رواية اشتد قيد الهوى الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم دهب عطيه

رواية اشتد قيد الهوى بقلم دهب عطيه
رواية اشتد قيد الهوى الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم دهب عطيه
أنا لا أقبل أن أكون الفرصة البديلة أو
الفرصة المتاحة في حياة رجلٍ أحبّه ولا
أريد أن أعيش في مكانٍ سكنه غيري وترك على جدرانه أنفاسه وذكرياته معلّقة...

أريد ان أكون في حياتك الأولى والاخيرة
امرأة تسكن ذاكرتك كالأصل لا كالظل !...

(لسه بتحبها؟!....... طب وأنا...)

في هذا اليوم تحديدًا انتظرت الإجابة بقلبٍ ينزف ألمًا ويأسًا وكرامةً مهدورةً تحت قدميه
لكنها لم تجد عنده ردًّا سوى الصمت الطاعن لما تبقّى منها.....

وقتها لملمت كرامتها المبعثرة وهرولت إلى الغرفة بحسرة تغلق بابها عليها....

وبقي هو في مكانه ينظر إلى أثرها بنظرةٍ فارغةٍ من الحياة وبوادر الندم تعود إليه
فقد ظن أن بزواجه من غيرها سيجد 
الراحة...

لكن دعوة نهاد تحققت وها هو يبحث عن الراحة ولا يجدها مع سواها ما زال يبحث عنها في وجهٍ أخرى ولا يجد سوى السراب...

لماذا عاقب نفسه بالزواج من امرأةٍ لا يحبها
ولماذا ظلم عزة وجعل منها مسكنًا لألمٍ لا علاج له؟....

لا ينفع المسكن طالما أن المرض ينتشر بضراوةٍ في جسده ويُصيبه بالعجز وقلة الحيلة...

في تلك الليلة نام في الخارج على الأريكة الخشبية القاسية كما كان يفعل منذ بداية زواجهما لكن الآن الوضع مختلف فهي كشفت جزءًا من الحقيقة...أما البقية فستظل سره الأسير.....

استيقظ سلامة في اليوم الثاني على لمساتٍ أنثويةٍ ناعمة على صدغه ثم مداعبةٍ طفيفةٍ في شعره الناعم....

فتح عينيه ليجدها جاثية أمامه بملامح وجهها الصبوح الصغير وشعرها الأسود الخفيف القصير الذي بالكاد يلامس كتفيها...

قالت بصوتٍ دافئ....

"صباح الخير يا سي سلامة... قوم حضرت لك الفطار....والحمّام جاهز لو عايز تدخل قبل ما تفطر."

ألم ترحل؟!

ظن بعد حديثهما أمس أنها منذ الصباح الباكر ستغادر مطالبةً بورقة طلاقها لكنها تفعل العكس وهذا ما جعله يحاول تذكر ما حدث بعد دخولها الغرفة....

هل لحق بها وحسَّن موقفه أمامها؟!

كل ما يتذكّره أنه نام مكانه بعد أن أضناه التفكير ولم يُبادر بفعل شيء....

قال متثاقلًا....

"صباح النور يا عزة... الساعة كام؟"

أجابته بابتسامةٍ مشرقة...

"تمانية."

سألها بدهشة وهو يستوي جالسًا...

"وليه صاحية بدري كده؟"

أجابته والابتسامة محفورة على محياها لا تأبى السقوط....

"أنا عارفة إن ده معاد شغلك يا سي سلامة فقولت أصحى قبلك وأحضّرك الحمام 
وأجهز الفطار...."

نمت الغصة في حلق سلامة وهو يشعر بالعجز أمامها فهي تفعل المستحيل وهو يشاهد دون تدخل كعادته....

قال بصوتٍ خافت....

"تسلم إيدك... بس أنا ماليش نفس."

نهضت عزة من مكانها قائلةً برقة...

"أنا هفتح نفسك...أنا صاحية جعانة أوي..."

ثم تحركت بخفّةٍ وبخطواتٍ ناعمة تقول...

"هروح أشوف اللبن لحسان يفور وانت قوم استحمى كده عشان تفوق...."

نظر سلامة إليها مستغربًا أفعالها وبالها الرائق في الصباح بعد ما حدث أمس....

أبعد الغطاء عنه ثم توقّف متعجبًا من وجود غطاءٍ على جسده فهو نام بالأمس مكانه رغم برودة الجو ليلًا ممتنعًا عن الدخول إليها وأخذ الغطاء...

بعد فترة.....

خرج سلامة من الغرفة إلى السطح بشعرٍ مبتلٍّ قليلًا بعد أن أخذ حمامًا وارتدى ملابس أخرى استعدادًا للعمل....

حين رأته عزة اقتربت منه بسرعة وفي يدها المنشفة وبحنانٍ واهتمام قالت وهي تقف على أطراف أصابعها....

"كده تبرد يا سي سلامة..."

حاولت أن تجفّف وجهه وشعره جيدًا لكن 
فرق الطول بينهما كان كارثيًا فتذمّرت قائلة..

"وطي شوية... إنت طويل كده ليه؟!"

لمعت عيناه ببعض التسلية وهو يميل نحوها بوجهه قائلًا بعبث...

"أنا مش طويل... إنتي اللي قصيرة أوي.. "

زمت عزة شفتيها وهي تركز على تجفيف خصلات شعره الطويلة...

"بصراحة طولك غيظني... وكأني بنتك مش مراتك..."

أسرته الجملة فتمعن بالنظر إليها معترفًا في قرارة نفسه بأنها أقرب إلى فتاةٍ في صفّها الإعدادي الأخير لا إلى امرأةٍ في منتصف العشرينات....

حين انتهت من تجفيف شعره مدت يديها إلى أزرار قميصه الثلاثة التي لم يُغلقها كالباقي وبدأت في إغلاقها قائلةً بوجوم...

"ليه ما بتقفلهمش زي التانين من زمان وانت بتسيب قميصك مفتوح كده."

فاجأها برده الفظ الوقح...

"وانتي مركزة مع شعر صدري من زمان؟!"

احمرت وجنتاها بشدة ورفعت عينيها عليه بضيقٍ واضح فضحك سلامة باستهزاء وهو يُبعد يديها عنه معيدًا فتح أزرار قميصه
قائلًا...

"سيبيهم... أنا بحب أخدش حياء الحلوين بيهم...."

تبرّمت ساخطةً..

"بشعر صدرك؟!"

أكد بغمزةٍ شقيةٍ مدّعيًا المرح...

"وبشعر حواجبي كمان... عندِك اعتراض؟"

لم تضحك ولم تجد سببًا يجعلها تضحك فداخلها ينزف وصدرها يختنق يكاد يُطبق على أنفاسها... ومهما تظاهرت بالقوة تبقى هشة أمام حقيقة وضعها المهين معه....

جلس سلامة على الأريكة وهي بجواره والصينية أمامهما... نفس وضع الأمس لكن شتّان بين الاثنين....

بدأ سلامة يتناول القليل بشهيةٍ مفقودة بينما اهتمت عزة بإطعامه كما لو كان أحد صغارها.

"خُد بالك من نفسك يا سي سلامة..."

قالتها عزة وهي تقف خلفه بينما هو ينوِي المغادرة إلى العمل....

نظر لها سلامة بنظرة حانية تشعُّ اعتذارًا يصعب الإفصاح عنه علنًا بينهما....

"تحبي أجبلك حاجة معايا وأنا راجع؟"

هزت رأسها نفيًا وهي تأمره بخفَّة...

"وطي شوية....هقولك حاجة..."

ابتسم سلامة بنشوة ومال بوجهه نحوها فهَمَسَت بالقرب من أذنه...

"عيزاك طيب..."

ثم طبعت قبلة رقيقة على خده قائلة...

"لا إله إلا الله..."

يتسرب الدفء من بين ثنايا كلماتها وأفعالها إليه ليستشعر معها بالأنسَ والدفء شيءٌ عاش طول حياته محرومًا منه....فأتت تلك المرأة قصيرة القامة صغيرة الملامح خفيفة الشعر فخلقت شعورًا استثنائيًا لم يجده حتى مع الدكتورة !...

هل تكثِّف جرعة الانتقام منه بأن تصنع لنفسها موطناً بعد احتلال وخراب ثم ترحل ؟

نفض سلامة تلك الأفكار السامة وهو يبتسم لها والاعتذار منها صار مرافقًا لنظراته حين
رد...

"محمد رسول الله..."

ثم ذهب إلى العمل بينما بقيت هي وحدها 
مع أوجاعها ومخاوفها تترنّح يمينًا وشمالًا.

حاولت الهروب من التفكير بالتنظيف العميق المرهق للغرفة الصغيرة وطَيّ خزانة الملابس وتزيينها من جديد كما تُفضّل. كنست السطح ومسحته بالماء والصابون وأعدّت الطعام.

أرهقت نفسها بمعنى الكلمة لتهرب من أفكارها ومن وسوسة شيطانها ومع ذلك ظل صدرها كالأتون الحارق لا ينطفئ.....

أخذت حمّامًا باردًا وارتدت ملابس نظيفة وظلّت في انتظاره.... لكنها سمعت صوت طرقاتٍ على الباب وصوت خالتها يناديها.

لا تعرف ماذا حدث لها تحديدًا في تلك اللحظة كل ما تعرفه أنها ركضت نحو الباب لتفتحه وتُلقي نفسها بين ذراعي خالتها باكيةً بحرقة...

وكأنها ادخرت كل دموعها ووجعها ليلة أمس لحين رؤيتها....

"غلطي يا عزة... طالما عارفة وقبلتي كده ليه عرفتيه إنك عارفة؟!.... قليتي من نفسك يا بنت أختي..."

قالتها خالتها وهي تجلس على البُساط أرضًا في الغرفة....

نظرت إليها عزة بعينين متشبعتين بالحزن وقالت باهتياج....

"معرفش يا خالتي... لقيت نفسي بنفجر في وشه وبقول اللي قولته ده... هو اللي حسسني بكده بيتعامل معايا وكأني غصبته على الجواز مني..."

تشدقت خالتها وهي تمضغ الكلمات كالحصى بصعوبة قائلة بضجر...

"غصـ إيه؟!..... غصبتيه ده هو كان يطول واحدة زيك..... كان يطول أصلًا يتجوز في الأوضة دي ويلاقي اللي ترضى باللي رضينا بيه..."

ثم مسمسمت بشفتيها محدثة صوتًا حانقًا متبرمًا وهي تسترسل بمقت....

"تلاقي الحلوة دي سابته لما شافت وضعه... 
أو يمكن أهلها رفضوه... "

وأضافت بنبرة لائمة...

"انتي اللي قليتي من نفسك يا مايلة وقولتلِك بلاش كأن قلبي كان حاسس... شوفي آخرتها وصلتي لفين معاه..."

تململت عزة في جلستها بقهر كمن يجلس على الجمر وقالت...

"كفاية تقطيم يا خالتي أنا مش ناقصة...أنا لحد امبارح بالليل كنت بفكر أطلق منه وأجيلِك..."

ارتفع حاجبا خالتها بعدم رضا وقالت معقبة...

"تطلقي بعد كام يوم من جوازك؟!...وانتي فاكرة إني هرضى بالحال ده..."

رمقتها عزة بصدمة وحيرة قائلة...

"طب ما انتي كنتي عايزاني أطلق يا خالتي لما عرفتي إنه ما حصلش بينا حاجة"

أجابتها خالتها برصانة...

"دي حاجة... ودي حاجة يا روح خالتك. وطالما هو سليم وعايش الدور عليكي يبقى نخطط ننسي البِت دي إزاي.... هي واللي جابوها..."

غامت عينا عزة بحزن أكبر وهي تقول بوهنٍ مرير...

"أنسي اللي بيحبها يا خالتي؟!... طب وكرامتي أنا فين..."

عقبت خالتها باستنكار....

"طب ما انتي اللي قبلتي من الأول يا عزة!"

أسرعت عزة تدافع عن نفسها...

"بس أنا مكنتش أعرف إنه لسه بيحبها..."

أطلقت خالتها زفيرًا طويلًا وهي تقول 
بجزع....

"واديكي عرفتي... الحل إيه بقى؟"

تبادلت مع خالتها النظرات لثوانٍ معدودة قبل أن تُطرق برأسها إلى الأرض معترفة بقلة 
حيلة...

"معرفش... معرفش..."

قوست الخالة فمها مفكرة قليلًا وهي تنظر إلى رأس ابنة أختها المنحني بعجزٍ وتيه تراه في عينيها منذ أن ألقت نفسها في أحضانها على
الباب باكية....

مدت الخالة يدها ترفع وجه عزة إلى مجال عينيها ثم قالت بحنوٍّ...

"لو عايزة تطلقي براحتك... مش همنعك بس استحملي بقى اللي جاي من كلام الناس..."

شق ثغر عزة ابتسامة ساخرة قاتمة التعبير وقالت بصوتٍ مختنق مثقل بالجراح....

"اللي وجعني مش كلام الناس يا خالتي... اللي وجعني قلبي...أنا بحبه يا خالتي ومش عايزة أطلّق منه. عايزة أفضَل معاه حتى لو هيفضل يحبها وهو معايا... كرامتي هاينه عليا قوي... لكن حبه مش هاين..."

انفطر قلب الخالة عليها ودعت على سلامة سرًّا وهي تقول بتفهّمٍ حانٍ...

"مانا علشان عارفة إنك بتحبيه بقولك نخطط إزاي ننسيه اسمها....مش بس شكلها..."

وبعد صمت عزة المؤلم تابعت الخالة بعقلانية وهي في أوج الهدوء والثبات....

"اسمعي يا عزة...القلب قلاب وسبحان من زرع الحب في قلوبنا....

مش صعب عليكي تخليه يحبك ويتعلق بيكي خصوصًا إنك مراته حلاله قدام ربنا والناس وكمان طول الوقت معاه..."

مسدت على شعرها وهي تكمل نصيحتها بلوعة الأم....

"أما هي فأكيد اللي بينهم كان شوية أيام 
وكام مكالمة....حاجات هتتنسي مع الوقت.
بس إنتي عمرك ما تتنسي لأنك مراته وعيلته كلها... وبكرة تبقي أم عياله... يعني انتي الحاضر والمستقبل...وهي الماضي يا روح خالتك..."

ابتسمت عزة معقبة بمزاحٍ طفيف....

"إيه الكلام الكبير ده يا خالتي؟!..وكأنك خارجة من أجدعها جامعة..."

لوت الخالة شفتيها وهي تقول بتهكم...

"لا جامعة ولا يحزنون... الدنيا هي الجامعة الكبيرة كلنا لازم ندخلها ونتعلم فيها مش بمزاجنا..."

ثم أضافت بعينين تشعان محبة ومؤازرة...

"اسمعي مني يا مايلة...وبكرة يبقى سلامة ده زي الخاتم في صباعك يتمنالك الرضا ترضي وبكرة يحبك فوق حبك ليه..."

طالت نظرات عزة إلى خالتها بصمت بينما قلبها يقرع بين أضلعها متمنيًا نهاية منصفة بعد كل هذا الحب والعذاب...
................................................................
بعد يومٍ طويلٍ ومرهقٍ في العمل عاد سلامة إلى البيت وحين دلف إلى الغرفة وجدها كعادتها نظيفة مرتبة ومعطَّرة....

بدأت عيناه في البحث عنها فلم يجدها بالغرفة فتجلّى الإحباط والحزن على وجهه وهو يتوقع ذهابها إلى خالتها دون رجعة بعد ما حدث بالأمس....

كان يشك في سلامة عقلها صباحًا ومع ذلك سايرها في أفعالها حتى عاد إليها عقلها في نهاية اليوم وتصرفت كما المتوقع.

ترك باب الغرفة مفتوحًا وذهب يجلس على الأريكة الخشبية بالخارج غير راغب في
دخول الغرفة الآن...

جلس في مكانه وظل يحدّق في باب الغرفة المفتوح بملامح جافية خالية من التعبير وعيناه غائمتان بالحزن...

فقد هاجر الدفء والوَنس بعد أن تسللا إليه خلسة كما يهاجر كلُّ شيءٍ ذي قيمة ويبقى
هو وقلبه في القبو المظلم مع الأشياء المنسية في هذا العالم !...

سمع صوت موسيقى قديمة الطراز تصدر من مكانٍ قريب فعقد سلامة حاجبيه وهو يتحرك متتبعًا الصوت الذي كان يأتي من جوار جدار الغرفة من الخارج....

وصل سلامة ثم توقّف في مكانه وهو يراها تنشر الغسيل على المنشر الصغير الذي صنعه لها أثناء تجهيز الغرفة....

وبجوارها على الأرض مذياعٌ قديم جدًا من زمنٍ وَلّى مع أصحابه يصدر أغنية كانت عزة تدندن عليها بشجن...

(كل ده كان ليه.... لما شفت عنيه حن قلبي
ليه وانشغلت عليه...كل ده كان ليه كان ليه.....)

ظل يتأملها لحظاتٍ طويلة مأخوذًا بجمالها وبصوتها الشاجن وحركتها الخفيفة كالفراشة في نعومتها ورقتها....

انتبهت عزة أنها تحت سطوة عينيه فرفعت بصرها نحوه لتجده يقف بالقرب منها على بُعد خطوات تحدّق عيناه بها بنظرةٍ لم ترَها فيه يومًا....

اضطربت قليلًا وغزت الحمرة وجنتيها وهي تقترب منه قائلةً بخجل...

"سي سلامة جيت إمتى أنا ما سمعتش صوتك..."

ردّ عليها ببعض السخرية مشيرًا إلى المذياع القديم...

"هتسمعي صوتي إزاي؟.... وسط الفرح ده؟"

ضحكت عزة بخجل قائلةً بصوتٍ رقيق...

"ساعات بحب أسمع عبد الوهاب...أصل أبويا كان بيحبه أوي... وحببني فيه..."

ثم قالت بعدها وهي تغادر من أمامه...

"خمس دقايق والأكل هيبقى جاهز..."

غادرت من أمام عينيه فلم يبقى مكانه وتحرك خلفها حتى رآها تشعل الموقد تحت الطعام.

فقال سلامة دون مقدمات وهو يغلق الباب خلفه....

"لما فتحت باب الأوضة من شوية وملقتكيش... قلبي وقع في رجلي."

نظرت إليه عزة بدهشة وهي تتوقف عن التقليب بالمعلقة...

"ليه كده....... افتكرت إيه؟"

ردّ سلامة وعيناه تكتسحانها ككلماته...

"افتكرت إني خسرتِك بعد الكلام اللي قولناه امبارح..."

اختلج النبض في قلبها بوجع وأسبلت عينيها تتابع تقليب الحساء مجيبةً بصوتٍ خافتٍ بعيد....

"إنتَ ما قولتش حاجة يا سي سلامة... أنا اللي فتحت في حاجات قديمة... حقك عليا ما كنتش أقصد أضايقك..."

بادر سلامة معتذرًا بصدق...

"حقك إنتي عليا يا عزة... لو قولت أو عملت حاجة امبارح ضايقتِك..."

لمعت عيناها بالدموع كما رقّ قلبها وهي تقول بنَفَسٍ سمحة...

"ما أزعلش منك أبدًا يا سي سلامة... وربنا ما يجيب زعل ولا فراق بينّا..."

ثم استرسلت وهي تشرع في سكب الطعام..

"ادخل غيّر هدومك.... وأنا هغرفلك الأكل... تحب تاكل هنا ولا بره؟"

ردّ سلامة....

"اللي انتي عايزاه."

قالت ببسمةٍ جميلة...

"ناكل هنا... ونطلع نكمل قعدتنا بره... لو تحب...."

أومأ برأسه موافقًا وهو يتحرك لتبديل ملابسه في الحمّام ساحبًا الستارة خلفه....

وبعد تناول وجبة الغداء معًا خرجا إلى السطح حيث الأريكة الخشبية والجلسة التي انتهت مساءٍ بمحاكمةٍ كارثية...بدأت اليوم عاديةً هادئة وكأن شيئًا لم يحدث !....

وجدها تقترب منه وفي يديها صينية الشاي وطبق التسالي فعلق سلامة....

"لب مملح برضو؟"

أكدت عزة بابتسامة واسعة وهي تستريح بجواره.....

"العشق ده مع كوباية شاي حاجة تانية..."

ثم مدت يدها إلى المذياع وشرعت في تشغيله....

"أشغل بقى الراديو بتاع أبويا...دي الحاجة الوحيدة اللي بتفكرني بيه هو وعبد الوهاب..."

أخذ سلامة رشفة من الشاي وهو يرجع رأسه للخلف ناظرًا إلى السماء الصافية....

"شغلي أسمع معاكي يمكن أحبه زيك..."

بدأ الصوت يتسلل إليهما بألحان مميزة هادئة فظلا يستمعان إلى الأغنية وهما يشربان الشاي ويأكلان اللب المملح.....

نظرت عزة إلى سلامة فرأته يحدق بها بصمت غريب فقالت ممازحة....

"إيه رأيك؟....مش حرماك من حاجة..."

التوى فم سلامة في ابتسامة صغيرة وعيناه 
لا تحيدان عنها وكأنه يكتشفها للتو....

فأحمر وجهها أكثر وقالت بتساؤل...

"بتشبه عليا ولا إيه يا سي سلامة؟...
معناها إيه البصة دي؟..."

أجابها سلامة بصوتٍ أجش....

"حاسس إني بدأت أتعود على وجودِك يا عزة...وبقيت أدور عليكي أول ما أدخل الأوضة...وكأن في حاجة مني ضايعة
ولما بشوفِك بلاقيها..."

رفرف قلبها بسعادة كعصفور صغير في قفصه أقصى طموحه فُتات الخبز ولم يطمع أن 
يطير خارج القفص !....

لم تحجب عنه مشاعرها رغم كل شيء وهي تعترف بخجلٍ لطيف....

"أنا بقى بعد الساعات من أول ما بتنزل الصبح لحد ما ترجع... قولي هترجع كل يوم الساعة خمسة؟.....ولا اليومين دول بس؟"

ردّ عليها مبتسمًا...

"إن شاء الله كل يوم...لو مفيش ضغط شغل... هبقى أتصل بيكي وأقولك."

رفعت عينيها إلى السماء قائلة بحرارة...

"ربنا يوسع رزقك.... ويرزقك برزقنا... "

رفع سلامة حاجبيه قائلاً بنفس البسمة المحفورة على محيّاه....

"حلوة الدعوة دي..."

ضحكت بخجلٍ متذكرة...

"كنت بسمع أمي كل يوم الصبح تقولها لأبويا..."

سألها بفضول وهو يأخذ القليل من حبات اللبّ....

"غريبة إني ما سألتكيش قبل كده عن أهلك..."

تجلى الحزن في عينيها وصوتها وهي تقول.

"مفيش حاجة جديدة تتقال...هما ماتوا كلهم في حادثة..وسبوني مع خالتي هي اللي ربتني وبقت أمي وعيلتي كلها... والباقي إنت عارفه عني..."

أومأ سلامة برأسه متفهمًا...

"ربنا يرحمهم... هما في مكان أحسن."

لم تترك عزة الصمت يطول بينهما فسألته هي أيضًا ببعض الفضول والمحبة لمعرفة المزيد عنه

فهي لم تسمع حكايته على لسانه يومًا بل كانت تتردد بين الرجال بأسلوبٍ بغيض 
ساخر....

"وانت يا سي سلامة؟"

رد سلامة بفتور...

"أنا إيه...ما إنتي عارفة اللي فيها...مليش أهل...."

قالت بسرعة.... "أنا أهلك... "

أسرته بردها العفوي فابتسم لعينيها فأضافت عزة بحرارة يشوبها الحب....

"أنا أهلك وناسك... صاحبتك وحبيبتك ومراتك....."

وضعت يدها على كتفه فنظر إلى كفها الصغير ثم إلى عينيها الحنونتين وشعر بنشوة غريبة تجتاح جسده بينما هي قالت بتوضيح....

"أنا قصدي يعني... عمرك ما عرفت مين ودّاك الملجأ؟.... روحت الملجأ وانت عندك كام سنة مثلاً؟...."

تلك الجلسة الهادئة بينهما والنسائم الباردة التي تداعب وجهيهما مع صوت المذياع القديم جعلت للحديث روحًا غريبة تلبّسته وهو يجيبها باستفاضة.....

"تقريبًا عشت حياتي كلها هناك... معرفش مين جابني ولا جيت إمتى... كل اللي عرفته لما وعيت على الدنيا إن اسمي سلامة... سلامة بس.....
وإن فيه فرق بيني وبين العيال اللي في سني...أصل إنك تيجي الدنيا ومعاكي شهادة فيها اسمك واسم أبوكي وجدك دي كانت حاجة كبيرة أوي... ميقدرهاش غير اللي
زيي واللي شبهي..."

رق قلب عزة إليه أكثر وتضاعف الحب والتعلق في قلبها نحوه وهي تمسح أطراف عينيها قبل أن تهبط العبرات أمامه....

"متزعلش على اللي فات... إحنا ولاد النهارده وإنت الحمد لله أحسن من غيرك."

استنكر سلامة الجملة قائلًا بسخط....

"فين الأحسن من غيري؟!.... على إيدِك حالي أهوه...مقدرتش أجبلك لا شبكة عدلة ولا 
عفش زي الناس ولا حتى عندي شقة...

حتى مصاريف الفرح أيوب اللي شالها 
عني...وناوي أسدد تمنها كل شهر دا لو
رضي ياخدهم... "

هتفت عزة بمساندة...

"بُكرة تروق وتحلى يا سي سلامة والله ما ضاقت إلا ما فرجت...وبعدين شبكة وعفش إيه.... أنا مش فارق معايا الحاجات دي
أنا كل اللي يهمني إنت... سعادتي معاك
إنت بالدنيا...."

رفع سلامة عينيه إليها معترفًا بكرهٍ من
نفسه....

"بس أنا حتى مش عارف أسعدِك..."

كانت كلماته بمثابة طعنة جديدة في قلبها فأسبلت جفنيها وهي تقول باختناق...

"كفاية إني مراتك يا سي سلامة... هعوز إيه أكتر من كده..."

ثم بلعت الغصة في حلقها وهي تقول 
بصعوبة....

"خد وقتك يا سي سلامة... الحب مش بالغصب كفاية العِشرة الحلوة والكلمة الطيبة اللي هتكون بينا.....دول عندي كفاية..."

ثم نهضت عزة تلملم شتاتها والباقي من كرامتها وهي تنظر إلى ساعة هاتفها غير الحديث قائلة....

"الوقت خدنا والساعة بقت حداشر وانت بتصحى بدري لشغلك...هروح أجبلك مخدة وغطا..."

وبعد خطوتين أوقفها سلامة بصوتٍ شبه متردد....

"لأ أنا... أنا هدخل أنام جوا على السرير..."

علت الدهشة وجه عزة وهي تستدير إليه بتساؤل.....

"هتنام جوا بجد؟!"

أومأ برأسه وهو يبادر بأول خطوة بينهما...

"لو مش هضايقِك يعني... الجو بقى برد هنا بالليل..."

تهللت أساريرها بفرحة ولم تقدر على إخفائها وهي تقول بحرارة...

"تضايقني؟.... دي فرشتك يا سي سلامة... أنا اللي معلش بقى لو هضايقك..."

ابتسم سلامة لعينيها وهو يشير إليها
بالذهاب....

"بطلي هبل وادخلي... هشرب السيجارة دي وأحصلك..."

تحركت عزة أمام عينيه للداخل وتركت الباب مواربًا خلفها بينما بقي هو في مكانه ينفث سيجارته والدخان يتراقص أمام عينيه...

تشاركا النوم على الفراش جنبًا إلى جنب لأول مرة منذ زواجهما تاركين بينهما مساحة صغيرة تكفي شخصًا آخر...

ومع ذلك كانت تلك الخطوة بالنسبة لعزة كافية لتجعل قلبها يخفق بسعادة....بقرب 
حبيبها منها ومشاركته لها نفس الغرفة 
وسماع أنفاسه تتردد بجوارها....كل ذلك
كافيًا ليغمرها بالأمل والحب......
............................................................ 
تشعر أنها تُحلِّق في السماء على السحب الوردية ترتفع...فلحظة الوصول إلى حلمك
هي اللحظة الفاصلة بين المستحيل والمنال...

نالت أخيرًا رضا والدها وفازت بحبها وتم تحديد ميعاد خطبتهما...

ضمت الكتاب إلى صدرها أكثر وهي تُسرع الخطى نحو سيارته التي تنتظرها....

صعدت إلى السيارة بابتسامة واسعة جميلة قائلة بروحها الشقية....

"مسا مسا...يا سينو..."

رد عليها وهو ينزع النظارة عن عينيه مستقبِلًا إياها بنظرة تفيض عشقًا وشوقًا...

"مسا مسا على حبيبي..."

قالت أبرار بملامح منبسطة...

"قولت إن فيه مشوار مهم يخصنا... هنروح فين؟...."

أجابها ياسين باختصار...

"هنروح نجيب الشبكة...وبعدين الفستان والبدلة..."

عقدت أبرار حاجبيها قائلة...

"لوحدنا كده؟...مش المفروض ناخد حد معانا؟..."

تذمر ياسين مشيرًا بعينيه للخلف...

"هي دي حاجة تفوت أبوكي...بصي ورا..."

نظرت خلفها فوجدت ملك تجلس في المقعد الخلفي وحين تلاقت عيناها بها لوّحت لها
ملك بشقاوة وغرور...

اتّسعت عينا أبرار قائلة بصدمة...

"مـلـك.... انتي إيه اللي جابك هنا؟"

قالت ملك...

"عمو صالح هو اللي قالي اجي معاكم..."

عقّب ياسين واجمًا...

"محرم..."

سألته ملك ببراءة...

"يعني إيه محرم يا سينو؟"

امتقع وجه أبرار وهي ترمقها شزرًا...

"اي سينو ده... مدلعيش خطيبي أنا بس اللي ادلعه..."

لوت ملك شفتيها قائلة بعبس...

"هو زي أخويا على فكرة... متخافيش عليه مني..."

رفضت أبرار وهي تقول بغيرة...

"لا يا حبيبتي أخاف... آخر مسلسل أنمي اتفرجنا عليه سوا مطمنيش..."

أدار ياسين محرك السيارة سائلًا بتسلية...

"وده كان بيحكي عن إيه يا ملوكة؟"

لكمته أبرار في كتفه قائلة بحدة...

"ملوكة؟!..... ما تتلم... "

ضحك ياسين مستمتعًا بغيرتها المجنونة من طفلة صغيرة لم تتخطَّ العشر سنوات بعد.

فيما قالت ملك بعفرتة...

"اتنين أخوات حبوا نفس البطل..."

أرجع ياسين رأسه للخلف مستمتعًا...

"أوباا... وعلى كده خد مين في الآخر؟"

قالت ملك بأسلوب شيق...

"مخدش حد... اتفقوا الاتنين إنهم مش 
هيخسروا بعض عشان واحد غريب..."

أومأ ياسين برأسه...

"طب والله كويس..."

أضافت ملك بنظرة سفاحة...

"فـقـتـلـوه..."

انتفض ياسين في مكانه بفزع وهو ينظر إلى ملك في المرآة الأمامية وهي تضحك عليه بينما كبحت أبرار ضحكتها بصعوبة....

ألقى ياسين اللوم على أبرار قائلًا...

"يا ساتر انتي بتتفرجي على الحاجات دي معاها؟.... ده بدل ما تقطعيها عنها... "

قالت ملك ببساطة...

"عادي يا عمو.... ده أنمي... "

لم يُعقّب ياسين وفضل الصمت لثوانٍ فيما عيناه تفرّان إلى حبيبته الجميلة التي 
ازدادت جمالًا في الآونة الأخيرة فعقب 
على الأمر بمغازلة...

"بس إيه الحلاوة دي يا أبراري... من ساعة اليوم إياه وانتي عمالة تحلوي... إيه السر؟"

رفعت أبرار وجهها للأعلى بغرورٍ أنثوي يليق بها وقبل أن تنطق بحرف سبقتها ملك برد الصاعق...

"بتاخد كورتيزون.."

اتّسعت أعينهما معًا في صدمة وذهول وهما ينظران لبعضهما مردّدين الكلمة ذاتها....

"إيــه؟!"

"إيــه؟!"

أوقف ياسين السيارة على جانب الطريق مصدومًا من الكلمة التي خرجت من فم الصغيرة بجدية لا تترك مجالًا للشك...

"الكورتيزون؟..... بتاخدي كورتيزون؟!"

توترت أبرار من نظراته النافذة كالسهام فقالت وهي ترمق ملك بتوعّد....

"بتهزر... الفتانة دي بتهزر..."

صاحت ملك بشجاعة تُشبه أمها في تلك اللحظة...

"مش بهزر شوفتِك بتاخدي منه النهارده الصبح ولما سألتك قولتي حبوب صداع 
بس أنا قرأت العلبة وعرفت إنه كورتيزون.."

ارتبكت أبرار أكثر أمام نظرات ياسين الحارقة وبعد حديث تلك العفريتة الصغيرة أصبحت في موقف لا تُحسد عليه....

حاولت أن تُغيّر مجرى الحديث بخفة مصطنعة.....

"هو انت وقفت العربية ليه... ما يلا عشان نلحق مشوارنا...."

صاح ياسين بغضب مكتوم...

"مشوار إيه وزفت إيه؟!.. انتي بتاخدي
الزفت ده ليه؟!..."

أجابته بإنكار وهي تستدير إلى ملك بشراسة تكاد تمزقها...

"مش باخده... ملك فهمت غلط انتي يا فتّانة عارفة يعني إيه كورتيزون؟!"

أومأت ملك ببساطة مجيبة....

"أيوه ماما خدته فترة عشان كانت تعبانة 
وزود جسمها... زيك كده..."

أحمر وجه أبرار بحرجٍ شديد وهي تقول
بغيظ...

"أنا لسه جسمي ما زادش أنا لسه واخداه 
من يومين بس... "

ثم وضعت يدها على فمها وهي تنظر إلى ياسين بخوف والذي هتف باستنكار حانق...

"وبتاخديه ليه أصلًا؟!"

أطلقت أبرار زفرة طويلة وهي تعترف 
بسأم..

"يوووه... عشان الفستان شكله يظبط عليا ارتحت؟... "

تجهم وجه ياسين أكثر وهو يأمرها بحزم...

"لو ما وقفتيش الزفت ده يا أبرار هيكون
ليا تصرف تاني معاكي..... سامعة...."

تململت أبرار في جلستها قائلة بحنق...

"يا ياسين..... أنا عايزة يكون شكلي حلو في الخطوبة...وشكل جسمي يتظبط في الفستان عجبك رفعي ده؟!"

اعترف لها ياسين من أعماق قلبه....

"عجبني... عجبني وهتجنن عليكي اهدي
بقى...عشان معانا محرم..."

خفق قلب أبرار بسرعة وتخضبت وجنتاها تأثرًا بصيحته الحارة وكلماته المداعبة لأنوثتها....

تعلقت ملك بذراعيها على ظهر مقعد ياسين وهي تسأله ببراءة...

"يعني إيه محرم؟...."

رمقتها أبرار شزرًا وهي تقول بضجر...

"يعني عارفة الكرتزون ومش عارفة المحرم
ده أنا هنفخك بس لما نروح..."

أخرجت ملك لسانها لأبرار بمناكفة فضربتها أبرار لكمة قوية أعادتها إلى مقعدها في الخلف....

فيما تحدث ياسين بجدية..

"أبرار...البتاع ده تِرمي في الزبالة أول
ما تروحي.... سامعة؟"

قالت أبرار بتوسل....

"طب هاخده أسبوع واحد بس يا ياسين 
يعمل فرق في شكلي..."

أصرّ ياسين على رأيه بصلابة كالفولاذ...

"ولا مرة كمان كده كده هكلم شروق دلوقتي وأقولها تاخده ترميه في الزبالة..."

ثم وجه السؤال إلى ملك...

"هي حطاه فين يا ملك؟"

أجابته ملك وهي تنظر إلى أبرار بطرف 
عينيها بلؤم....

"في الكومودينو اللي جنب السرير..."

تمتمت أبرار من بين أسنانها بغيظ شديد...

"آه يا بنت الـ..."

رفع ياسين الهاتف على أذنه مُجريًا اتصالًا بشروق وحين فُتح الخط قال....

"ألو يا أم ملك...في حد جنبك...هطلب
منك طلب..."

لوت أبرار شفتيها بقرف وانقلبت ملامح 
وجهها كليًّا وهي تُصغي إلى وشاية ياسين عنها....

أعطاها ياسين الهاتف بعد دقيقتين فأخذته على مضض وتحدثت إلى شروق وحين سمعت ما لم يُعجبها منها قالت بعناد...

"أيوه يا شروق... انتوا مالكم بيا أبلبع 
اللي أبلبعه.... أنا حرة...."

صمتت أبرار قليلًا تُصغي إلى حديث شروق
مرة أخرى ثم توسعت مقلتاها وهي تقول بتهكّم مغتاظة....

"عجوة بالسمنة والبيض إيه اللي هيعمل نفس المفعول؟!.... ممكن تسكتي... فضحتيني انتي وبنتك..."

أغلقت الهاتف في وجهها ثم ناولته لياسين بعصبية صارخة...

"انت فضيحة....بتكلمها ليه انت؟!"

أجابها ياسين بهدوء مستفز...

"عشان أضمن إنها رمته... وبعد كده هخليها تركز معاكي..."

ظهر التمرد في عيني أبرار وهي تصيح بنزق..

"تركّز مع مين؟!.... هي ولية أمري وبعدين أنا حرة....ما تسيبوني أجرب..."

شملها ياسين بنظرة ذات معنى وهو يقول بوقاحة....

"تجربي في إيه؟...دي ممتلكات خاصة... يعني تحفظي عليها لحد ما أستلمها والباقي سيبيه عليا..."

صدمها بتجاوزه الوقح فاحمر وجهها خجلًا وغضبًا وهي تقول...

"احترم نفسك.... معانا واحدة فتّانة"

رمقت ملك في المرآة الأمامية فقالت ملك ببرود وهي تنظر من النافذة....

"مش هرد عليكي عمو صالح قالي طولي بالك على أبرار... اعتبريها أختك الصغيرة..."

شعرت أنها ستُصاب بأزمة قلبية من تلك الصغيرة وأمها فهما وجهان لعملة واحدة
وهذا ما ينقص حياتها شروق كبيرة وأخرى صغيرة !....

"بابا قالك كده؟!..."

أكدت ملك بلا مبالاة...

"اتصلي بيه واسأليه..... أنا مش بكدب..."

نظرت أبرار نحو ياسين فرأته غارقًا في موجة من الضحك...

بعد مدة كانا يجلسان في محل مجوهراتٍ راقٍ جدرانه من الزجاج العاكس تتلألأ عليها أضواءٌ خافتة ذهبية مع رائحة عطرٍ فاخر تملأ المكان 
وكذلك موسيقى ناعمة راقية...

في المنتصف تمتد فاترينةٌ طويلة من الكريستال تُعرض فيها خواتم الألماس التي تتلألأ تحت الإضاءة المركَّزة كل قطعة منها تحكي عن يدٍ صاغتها بشغف....

خلف الفاترينة جلس موظف أنيق ببدلةٍ رمادية يبتسم وهو يقدم لهما العلب المخملية ليختارا منها....

كانت أبرار محتارة في انتقاء طاقمٍ من بين اثنين فكل منهما رائع بتصميمه المبهِر الرقيق. لذلك ساعدها ياسين وملك قليلًا في اختيار الأفضل وبالفعل اختارت الأقرب إلى قلبها.

ثم ذهبا معًا لشراء فستان الخطوبة اختارت أبرار فستانَ سهرةٍ أنيقًا ودخلت إلى غرفة القياس بينما بقي ياسين في انتظارها مع ملك....

قالت ملك بوجوم...

"أنا زهقت من المشاوير دي.... إمتى نروح؟"

ابتسم ياسين وهو يجيبها....

"تروحي فين.... في أخت تسيب أختها الكبيرة في يومين زي دول؟..."

عبست ملك وقالت بحزن...

"أختها الكبيرة؟!.... بس أبرار مش بتعتبرني أختها...شكلها مش بتحبني."

قطب ياسين حاجبيه بتساؤل..

"مين قالك كده؟"

أكدت ملك بوجوم...

"باين عليها...مش شايف بنتعارك كتير إزاي؟"

ابتسم ياسين بهدوء وهو يقول...

"أنا كمان بتعارك معاها كتير... دا معناه إنها مش بتحبني... بالعكس ورا العراك ده محبة... محبّة بزيادة كمان...."

عقدت ملك ذراعيها مفكرة...

"يمكن..."

جاء صوت أبرار من داخل غرفة القياس...

"ملك..... تعالي ساعديني..."

أشار لها ياسين مبتسمًا...

"روحي شوفي أختك عايزة إيه..."

تحركت ملك نحو الغرفة فتمتم ياسين بحسرة...

"يا بختك يا ملوكة..."

دخلت ملك وأغلقت الباب خلفها فقالت أبرار بسرعة...

"ملك.... اقفليلي سوستة الفستان."

ساعدتها ملك بخفة وهي تضبط الفستان عليها بينما كانت أبرار تنظر إلى صورتها المنعكسة في المرآة قائلة...

"إيه رأيك؟.....حلو عليا؟"

ابتسمت ملك بنظرةٍ تشع محبة...

"حلو أوي بجد يا أبرار... واللون تحفة..."

انبسطت ملامح أبرار وهي تقول
بحماس...

"بجد..... يبقى لازم ياسين يشوفه.. "

أوقفتها ملك بحذقٍ قائلة...

"لا استني... يشوفه إيه خليها مفاجأة يوم الخطوبة أحسن..."

توقفت أبرار تفكر قليلًا وهي تنظر إلى عيني ملك ثم راقت لها الفكرة فقالت...

"تصدقي عندك حق ومع الميكب والطرحة هيبقى أحلى..... خلاص خليه يتفاجئ... "

رفعت ملك كفّها نحو أبرار بشقاوة فبادلتها أبرار الصفقة بكفها الآخر...

قالت أبرار بعتاب....

"مع إني لسه زعلانة منك عشان فتنتي عليا..."

أجابت ملك بصراحة...

"أنا قولتله عشان خايفة عليكي."

ضيقت أبرار عينيها بشك...

"يا سلام..."

أكدت ملك بشجن....

"آه والله يا أبرار... أنا بحبك وبخاف عليكي أوي...."

رقّ قلب أبرار فضمّتها إليها بعطف قائلة...

"مانا كمان بحبك... بس كان ممكن تقوليلي بدل ما تسيحيلي قدامهم."

قالت ملك بعفوية...

"مكنتيش هتسمعي كلامي."

ثم اعتذرت بخجل...

"ومتزعليش مني... أنا آسفة..."

أبعدتها أبرار عنها برفق قائلة بحزم...

"مش زعلانة... بس آخر مرة تسيحيلي قدام حد....خليه بينا مفهوم؟"

أومأت ملك قائلة بخضوع...

"حاضر...."

خرجت الشقيقتان معًا وحين رآهما ياسين
قال متعجبًا...

"فين الفستان يا أبرار؟... ماطلعتيش بيه ليه عشان أشوفه..."

قالت أبرار...

"أنا قسته، وملك قالتلي حلو."

وأضافت ملك عنها...

"واتفقنا تشوفه يوم الخطوبة."

نقل ياسين عينيه بينهما مستهجنًا الوضع..

"إنتوا اتفقتوا سوا؟..... يبقى ربنا يستر..."

ثم وجه الحديث إلى أبرار قائلًا بغيرة...

"أوعي يكون الفستان ضيق يا أبرار."

هزّت رأسها نفيًا وقالت بتجهم....

"متقلقش مظبوط ومحتشم...هي دي حاجة تفوتني؟!.....انت عايز بابا يلغي الخطوبة؟"

هتف ياسين بسخرية قاتمة...

"هو الود وده يلغيني أنا مش الخطوبة... "

ثم أشار إلى العاملة التي اتت عليهما..

"لو سمحتي..عايزين الفاتورة بحساب الفستان...."

فأسرعت أبرار تقول للعاملة...

"وكمان عايزين فستان سهرة تاني من نفس اللون.... بس مقاس أختي."

ارتفع حاجبا ياسين بدهشة بينما نظرت ملك إلى أبرار بصدمة وتساؤل...

"ليا أنا يا أبرار؟!"

أكدت أبرار وهي تقرص وجنتها بخفة...

"هو أنا عندي مية أخت...أكيد ليكي إنتي"

ابتسمت العاملة وأشارت نحو أحد الأركان

"طب تعالي معايا يا فندم شوفي الموديل 
اللي هيعجبك..."

تحركت الشقيقتان معًا خلف العاملة وكانت ملك أكثر سعادةً وحماسًا من ذي قبل...

أدارت ملك رأسها نحو ياسين مبتسمة فغمز 
لها بثقة مؤكدًا حديثه السابق لها.....
...........................................................
دخلت شروق إلى غرفتِهما وهي تجفف شعرها بعد أن أخذت
الفصل الثالث والثلاثون33 

دخلت شروق إلى غرفتِهما وهي تجفف شعرها بعد أن أخذت حمامًا باردًا....

رذاذ شعرها وعبير سائل الاستحمام الطيّب داعب أنف صالح فرفع عينيه الخضراوين 
إليها تاركًا الملفات التي بين يديه لثوانٍ معدودة ليراها ترتدي أحد قمصانها الناعمة الطويلة وفوقه المئزر يرسم قدَّها الرشيق وجمالها بريشة فنان.....

وقفت أمام المرآة تجفف شعرها الطويل وهي تتمايل بخفةٍ تشع أنوثةً جعلت عينيه مسحورتين بها أكثر.....

أطلق صالح تنهيدة مسموعة وهو يعود إلى الملفات بين يديه....

نظرت إليه شروق وهي منشغلة بتجفيف شعرها....

"مالك يا شيخ؟...... فيك حاجة؟..."

رسم صالح التجهم على ملامحه وقال 
بنبرةٍ خشنة....

"بعد كده.... طول ما أنا في الأوضة شغال متدخليش..... "

اتسعت عيناها الجميلتان وهمست بشفتيها الفاتنتين بصدمة....

"الله..... وليه كده..... أنا عملت إيه؟!"

قال بصوتٍ أجش وعينيه الخضراوين تلمعان برقةٍ....

"عملتي كتير... كتير أوي يا غزالة...."

ضحكت شروق ضحكةً أنثوية بعدما فهمت مغزى حديثه وقالت بتساؤلٍ....

"وعلى كده لسه بدري على شغلك ده مش ناوي تخلص؟...."

سألها متعجبًا...

"عايزة حاجة؟"

أومأت شروق بصوتٍ ناعمٍ متغنج....

"عايزة أقعد معاك... إنت على طول مشغول سواء في المصنع أو حتى في البيت..."

قال صالح بهدوء...

"شوية وهخلص....دي حسابات مهمة."

تبرمت رافضة تجاهله...

"قصدك إني مش مهمة يا شيخ؟"

رفع بصره إليها فوجدها تقف أمامه بتحدٍ كمن تُشهر أسلحتها في وجهه..ومن يكون هو حتى يقاوم امرأة مثلها....

"إنتي المهم بذاته يا غزالة... تعالي."

أشار لها أن تقترب وهو يزيح الملفات جانبًا ليفرغ مكانه لسيدة الحُسن والجمال....

وما إن جلست شروق بجواره حتى جذبها صالح تلقائيًا إلى صدره فأغمضت عينيها بنعومةٍ وراحة تستشعر دفءَ أحضانه 
وتُنصت لنبض قلبه الذي يخفق تحت 
وجنتها كأنما يُناديها باسمها....

لم تُخفِ إحساسها عنه وهي تعترف بجرأتها المعهودة....

"وحشني حضنك أوي يا صالح..."

رد صالح بصوتٍ خافتٍ وهو يستنشق عبير شعرها بسحرٍ لا يُقاوَم...

"أنا بقى بتوحشني كل حاجة فيكي..."

نزعت نفسها من بين ذراعيه بخفةٍ قائلةً بدلالٍ وهي تنظر إلى عينيه....

"اختار حاجة واحدة..."

لف خصلةً من شعرها حول إصبعه وأجابها ببحةٍ أثارت الرجفة في أعماقها...

"عينيكي..."

خفق قلبها متفاعلًا معه وابتسمت بدهشةٍ قائلة...

"غريبة قلت بسرعة....مخدتش وقت..."

أومأ صالح مبتسمًا وهو يمسح على لحيته الكثيفة....

"طالما عندي الإجابة.... ليه أأخرها عنك؟"

ثم مال عليها برقةٍ ينوي أن يقطف ثمار شفتيها الشهية لكن حين التقطت أنفاسها 
عبقَ عطر العود تقلصت ملامحها باشمئزازٍ واضح.....

"مــالــك؟!... "

سألها صالح مستغربًا بعد أن لاحظ تعبيرات وجهها.....

فأجابته شروق باختناق...

"ريحة العود مقرفة..."

صُدم من ردها..."إيــه؟!"

قالت شروق معتذرة....

"مش عارفة... مبقتش حابة ريحة العود
حاسة إنها بتخنقني يا صالح..."

لم يغضب منها أو يتذمر بل قال بأسلوبٍ متفهّمٍ حانٍ....

"هبطل أحطها...حاضر."

ثم أعادها مجددًا إلى أحضانه لكنها رفضت وهي تضع يدها على فمها ذاهبةً راكضةً إلى الحمام.....

"لا لا... مش قادرة..."

لحق بها صالح بسرعة وقد انتابه القلق 
الشديد عليها....

"شــروق..."

رآها تقف أمام حوض الحمام تغسل وجهها وقد بدا عليها الإرهاق واضحًا...حاولت أن تتقيأ كما شعرت لكن لم يحدث شيء.

ساعدها صالح على الخروج وهو يقول باهتمام....
"إنتي كويسة؟.... فيكي إيه تعالي نروح المستشفى...."

رفضت شروق قائلةً...

"مش مستاهلة معدتي وجعاني شوية... شكل معادها قرب.... يمكن عشان كده."

اقترح صالح عليها...

"أجبلك حاجة للمغص؟"

قالت شروق وهي تلقي نظراتها نحو
المطبخ...

"لا.... أنا هعمل حاجة دافية."

رفض صالح وهو يخرجها برفق...

"خليكي مرتاحة على السرير... أنا هعملك."

ثم وقف أمام الموقد يُعد شيئًا دافئًا لها ليريح معدتها بينما بقيت هي مكانها تستند إلى الحائط تتابعه بعينيها ولسانها يردد الحمدَ
على زوجٍ مثله في حياتها....

قال صالح بعدما شعر بوقوفها
خلفه....

"هو لسه ياسين وأبرار مجوش؟..."

قالت شروق عابسة...

"سيبهم يا صالح....ملك معاهم زي ما قولت وبعدين هما هيعملوا كذا مشوار... وطبيعي ياخدوا وقت...."

وقبل أن يُعقب على الأمر سمعا معًا صوت جرس الباب يدوّي بعنفٍ غير آدمي...

تجهم وجه صالح وهو يتحرك نحو الباب مشيرًا إليها بالدخول إلى الغرفة.....

تحركت شروق نحو غرفتهما تتمتم
بفزع...

"مين اللي بيخبط كده...؟"

اتجه صالح إلى الباب وفتحه ليجد عبلة
أمامه ترتجف وهي تبكي بهستيريا قائلة

"الحقني يـا صـالـح..."

قال بجمود وهو يغض بصره عنها 
ببغض....

"في إيه... خير؟"

كانت تقف أمامه بمظهرٍ لا يليق ترتدي طقمًا رياضيًا ضيقًا يكاد يتمزق من فوق جسدها وشعرها المصبوغ يتدلى حرًا على ظهرها.
ولم تنسى بالطبع إخفاء الكدمات على 
وجهها بمساحيق الزينة المبالغ فيها...

قالت عبلة بإتقان وهي تواصل بكاءها...

"هيثم بيهددني...عرف إني قاعدة عندكم
هنا وحلف إنه هييجي ويعمل مشكلة كبيرة معاكم...أنا خايفة عليكـ......وعلى ياسين 
ابني أوي..."

أظلمت عينا صالح قليلًا وهو يرد بنبرةٍ خشنةٍ مهيبة.....

"أهلًا وسهلًا بيه ينور وياخد واجبه كمان... متخافيش... إنتي قاعدة في بيت الشافعي... يعني في أمان...."

سألته عبلة وهي تخطو نحوه خطوةً مترددة..

"يعني هتدافع عني يا صالح... هتحميني منه؟..."

خرجت شروق من الغرفة بعدما سمعت صوت عبلة وتأكدت أنها بالخارج وحدها....

فيما رد صالح بنظرةٍ حادةٍ كالصقر....

"طالما قاعدة في بيتنا... يبقى دا حقك علينا... إني أحميكِي منه ومن أي حد يحاول يقربلك."

زادها الحديث نشوةً وسعادة فقالت بميوعةٍ ظاهرة....

"يخليك ليا... قصدي لينا يا صالح..."

لم تُحبذ شروق تلك النظرة الرخيصة من عبلة لزوجها فقالت ببعض الضيق وهي تشير نحو الأريكة...

"اقعدي يا حبيبتي...استريحي من نزول السلم."

نظرت إليها عبلة مدعيةً الدهشة وقالت بلؤمٍ خفي....

"يوووه ماخدتش بالي إنك موجودة وسطنا يا..."

أجابتها شروق على مضض...

"شروق... أو قوليلي يا أم ملك...اللي يريحك."

تركهما صالح وهو يجيب على اتصالٍ هاتفيٍّ مهمٍّ يتعلق بالحسابات التي يراجعها....

فيما جلست عبلة على الأريكة وعلى المقعد المجاور جلست شروق وقد بدا عليها التعب أكثر....

جالت عينا عبلة في أرجاء المكان وهي تقول بتوددٍ مصطنع....

"شقتك حلوة...دي اللي اتجوزتي فيها مش كده؟!..."

أومأت لها شروق بتأكيدٍ صامت فأضافت عبلة بلؤمٍ خفي...

"دي كانت شقة حماتي أيام فاروق الله يرحمه كنا بنتجمع كلنا فيها كل جمعة... أنا وفاروق وصالح وجميلة مراته.... الله يرحمها."

لم يُعجب شروق الحديث حول والدة أبرار فردت بهدوءٍ متحفظ...

"الله يرحمها...مفيش حاجة بتفضل على حالها..."

نظرت عبلة إليها بطرف عينيها ثم عادت تنقل بصرها في أركان المكان مسترسلةً بخبث...

"أيوه مانا عارفة... بس غريبة يعني إنك عايشة هنا.... مش فوق في الدور التالت... يكونش صالح مش حاببك تقعدي في مكانها؟"

بلعت شروق ريقها ولم تجد ما ترد به فهي لم تفكر في الأمر من قبل....

فكرة أن تكون لها شقة مستقلة حتى ولو في الطابق الأرضي تُرضيها...خصوصًا أن الطابق الثالث تقيم فيه والدته وابنته بينما الطابق الثاني ملكٌ لأخيه الأكبر وقد ورثه ابنه ياسين ومن المحتمل أن يتزوج فيه....

لذلك لم تُزعجها تلك التقسيمة بل على العكس تراها عادلة وليس وراءها أي نية خفية....

تابعت عبلة وهي تبثّ سمّها في الحديث...

"تلاقيه يا حبة عيني مش قادر ينسى ذكرياتهما سوا...أصل كان بيحبها أوي 
روحه فيها..."

كان الكلام أشبه بنصلٍ حادٍّ اخترق قلبها فرفعت شروق عينيها نحوها بجمود....

فأتبعت عبلة حديثها هامسةً كمن يُفشي سرًّا خطيرًا....

"تعرفي إنه محتفظ بكل حاجتها في أوضة نومهم اللي فوق...يعني لبسها البرفان المكياج حاجتها الشخصية كلها زي ما هي... وتلاقيه كل فترة يطلع يقعد في الأوضة يقفل على نفسه ويقلب عليه المواجع...أصله كان بيموووت... بيموووت فيها..."

تسلحت شروق بواجهة المرأة التي لا تُقهر وقالت بعنفوانٍ حاسم...

"لو كان زي ما بتقولي كده..مكنش اتجوزني.."

أشعل الرد صدر عبلة بالغل فابتسمت ابتسامةً تخفي خلفها انتقامًا أسود يفوح من بين كلماتها وهي تقول بمكر....

"يا حبيبتي ما انتي عارفة الرجالة ليهم طلبات...وأكيد لاحظتي ده من أول يوم جواز غرضه إيه من ناحيتك..."

جذبتها من سكينتها وثقتها بحالها إلى أرضٍ مقفرة تقف فيها عاريةً أمام قسوة الحقيقة..

فهذا ما حدث منذ أول يومٍ لزواجهما حين اخترق حصونها بلهفة...مرتويًا منها بقدر ظمأ سنواتٍ عاشها دون زواج.....

وهي فعلت مثله.... أتنكر؟ لكنها فعلتها حبًّا له لا رغبةً كما تلمح تلك المرأة...

عادت تتسلّح بثقتها وقالت بثبات...

"ومعملش كده ليه من تسع سنين فاتوا؟"

سيطرت عبلة في حقدها وغضبها وقالت بسخطٍ خفيٍّ يتسلّل من بين كلماتها....

"والله دي بقى بتحكي عن شطارتك... وأنا بصراحة معرفش عملتيها إزاي دي..."

جزّت شروق على أسنانها قائلةً بحدّة...

"ميجيش معاكي إنه حبني؟!"

التوت ابتسامة عبلة وهي تسألها بلؤمٍ متعمّد

"وهو قالك إنه بيحبك؟"

جمّدها السؤال ولم تجد في داخلها إجابةً صادقة فهو لم يعترف بشكلٍ مباشر حتى الآن لكن كل أفعاله تدل على أنه متيّمٌ بها... لذلك أجابت....

"قال لي..."

ضحكت عبلة بسخريةٍ لاذعة وقالت...

"ومالك بتقوليها وانتي مش متأكدة كده ليه؟"

انزعجت شروق منها بشدة وشعرت عبلة بذلك فحاولت أن تُحسّن صورتها وهي تربّت على ركبة شروق قائلةً بوئامٍ مصطنع...

"على العموم يا حبيبتي... متزعليش من كلامي أنا بدردش معاكي مش أكتر... أصل
أنا كنت في البيت ده قبلك... وحضرت جميلة وعشيرتها... وهي بصراحة اسم على مسمى... وانتي عكسها في كل حاجة... عشان كده مستغربة حبتين..."

ثم لوت فمها قائلةً بخبثٍ ماكر...

"بس يمكن بيحبك زي ما بتقولي...يمكن....."

بعد دقيقتين أتى صالح عليهما وقد أحضر 
معه كوبًا من الأعشاب الدافئة إلى شروق ليُريح معدتها....

"النعناع يا شروق..."

نظرت إليه شروق بدهشة وقد تناست أمر المشروب الذي كان يُعدّه سابقًا....

"تعبت نفسك برضو يا صالح..."

ناولها صالح الكوب باهتمام قائلًا....

"اشربي عشان معدتك..."

امتقع وجه عبلة وتسلّل القلق إلى قلبها
فسألت بفضول...

"معدتك؟!.... لا ألف سلامة عليكي... مالِك؟"

ردّت عليها بامتعاض...

"شوية مغص وهيروحوا لحالهم..."

عادت عبلة تسألها بنبرةٍ فيها حدة...

"مغص بس؟..... ولا حاجة تانية؟"

رمقها صالح بنظرةٍ ناريةٍ ارتعدت على أثرها عبلة فسارعت تُصحّح حديثها قائلة....

"أنا قصدي يعني..إنه لو زاد عن كده لازم تروحي تكشفي....ولا إيه يا أبو أبرار؟"

أكد صالح وقد لانت نظرته نحو زوجته...

"إن شاء الله... مفيش أهم من شروق وراحتها..."

تبرمت عبلة وهي تقول بسخطٍ ظاهر....

"نفس الكلام اللي كنت بتقوله لجميلة... بس انت عمرك ما تأخرت عنها...كانت أول ما تقول آه يا صباعي...تجري بيها لأقرب مستشفى..."

أسبلت شروق جفونها مستشعرةً نيران الغيرة تضطرم في صدرها...

فيما عادت نظرات صالح تقسو نحو عبلة....

التي ضحكت قائلةً بحرجٍ مصطنع....

"يووووه... لساني ده عايز قطعة..."

سألها صالح على مضض وهو يودّ طردها
من شقته...

"تشربي حاجة؟.... نسيت أضيفك..."

نهضت عبلة قائلةً ببرود...

"وانت هتفتكرني إزاي...كان الله في العون. على العموم... أنا هنزل وأسيبك ترتاحي يا أم ملك... فُوتكم بعافية...."

أمرها صالح بصلابة...

"ياريت مترديش عليه في التليفون... لحد ما نشوف آخرتها معاه...."

استدارت إليه عبلة بابتسامةٍ متغنّجة
وقالت...

"بس كده... مش هكلمه خالص..."

أغلق صالح خلفها باب الشقة مطلقًا زفرةً طويلة كمن أزاح عن صدره ثقلًا.....

استدار إلى زوجته فرآها جالسةً مكانها شاردةً في عالمٍ آخر بينما ملامحها تزداد تعقيدًا كمن يُفكّر في مسألةٍ عويصة....

سألها صالح وهو يقترب منها...

"مالك يا شروق؟... وشك مقلوب كده ليه؟"

نظرت إليه شروق بقوة وكأنه جذبها من 
عالمها قسرًا ثم قالت وهي تنهض من 
مكانها...

"ولا حاجة... أنا هروح أرتاح شوية على السرير..."

أشار إلى الكوب الذي تركته على سطح الطاولة....

"والنعناع؟"

قالت باقتضاب...

"مش عايزة حاجة."

ردد من خلفها الجملة متعجبًا من انقلابها المفاجئ...

"مش عايزة حاجة؟!..."

ثم عاد إلى باب الشقة الذي أغلقه خلف عبلة.
من المؤكد أنها وراء الأمر فقد انشغل بالمكالمة لوقتٍ ليس بقصير وبالطبع قالت شيئًا أزعجها.....
.................................................................
تقرع الأرضَ المصقولةَ اللامعةَ بكعبِ حذائها العالي وهي تدخل مقر الشركة بخطواتٍ أنثويةٍ واثقة وأناقةٍ لا تخطئها العين كعادتها كل يوم ترتدي طقمًا كلاسيكيًا أزرق اللون مكوَّنًا من بنطالٍ قماشي واسع الساقين
وسترةٍ أنيقة من القماش نفسه تحتها قميصٌ أبيض يزيد مظهرها اتزانًا ورقيًّا....

رفعت شعرها للأعلى على شكل ذيل حصانٍ يتأرجح خلفها بانسيابية وأناقة وزيَّنت وجهها بزينةٍ خفيفةٍ رقيقة تناسب وضح النهار....

سارت في الممر المؤدي إلى مكتبها ومكاتب بعض الموظفين المهمين في الإدارة وبينما كانت تمشي بخطواتٍ هادئةٍ رصينة رفعت عينيها الرماديتين للأمام...

تعرقل نبض قلبها فجأة كما توقفت قدماها في مكانهما عنوةً عنها حين رأته يخرج من مكتبه. وبدوره توقف هو أيضًا عن الحركة حين وقعت عيناه عليها بعد أشهرٍ من وجودهما في الشركة نفسها دون لقاءٍ مباشر.....

كأن الصدفة قررت أن تعبث بهما مجددًا
بعد أن رأته بالأمس في المسابقة التي انتهت بفوزه واستلامه الجائزة أمام الحضور ثم عناق ليان الحار له على المسرح...

تبادلا النظرات معًا... الناس العادية تنظر أما أيوب عبدالعظيم فيفترس بعينيه...

ارتبكت نغم أمام تلك النظرات النافذة القوية بينما عقلها لم يرحمها وهو يعيد إليها تفاصيل ما جرى بينهما في شرفة القاعة حين جذبها قبل أن تغادر وضمها بين ذراعيه فانهارت على صدره مستسلمةً معتذرةً ومطالبةً بفرصةٍ جديدة معه بعد عنادها وابتعادها وارتباطها برجلٍ آخر رغم تحذيراته ومحاولاته
المتكررة معها....

لكن دخول ليان المفاجئ حينها أيقظها من حالة الضعف التي سكنت روحها في لحظة وجعلها تتراجع في ارتباكٍ موجع....

غير أن مشهد عناقهما في نهاية المسابقة أشعل في صدرها نارًا لم تخمد حتى الآن.

كانت تدرك أنها الملامة فهي من تركت امرأةً أخرى تصل إليه بعدها... وعليها أن تصلح خطأها قريبًا.....بطريقةٍ أو بأخرى؟!.....

شدّت نغمُ قامتها وسارت إلى الأمام بقوةٍ جبارة متجاهلةً وجوده وكأنه لم يكن أمامها منذ لحظات....

أما أيوب فظل واقفًا في مكانه بشموخٍ صامت حتى مرت من جانبه فداعب أنفه عطرها المسكر لحواسه فلعنها سرًا شاتمًا ثم تحرك 
هو الآخر يتبع الطريق ذاته دون أن يلتفت.

وضعت نغم حقيبتها على سطح المكتب بعصبية كما جلست على المقعد بالحركة
ذاتها وشرارت الغضب تطاير من عينيها تغمغم بعدة كلمات غاضبة من نفسها ومن الحالة التي أصبحت عليها بعد أن وقعت في حبه وبعد أن افترقا....

على صوت تنفسها حدة وعينيها تقع على يدها الفارغة من الخاتم الماسي لتتذكر نهاية ليلة أمس والتي حملت في جعبتها الكثير من المفاجآت آخرها حديثها مع جاسر بعد 
عودتهما من المسابقة.... 

أوقف جاسر سيارته أمام بوابة الفيلا ثم رفع عينيه نحو نغم ليراها ما زالت جالسة في مكانها على المقعد لم تتحرك كعادتها في الإسراع بالخروج بل كانت تحدق في خاتم الخطوبة بين أصابعها تحركه يمينًا ويسارًا وكأنها تفكر في نزعه....

حين مرت الفكرة على رأسه تجهم وجهه
بشدة وجاشت مراجل صدره فمال عليها فجأة محاولًا تقبيلها....

تداركت نغم الأمر فابتعدت عن مرمى شفتيه ناظرةً إليه بغضب....

(إيه اللي بتعمله ده يا جاسر؟!..)

أبعد جاسر وجهه عنها وهو يقول بتهكم

(بقالنا فترة مخطوبين... ومفيش مرة خدتك في حضني وبوستك..)

رفعت شفتيها باشمئزاز والرفض يتجلى في عينيها مفعمةً بالحنق...

(وانت شايف إن خطوبتنا تديك الحق تعمل معايا كده؟!..)

رد جاسر عليها وكأن ما يقوله حقٌّ مباح...

(بيبقوا بيحبوا بعض بس... وبيحصل بينهم أكتر من كده..... متعقدهاش يا نغومة..)

أسبلت جفنيها متذكرةً ما حدث بينها وبين أيوب واستسلامها المخزي بين ذراعيه... 
بلعت ريقها وهي تقول بثبات...

(أديك قولت بيحبوا بعض... وأنا لسه مش حاسة ناحيتك بحاجة...)

شعر جاسر بطعنة في رجولته وهو يقول بضيق....

(بعد كل ده... ومش حاسة ناحيتي بحاجة
انتي في حد في حياتك؟....صرحيني يا نغم... أنا زهقت من علاقتنا دي..)

أومأت نغم برأسها ببرود...

(وأنا كمان زهقت يا جاسر... وشايفة إن الأحسن ننفصل....)

اتسعت عيناه مصعوقًا من سرعة تخليها عنه..

(ننفصل؟!..... إحنا لحقنا؟!..)

تسلحت نغم بالشجاعة وهي تقول...

(وليه نكمل في حاجة عارفين نهايتها
كفاية إننا حاولنا طول الشهر ده ومفيش نتيجة...)

ارتفع صوت جاسر قليلًا بغيظ...

(عشان انتي مش عايزة يكون في بينا نتيجة
انتي اللي مش قابلاه يا نغم....)

لم يبدُ عليها أي تراجع وهي تقول بلا 
اكتراث...

(وأنا مخدعتكش من البداية خالص.
انت عارف إني مش حاسة ناحيتك بحاجة
ورغم كده قعدت تقنعني بفترة الخطوبة...)

عاد يسألها بنظرة قاسية...

(انتي في حد في حياتك صح؟...)

دون النظر إليه أجابت بصدق...

(كان في حد... بس مبقيناش مع بعض 
من قبل حتى ما تتقدم لي....)

علا صوت تنفسه غضبًا وقال بعنفوان...

(ودلوقتي رجعتي له؟!..)

هزت رأسها نفيًا وغامت عيناها بالحزن..

(بالعكس... هو شاف حياته وكمل مع حد تاني....)

هتف جاسر بانفعال...

(طب وليه عايزة تسيبيني؟!..)

رفعت نغم عينيها إليه قائلةً باقتضاب..

(عشان أنا بظلمك وبظلم نفسي... لأني لسه بحبه حتى لو هو مبقاش كده...)

نزعت نغم الخاتم عن إصبعها بسهولة ثم استأنفت بنبرة شاجنة....

(صدقني يا جاسر أنا حاولت...بس قلوبنا مش بإيدينا....دي مشاعر صعب تتحكم فيها... وصعب تبدلها فجأة....)

وضعت الخاتم على رف السيارة أمام عينيه رافضةً التراجع عن قرارٍ أخطأت فيه منذ البداية....

رفض جاسر بشدة قرارها وهتف دون تفكير

(ارجعي البسي الخاتم تاني يا نغم اديني فرصة... وأنا هحاول أنسيكي أيوب واللي جابوه....)

ارتفع حاجباها للأعلى مع اتساع عينيها وهي تنظر إليه بقوة وكأنها اكتشفت شيئًا غاب عنها طوال الشهر الماضي على خطبتهما....

(بس أنا مقولتش أيوب.... عرفت منين؟!..)

احمرّ وجه جاسر وشعر أن كلماته خانته وأنه وقع في الفخ دون أن يعي ذلك إلا بعد فوات الأوان....

ضاقت عينا نغم وهي تعقّب بصوتٍ خافت...

(انت كنت عارف من الأول باللي بينا...
وعملت كده عشان تغيظه بيا مش كده؟...)

نفى جاسر هذا الاتهام قائلًا بسرعة...

(عملت كده عشان بحبك...)

تبرمت نغم في ابتسامة باهتة باردة وهي تتذكر كل ما حدث خلال الأسابيع الأربعة الماضية بينهما...

(معتقدش... أفعالك الفترة اللي فاتت مكنتش بتدل على حبك ليا بالعكس أنا كنت بالنسبة لك عروسة مناسبة لمكانتك وصورتك في المجتمع.....
جاسر العبيدي مصمم الأزياء المشهور ارتبط ببنت كمال الموجي مصمم الأزياء المعروف في مجاله... نسب مناسب مش أكتر....)

(بدليل إنك خدتني معاك بس المسابقة عشان أظهر قدام الناس ويبان قد إيه إني بحبك وبادعمك....وده قولته بلسانك وانت بتقنعني أجي معاك....فالموضوع مكنش حب زي ما بتقول.....)

انفعل جاسر عليها...

(انتي بتقولي كده عشان تطلعي نفسك مظلومة ويبقى ليكي الحق تسيبيني عشان ترجعي له...)

رفعت نغم وجهها بصلف ونظرتها الباردة المتعالية نحوه تشبه نظرة من يرى حشرةً ضارة لا تستحق سوى أن تُداس أو تُطرد
بعيدًا.....

(احنا مفيش بينا غير الخاتم ده... وأنا قلعته قدامك.... كده الخطوبة اللي بينا انتهت...)

ثم وضعت يدها على مقبض السيارة منهِيةً الأمر بغرور....

(وبعدين أرجع له أو لغيره دي حاجة متخصكش....وياريت تمسح رقمي من 
عندك.....)

ثم ترجلت من السيارة أمام عينيه الحارقتين وملامحه المشدودة بالغضب...

شعر جاسر أنه تجرع مرارة الخسارة الجسيمة مرتين مرة أثناء فوز غريمه في المسابقة والثانية بعد نزعها الخاتم لأجل هذا الغريم.

تحول الغضب على وجهه إلى سوادٍ قاتم من الكراهية واشتعل صدره كأتونٍ حارقٍ بنيران الانتقام وأجزم بداخله أن يجعل أيوب يدفع الثمن غاليًا... بل أضعاف ما يستحق.
..............................................................
في نهاية اليوم تحركت نغم من مكتبها صوب المصعد ثم دلفت إليه... وقبل أن تُغلق أبوابه فُتح مرة أخرى وظهر أيوب أمامها بوسامته الجذابة الخاطفة لعينيها وقلبها....

اضطربت أنفاسها قليلًا وهي تراه يدلف إلى المصعد ويقف بجوارها ثم اتكأ على زر 
الهبوط فهو أيضًا أنهى ساعات عمله هنا وينوي الرحيل إلى ورشة الخياطة لمتابعة عمله هناك....

التزمت نغم الصمت وهي تنظر أمامها متجاهلةً وجوده بالقرب منها وهو فعل مثلها لم يتفوه بحرف لكنه نظر نحوها عدّة مرات..
رأته بطرف عينيها لكنها لم تبادله النظرة مكتفيةً بوقفتها الجامدة كتمثالٍ منحوت..

وصل المصعد أخيرًا إلى الطابق الأرضي فتحركا معًا للخروج في اللحظة نفسها 
بتسرع فاصطدما في أكتاف بعضهما...
رفعت عينيها الحانقتين إليه فالتقط 
عينيها بقوة وكأنه كان ينتظرها دهورًا...

"مش تحاسب؟..."

"إنتي اللي مستعجلة يا نغومة..."

لاحَت السخرية في كلماته ونظراته ثم خرج من المصعد قبلها بأسلوبٍ فظّ يفتقر للياقة.

على صوت تنفسها الحاد وهي تجز على أسنانها بغضبٍ مكتوم دخلت إحدى
الموظفات المصعد قائلة...

"طالعة الدور الكام يا نغم هانم؟"

رمقتها نغم بنظرةٍ نارية جعلت الموظفة ترتد للخلف بريبة بينما تحركت نغم خارجةً من المصعد بخطواتٍ غاضبة تكاد تحفر الأرض بكعب حذائها....

وصلت إلى المرأب فرأته أمام عينيها الغاضبتين يستقل سيارةً صغيرة قديمة 
أصبح يقودها في الآونة الأخيرة بدلًا من سيارته الخردة النصف نقل....

أدارت نغم محرك سيارتها لكنه لم يعمل بصورةٍ طبيعية إذ أصدر صوتًا مزعجًا أخذ يضعف شيئًا فشيئًا حتى صار متحشرجًا....

ضربت عجلة القيادة بعصبية لاعنةً نفسها
فقد نسيت أن تملأ خزان الوقود صباحًا وكانت النتيجة رائعةً في نهاية اليوم !..

خرجت من السيارة وصفقت الباب خلفها بعصبيةٍ أصبحت تسيطر عليها في الآونة الأخيرة....

"في مشكلة يا آنسة؟..."

هو السبب في انهيارها العصبي دومًا وتعاسة قلبها واحتراقها بنيران الغيرة هو سبب عذابها هذا الـ...

"القطة كلت لسانك؟.... في إيه انطقي... "

استدارت إليه بعصبيةٍ فتناثرت خصلات شعرها حول وجهها بعنفٍ جذّاب...

ابتسم أيوب داخليًا وهو يتأمّل عنفوانها الأنثوي الخلّاب... بينما قالت هي ببغض

"إنت مالك بيا... اتفضل شوف طريقك..."

رأته يتحرك مبتعدًا عنها بالفعل لكنه فاجأها بدخوله إلى سيارتها وأدار المحرك كما فعلت ليعرف العطل من أين خرج مغلقًا الباب خلفه وهو يقول....

"مفيهاش بنزين..."

تبرّمت ساخطة...

"جبت التايهة يعني..."

أشار لها أيوب بنبرةٍ آمرة نحو سيارته البسيطة....

"اركبي..... أوصلك...."

رفضت نغم بكبرياء...

"شكرًا لذوقك... أنا هاتصرف."

نظر أيوب إليها بقوةٍ يفترسها بعينيه ثم قال بصلابة...

"عارف إنك تعرفي تتصرفي ومفيهاش حاجة لو وصلتك... ولا ده ممكن يضايق خطيبك؟"

ظهر التوتر جليًا على ملامحها وهي تضع يدها اليسرى على يدها اليمنى الخالية من الخاتم كي تخفي الحقيقة عن عينيه فهو بالأمس أكد لها أن علاقتهما انتهت وأن هناك أخرى أخذت مكانها في حياته و.....ربما في قلبه أيضًا...

في السيارة جلست بجواره في المقعد
المجاور له صامتة كما فعل هو غير أن 
عينيه كانتا تذهبان إليها كل ثانية بشوقٍ
غلاب كهواها الذي يسري في قلبه دون إرادته....

كان يستعيد في ذهنه حديثهما في شرفة القاعة عناقهما المتبادل دموعها المنهمرة على صدره واعتذارها المرتجف ورجاءها الصادق في أن يعودا كما كانا.....

هبطت عيناه على يدها فرآها خالية من الخاتم الماسي....قطب ما بين حاجبيه وشعورٌ غريب طفا على ملامحه واجتاح صدره وهو يسألها دون مقدمات كثيرة أثناء قيادته....

"إنتوا سبتوا بعض؟"

ارتجف قلبها بهلع وهي تخفي يدها اليمنى باليسرى في حركةٍ مكشوفة بينما هو يصوّب نظراته الكاملة نحوها عابسًا منتظرًا إجابةً صادقة.....

"مش بالظبط..."

قالتها بصعوبة وهي لا تعرف لماذا تخفي عنه الأمر... ربما لأن مشاعرها أصبحت عارية بما يكفي أمامه وأصبح هو المسيطر والأكثر كبرياءً وقوةً منها...

ففكرة أن يعرف بفسخ خطوبتها بعد اليوم الثاني من بكائها بين ذراعيه ليس لها معنى آخر سوى أنه السبب الرئيسي في فشلها بالارتباط بغيره... وأنها لا ترى رجلًا سواه.

وهي كذلك فعلًا... لكنها لا تريد أن تعترف.

"يعني إيه مش بالظبط؟"

قست نظراته وهو يريد توضيحًا...

فأخذت نفسًا عميقًا ورفعت عينيها إليه متسلحةً بالجسارة وهي تقول...

"ممكن أفهم يهمك في إيه؟.... سبت جاسر أو لا.... أنا ما سألتكش عن ليان... ولا عن الحضن اللي كان بينكم قدام الناس... "

امتقع وجهها وهي تتابع بنزق...

"واضح إنها مش أول مرة تحضنوا بعض... "

عقّب على حديثها بغلاظة...

"قولتلك اللي بيني وبين ليان ميخصّكيش.. "

أوغَر صدرها بالغيظ والغيرة فصاحت بحرقة..

"وإنت كمان مفيش حاجة تخصك ولا ليك الحق تسألني.... ركز مع حبيبتك الجديدة وسيبني في حالي... "

رمقها أيوب بنظرةٍ قاسية...

"مكنش ده كلامك امبارح وانتي في حضني. "

شعرت وكأن دلوًا من الماء سقط فوق رأسها فأغمضت عينيها بقوةٍ جبارة وهي تقول بعنفوان...

"أنا مرمتش نفسي في حضنك إنت اللي عملت كده... "

رفع حاجبه ساخرًا وهو يضغط عليها أكثر..

"يا سلام... وأنا اللي خليتك تعيطي وتعتذري كمان؟.... لا وتتحيلي عليا عشان نرجع... "

انسحبت الدماء من وجهها وشعرت بحرجٍ شديد عند ذكر ذلك الموقف المخزي الذي تحاول عبثًا نسيانه منذ البارحة.....

هزّت رأسها بإنكارٍ شديد....

"محصلش... أنا مش فاكرة حاجة زي دي!"

لم يرحمها أيوب وهو يقول بثبات...

"أنا بقى فاكر... فاكر كويس أوي إنتي قولتي إيه.... تحبي أقولك كلمة كلمة قولتيها يمكن تفتكري..."

على صوت أنفاسها المضطربة وطلبت منه بصعوبة....

"ممكن تقف... أنا عايزة أنزل... "

رفض أيوب الاستجابة لطلبها في البداية فقالت بصيحةٍ غاضبة مصرة...

"أقف يا أيوب..... أقف لو سمحت... "

أوقف أيوب السيارة بعنف.

فتحت نغم الباب وغادرت السيارة بحركةٍ عصبية لحق بها أيوب أمسك بذراعها وأدارها إليه قائلًا....

"رايحة فين؟...."

صاحت في وجهه بتشنج...

"رايحة في داهية...مالكش دعوة خليك في حالك...ركز مع الهانم بتاعتك وسيبني بقى.."

عاد يذكرها مجددًا...

"والكلام اللي قولتيه..."

قالت باهتياج وخصلات شعرها تتناثر حولها بجنونٍ بفعل الرياح...

"انساه... زي ما أنا نسيته... "

ظهر الإحباط في عينيه وملامحه سائلًا...

"يعني إنتي لسه معاه.... وفين الخاتم؟"

قالت بنفس الانفعال...

"في البيت... نسيته في أسئلة تانية؟"

شعر أيوب أنها تكذب عليه لكن الاتصال الذي وردها كان بمثابة طوق نجاة من وجهة نظرها فتنفست الصعداء وهي ترفع هاتفها نحوه لتريه شاشة الجهاز والتي اضاءها اسم
جاسر العبيدي...

"خطيبي بيرن عليا....."

أظلمت ملامح أيوب وقست نظراته فيما عاد إليه شعور الخيانة والغدر في طعنةٍ مباغتة أنهت ما تبقى عنده لها !.....

رأته يبتعد نحو سيارته لم يرحل بل انتظرها ليُوصلها لكن شتان ما بين ملامحه الآن وتلك التي كانت قبل لحظات حين أوقف السيارة.

ابتعدت قليلًا وأجابت على الاتصال الذي لم تتوقع أن يأتيها بعد كل ما حدث أمس ومع ذلك فقد حفظ لها ولو قليلًا من كرامتها...

"إنت عايز إيه....مش قولتلك امسح 
رقمي من عندك...."

وقبل أن تسمع رد جاسر أغلقت الهاتف في وجهه بعصبية.....

عادت إلى السيارة وجلست في مقعدها وبملامح جامدة ونظرة باردة قالت بصوتٍ خافت...

"ممكن توصـ..."

لكن قبل أن تُكمل كان أيوب قد ضغط على دواسة البنزين بعنف فانطلقت السيارة بسرعةٍ متهورة جعلتها تُغمض عينيها خوفًا من أن يصطدما بأول عمود إنارة يعترض طريقهما...
👇💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐
❤️(مرحبا بكم ضيوفنا الكرام )❤️
جاري كتابة✍️الفصل الجديد من إحداث الروايه وسيتم نشره فور انتهاء كتابة أحداثه اترك تعليق ليصلك الفصل فور نشره عاود زيارتنا علي كرنفال الروايات لقراءة الفصل الجديد فور نشره وايضا في كرنفال الروايات ستجد كل ما هو جديد حصري ورومانسىي وشيق فقط ابحث من جوجل باسم الرواية واسم مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو في
قناتنا👈علي التليجرام من هنا يصلك اشعار بكل ما هوه جديد من اللينك الظاهر امامك
🙏🙏🙏🙏🙏🙏🙏🙏🙏🙏🙏🙏🙏🙏
رواية انارت حياتي بقلم سولييه نصار
رواية اسيرت الادهم بقلم سلمي حمدي
رواية التقيت بقلبي صدفة بقلم دينا حسن
رواية دنجوان الصعيد بقلم ساره احمد
رواية ماسة بقلم ايمان شرقاوي
رواية خارج ارادتي بقلم سميه عامر
رواية لست مذنبة بقلم امل صالح
رواية اسد والمجهوله بقلم فلوريدا ماجد
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
💚 مرحبا بكم ضيوفنا الكرام 💚
هنا في كرنفال الروايات ستجد كل ما هوا جديد
حصري ورومانسى وشيق فقط ابحث من جوجل
 باسم الروايه علي مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو قناتنا👈علي التليجرام من هنا يصلك اشعار
بكل ما هوه جديد من اللينك الظاهر امامك
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
                 الفصل من هنا

تعليقات



<>