابها حتى استقلت سيارتها  وانطلقت، حول بصره سريعًا لذاك الوليد وأخرج هاتفه ودون ملاحظة أحد أخذ له  صورة عن طريق الهاتف ليبعثها لأحد رجاله ليقوم بالتحري عنه لمعرفة شخصه،  وبعد عدة ساعات كان لدية تقرير وافي عنه ليرتاح قلبه بعدما علم بعلاقته  الجادة بإبنة أيمن الاباصيري.
بعد مرور حوالي إسبوعين.
كانت داخل إجتماع منعقد بين أيمن وفريق العمل ورجل أعمال أخر لإبرام  إحدى الصفقات، استمعت لصوت هاتفها فنظرت لتجد شقيقها أيهم ضغطت لتجعل  الهاتف صامتًا لكنها تعجبت على إسراره ومازاد من تعجبها إتصال عزة بعد عدة  محاولات من ايهم، انتظرت حتى انتهى الإجتماع بعد نصف ساعة لتهرول لمكتبها  وتعاود الإتصال بشقيقها الذي هتف سريعًا بصوتٍ متأثر: -إنتِ فين يا إيثار،  عمال ارن عليكِ بقالي ساعة.
ارتعب داخلها لتسألهُ بارتياب: -فيه إيه يا ايهم؟
-بابا تعبان قوي وطالب يشوفك، نطقها الشاب بصوتٍ حزين لتنطق بقوة وصوتٍ حاد: -قول لعزيز يلعب غيرها وإتقوا الله بقى وسبوني في حالي.
بنبرة اشبه بباكية اخبرها الشاب: -أبوكِ بيموت يا إيثار، أنا بكلمك من مستشفى المركز والدكتور كلامه ميطمنش.
هتفت بصوتٍ يرتجف من شدة تخوفها: -إنتَ بتقول إيه، بلاش كذب بقى.
بصوتٍ متأثر نطق بقسمٍ: -والله العظيم ما بكذب عليكِ، هو بيعمل إشعة جوة ومعاه وجدي، وأول ما يخرج هخليه يكلمك علشان تصدقي
نزلت كلماته عليها لتزلزل كيانها بالكامل، لم تدري بحالها إلا وهي تُغلق  الهاتف وتُلملم أشيائها لتهرول على مكتب أيمن وتخبره بما حدث فقال لها  مطمأنًا إياها: -روحي إطمني عليه وابعتي لي عنوان المستشفى اللي هو فيها،  وانا هخلي أحمد يبعت لك عربية إسعاف مجهزة تنقله للمستشفى عندنا.
شكرته بعرفان وانطلقت بسرعة البرق لتستقل سيارتها متجهة للمركز للحاق بوالدها العزيز والإطمئنان على صحته.
ترى هل حقًا غانم مريض أم أنها لُعبة جديدة من ألاعيب عزيز وستقع إيثار  داخل مصيدة نصر المتربص بها ليقدمها كربانًا إلى زوجته المتجبرة لتنفذ  إنتقامها منها؟



 الفصل العشرون


كانت تقود سيارتها بسرعة فائقة وكأنها تُسارع الزمن لتصل إلى عزيز  عينيها قبل فوات الاوان، لم تنقطع دموعها منذ أن انطلقت بسيارتها وللأن،  فكرة أن والدها من المحتمل أن يفارقها تُدمي قلبها وتجعل داخلها ينتفضُ  رُعبًا، هل سيرحل ذاك الحبيب ويتركها تواجه عالمها المستوحش بلا سند، نعم  لم يكن لها بالسند القوي طوال الوقت لكن طالما ظهرت قوته بالوقت المناسب،  فكلما تكالب عليها الذئاب واظهروا مخالبهم إستعدادًا لنهشها لينال منها  الإحباط تحت كثرة عددهم وعندما تشارف على لفظ أنفاسها الاخيرة يظهر هو  لينقذها من براثن أعدائها وينأى بها بعيدًا عن خُبثهم، وصلت في وقتٍ قياسي  لشدة سرعتها، صفت السيارة أمام المشفى وترجلت تهرول للداخل حتى وصلت  للإستقبال ومنه إلى المكان المتواجد به أبيها حسبما وصف لها موظف  الإستقبال، خطت خطوتان لتفاجيء بوجود عزيز وأيهم ينتظران خارج غرفة الكشف،  أخذت نفسًا عميقًا لتمُد حالها بالصبر لتحمل اسلوب شقيقها المستفز قبل أن  تتحرك وتخرج صوتها المرتعب وهي تسأل شقيقها: -بابا فين يا أيهم؟

التفت كلاهما باتجاه الصوت ليهب أيهم مهرولًا نحو شقيقته ليمسك كفها وهو  يقول بحزنٍ تجلى بصوتهِ وظهر داخل عينيه: -مع الدكتور جوة ومعاه ماما و  وجدي.

كان صدرها يعلو ويهبط بقوة وأنفاسها تتعالى لشدة خوفها الممتزج  بهرولتها إلى أن وصلت، وقبل أن تسألهُ عن حالة والدها باغتها مقاطعًا ذاك  الجالس يترقب طلتها: -طب إرمي السلام على اللي قاعدين، ده حتى السلام لله

طالعته بملامح جادة لتقول بنبرة هادئة: -إزيك يا عزيز.

-الحمدلله يا بنت أبويا، نطقها ليقف منتصب الظهر وتحرك حتى وقف قبالتها  يطالعها بحنانٍ تعجبت له والادهى من ذلك صوتهُ الهادئ الذي نطق به وهو  يحاول طمأنتها: -متخافيش أبوك شديد هيقوم منها وهيبقى زي الفل.

تعجبت تغييره الكُلي في معاملتها لكنها تغاضت عن الأمر ورجحت تصرفه إلى  ارتباكه وحزنه على والديهما فتحدثت إليه بنبرة متأثرة: -أنا عاوزة أشوفه،  وعاوزة اتكلم مع الدكتور

لأول مرة بسنوات عمرها يقترب منها ويجذبها لداخل أح. ضانه ليهمس بهدوء وهو  يربط على ظهرها بحنِو: -قولت لك متخافيش، ابوكِ عفي وهيقوم منها بالسلامة.

تسمر ج. سدها وتشتت تفكيرها وللحظة باتت تتسائل، من هذا بحق الله؟!

أهذا هو عزيز بعينه! ذاك القاسي من تذوقت على يديه جميع أنواع الذُل والمهانة؟!

فاقت من شرودها على صوت باب غرفة الكشف الذي فُتح لتبتعد سريعًا عن حض. ن  شقيقها المُزيف والتي لم تشعر به، التفت لتجد شقيقها ووالدتها تسندان  غاليها، صاحت باسمه وهي تهرول إليه كطفلة لم تتعدى الأربعة أعوام، انشرح  صدره وتهلل وجهه لرؤية صغيرته التي ارتمت بأحضانه وهي تقول بصوتٍ مختنق  بالعبرات رُغمًا عنها: -سلامتك يا بابا، ألف سلامة.

ابتعدت كي لا تُرهقه وما أن تطلعت عليه بتمعن حتى انخلع قلبها رُعبًا  عليه، فقد شحب وجههُ كثيرًا وسكن عينيه المرض حيث أصبح بياض عينيه أصفرًا  أما جسدهُ فقد نحل وفقد كثيرًا من وزنه، اختنقت بالعبرات وما شعرت إلا  بدموعها تنسدل فوق وجنتيها بعد أن رأت حالته المزرية، تحدث بصوتٍ متقطع  نتيجة مرضه: -كويس إنك جيتي يا بنتي علشان أشوفك قبل ما ربنا ياخد أمانته.

أردفت سريعًا وهي تنفي برأسها بينما تتناثر دمعاتها المتألمة وهي تحاول  زرع الأمل في نفس غاليها: -متقوليش كده يا بابا، إنتَ هتتعالج وهتبقى كويس  إن شاء الله

رمقتها منيرة بنظراتٍ حادة لتقول ناهرة: -إوعي من طريقه خلينا نقعده علشان يرتاح.

ابتعدت لتفسح له المجال ليجلس بعد عدة خطوات ساندًا ظهره للخلف مغمض  العينين، نظرات باردة تبادلتها مع والدتها التي رمقتها بسخطٍ، لم تشعر  بلحظة حنين او اشتياق بداخل عيني تلك القاسية برغم إبتعادها عنها وعدم  رؤيتها لعدة شهور، أخذت نفسًا عميقًا لتستفيق على صوت شقيقها وجدي الذي وضع  كفه على كتفها ليجبرها على الالتفاف له: -حمدالله على السلامة يا إيثار

التفت بجسدها ليجذبها بين أحضانه وهو يقول: -عاملة إيه؟

ابتعدت قليلاً لتخبره بهزة من عينيها: -أنا بخير الحمدلله

واستطردت مستفسرة: -الدكتور قال لكم إيه عن حالة بابا؟

-لسة الإشعة مطلعتش، الدكتور قال إنه هيتحجز هنا في المستشفى كام يوم  علشان يتابعوا حالته ويشوفوا عنده إيه، قالها بهدوء لتنطق وهي تنسحب بهدوء  داخل غرفة الطبيب: -أنا هدخل أسأله بنفسي.

لوت منيرة فاهها ورمقتها بسخطٍ بعدما تجاهلت وجودها ولم تُلقي عليها حتى  السلام او تسألها عن حالها، ولجت إيثار بعد الإستئذان لتسأل الطبيب عن  حالة غاليها ليجيبها الطبيب أن حالتهُ ليست بأحسن حال من خلال قياس النبض  والهيئة العامة لجسده النحيل لكنه لا يستطيع تحديد خطورة الوضع من عدمه إلا  بعد ظهور نتيجة التحاليل والأشعة التي أُجريت له، أخبرته أنها ستنقل  والدها لمشفى الاباصيري الإستثماري ليُذهل الرجل من ذاك الإسم اللامع  والشهير بعالم الطب ليتعجب داخله من كيفية دخول شخصية بسيطة ك غانم إلى  مشفى إستثماري كبير ك مشفى الأباصيري.

خرجت من عند الطبيب لتخبر والدها وأشقائها بانتقال والدها لمشفى كبير  بالقاهرة ليقول والدها باعتراض بصوتهِ الخافت: -أنا مش رايح لمكان يا بنتي،  خليني أموت على فرشتي أحسن

انحنت لتجلس تحت ساقيه لتقول بنبرة تشعُ حنانًا بعدما ضمت كفيه بخاصتها:  -العمر الطويل ليك يا حبيبي، إحنا هنروح مستشفى كبيرة وهيتعمل لك كل اللازم  هناك، وهتخف وصحتك هترجع احسن من الأول كمان.

مالت على كفيه لتطبع قُبلة حنون لترفع وجهها تطالع عيناه مسترسلة بتفاؤل: -وبكره هفكرك

ابتسم بوهنٍ وبصعوبة رفع كفه ليمرره فوق وجنتها الناعمة ليشعر بحنان الدنيا  يملؤ عينيها التي تطالعهُ، اخيرًا قررت تلك عديمة الإحساس التخلي عن صمتها  لتتحدث بملامح وجه صارمة: -ودي مين اللي هيدفع فلوسها إن شاء الله؟

حزن غانم من كلمات زوجته وشعر بالعجز وبأنه عالة على الجميع لتهتف  سريعًا بعدما شاهدت تعبيرات وجهه الحزين: -محدش هيدفع حاجة، دي مستشفى إبن  الباشمهندس أيمن مديري، وهو هيعمل لي تخفيض كبير

تابعت مسترسلة كي لا تُشعر والدها بالحرج: -اللي هدفعه هيكون مبلغ رمزي، وبعدين الدنيا كلها فدى إن بابا يقوم بالسلامة.

ابتسامة حزينة ارتسمت بجانب ثغره لتهتف منيرة بتبرير بعد أن رأت الأسى  على وجه زوجها: -طبعاً فداه الدنيا كلها، بس الإيد قصيرة والعين بصيرة

واسترسلت عن قصد وهي ترمقها بذات مغزى وكأنها تحملها ذنب حالة أشقائها:  -وزي ما أنتِ شايفة حالة إخواتك، لا تسُر عدو ولا حبيب، اللي ميشوفش من  الغربال يبقى أعمى.

وصلها المغزى من الحديث التي سأمته وما ان تطلعت لأبيها بحنان حتى جذب  انتباهها صدوح رنين هاتفها لتخرجه من حقيبة يدها لتفاجئ برقم أيمن، وقفت  وهي تتحدث لأبيها تُعلمه: -ده الباشمهندس أيمن بيتصل علشان يطمن عليك وياخد  عنوان المستشفى، هيبعت لحضرتك عربية إسعاف مجهزة تنقلك علشان تكون مرتاح

تمعنت بعينيه مستفسرة: -هدي له العنوان يا بابا.

اومأ بضعف لتقف جانبًا تعيد الإتصال الذي انقطع وتخبر أيمن بالعنوان  ليبعثه في الحال لنجله الذي أسرع بإرسال عربة مجهزة حسب أوامر والده حيث  أبلغه بأنهُ سيتكلف نفقة العلاج ليعارضه أحمد بعدما أصر على تحمل المشفى  جميع التكاليف واعتبارها حالة إنسانية، وذلك لما يكنه من احترام وتقدير ل  إيثار.

بعد مرور حوالي الثلاثة ساعات، وصل والد إيثار المشفى ليستقبلهُ أحمد  بحفاوة وبدأ بالكشف عليه هو وبعض الأطباء الأكفاء وإجراء الفحوصات المطلوبة  لتحديد ما يعاني منه، وبعد قليل بعث أحمد إلى إيثار لتحضر بمكتبه الخاص  فقرر وجدي الذهاب بصحبتها، ولچا للداخل ليشير لهما أحمد بالجلوس وبدأ  بالحديث بمهنية طبيب ماهر: -طبعًا الإشاعات اللي عملناها لسة نتيجتها هتطلع  بكرة والمفروض ما اتكلمش معاكم في حاجة إلا بعد ما نتأكد.

أخذ نفسًا عميقًا ليزفره بقوة دلت على ما ينتوي قوله لينخلع قلبها  بعدما توقعت سوء حالة والدها المرضية ليتابع أحمد بحديثًا ثقيلاً على قلبه:  -للأسف، الدكتور الإستشاري اللي حضر الكشف الأولي على بباكم شاكك في كانسر  في الكَبد، كل المؤشرات بتوحي لكدة.

-شاكك ولا متأكد؟، نطقتها بقلبٍ ينزف دمًا وساقين ترتجفتين لشدة صدمتها  من ذاك الخبر المشؤوم والتي تتأملُ أن يُخطئ الطبيب بتشخيصه لتتابع بصوتٍ  مهزوز: -أصلها تفرق يا دكتور.

تنهد بضيق ليجيبها بمهنية: -دكتور سليم متخصص في أورام الكبد وعنده خبرة كبيرة فيه

واستطرد بأسى ظهر بَيِن فوق ملامح وجهه: -ولو مكنش متأكد 100%100 عمره ما كان هيبلغني.

نزلت كلماته على قلبها الضعيف لتشطرهُ لنصفين، لم يسبق لها خوض ذاك  الشعور المرير من قبل، فقد خاضت معارك كثيرة وذاقت من الخيبات والإنكسارات  ما حولها لتلك الصامدة الساندة لحالها لكن تلك المرةِ تختلفُ كليًا،  فالصدمة هذه المرة تخص الإنسان الأغلى بحياتها، والدها الحنون الذي طالما  غمرها بحنانه وشملها بعطفه ورعايته وساندها كثيرًا كي تتخطى الكثير من  عثراتها، سقط قناع القوة لديها لتنهمر دموعها ك شلالات بعدما فقدت السيطرة  عليها مما جعل شقيقها الذي لا يختلف شعورهُ عنها بالكثير من أثر الصدمة  ليربط على كفها قائلاً في محاولة منه لتهدأتها: -استعيذي بالله من الشيطان  الرجيم واتفائلي خير، كل دي لسة تخمينات.

بالرغم من وثوقه التام في قدرة دكتور سليم الطبية لكنه أراد أن يمنحها  بعض الأمل الزائف كي يرتاح قلبها قبل التأكيد لينطق في محاولة منه لبث  التفاؤل لدى تلك الذي نزل عليها الخبر كالصاعقة: -أتمنى من كل قلبي إن  تشخيص دكتور سليم يطلع غلط، أنا حبيت بس أبلغكم علشان تكونوا مستعدين للي  جاي، لانه للأسف صعب عليه وعليكم قبل منه.

-تخبُط، تشتُت، عدم اتزان بالمشاعر، فقدان التركيز وشعورًا بالضياع، كل  هذه المشاعر هاجمتها هي وشقيقها الصامت، تحاملت على حالها لتستند بساعديها  بجانبي المقعد كي تستطيع الوقوف لتنطق بحروفٍ خرجت مهزوزة بعدما تطلعت إلى  أحمد: -متشكرة لتعبك واهتمامك يا دكتور.

أجاب باحترامٍ لشخصها: -ماتقوليش كده يا إيثار، إحنا اخوات والباشمهندس  موصيني عليكِ بنفسه، وتأكدي إن والدك في إيد أمينة وأي حاجة هنلاقيه محتاج  لها على الفور هتتعمل له.

بنبرة تملؤها عزة النفس أجابته: -متشكرة جدًا لحضرتك، وياريت تدي خبر للحسابات إني هعدي عليهم بكرة بالكتير.

أجابها بنبرة زائفة كي لا يجرحها ويشعرها بالتقليل: -والله الموضوع ده تحليه بينك وبين مديرك، لأني واخد دفعة كبيرة تحت الحساب.

نظرت له بامتنان وخرجت بمجاورة شقيقها لتنطق قبل أن يتجها صوب غرفته  التي خصصها له أحمد: -وجدي، الكلام اللي إتقال لنا من دكتور أحمد هيفضل  بينا ومش هيخرج حتى لعزيز.

واسترسلت بإيضاح: -مش عايزين بابا ياخد باله، على الأقل لحد ما نتيجة الإشاعات تطلع ونطمن على بابا وإن معندوش حاجة إن شاء الله.

-حاضر يا إيثار، نطقها ليتلفت من حوله وهو يقول بتوجس: -المستشفى شكلها غالي قوي، هتسدي حسابها إزاي ومنين؟

أجابته بهدوء: -أنا معايا فلوس ركناها في البنك تحسبًا لأي طوارئ، وأظن  مفيش ظروف أسوء من كده علشان استخدمها، وكمان دكتور أحمد أكيد هيعمل لي  تخفيض كبير

دلفا لوالدهما وحاولا التخفيف عنه ليسألها بتوجس: -الدكتور قال لك إيه عني يا بنتي؟

ضمت كفه الضعيف بين راحتيها ومالت بقامتها لتضع قُبلة حنون عليه ثم  طالعته بعينين مملؤتين بالحنان وهي تجيبه بكلماتٍ زائفة تبث من خلالها  السكينة والإطمئنان بروحه: -قال إن صحتك زي الفل، بس جسمك مُرهق شوية  ومحتاج شوية مقويات مش أكتر.

-بجد يا إيثار؟، قالها بعينين متأملتين النجاة لتومي له بابتسامة زائفة  بينما قلبها ينزف لرؤية غاليها بذاك الوهن، مسدت بكفها فوق وجنته بحنان  لتجيبه بأملٍ تعلم من داخلها مدى زيفه: -طبعاً يا حبيبي، انا عمري كذبت  عليك في حاجة؟

نطقت كلماتها الأخيرة بابتسامة ليهز رأسه نافيًا بابتسامة مماثلة  لخاصتها كل هذا تحت نظرات منيرة الماكثة بالمقعد المقابل لوقوف ابنتها  الجهة الاخرى وهي تزفر بضيق وعدم رضا لما يحدث من حولها، لاحظ غانم سخطها  فتملك القهر من قلبه وحزن على رفيقة دربه التي سُرعان ما تذمرت من مرضه  وهذا ما رأه بعينيه منذ الوهلة الأولى التي خارت قواه واستسلم خانعًا  للمرض، لاحظت أيضاً إيثار حزن والدها فتألم داخلها.

ولجت الممرضة لتقول للجميع: -ممكن تستنوا برة لو سمحتم، الدكتور جاي بعد شوية هيكشف على الحاج ومحتاجة أجهزه.

خرجت هي وشقيقها ووالدتها ليجدوا عزيز وأيهم يجلسان بالمقاعد الموضوعة  داخل الممر، جاورت منيرة عزيز لتزفر بقوة وهي تقول بتذمر: -أنا مش عارفة  إحنا إزاي سمعنا كلامها وجينا هنا، كان مالها مستشفى المركز، ما كانت حلوة  ومقضية الغرض

لتتابع بسخطٍ ظهر بَيِن على ملامحها وهي تُشيح بكفيها بطريقة غاضبة: -مالنا  إحنا ومال مستشفيات مصر، نسيب بلدنا ونيجي نتبهدل هنا ليه؟!

تطلعت تتمعنُ بملامح مذهولة لتلك المرأة التي تفتقد لأدنى معاني  الإنسانية والحِس، ما أبشعها بكم الأنانية التي تسيطر على كيانها، حتى  زوجها لا تطيق تحمل المشقة لأجل مرضه، تألمت لموقف والدتها المخذل فتحدثت  بنبرة ظاهرها يبدوا هادئًا أما باطنها فيحترق: -مفيش بهدلة إن شاء الله،  الشقة عندي واسعة وتساع الكل.

رمقتها باشمئزاز قبل ان تُلقي بكلماتها السامة بوجهها: -وأنا إيه اللي يدورني في بيوت الناس.

طالعتها بنظراتٍ قوية لتهتف بنبرة حادة وكلماتٍ لازعة بعدما فاض بها  الكيل من تلك التي لا تشعر بفاجعتهم: -يبقى ترجعي بيتك علشان تاخدي راحتك  فيه، وأبويا أنا وإخواتي هنخدمه ونشيله في مرضه

هتفت منيرة باتهام: -وإنتِ من إمتى حاطة أبوكِ في دماغك ولا بتعملي له حساب؟

اشتعل داخلها من حديثها لتقول بنبرة صارمة: -طول عمري وأنا صورة أبويا  قدام عيوني، وأول حاجة بفكر فيها قبل ما أخطي أي خطوة هو بابا، والحمدلله  عمري ما عملت حاجة وطيت بيها راسه.

هتفت بحدة وهي ترمقها بازدراء: -وإنتِ لما سبتي البلد وجيتي تعيشي هنا  لوحدك وخليتي اللي يسوى واللي ميسواش يتكلم عليه كنتي عاملة حسابه؟!

ردت بقوة: -محدش يقدر يجيب سيرتي لأن عمري ما عملت حاجة غلط، وبتقي ربنا في كل أمور حياتي.

فتحت منيرة فاهها لتنطق ليقاطعها صوت وجدي الذي هتف باستياء: -بذمتكم ده وقت كلامكم ده، إنتوا مش حاسين بالمصيبة اللي إحنا فيها.

-الكلام ده تقوله للست منيرة، اللي سايبة مرض جوزها وتعبه وبتفكر في  بهدلتها برة البيت، كلماتٍ لازعة نطقت بها إيثار وهي ترمقهم بحدة لتبتعد  وتجلس وحيدة بعيدًا عن تجمعهم، وضعت كفاها تحتوي بهما وجهها مستندة  بساعديها على ساقيها ليقف أيهم بعد أن قرر الإنضمام إليها، جاورها الجلوس  ونظر لها يسألها بعينين متوجستين يوجد بداخلهما أسألة كثيرة وتوهة أكثر:  -أبوكِ ماله يا إيثار؟

فاقت من شرودها على صوته لترفع وجهها تناظره بعينين مملؤتين بالألم  والحزن لتطلق تنهيدة طويلة قبل أن تقول بصوتٍ يحمل الكثير من الهموم: -إدعي  له يا أيهم، إدعي كتير واتوسل لربنا إن نتيجة الأشعة والتحاليل تطلع  كويسة.

-للدرجة دي حالته خطيرة؟

سألها متوجسًا لتجيبه بخفوت: -بابا تحت عفو ربنا، إدعي له

إعتدلت بجلستها ونصبت ظهرها لتقابل شقيقها الأصغر وتمد يدها تسحبه لداخل  أحضانها لتربت فوق ظهره بحنان بعدما رأت ضياعهُ بعينيه ليتنهد الفتى بعد  شعوره بدفئ أحضان شقيقته الذي حُرم منه منذ أن استمع لوسوسة شياطين الإنس  وقرر تركها بأحلك أوقاتها وشدة إحتياجها له بعدما أغراه نصر بالوظيفة  والمال.

علي الجهة الأخرى، مال عزيز بجانب أذن والدته ليهمس كي لا يستمع عليه  أحد: -إهدي شوية على إيثار يا أم عزيز، إحنا عاوزين ناخدها في صفنا ونطبطب  عليها، مش نكرهها فينا أكتر

زفرت بضيق لتهمس بصوتٍ غاضب: -البت مش معبراني يا عزيز، شافتني ولا كأني أمها.

أجابها ببرودٍ على غير عادته لشخصيته المتهورة: -معلش يا أم عزيز، خليكي معايا للأخر وصدقيني هتنبسطي بالنتيجة.

كانت تنظر أسفل قدميها بملامح وجه حزينة أخرجها صوتٍ يُلقي التحية  فانتفضت واقفة بعدما رأت أيمن الأباصيري وزوجته الجميلة تتأبط ذراعه ويقفا  مقابلين جلوسها لتهب واقفة لاستقبالهما لتقول بصوتٍ واهن: -أهلاً وسهلاً

تحدث أيمن متأثرًا بالموقف: -ألف سلامة على بابا يا إيثار.

-الله يسلم حضرتك

اقبلت عليها نيللي واحتضنتها برعاية لتقول وهي تربت على ظهرها تحت نظرات  منيرة وأنجالها الثلاث: -سلامة بابا يا حبيبتي، ربنا يطمنك عليه.

ابتعدت قليلاً لتجيبها بأعين ممتنة: -الله يسلمك يا مدام نيللي، تعبتوا نفسكم ليه وجيتوا، دكتور أحمد عامل الواجب معانا وزيادة.

ردت نيللي بنبرة صادقة: -إنتِ بنتنا يا إيثار، مش عوزانا نقف معاكِ في محنتك

ليكمل أيمن على حديث زوجته الجميلة: -وبعدين اللي أحمد عمله ده أقل واجب وأقل من اللي تستحقه شخصية محترمة زيك.

حول بصره على عزيز ومنيرة الواقفان يتابعان الأمر بعيونًا مذبهلة لتلك  السيدة الأنيقة وذاك الأنيق المحنك، حول بصره عليهم وهو يقول: -دول أهلك؟

اومأت بهدوء لتتحرك بجوارهم وهي تقدمهم قائلة: -ماما، وعزيز أخويا الكبير وده وجدي وده أيهم

رحبت السيدة والسيد بهم بحفاوة برغم علميهما بمدى بشاعتهم وكل ما اقترفوه  بحق تلك المسكينة، ليقول عزيز بمكرٍ: -إحنا متشكرين يا باشا على افضالك  الكتير ووقوفك مع أختي إيثار.

رد أيمن بمصداقية: -إيثار أنا بعتبرها زي بنتي لارا بالظبط، وأظن مفيش شكر لأب بيراعي بنته

واسترسل بحديثٍ ذات مغزى بعدما حول نظره إلى منيرة: -تسلم تربيتك يا افندم، ونعم التربية.

هزت رأسها لتقول على عجالة: -تسلم وتعيش يا بيه

خرج الطبيب لتلج إيثار إلى ابيها ودعت أيمن وزوجته للدخول لتقول منيرة وهي  تلكز وجدي بذراعه: -هو ده الراجل اللي اختك شغالة معاه يا وجدي

أومى لها لتتابع بانبهار: -دي مراته عاملة زي اللي بنشوفهم في التلفزيون.

ابتعد عزيز ليخرج هاتفه الجوال طالبًا رقم هاتف عمرو ليخبره بما حدث  ويطلب منه الحضور للوقوف معهم ومحاولة استقطاب إيثار والظهور أمامها كفارس،  على الفور هرول الأخر ملبيًا النداء، بعد مرور حوالي الساعتين، كانت تجلس  بالمقعد المجاور لوالدها يجاورها وجدي وأيهم، على الجهة الأخرى تجلس منيرة  وبجوارها عزيز استمعت لبعض الطرقات الخفيفة على الباب ليُفتح بعدما صاح  عزيز بصوته للسماح بالدخول، ظهر عمرو ممسكًا بعُلبة من الشيكولاتة الفاخرة  ويرسم على وجهه علامات الزعر حيت اتجه سريعًا إلى غانم وهو يقول: -سلامتك  يا عم غانم، إيه اللي حصل؟

مال على رأس غانم واضعًا قبلة احترام ليرفع عينيه يتطلعُ بولهٍ لتلك التي قلبت عينيها بضجر لاعنة سخافته.

وقفت منيرة وعزيز مهللين بترحاب: -أهلاً يا عمرو

قالتها منيرة لتتابع متسائلة: -مين اللي قال لك إن إحنا هنا؟

نظر لعزيز المرتبك ليتحدث بذكاء: -كان فيه واحد صاحبي في مستشفى المركز  لما عربية الاسعاف وصلت وأخدت عمي غانم اتصل بيا وبلغني، وأنا كلمت مدير  المستشفى وعرفت منه انكم هنا.

-ازيك يا إيثار، نطقها بنبرة عاشق لتتجاهله وهي تقول لأبيها: -مرتاح يا حبيبي ولا انده لك الممرضة

رد عليها بصوتٍ واهن تحت غضب منيرة وعزيز من تصرفها: -الحمدلله يا بنتي، أنا أحسن كتير.

جلس وبدأ بتناول أطراف الحديث بينه وبين والدتها وأشقائها وعينيه  تتمركزان عليها لتنسحب للخارج وأبلغت الممرضة بالدخول وصرف جميع من بالغرفة  وإبلاغهم بانتهاء موعد الزيارة وبالفعل بعد قليل كانت تستقل سيارتها  وبجوارها عزيز أما بالأريكة الخلفية يجلس أيهم ومنيرة التي اُضطرت للمبيت  بمنزلها بينما ظل وجدي مرافقًا لأبيه، ظل الجميع في صمتٍ تام إلى أن وصلوا  لمسكنها، ضغطت جرس المنزل لتفتح لها عزة، ولجت ثم تنحت جانبًا وهي تُشير  لهم: -اتفضلوا.

خطت منيرة بساقيها بمسكن نجلتها التي تدخلهُ للمرة الأولى بحياتها لترمق  عزة بنظراتٍ حادة وكأن بينهما ثأرًا، تعجبت عزة ورفعت حاجبها باستغراب  لكنها تغاضت عن نظراتها وعزيز لتقول بترحابٍ حار لأجل ابنتها التي لم  تلدها: -يا مرحب يا جماعة، نورتونا.

لتسترسل متسائلة باهتمام: -الحاج غانم أخباره إيه؟

أجابتها إيثار بتنهيدة: -الحمدلله يا عزة، فين يوسف؟

أجابتها برتابة: -نايم من بدري، عمل الهوم ورك وعشيته بعدها ونيمته بعد ما طلع عيني.

دخل الجميع للردهة لتقول منيرة بوجها العبوس: -فين المكان اللي هنام فيه علشان أريح فيه جتتي؟

تألمت لكلمات والدتها القاسية وقالت بنبرة هادئة كي ترفع عنها أية حرج تشعر به: -خلينا نتعشى الأول وبعدين إدخلي خدي شاور ونامي.

-أنا لا باكل ولا بستحمى عند حد، قالت كلماتها الرافضة بطريقة فظة  لتهتف عزة بحديثٍ متهكم، فهي تكره تلك المرأة حيث دار بينهما العديد من  المكالماتٍ الهاتفية التي تنتهي دائمًا بالشجار والتوبيخ من كلتاهما  للأخرى: -وبالنسبة للنوم عادي ولا فيه مشكلة هو كمان!

عاتبتها إيثار بإشارة من عينيها لتزفر بضيق وهي تتحرك منسحبة باتجاة  المطبخ لتبرطم بصوتٍ عالي استمع له الجميع: -أنا هغرف الأكل واحطه على  السفرة، واللي عاوز ياكل يتفضل واللي مش عاوز براحته.

-إنتِ بتقولي إيه يا ولية إنتِ، نطقتها منيرة وهي ترمقها بنظراتٍ نارية  لترد الأخرى بنبرة قوية: -هو أنا جيت جنبك يا حاجة، ولا هي تلاكيك.

جحظت عيناي الاخرى لتهتف باعتراض: -حاجة؟! ليه شيفاني قد أمك علشان تقولي لي يا حاجة، ده اللي يدور عليكِ يلاقيكي أكبر مني

-خلاص يا أما الله يرضى عليكِ مش ناقصين صداع، نطقها عزيز ليرمق عزة بنظرة حادة ليتابع مسترسلاً: -وإنتِ يا اسمك إيه.

-عزة، إسمها عزة يا عزيز، قالتها إيثار بدفاعٍ قوي عن تلك السيدة التي  قامت باحتوائها هي والصغير وبوجودها شعرت بدفئ العائلة وجوها التي حُرمت  منه ليرد هو بسخطٍ كعادته: -أيًا كان إسمها، خليها تجهز العشا وتحطه من  سُكات، إحنا اللي فينا مكفينا ومن الصبح وإحنا متبهدلين في المستشفيات.

عذرت حدته وعصبيته لتنظر إلى عزة وهي تقول بنظرة توسلية: -جهزي العشا لو سمحتي يا عزة

اختفت عزة خلف جدران المطبخ لتلتفت هي للجميع مشيرة بكفها إلى مقاعد الجلوس: -إتفضلوا على ما عزة تجهز العشا.

واسترسلت وهي تُشير بكفها نحو باب الحمام الخارجي: -الحمام من هنا لو حابين تغسلوا إديكم ووشكم من جو المستشفى

تحركت منيرة لتغلق باب الحمام خلفها بحدة لتتنهد بأسى، اقترب عليها أيهم  ليربت على كتفها وهو يقول مبررًا تصرفات والدته العدائية: -معلش، هي مش  واخدة على البيات برة بيتها علشان كدة هتلاقيها مهيبرة شوية وردها عنيف.

ابتسمت ساخرة فحقًا شر البلية ما يُضحك، تنفست لتجيب شقيقها بطريقة  متهكمة: -إنتَ بتبرر لي إيه بس يا أيهم، ده إسلوبها معايا من يوم ما وعيت  على الدنيا

زفرت لتهدئ من روعها لتسترسل باستئذان: -أنا داخلة أخد شاور وهخرج على العشا، وانتوا خدوا راحتكم، البيت بيتكم.

بعد مدة قصيرة خرجت مرتدية منامة بيتية مريحة لتقول عزة وهي تضع أخر صَحن بيدها فوق السُفرة: -العشا جاهز يا جماعة، إتفضلوا.

أشارت لهم إيثار وهي تقول: -يلا يا ماما، يلا يا عزيز

رمقتها بملامح وجه جامدة وبكلماتٍ تفتقر أبجديات الادب قالت: -قولت لك مباكلش عند حد غريب.

بالكاد انتهت من كلماتها ليصدح صوت رنين الجرس فاتجهت عزة تفتحه لتفاجئ  بعامل توصيل الطلبات وهو يقول: -فيه أوردر مدفوع التكاليف من مطعم مشويات  عنتر علشان حضرتك.

-عشاني أنا؟! نطقتها متعجبة لتسترسل بجدية: -بس إحنا يا اخويا مطلبناش أكل، تلاقيك غلطان في العنوان.

نطق العامل باصرار: -لا يا أفندم العنوان مظبوط

تقدم منه عزيز ليسأله مستفسرًا: -مين اللي باعت الاكل؟

اجابه: -واحد إسمه الاستاذ عمرو البنهاوي

ابتسم بحفاوة ليهتف قائلاً وهو يتناول الأكياس من يديه بنهمٍ: -تمام، يبقى لينا.

هتفت بحدة وهي تتحرك سريعًا نحو شقيقها لتحثه على عدم استلام الطعام:  -إدي له الأورد لو سمحت يا عزيز، أنا مكلمة عزة من بدري وهي عاملة أكل  كتير، وبعدين إحنا مش محتاجين أكل من البيه او غيره.

انتزعت الاكياس من يداي شقيقها وكادت أن تعيدها للعامل لتباغتها تلك  التي انتشلتهم منها وهي تقول بحدة: -هاتي الأكل ده، عمرو عارف إني مباكلش  عند حد علشان كده بعته علشاني

اتسعت عينيها بذهول من تلك التي اختطفت الطعام وولجت للداخل ليشير عزيز للعامل قائلاً: -خلاص يا بلدينا، روح الله يسهل لك

انتبهت لتهتف بإيقاف للعامل: -استنى.

توجهت لحقيبة صغيرة مُعلقة بجوار الباب لتُخرج منها عملة ورقية متوسطة، ناولته إياها بشكر ف فالأخير هو غير مسؤل عن ما حدث

ولجت للسفرة لتجد والدتها قد نزعت الاكياس وأخرجت كم هائل من اللحوم  والدجاج المشوية ومعها أنواعًا كثيرة من السلطات والمقبلات لتهتف بحدة:  -ممكن أفهم إيه اللي حضرتك عملتيه ده، إزاي تاخدي الاكل من الراجل وتحرجيني  بالشكل ده؟!

أجابتها وهي تلوك الطعام بفمها بطريقة استفزازية: -وإيه اللي يحرج في  الموضوع، الراجل كتر خيره عارف إننا طول اليوم في المستشفى ومش فاضيين  نطبخ، فبعت لنا أكل جاهز، إيه بقى اللي مضايقك؟!

هتفت بنبرة تدل على احتراق روحها: -إنتِ حرة تاخدي منه اللي إنتِ عوزاه، لكن مش في بيتي

لتسترسل متعجبة بتهكم: -ثم إيه اللي فتح نفسك على الاكل مرة واحدة كده، مش من شوية مكنتيش بتاكلي عند حد!

لم تعر لحديثها أية إهتمام وتابعت بكل برود إلتهامها للطعام ليقول عزيز  بحدة بعد أن سأم حديث شقيقته اللازع: -ماخلاص يا إيثار، إنتِ عاملة هوليلة  على إيه، الراجل كتر خيره شايل همنا، مااجرمش يعني.

هزت رأسها وهي ترمقهما بذهول لموقفهما المخزي لتتحرك سريعًا لغرفة  صغيرها وتغلق بابها خلفها دون أن تتناول الطعام، جلس عزيز ليشارك والدته  الطعام الذي أرسله عمرو لينظر إلى أيهم الواقف حائرًا بينهم ويقول وفمه  ممتلئًا بالطعام اللذيذ: -تعالى كل يا أيهم، الكباب موحوح والريش سخنة  مولعة.

كانت عيني عزة تتابع ما يحدث من خلال فتحة المطبخ المصمم على الطراز  الاميركي لتهمس لحالها بنبرة تسمعها اذنها: -يخرب بيتكم عيلة جعانة، ده  انتوا فضيحة، الله يكون في عونك يا بنتي، ده أنتِ خيبتك في أهلك تقيلة قوي  يا نضري.

داخل المسكن الخاص بعزيز، تقف تلك ال نسرين تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا  لتقف فجأة وهي تقول بغضبٍ ظهر بملامحها: -لا، ما أنا مش هسيب النار تاكلني  لواحدي وإنتِ قاعدة مرتاحة وبتغرفي من عز ابن البنهاوي يا ست سمية

امسكت هاتفها وضغطت اتصال على رقم سُمية لتجيبها الاخرى بصوتٍ ساخط: -خير يا نسرين، إيه اللي فكرك بيا تاني؟

اجابتها بحديثٍ لازع: -قولت اتصل طالما أنتِ طلعتي قليلة أصل وحتى ما عزتنيش في موت أخويا الوحيد.

بلا مبالاة أجابتها: -الله يرحمه يا حبيبتي، أنا لا بحب الموت ولا بحب سيرته، ومعروف عني مبعزيش حتى قرايبي

لتسترسل بعدما ضاق صدرها: -ها، عاوزة حاجة تاني قبل ما أقفل.

باغتتها بحديثها: -طبعاً عاوزة، اخويا أخد دهبي اللي كنت شرياه بالفلوس  اللي خدتها منك، يعني زي ما بيقولوا بالبلدي كده، موت وخراب ديار، واظن ده  ما يرضكيش.

ابتسمت ساخرة لتجيبها بلامبالاة: -وأنا مالي يا حبيبتي بمواويلك مع عيلتك، أخوكِ سرقك واهو دفع عمره تمن عملته السودة

واسترسلت بما احرق روح الاخرى: -وإنتِ المفروض تحمدي ربنا إنه طهرك من المال الحرام اللي لهفتيه مني غصب.

اشتعل داخلها لتهتف بنبرة غاضبة تهديدية: -إسمعيني كويس يا بت، لو مدبرتليش خمسين الف جنية الإسبوع ده هقول ل عمرو على كل حاجة

أطلقت ضحكة رنانة لتقول بثباتٍ وقوة: -قولي له يا حبيبتي.

لتستطرد بتهديدٍ مماثل: -وأنا تاني يوم هاجي لحد بيتك وافضحك قدام حماتك  وعزيز، وقابلي بقى يا شاطرة لما يعرفوا إن إنتِ اللي كنتي السبب في طلاق  بنتهم وخراب بيتها، وانك قدمتي لي الفرخة اللي كانت بتبيض لهم بيضة دهب على  طبق من فضة.

لتسترسل بقوة وجبروت: -إسمعيني إنتِ بقى كويس وحطي عقلك في راسك، أنا  لحمي مُر واللي هيقرب مني هنهشه بسناني، يعني تبعدي عني بالذوق وتروحي ترمي  بلاكي على حد غيري بدل ما احطك في دماغي

توقفت لتستطرد بتهديدٍ مباشر مشيرة لما فعلته بإيثار: -وإنتِ عرفاني كويس، اللي بحطه في دماغي بدمره.

قالت كلماتها الأخيرة بسخطٍ لتغلق الخط دون الاستماع إلى رد الطرف  الأخر مما جعلها تشتعل وتُلقي بهاتفها فوق التخت وهي تصرخ باشتعال مستغلة  غياب زوجها: -طيب يا سُمية، إن ماندمتك مبقاش أنا نسرين.

بعد ثلاثة أيام من مكوث غانم بالمشفى، ظهرت النتائج وتأكدت شكوك  الاطباء بأمر غانم وللأسف اظهرت التحاليل ان المرض بالمرحلة الثالثة،  استقبل الجميع الخبر بصدمة وذهول.

كان يجلس بمكتبه بوقت الراحة، يكاد أن يفقد عقله على أثر ابتعاد من  امتلكت الفؤاد وتمكنت من الغوص بأعماقه لتستقر بالوتين، كيف ومتى حدث كل  هذا، لا يوجد لديه تفسيرًا، كل ما بات يعلمه هو صعوبة بل إستحالة متابعة  حياته بدون عينيها، تنهد بثُقل بعدما أوصدت بوجهه جميع الأبواب التي يمكن  الوصول إليها من خلالها، فقد تسلل إلى جميع تطبيقات التواصل الإجتماعي وبحث  عنها وما أن عثر عليها وحاول التواصل معها لتصيبه بالإحباط حيث كانت تقوم  بحظر حسابه فور وصوله إليها لتُغلق الباب بوجهها قبله كي لا تدع الامر بين  يدي قلبها ليتحكم بها من جديد وتفقد صغيرها، ألقى برأسهِ للخلف وأغمض عينيه  يتذكر ملامحها، ابتسامتها الرقيقة وضحكتها الواسعة التي تُظهر صفي أسنانها  ناصعة البياض، تأملها لعينيه، حديثها ورُقيها في إختيار الكلمات اللائقة،  يا الله، لقد اشتاقها حد الجنون حتى عبوس وجهها ونظراتها الحادة عندما  تغضب، اكتشف كم أنه ذاب بغرامها وانتهى الأمر، ولكن بعد ماذا؟!

لقد أحزنها بالحد الذي جعلها تنفر هاربة منه كما هروب الفريسة من  صيادها، أَقسَمَ بالله رب العالمين لو ترضى وتعلن غفرانها لخطيأته الكُبرى  بحقها ليرضخ لها ويلبي جميع رغباتها وسيصنع المعجزات لأجل رضائها وإدخال  السعادة والسرور على قلبها نادر الوجود، فتح عينيه ليهب واقفًا على حين غرة  مقترب?ا من عُليقة الملابس ليخططف حلة بدلته ليرتديها فوق قميصه الابيض  ويهرول متعجلاً بعدما قرر الذهاب لشركة أيمن وليحدث ما يحدث، تحرك بلا وعيٍ  بلا حسابات كعادته، فقد جنب كل شيء حتى مبادئه وقوانينه التي أقر بها  وفرضها على حاله مقابل الحصول على مبتغاه، وأي مبتغى، فهي من ردت له الروح  وجعلت الحياة تدب بقلبه من جديد بعد فقدانه الشعور لسنوات، استقل سيارته  وقادها بسرعة جنونية ليصل قبل انتهاء ساعات العمل حيث أشرف الدوام العملي  على الانتهاء، وصل بوقتٍ قياسي وبعد عدة دقائق كان يقف أمام السكرتيرة  وعينيه تتمركز على باب مكتب من استولت على لُبه ليتحدث بنبرة جادة رزينة  عكس ما يدور داخله من فوضى: -إدي خبر ل أيمن بيه إن فؤاد علام موجود وطالب  يقابله.

وقفت سريعًا لعلمها بشخصه لتقول بنبرة حماسية: -حالاً هدي له خبر يا افندم، اتفضل ارتاح.

قالت كلمتها الأخيرة وهي تُشير له بتوقير ليرفع كفه بممانعة لتنسحب هي  للداخل وتدعه يتلصص على ذاك الباب المغلق وقلبهُ ينهره بشدة ويأمره  بالاستجابة لاقتحام بابها وجذبها بقوة ليسكنها بين أضلعه ويرحم أنين ذاك  القلب المسكين الذي تذوق الأمرين في ابتعادها، فاق على صوت هانيا التي  أشارت له نحو الباب وهي تقول: -أيمن بيه في اتتظار حضرتك يا أفندم.

تحرك برصانة منتصب الظهر بخطواتٍ واثقة وما أن ولج ليتفاجأ ب أيمن  ينتظره بنصف المكتب ليقترب قائلاً بترحيب وحسن ضيافة وابتسامة بشوش: -أهلاً  أهلاً يا سيادة المستشار، ده إيه المفاجأة الحلوة دي.

صافحة فؤاد بحفاوة ثم تحدث مبررًا زيارته المباغتة: -أنا كنت قريب من  هنا فقولت أعدي أشرب مع سعادتك فنجان قهوة، وبالمرة استفسر منك عن أخر  الاخبار في موضوع المصالحة بينك وبين صلاح عبدالعزيز.

كانت حجته مقنعة لذا فاتت على عقل أيمن الذي ابتسم قائلاً بتبجيلٍ: -جنابك تنور في أي وقت يا سيادة المستشار.

أجابهُ ببشاشة وجه: -متشكر يا أيمن بيه، اتجه أيمن إلى الأريكة  الموضوعة بمنتصف حجرة المكتب ليجلس فؤاد بقلبٍ يتلوع من شدة اشتياقه لرؤية  محبوبته وينتظرُ على أحر من الچمر ظهورها أمامه كشمسٍ ساطعة لتنير لهُ  الدُنيا وتزيل عتمته التي حلت فور غيابها، رفع أيمن سماعة الهاتف الأرضي  وطلب قهوة له ولفؤاد ليتحرك إليه من جديد متحدثًا بترحابٍ عالي: -منور  الشركة يا سيادة المستشار.

رد بحصافة: -ده نورك يا أيمن بيه

جلسا يتبادلان أطراف الحديث فيما بينهما بتركيزًا شديد من أيمن وعقلٍ مشتت  من ذاك الذي أرهقه الإنتظار، ولجت هانيا لتتحرك بدلالٍ وأنوثة لتتحدث إلى  ايمن باحترام: -آسفة للمقاطعة يا افندم، بس محسن الهلالي اتصل بيأكد على  ميعاده مع حضرتك بكرة.

سألها مستفسرًا: -هو ميعاده بكرة؟!

-تقريباً يا افندم، نطقتها بعدم يقين لينطق متهكمًا بلهجة صارمة: -مفيش حاجة في شغلنا اسمها تقريبًا يا آنسة.

شعرت بالإحراج يعتريها لتنطق بصوتٍ خافت متأثرًا بخجلها: -الحقيقة يا  افندم أنا بصيت في ليستة المواعيد اللي أستاذة إيثار سابتها لي ملقتش  الميعاد متسجل، تقريبًا نسيت تسجله

واستطردت مقترحة: -إيه رأي حضرتك أتصل بيها وأتأكد منها؟

هز رأسه ليتنطق برفضٍ: -سيبي إيثار في اللي هي فيه يا هانيا، وطالما محسن الهلالي اتصل يبقى متأكد.

كان يراقب حديثهما بكثيرًا من التمعن حين ذُكر اسمها ليرتعب داخلهُ بعد  جملة أيمن الأخيرة، خرجت هانيا وتركته غارقًا بأفكاره المرتعبة لينتبه على  حديث أيمن الذي نطق ملتمسًا منه العُذر: -أنا آسف للمقاطعة يا فؤاد باشا.

-ولا يهمك يا باشمهندس، نطقها بعجالة ليسألهُ بعدما فقد صبرهُ وازداد  ارتيابه وأراد الإطمئنان أنها بخير: -هي الأستاذة إيثار في أجازة ولا إيه؟

لم يستغرب طرحه للسؤال فقد جمعته الظروف بها للحد الذي يسمح له بالإطمئنان عليها لذا أجابه باقتضاب: -تقدر تقول أجازة إجبارية

طالعه بعدم إدراك لمقصده ليسترسل الأخر مفسرًا بملامح وجه متأثرة: -بباها تعبان وهي اضطرت تاخد أجازة علشان تقعد معاه في المستشفى.

حزن لأجلها ليسألهُ متلهفًا: -تعبان إزاي؟

اكتست ملامحهُ بالعبوس ليجيبهُ متأثرًا: -الدكاترة اكتشفوا إنه مصاب بكانسر  في الكَبد، وللأسف المرض انتشر في الكبد وفي مراحله الأخيرة.

نزل عليه الخبر كالصاعقة وعلى الفور جال بخاطره حبيبته، كيف حالها وكيف  تقبلت ذاك الخبر المشؤوم، ليته كان باستطاعته الهرولة إليها ليجذبها  ويدخلها بأحضانه كي ينتزع منها أية ألم ويبث داخلها الطمأنينة والسلام، لم  يدري بحاله إلا وهو يسأله بتأثر: -وإيثار عاملة إيه؟

تعجب الرجل من نطقه لاسمها بدون ألقاب لكنه تغاضى ليجيبه بأسى ظهر فوق  ملامحه: -مسكينة إيثار، أكيد مش هتبقى كويسة، ده بباها وكمان حنين عليها  جدًا.

لقد عشقها للحد الذي جعلهُ يُلقي بجميع قوانينه عرض الحائط، لم يعد  للحسابات وجودًا لديه عندما يرتبط الامر بها لينطق مجنبًا وقارهُ: -بعد  إذنك ممكن أخد عنوان المستشفى اللي موجود فيها؟

علي عجالة رد أيمن بهدوء: -آه طبعاً، هو موجود في المستشفى بتاعت دكتور أحمد إبني، إسمها مستشفى الأباصيري، وعنوانها...

قاطعه ليهب واقفًا منتصب الظهر وهو يقول: -عارفها طبعًا، المستشفى غنية عن التعريف يا باشمهندس.

تعجب أيمن من أمره ولاحظ إهتمامه المبالغ به فوقف وهو يسأله بجبينٍ مُقطب: -على فين يا سيادة المستشار، ده أنتَ لسة مشربتش قهوتك؟!

تحمحم ليجيبه بنبرة زائفة: -أفتكرت مشوار مهم لازم أروحه

ليستطرد معتذرًا بلباقة: -تتعوض مرة تانية.

-إن شاء الله، قالها ايمن بعدما وقف ليودعه وبعد خروجه وضع أيمن كفه  محتويًا به فكهُ ليضيق عينيه وبات يفكر في أمر ذاك الذي إنقلب حاله عندما  استمع لخبر مرض والد إيثار.

خرج من الشركة ليستقل سيارته ويقودها بسرعة فائقة متجهًا إلى المشفى كي  يراها، يعلم أنها الأن ليست بخير، ليت كانت لديه الصلاحية باحتضانها  ليضمها بشدة كي يزيل عنها الألام الساكنة روحها ويمدها ببعضًا من  الطمأنينة، لام حالهُ ألاف المرات على ما اقترفهُ بحقها، تلك البريئة التي  تمتلك من الحظ السئ ما يؤهلها لتصدر المقدمة في قائمة الأكثر بأسًا، لقد  وضعها تحت المراقبة المشددة خلال الفترة المنصرمة وتأكد من طهارتها وعفتها  والتزامها الأخلاقي تجاه كل شيئًا بحياتها، ومنذ ذاك الحين وقد أصابتهُ  خيبة الأمل وتحميل حاله الذنب، كيف لمحنك مثله بألا يكتشف أصالة معدنها  ونُدرة تواجدها، كيف لرجل قانونًا أن يقع في خطأٍ بتلك الفظاعة ويعرض على  صاحبة الصون والعفاف هكذا عرضٍ حقير.

زفر بقوة ليضع كفهُ يمسح به على وجهه بعنف وكأنهُ يعاقب حاله، توقف عند  أحد المحال المجاورة للمشفى المتخصصة ببيع الزهور وانتقى باقة كبيرة  ليتابع وصوله للمشفى، ولج للإستقبال ليسأل عن اسم والدها الذي يحفظه جيدًا  منذ أن التقى بحبيبته وقرر أنها تخصه، تحرك داخل الممرات ليصل إلى رقم  الغرفة ليجدها تخرج أمامه من الغرفة وهي توصد بابها خلفها، كاد قلبه أن  ينخلع لرؤياها ورؤية عينيها التي اشتاقها حد الجنون بعد أن حرمته طلتها،  تسمرت بوقفتها حين رأته يهل عليها بمظهره الخاطف للانفاس والمهلك لقلبها  الذي مازال يكن لهُ الحب رُغم فعلته الشنيعة بحقها والتي أجزمت عدم غفرانها  له مهما طال الزمان، فالجرح عميق والضحية كرامتها فمن أين يأتي الغفران!،  نظرت خلفها للباب المغلق وتذكرت والدها الغافي ووجدي الجالس بجواره حيث  ذهبت والدتها بصحبة عزيز وأيهم ليتابعوا أعمالهم والتزاماتهم نحو عائلتهم  وتركوا وجدي مع شقيقته بعد أن اتفقوا أن يتبادلوا المناوبة في رعاية والدهم  كي لا تقف حياتهم.

اسرعت باتجاهه ليقابلها بفرحة عارمة ل لُقياها لم يستطع مداراتها بعد  رؤية الساحرتين اللتين بات يعشق التطلع ببحرهما العميق، يتحرك لتسوقه قدماه  وهو يتعمق بمقلتيها وكأن سحرًا يجذبه إليها دون إدراكًا منه، وصل إليها  مباشرةً ليمد يده وهو يقول ومازال مثبتًا عينيه بخاصتيها: -إزيك يا إيثار

ابتلعت ريقها تأثرًا بحالته العشقية لترد بصوتٍ هادئ بعد ان تحكمت به بمهارة: -إزيك يا سيادة المستشار.

ارتجف قلبيهما من لمسة كفيهما حيث احتضن خاصتها بلمسة حنون وكأنهُ يبث  لها حال قلبه المشتاق لها لتسحب كفها من بين راحته الحنون وايضًا عينيه حيث  باتت تتلفت حولها خشيةً خروج شقيقها ورؤيتها بتلك الحالة المخزية ليقول  سريعًا بعدما فهم بفطانته نظراتها الزائغة: -ألف سلامة على بابا

ليتابع بعيني نادمة: -أنا أسف إني إتأخرت بس والله لسة عارف حالاً

قطبت جبينها تسألهُ: -عرفت إزاي؟

-كنت في الشركة عند أيمن بيه وهو اللي قال لي، نطقها متأثرًا لتنظر له بعدم استيعاب فتابع بما أربكها: -كنت رايح علشان أشوفك.

نظرت إليه بتيهة ليستكمل بنظرة تشعُ حنانًا: -وحشتيني وكنت عاوز أشوفك،  اتلككت وقولت للباشمهندس إني كنت قريب من الشركة وطلعت أشرب معاه قهوة

ابتسمت بسخرية لترد بتهكم جعل ابتسامته المشرقة تُنير وجههُ: -ومن إمتى قهوتنا بتعجبك؟!

-قهوتكم بقت إدماني طالما هتخليني أشوف عيون حبيبي، نطقها بكثيرًا من  الهيام الذي أربكها وجعلها تتلفت من حولها بعدم ارتياح ظهر بملامحها  ليتحمحم بعدما تيقن أنهُ قد أزادها عليها فبسط يده مقدمًا لها الزهور لينطق  بتأثر بعدما وعي على حاله وفاق من هالة المشاعر التي حاوتطهما منذ أن رأى  طلتها المهلكة لقلبه: -ألف سلامة على بابا.

تلقت باقة الزهور وتحدثت بنبرة رتيبة: -مكنش ليه لزوم تتعب نفسك وتجيب ورد، كفاية سؤالك واهتمامك إنك تيجي لحد هنا.

-مفيش اي تعب يا إيثار، إنتِ اصلك متعرفيش إنتِ إيه بالنسبة لي، نطقها  بذو معنى لترد بنبرة حزينة منكسرة مشيرة لعرضه المهين: -لا عارفة، وعارفة  كويس قوي يا فؤاد بيه يا علام.

أخرج تنهيدة حارة عبرت عما بداخله بندم تناغم مع نظرات عينيه الاسفة  وهو يقول بنبرة صادقة: -مسيرنا في يوم هنقعد ونتكلم، هقول لك على كل اللي  في قلبي واللي دفعني للتصرف ده، وساعتها أنا متأكد إنك هتعذري تصرفي.

هزت رأسها بيأس ليسألها بعدما قرر تغيير وجهة الحديث كي لا يتصادما  بالكلام مرةً أخرى: -طمنيني على بابا، الدكاترة قالوا إيه عن حالته؟

هزت رأسها بيأسٍ وعينين خاليتين من الحياة وهي تقول: -كلام الدكاترة ميطمنش، بس أنا متوسمة خير في ربنا.

-إن شاء الله خير، قالها بتأثر ليسألها بنبرة جادة: -لو محتاجة أي حاجة أنا موجود

واستطرد برجولة: -وأنا هروح حالاً لدكتور أحمد وأسأله لو فيه أمل إن الحالة تتحسن وليها علاج برة هسفره في أسرع وقت.

اجابته بصوتٍ هادئ وعينين ممتنة: -متشكرة على شعورك النبيل وعرضك للمساعدة يا سيادة المستشار

لتتابع بنبرة خافتة لقلبٍ يتمزقُ ألمًا على عزيز عينيها: -دكتور أحمد قال  إن بابا للأسف في المرحلة التالتة والمرض بدأ ينتشر في كل جسمه.

نطقت كلماتها الأخيرة وقد زرفت دموعها التي انسدلت بعدما فقدت السيطرة  عليها لتتابع بنبرة مزقت بها نياط قلبه: -بابا بيموت يا فؤاد، بيموت خلاص.

لم يستطع رؤية انهيارها بهذا الشكل، نزلت دموعها على قلبهِ لتكويه  وكأنها مادة كاوية من الدرجة الأولى، اقترب عليها ليضم كفها الممسكة بباقة  الزهور بحنانٍ وهو ينطق بنبرة حنون: -إهدي يا إيثار، إهدي يا حبيبي، أكيد  هنلاقي حل، خلي أملك كبير في قدرة ربنا سبحانه وتعالى

سحبت يدها سريعًا لترفعها تجفف بها دموعها المنهمرة وهي تقول بتهرب عينيها: -إن شاءالله.

أتفضل حضرتك متعطلش نفسك أكتر من كده، بابا نايم واخويا قاعد جنبه،  واسترسلت بإيضاح: -وطبعًا مش هينفع أقدمك ليه، أنا وإخواتي فيه بينا مشاكل  بسبب رفضي لرجوعي لطليقي.

أومأ لها ليقول بتفهم: -عرفت كل حاجة يا إيثار، ومقدر ظروفك، نطمن بس على بابا ولينا كلام بعدين

نطقها بذات مغزى ليتابع بعينين يسألان بكثيرًا من الترجي: -أنا بس طالب منك حاجة واحدة وأرجوكِ تعمليها

كانت تتطلع عليه بتعجب لتسأله بعينيها ليقول مسترسلاً بإيضاح: -تفكي البلوك علشان اطمن عليكِ وعلى بابا، أرجوكِ.

نطقها برجاء ليتابع بمداعبة بعدما رأى ترددها: -ده طبعاً لو مش عوزاني اجي لك هنا كل يوم

ابتسمت بخفوت ليستكمل دعابتهُ: -لما أروح هرن عليكِ ولو لقيتك لسه عملالي  حظر هتأكد ساعتها إن طلتي عجبتك وعاوزة تشوفيني كل يوم، يعني هعتبرها دعوة  صريحة منك بحضوري هنا كل يوم.

بابتسامة واهنة لظروفها أجابته باستسلام كي لا ينفذ تهديده: -هفكه، والله هفكه

-حالاً، نطقها بأمر بعدما رفع قامته متقمصًا الغرور لترفع هي حاجبها الأيسر  وهي ترمقه باستنكار قائلة: -لا والله، ده الباشا بيديني أوامر كمان.

-حقي على فكرة، نطقها بثقة لا يعلم أين مصدرها لتتنهد بهدوء فالان هي  ليست بحالة تسمح لها بالشعور بالسعادة او الإنبهار، تفهم حالتها ليخرج  تنهيدة حارة من صدرها تألمًا لحالتها ليقول بانسحاب: -طب انا همشي علشان  أسيبك تدخلي لبابا، مش عاوزة أي حاجة؟

-متشكرة بجد، نطقتها بعينين ممتنتين ليقطع تواصل اعينهم صوت ذاك ال عمرو الذي وصل للتو وهو يقول لتنتبه: -إيثار.

التفت برأسها تتطلع إليه بعبوسٍ لرؤية وجهه البغيض، لاحظ فؤاد استنكارها  لينظر على ذاك الشخص بتمعُن وعلى الفور تذكرهُ، نعم لقد رأهُ بمقر مبنى  النيابة حين التقى إيثار اثناء تنازلها عن محضر التعدي، بينما لم يتذكره  الأخر

             الفصل الواحد والعشرون من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا 

تعليقات



<>