رواية وصية حب الفصل الثاني العشرون22 والثالث والعشرون23 بقلم نسرين العجيلي

رواية وصية حب الفصل الثاني العشرون22 والثالث والعشرون23 بقلم نسرين العجيلي

جُوّه العناية، كان فيه سكون مخيف، سكون مش صمت، سكون ما بعد آخر كلام.

سارة مسكت إيد روان وإيد ياسر مع بعض، وضمّتهم ناحية صدرها.
نظرتها هديت، بقت أغلى نظرة في حياتهم هما الاثنين.

همست بصوت بيقطع :
– روان… خلي بالك منهم… من ملك… ومن ياسر… ده… نصيبي... ووصيّتي…

إيدها ارتخت ببطء، رموشها نزلت. نَفَس طويل خرج… أطول من الطبيعي…
و…

سارة دخلت في غيبوبة كاملة. الجهاز دقّ إنذار، الممرضين جريوا، والدكتور دخل بسرعة.

روان صرخت :

– سارة... سارة فوقي بالله عليكِ.

بس جسم سارة كان ساكن، مستسلم زي وردة حدّ حطّها في مية ساقعة.

الدكتور بصّ لهم وقال بجديّة تقطع الروح :
– المريضة دخلت غيبوبة، غيبوبة عميقة. هنحاول نثبت التنفس، لكن محدّش يضمن هتفوق إمتى، أو هتفوق أصلًا.

روان وقعت على الكرسي، حطّت إيدها على وشّها وبكت زي اللي ظهره انكسر.

ياسر واقف مصدوم… مش قادر حتى يمدّ إيده عليها، مش قادر يبصّ في وشّها، ولا في وشّ روحه اللي نايمة على السرير.
وفجأة…
إفتكر جملة واحدة :
"أنا عايزاك تشهد… على جواز روان من ياسر."

رفع راسه لروان، وبصوت تايه قال :
– يعني… إحنا كده بقينا جوزين؟ وروحها دلوقتي.. معلّقة؟

روان مسحت دموعها بسرعة، وبنبضة خوف ووجع :
– ما تقولهاش كده، إحنا ما فرحناش، ما لبّسناش محابس، ما عاشناش حاجة، ده كان جواز… “وصيّة”.

ياسر قعد على كرسي، دفن وشّه في إيده، وقال بصوت مرعوب :
– ربنا يشهد… أنا ما كنتش مستعد لكده. مش للوجع ده، ولا للمسؤولية دي.

روان قامت وقفت قدّام الباب، وقالت بنبرة قوية لأول مرة من ساعة ما حصل كل ده :
– ياسر، أنا رايحة البيت، هبلغ ماما. لأن اللي حصل ده، هيغيّر حياتي وحياتكم.

مدّت إيدها تمسح دموعها :
– ولما تفوق سارة هي اللي هتحدّد إحنا نكمّل ولا لأ.

خرجت من المستشفى، وسابت وراها ممر طويل، وفي آخره راجل تايه.. وست نايمة.. ونصيب مكتوب.
نسرين بلعجيلي 

باب الشقة اتقفل وراء روان وهي داخلة، خطوتها تقيلة، وشّها باين عليه إنها شايلة جبل فوق ظهرها. 

أمها كانت في الصالة، وبمجرد ما شافت بنتها داخلة بتتمايل  وعيونها مبلولة، سألت بقلق :
– مالِك يا بنتي؟ سارة حصل لها إيه؟

روان ما قدرتش تتماسك، الدموع نزلت مرة واحدة :
– ماما… أنا… إتجوّزت.

الصمت نزل في البيت زي صوت قنبلة.

أمها اتجمدت مكانها، شَفّتها اتفتحت، وعينيها اتسعت :
– إنتِ عملتِ إيه؟؟

روان حاولت تتنفس :
– سارة… سارة طلبت وهي بتموت، وقالت لازم ... لازم أتجوز ياسر.

قبل ما تكمل، أمها صرخت :
– إخرسي!! إنتِ بتقولي إيه؟ إتجوّزتي جوز صاحبتك؟؟ روان!! إنتِ فقدتِ عقلك؟!!

روان هزّت راسها وهي بتبكي :
– ماما… كانت بتموت، أقسمت عليّا، قالت لي بالحرف "إرضيني"، كانت بتسلّمني ملك، وبتسلّمني البيت.

أمها قربت منها، وإيديها بترتعش من الصدمة :
– وإنتِ… صدّقتِ ده؟ صدّقتي إن الست اللي بين الحياة والموت، اللي مش واعية، كلامها يتحطّ على حياتك؟ روان، ده خراب… مش وصية.

روان بصوت متقطع :
– ماما، هي كانت فايقة وعارفة هي بتقول إيه.

أمها قطعتها بقسوة :
– فايقة؟ دي ست مفزوعة، شايفة روحها بتروح قدّام جوزها وبنتها، بتقول كلام عشان تطمّن قلبها، مش علشان تضيعي عمرك إنتِ.

قربت أكتر، وإيدها على راسها :
– يا بنتي إنتِ إزاي.. إزاي قِبلتِ تتكتبي على زوج صاحبتك؟! ده إسمه إيه قدّام الناس؟ قدّام ربنا؟ قدّام ضميرك؟

روان بدأت تهتز :
– ماما… بترجّعيني أندم أكثر، أنا كنت بين موتها.. وصوتها، خفت.. خفت لتروح وهي مش مرتاحة.

أمها صرخت :
– يعني ارتحتِ دلوقتي؟ ولا قوليلي، ياسر حبّك؟!

روان اتصدمت من السؤال، إتسمرت:
– لأ… لا طبعًا.

أمها رفعت إيدها على وشها وقالت باستهجان :
– يبقى اتجوزتيه ليه؟ علشان إيه؟ علشان وحدة على سرير عناية قالت كلمة وهي مش واعية؟ علشان الراجل اللي باين على وشّه إن روحه راحت مع مراته يبقى جوزِك إنتِ؟!

الكلمات كانت أقسى من الضرب. روان اتنهدت تنهيدة موجوعة :
– أنا… أنا ما فكرتش، ولا حسبتها.

أمها ردّت فورًا :
– بالظبط، ولا اعتبرتِ كرامتك، ولا سمعتك ولا كلام الناس. الناس هتقول إيه؟ هنبقى سيرة على كل لسان :
"روان جوزت نفسها لجوز صاحبتها وهي في المستشفى"؟!

روان حطّت إيدها على ودانها :
– أنا مش سارقة يا ماما، أنا ما خذتوش منها، ده طلبها.

أمها قربت، وبصوت أقل غضب، بس أعمق وجع :
– يا بنتي، الرجّالة مش عيال، مش هيتاخذوا وصية. ياسر بيحب مراته وبيموت فيها وشايفِك أمانة من مراته، مش حب. ولا واحدة ممكن تبقى في حضنه يوم. إنتِ فاهمة ده؟ فاهمة إنك دخلتِ معركة مش بتاعتك؟ ومش هتكسبك؟

روان انهارت :
– طب أعمل إيه؟ أسيبه؟ ولا ألوم نفسي؟ ولا ألومها؟ أنا تايهة…

أمها حضنتها أخيرًا، بس مش حضن طبطبة، حضن خوف على مصير بنتها :
– إسمعيني، من هنا ورايح خليكِ بعيدة، لحد ما ربنا يكتب لسارة تفوق، أو ربنا ياخذ أمانته. ساعتها، ياسر نفسه هو اللي هيحدد، مش إنتِ… ولا وصية.

وبصوت حاسم :
– بس لحد الوقت ده؟ ما تروحيش لبيته، ما تلمسيش بنته، وما تعتبرهوش جوزِك.

روان شدّت نفسها من حضن أمها، وقالت بصوت صغير.. مهزوم :
– وأنا أصلًا مش حاسة إنه جوزي. ولا هقدر أحس غير لما سارة تقوم وتتكلم وتقول بنفسها إنها راضية.

أمها قالت آخر جملة تقفل المشهد :
– لو كانت بتحبّك بجد، كانت هتوصّي عليك.. مش على جوزها.

سقطت الجملة على قلب روان زي حجر.

بعد خروج روان، رجع الممر هادي، لكن جوّه صدر ياسر كان فيه صراخ ما بيقفش.
مسك وشّه بإيديه وقعد دقيقة، وبعدين افتكر، ملك.. بنته.. روحه الصغيرة اللي كل اللي بيحصل ده هيحرقها لو ما عرفش يحميها.
قام بسرعة، وراح لبيت أمه علشان ياخذها. كان ماشي ومش شايف الطريق، كأنه شايل الدنيا فوق ظهره. لما دخل، لقى ملك قاعدة على الكنبة، ماسكة لعبتها وعينيها بتدوّر على أمّها. أول ما شافته جريت عليه :
– بابا! ماما لسه في المستشفى؟ هي كويسة؟ هترجع معانا إمتى؟

صوته اتخنق، إبتلع دموعه بالعافية :
– ماما تعبانة شوية يا روحي، بس هتبقى أحسن إن شاء الله.

ملك قربت منه، حضنته جامد :
– طب نروح لها نجيبها معانا؟ أنا عايزاها دلوقتي.

هنا.. قلبه وقع، ركع على ركبته قدّامها، مسك وشّها بين إيديه :
– ملك… إسمعيني يا حبيبتي، ماما نايمة دلوقتي، والدكتور قال لازم ترتاح.

ملك بصّت له بنظرة وجع :
– طب… هي بتحبني لسه؟ ولا زعلانة مني؟

هنا ياسر اتكسّر. دمعة نزلت غصب عنه :
– بتحبّك؟ ده إنتِ روحها يا ملك. ماما بتحبّك أكثر من الدنيا كلها.

ملك رفعت راسها، صوتها واطي وخايف :
– طب… هي هتموت؟

سؤال واحد هدّ بني آدم. حضنها بسرعة، شدّها على صدره :
– لأ… لا لا، ما تقوليش كده ثاني. ماما هترجع، ولو مش بكرة، يبقى بعده. ماما قوية، وأقوى من الدنيا كلها.

ملك دموعها غرّقت خدّها :
– طب أنا هنام عند مين النهارده؟ عند تيتا؟ ولا عندك؟ ولا عند ماما في المستشفى ولا عند طنط منى؟

ياسر اتلخبط، مش عارف يجاوب ولا يخبّي.

قال بصوت مكسور :
– هتنامي عندي علشان تبقي جنبي.

ملك مسكت إيده بخوف :
– بابا… إنت زعلان؟ ليه عينيك حمرا؟ كنت بتعيّط؟

مسح دموعه بسرعة، وحاول يرجّع صوته :
– لا… ده من التعب بس. تعالي نروح البيت ونعمل عشا سوا، ولما ماما تفوق، نقولّها إن ملك كانت شجاعة ومستنيّاها.

ملك هزّت راسها، بس الخوف لسه ماسكها. وقبل ما يمشوا، مسكت إيده وقالت :
– بابا… ما تتجوزش واحدة ثانية وماما في المستشفى، ما تعملش كده.
Nisrine Bellaajili

ياسر اتصدم والدم اتجمّد في عروقه. سكت وماعرفش ينطق.

ملك رفعت وشّها وقالت :
– ماما قالتلي قبل كده، إن لو بابا حبّ حد ثاني قلبها هيوجعها.

الجملة دخلت صدره زي السكين. وشّه وقع، إبتسامته اختفت، وصوته طلع مبحوح :
– ملك… بابا مش بيحب حد غير ماما، ولا هيحب حد غيرها. فاهمة يا روح بابا؟

ملك ابتسمت ببساطة الأطفال :
– آه… كنت متأكدة.

مسك إيدها وخرجوا من البيت.

وهو ماشي، كان سامع صوت واحد بس :
"بابا… ما تتجوزش واحدة تانية."

والكلمة دي كانت بتقطع قلب راجل لسه مش مستوعب إنه فيه ورقة جواز إتكتبت عليه من ساعات، وإن اللي جوّاه مش "زوج جديد"، ده راجل واقف بين :
قلبين… ووصيّة… وغيبوبة.

ثاني يوم.. 
بدري أوي، الشمس لسه ما طلعتش، والبيت ساكن، ياسر نايم على الكنبة، وملك نايمة فوق صدره، متعلقة فيه من الخوف اللي في قلبها.

طرق الباب فجأة، طرق تقيل، عنيد، زي الطرق اللي وراه مصيبة.

ياسر اتقلب، فتح عينيه بتعب، ملك اتنفضت من النوم :
– بابا… مين؟

مسح على شعرها :
– ولا حاجة يا روحي، أقعدي هنا.

فتح الباب…
ولقى أمه قدريّة واقفة، جنبها سلوى لابسة طرحه ومكمّمة شفايفها بابتسامة فاضية وقلة ذوق.

قدريّة أول ما شافته، دخلت من غير إذن :

– يا نهار أبيض، إنت لسه نايم؟ والبنت نايمة لوحدها؟! أمال مراتك فين و اخدت البنت امبارح ليه ؟

ياسر شد نفسه، رجّع الباب وراه، وقال بصوت واطي :
– ماما،  بلاش كلام، سارة دخلت غيبوبة.

قدريّة سكتت ربع ثانية بس. وبعدين بصوت أقرب للشماتة المتخفية :
– غيبوبة؟ يبقى ربنا يلطف، بس يا إبني ده معناه إن البيت ما ينفعش يفضل من غير ست، والبنت صغيرة، وإنت راجل بتشتغل ووراك دنيا.

سلوى قربت خطوة، وقالت بخبث ناعم :
– وأنا مش هسيب ملك لوحدها، أنا أقدر أشيل بيتك زي ما كنت دايمًا بقول.

ياسر بص لسلوى بنظرة تقطع النفس ورجع كلامه لأمه :
– ماما، أنا مش ناقص. سارة لسه عايشة وفي المستشفى.

قدريّة بصّت له باستنكار :
– عايشة إزاي؟ ما هي في غيبوبة، والغيبوبة يا ياسر، يا بتقوم، يا بتاخذ صاحبها.

ملك سمعت آخر جملة، جريت من جوّه وهي بتعيّط :
– ماما مش هتموت، سيبوها. إنتِ ستّ وحشة.

قدريّة اتصدمت، وسلوى اتكسفت وعضّت شفايفها.
ياسر أخذ ملك في حضنه بسرعة :
– ملك، أدخلي جوّه يا حبيبتي، بابا جاي.

رجعت ملك وهي بتبكي.
إلتفت ياسر لأمه، وشه اتصلّب، وصوته نزل قرار :

– ماما، لو سمحتِ، ولا كلمة زيادة عن موت سارة.

قدريّة اتكسرت ثواني وبعدين رجعت لطباعها :
– أنا جاية أكلمك في العِدل، البنت محتاجة حد، وسلوى قاعدة وجاهزة، وأنا هارجع البلد يومين وعايزة أطمن. إتجوزها، وتبقى ستّ البيت. خلاص، سارة خلاص نصيبها راح.

ياسر قرب منها، وملامحه اتغيّرت بشكل يخوّف :
– ماما، آخر مرة.. آخر مرة هقولها :
سارة مراتي، وحتفضل مراتي، سواء فاقت، أو نايمة، أو حتى لو راحت.

قدريّة اتنرفزت :
– ما تعاندش نصيبك يا ابني. البنت دي – سلوى – بتحبك، ومش هتقصّر مع ملك.

ياسر قال بحزم جامد :
– سلوى مش هتبقى أم لملك. ومش هتبقى مراتي. وإنتِ يا ماما، ما تجيش هنا تاني بالكلام ده، ولا قدّام ملك، ولا في غياب سارة.

قدريّة شهقت :
– ده بدل ما تسمع كلامي؟ ده أنا أمّك.

ياسر :
– أنا إبنِك، بس جوز سارة، ومش هخونها، مش وهي في غيبوبة، ومش بعدين.

سلوى اتدخلت بصوت متكسر :
– طب… طب لو ما فاقتش؟

بصّ لها بنظرة خلّتها ترجّع خطوة ورا :
– لما نوصل للحظة دي، أنا اللي هقرر، مش إنتِ، ولا ماما.

قدريّة اتنرفزت وزعقت :
– يبقى على الله يا ياسر، ربنا يهدي دماغك. بس لما تقع ما ترجعليش.

وأخذت سلوى من إيدها وخرجت. الباب اتقفل وراهم بقوة.

ياسر وقف في مكانه، صدره طالع نازل، ورأسه على الحيطة.
ملك خرجت، مسحت دموعها وقالت بخوف :
– بابا، هما عايزين ياخذوك من ماما؟

ياسر حضنها وقال :
– ولا حد في الدنيا ياخذ بابا من ماما، ولا ياخذ بابا منك.

وهو بيقولها... كان قلبه بيقرّص :
لأن الحقيقة الوحيدة اللي مش قادر يقولها، إن ورقة جواز جديدة... إتكتبت امبارح.*وصيّة حب*

الفصل الثالث والعشرون23 

الليل كان نازل على المدينة بطريقة خانقة  هدوء غريب، لكن جوا قلبين، كانت فيه عاصفة.

ياسر قاعد في أوضة ملك، البنت نايمة جنبه، ماسكة إيده، كأنها لو سابته هتقع من العالم كله.
هو قاعد، عينيه على سقف الغرفة، وعقله واقف عند كلمة واحدة:
"لو بابا حبّ حد تاني، قلبي هيوجعني."

جملة طفلة، بس كانت سكين في قلب أبوها. وفي نص الوجع دا، رنّ الموبايل.
إسم "روان".
إتجمّد، ردّ بصوت منخفض عشان ما يصحّيش ملك :
– ألو؟ روان، في إيه؟

طلع صوت مش بكاء، صوت واحدة بتنهار من جوّا :
– ياسر…أنا مش قادرة أتنفّس.

وقف فورًا، خرج للممر على أطراف صوابعه :
– مالِك؟ حصلك حاجة؟ روان، إتكلمي.

صوتها كان بيرتعش :
– أنا.. باحس إني سرقتها، سرقت صاحبة عمري، سرقت جوزها، سرقت مكانها، سرقت حياتها. وأنا.. مش قادرة.. مش قادرة أعيش بالإحساس دا.

ياسر قعد على أقرب كرسي، إيده بترتعش :
– إهدي يا روان، ماحدّش سرق حد، دا كان طلبها.

صرخت :
– طلبها وهي بتموت يا ياسر!! وأنا.. صدّقت. كنت خايفة عليها، بس لما رجعت البيت بصّيت لنفسي في المراية، ما عرفتش البنت اللي واقفة قدّامي.

سكتت… والسكوت كان أخطر من الصراخ :
– أنا خايفة يا ياسر، من الناس، ومن نفسي، ومن اللحظة اللي سارة لو ماتت، الناس هتقولي إيه؟ "خطفتِ جوز صاحبتِك."
"إستنيتِها تموت."
"دي مكانتش صداقة."

الكلمات دي جرّحت صدره. قال بصوت مبحوح :
– ماحدّش يقدر يشكّ فيكِ ولا في قلبك، ولا في نيتِك.

قاطعتُه :
– ياسر، أنا مش بخاف من الناس بس، أنا بخاف إن سارة تفوق وتبصّ لي، وتحسّ إني خنتها، أو كنت مستنية تمشي علشان آخذ مكانها.

الجملة دي كسرت صوته.

قال بهدوء موجوع :
– روان، سارة ما تغلطش في إسمِك، ولا قالت حاجة إلا وهي قاصداها. ولو كانت حاسة إنك غلط، كانت سكتت، ما كانتش وصّت.

ردّت بنبرة بانكسار :
– ويمكن كانت خايفة، يمكن ما كانتش مركّزة، يمكن وصيّة أمّ.. مش زوجة. يمكن قالت إسمي غلط، يمكن كانت تقصد حد تاني. أنا نِفسي أصدّق إني ما ظلمتهاش.

ياسر قال بسرعة :
– إسمعيني، سارة صحيت واعية،
وبصّت في وشّك وقالت إسمِك وهي عارفة بتقول إيه.

سكتت، وبعدين قالت أقسى سؤال :
– طب لو… ماتت؟ هاعمل إيه؟ هعيش معاك إزاي؟ هربي ملك إزاي؟ هواجه ضميري إزاي؟ يا ياسر، أنا خايفة تكون نهاية سارة بداية ذنبي.
نسرين بلعجيلي 

ياسر اتجمّد. دي مش روان اللي كانت واقفة قوية جنب سرير العناية. دي روان الحقيقة، اللي بتحب، وبتخاف، وبتتكسّر.

قال بصوت منخفض :
– لا أنا ولا إنتِ هناخذ خطوة واحدة، غير لما سارة تفوق. ولو قالت قدّامنا إنها مش راضية، هنبعد، لو حتى هنموت من جوا. ولو قالت إنها راضية، هنشيل الأمانة سوا.

روان انفجرت ببكاء هادي، دموع إستسلام :
– أنا مش عايزة أفقدها، ولا أخسرك ولا أخسر نفسي.

قال جملة طلعت من أعمق نقطة في قلبه :
– وأنا مش عايز أخسر حدّ فيكم. مش عايز أفقد سارة، ولا أظلمك، ولا أضيّع ملك.

سكتوا…
والسكوت بينهم كان أصدق إعتراف حب ما اتقالش بصراحة.

قبل ما تقفل قالت :
– ياسر، لو سمحت، ما تسبنيش لوحدي النهارده، مش عايزة أنام والكوابيس ترجع.

غمض عينه، إتشقّ نصين :
– أنا معاكِ لو مش بجسمي، فبصوتي. إتكلمي لحد ما تنامي.

وبدأت روان تهدى، وأنفاسها تتنظم، لحد ما نامت.

أما هو؟ 
ما نامش. قعد طول الليل يسمع نفسين :
نَفَس روان المنهار، ونَفَس سارة على جهاز التنفس.
بين إثنين..
واحدة في غيبوبة، وواحدة خايفة تدخل غيبوبة من الذنب.
والاثنين، مش سايبين لياسر دقيقة راحة.

الساعة كانت ٣ الفجر. البيت هادي، بس قلب ياسر كان عامل دوشة لوحده. قعد في الصالة، سايب نور خافت شغّال، الموبايل جنبه، لسه عليه آخر نفس من روان قبل ما تنام.
حطّ إيده على دماغه وحسّ فجأة بثُقل في صدره، مش وجع، لا، نوع الوجع اللي ييجي من صراع بين إثنين :
الراجل… والإنسان.

وهو قاعد، سمع صوت خطوات صغيرة. ملك واقفة عند باب الأوضة، ماسكة لعبتها، شعرها منكوش :
– بابا، ليه ما نمتش؟ إنت خايف؟

ياسر فتح ذراعه لها :
– تعالي هنا يا روحي.

جريت عليه وقعدت على حجره، حطّت راسها على صدره :
– بابا، لو ماما مش هتموت، ليه بتعيّط بالليل؟

الجملة قطعت روحه نصين :
– بابا مش بيعيّط، بابا بس بيحاول يكون قوي.

ملك رفعت راسها :
– طب، أنا هبقى قوية معاك. ومش هنام لوحدي ثاني أبداً.

ضمّها أكثر، وكأن حضنها حل مؤقت لمصيبة طويلة.
بعد ثواني، ملك قالت :
– بابا، روان هتيجي بكرة؟ ولا ماما هتزعل؟

ياسر اتجمّد. دي أول مرة يسمع إسم روان من ملك. من غير قصد، ومن غير ما يبرر. ردّ بحذر :
– لأ يا ملك، روان مش جاية دلوقتي. لحد ما ماما تفوق، هي مش هتيجي البيت.

ملك هزّت راسها وهي مش فاهمة كل التفاصيل، بس حست إن فيه حاجة غلط :
– بابا، أنا خايفة.

– تعالي ننام سوا، وما تخافيش من أي حاجة.

نامت ملك، بس هو، لسه صاحي. قام وراح المطبخ، فتح الحنفية وشرب مية. دماغه تلفّت على كل كلمة حصلت خلال الـ ٢٤ ساعة اللي فاتوا.

وصية سارة.. الجواز.. غيبوبتها.. إنهيار روان.. خوف ملك.. ضغط أمه.. نظرة سلوى.. ورقة جواز إتكتبت غصب عنه.

حطّ إيده على الحيطة وحسّ إنه بيقع. وبصوت واطي جدًا قال :
– يا رب، لو كان ده اختبار، إدّيني قوّة. ولو كان عقاب، إغفر لي. ولو كان قدر، سهّل عليّ طريقه.
Nisrine Bellaajili 

رجع للصالة، وبصّ على الموبايل. رسالة من روان إتكتبت بعد ما نامت :
"لو صحيت ولقيتني مش موجودة، اعرف إني خايفة أكمّل، ومش قادرة أهرب."

ياسر مسك الموبايل، وحسّ إن القدر بيشدّه من طرفين.

وهو بين الطرفين…
سارة كانت جوّه المستشفى بتتنفّس بأنفاس مش ثابتة، وروحها معلّقة بين دقتين.

              ....... عدّى ٣ شهور.............

سارة لسه في غيبوبة. والهروب بقى أسلوب حياة. روان بتزور ملك لما ياسر مايكونش موجود. وياسر يروح المستشفى لما روان ترجع البيت. كأنهم بيلعبوا “أستغماية” من غير ما يتفقوا.

لكن في يوم، الدنيا لخّمتهم. الممر كان هادي، لحد ما الباب اتفتح، وروّان خرجت من الشقّة وهي شايلة شنطة ملك. لفّت، ولقت ياسر واقف قدّامها.
إتصدمت.. وهو كمان وقف ثابت، ملامحه مش غضب ولا لهفة، مجرد توثر رجل مسؤول شايل حاجة ثقيلة.
قال بصوت منخفض، بس واضح :
– روان، لحد إمتى؟

ما ردّتش.

– لحد إمتى هتفضّلي تهربي؟ مرّة أكون في المستشفى، مرّة في الشغل، مرّة نايم. وإنتِ تختاري وقت ما أشوفكيش؟

بلعت ريقها :
– أنا مش باهرب أنا بحافظ على كرامتي، وعلى سارة.

هزّ راسه ببطء، وطلعت على شفايفه إبتسامة مرّة :
– لا، إنتِ بتهربي. وإحنا الاثنين عارفين السبب.

سكت لحظة.. ثم قال بوضوح :
– فيه وصيّة.. وصيّة سارة. وإحنا لازم نلتزم بيها، مش نهرب منها.

روان توثرت :
– الوصيّة كانت وهي بتموت، مش وهي فايقة. أنا مش هعيش في بيتها، ولا آخذ مكانها.

قرب خطوة، مش تهديد، لكن كلام راجل واضح :
– ماحدّش قال هتاخذي مكانها. ولا أنا هسمح بده. ولا إنتِ أصلاً قادرة تفكّري فيه.

نزلت دمعتين منها ومسحتهم بسرعة :
– طب والحل؟ عايزني أنام في بيتها؟ أقعد في أوضتها؟ أسمع بنتها تقولّي "ماما"؟

هز راسه :
– لأ، ومش هيحصل، ولا أنا طالب ده،ولا ده غرض الجواز أصلاً.

قالت بصوت خافت :
– طب غرضه إيه؟

رفع عينه ليها، وقال بثبات :
– سارة قالتلك: "خلي بالك من ملك… ومن ياسر". وجواز الوصيّة كان علشان ملك، مش علشاني. وإنتِ عارفة ده.

سكت.. وبعدين زوّد الجملة اللي كسرتها :
– وإنتِ في أمان عندي، مش هقرب منك، ولا هتسمعي مني كلمة تضايقك. لو قعدتِ في البيت، تبقي أم لملك مؤقّتًا، مش زوجة ليا.

عضّت شفايفها،ودموعها نزلت غصب عنها :
– ولو… لو سارة فاقت؟

ردّ قبل ما تكمل :
– هطلّقِك في ساعتها من غير نقاش، ومن غير ما تشيلي ذنب.

رفعت راسها فجأة :
– وإنت هتبقى كويس؟ مش هتتأذّى؟

إتنهد، وقال بصوت راجل شايل جبل :

– أنا اتكسرت من يوم ما دخلت الغيبوبة. اللي بعده، مش فارق. المهم ملك ما تتبهدلش، ولا تعيش لوحدها.

قرب منها خطوة صغيرة، خطوة كلام، مش قرب جسد :
– ملك بتتوه وبتبات لوحدها كتير، وإنتِ تهربي. ده مش عدل، لا ليها، ولا ليكِ.

اتجمّدت روان، مش قادرة ترد، بتتنفّس بسرعة، ملامحها كلها صدق وخوف.
وهو قال الجملة الأخيرة وهي واقفة مش لاقية كلمة :
– يا روان، إحنا الاثنين عارفين إن الجواز ده مش جواز، ده أمان. ولو مش قادرة تكوني في البيت، قوليلي دلوقتي عشان ألغي الورقة، ولما سارة تفوق، أحكيلها كل حاجة بنفسي.

رفعت عينيها بسرعة، مرعوبة :
– لا!!! لا يا ياسر، ما تعملش كده. سارة مش هتستحمل.

سكت لحظة، ورجع نفسه خطوة لورا :
– يبقى خلّصي الهروب، وقدّمي خطوة، ولو صغيرة.

هي ما ردّتش، ولا مشيت، ولا وافقت. وقفت، مكسورة، تايهة، بس موجودة.
وفي اللحظة دي، هو فهم إنها، لسه ما وافقتش، لكن كمان، لسه ما هربتش.
روان دخلت البيت بهدوء، هدوء يخضّ.
منى كانت في المطبخ، أول ما سمعت الباب اتفتح نادت بصوت عادي :
– جيتي يا بنتي؟ عاملة إيه؟

روان وقفت في الصالة شايلة شنطة ملك بإيد، وقلبها بالإيد الثانية.

منى لمّا شافتها، وشّها اتغيّر :
– في إيه؟ إنتِ وشّك أصفر كده ليه؟

روان قعدت قدّامها، عينيها حمرا، بس ماسكة نفسها.
قالت بصوت هادي.. هادي لدرجة تخوّف :
– ماما، ياسر قال لي لازم أنقل البيت.

منى مسكت طرف الطاولة، وشّها شدّ :
– تنقلي إيه؟؟ رايحة تعيشي هناك؟ في بيت صاحبتِك؟! مع راجلها؟!
نسرين بلعجيلي 

روان هزّت راسها بسرعة :
– أنا ما قلتش إني موافقة، ولا ناوية، بس هو قال لازم، علشان ملك.

منى ضمّت دراعها على صدرها :
– ملك مالها؟ هاتيها تعيش هنا، وإنتِ اللي تروحي وتجيبيها من المدرسة. هنا بيتك، وأنا موجودة، وماحدّش يقدر يملي عليكِ تعيشي فين.

روان عضّت شفايفها، وبعدين قالت الجملة اللي رخّمت على قلبها :
– ما ينفعش يا ماما. ملك متعلقة بأوضتها وبسريرها، وبحبّة لعب في الشباك، وبطريق المدرسة، لو خذتها من عالمها هتتكسّر أكثر ما هي مكسورة.

منى قربت منها، وشّها غضب وخوف :
– يعني تروّحي بيت راجل مش جوزِك؟ راجل قلبه مربوط بمراته، وإنتِ مكانِك فين؟ في الصالة؟ في أوضة الضيوف؟ قاعدة عاملة مربية؟!

روان اتنفست بعمق :
– يا ماما، ياسر قالها بصراحة :
"مش هقرب منك. مش هسمح لنفسي حتى أفكّر. وجودك للوصيّة، مش للزواج."

منى ضربت كفّها ببعض :
– وأنا مالي بيه هو، أنا بنتي مش رايحة تتحبس في بيت واحدة صاحبتها نايمة فيه، إنتِ مش وصيّة حد، إنتِ إنسانة ليكِ كرامة.

روان قربت منها وعينها مغروسة في الأرض :
– وأنا مش رايحة زوجة، ولا رايحة حدّ. أنا رايحة لملك. البنت بتبات لوحدها، ولما تصحى بالليل بتعيّط. والراجل ده، واقف ما بين الموت والحياة. وأنا…

سكتت لحظة، والجملة طلعت بصوت مش مسموع، لكن موجوع :
– وأنا ما ينفعش أسيبهم كده.

منى قربت منها، ومسكت خدّ روان بين إيديها :
– يا بنتي، أنا خايفة عليك، خايفة عليك من الناس، ومن نفسك، ومن بيت مش بتاعِك، ومن راجل مش جوزك، ومن موقف مالوش آخر.

روان دمعة نزلت من عينيها بس مسحتها :
– ماشي يا ماما، بس أنا مش هسيب ملك.

منى نفخت غصب عنها وقعدت :

– طيب، ولما سارة تفوق؟ هتقول لها إيه؟
"آسفة… كنت ساكنة مكانك"؟!

روان وقفت، وبصوت ثابت جدًا قالت :
– لو قامت، هقف قدّامها وأقول لها : "كنتِ وصيّتك… مش خيانتك."

منى مسكت رأسها :
– طب ولو ما قامتش؟

روان سكتت. ولأول مرة ما كانش عندها إجابة.

منى قالت آخر جملة، مش قاسية، لكن حقيقية :
– روان، إنتِ بتلعبي بالنار، ونفسِك أنظف من اللعبة دي. بس لو هتروحي، روحي بعقلك، مش بقلبك.

روان أخذت نفسها، وقربت من الباب. وقفت ثواني :
– ماما، أنا لسه ما خذتش قرار، بس هروّح بكرة أشوف ملك، مش البيت.

منى مسكتها من دراعها :
– إوعي.. إوعي تنقلي قبل ما تفوق سارة. إوعي يا روان.

روان هزّت راسها، بس جواها ولا كلمة كانت مؤكدة.

خرجت، وباب الشقة اتقفل وراها، والمرة دي.. اللي اتقفل مش الباب، اللي اتقفل.. طريق الرجوع.

مين شايف إن روان مظلومه ؟؟
وايه موقف ياسر من كل ده ؟؟ 

تعليقات



<>