رواية زهرة الفصل الاربعون 40 بقلم فريده احمد

 

رواية زهرة الفصل الاربعون 40 بقلم فريده احمد

– علشان خاطري يا ماما اتصالحي إنتي وبابا. أنا عاوزة أعيش معاكم أنتو الاتنين. أنا بحبكم مع بعض. ارجعي مع بابا يا ماما


كانت تتوسل الطفلة إلي والدتها ببكاء يمزق القلب وهي تمسك بيد ليلي وتضعها في يد رحيم بكل براءة

..

– قدامكم فرصة راجعوا نفسكم، إن أبغض الحلال عند الله الطلاق.

قالها المأذون للمرة الأخيرة وهو ينظر إلى رحيم وليلى.

نظر رحيم إلى ليلى بتوسل وقال:

– فكري يا ليلى.

بينما كانت صفية تنظر إليها أيضًا بعيونٍ مليئةٍ بالرجاء، وتقول:

– فكري تاني يا ليلى، طب فكري حتى في بنتك. راجعي نفسك يا حبيبتي 

والجميع ينظرون اليها بترجي كي تتراجع عن قرارها

ورغم كل النظرات و الأصوات والنداءات، أجابت ليلى بهدوء، وهي تنظر إلى المأذون بحسم:

– اتفضل خد إجراءاتك يا عم الشيخ. أنا واخدة قراري.

حاول حمزة التدخل فقال:

– ليلى، راجعي نفسك.

وأضافت أمينة أيضًا برجاء، وهي تحاول التأثير عليها:

– علشان خاطر بنتك يا حبيبتي.

لكن هارون قطع حديثهم بحدّة، قائلًا:

– محدش يضغط عليها، دي حياتها وهي اللي تقرر بنفسها.

عاد المأذون يسأل ليلى بهدوء:

– آخر كلام يا بنتي؟

ردّت ليلى بإصرار:

– أيوة.

تنهد المأذون وبدأ في إنهاء إجراءات الطلاق، وبعد لحظات قدّم لها قسيمة الطلاق قائلًا:

– وقّعي هنا.

أمسكت ليلى القلم، تحاول أن تحافظ على ثباتها حتى الآن، وهي تقنع نفسها بأن هذا القرار هو الصواب. أخذت نفسًا عميقًا وانحنت لتوقّع على القسيمة، لكن فجأة قطعها صوت ابنتها الباكي من أعلى السلم:

– مااااما!

رفعت ليلى رأسها بسرعة نحو الصوت، لترى ابنتها تهبط الدرج راكضةً نحوها بدموعٍ غزيرة، قائلةً بتوسل:

– ماما، علشان خاطري اتصالحي إنتِ وبابا!

اقتربت الطفلة أكثر، ووجّهت كلماتها إلى رحيم:

– صالحها يا بابا، علشان خاطري. أنا عاوزاكم ترجعوا تعيشوا مع بعض تاني زي الأول ونرجع بيتنا كلنا.

ثم نظرت إلى ليلى بعينين تملؤهما الرجاء والدموع:

– ارجعي مع بابا علشان خاطري يا ماما، علشان خاطري.


كانت دموع الطفلة كالسهم في قلب ليلى، فلم تستطع تحمّل رؤيتها بهذا الوجع. شعرت وكأن قلبها يُمزَّق، لكنها في الوقت ذاته لم تستطع البقاء مع زوجةً ثانية.


انحنت إلى ابنتها وقبّلت رأسها بلطف وهي تمسح دموعها، ثم خطت بخطواتٍ ثقيلة نحو التراس، محاولةً الهروب من الضغط، حتى انفجرت بالبكاء.

لم يتحمّل رحيم رؤية ليلى على هذا الحال، فتبعها وهو يحمل كنز بين ذراعيه. وجدها واقفةً، جسدها يهتز من شدّة البكاء. اقترب منها، وضع كنز على الأرض، ثم ضمّها بحنانٍ من الخلف، إذ كانت تعطيه ظهرها. استدارت بصمت، فقبّل رأسها قائلًا بتوسل:

– متبعديش يا ليلى... أنا والله ما أقدر أستغنى عنك.

رفع وجهها بيديه وأكمل:

– راجعي نفسك، وصدقيني عمري ما هظلمك. إنتِ مكانتك كبيرة أوي في قلبي يا ليلى. علشان خاطر بنتنا مش عاوزين نفترق.

نظرت ليلى إلى ابنتها، التي كانت تنظر إليها بعينين غارقتين بالدموع. كان قلبها على وشك الانهيار. أغمضت عينيها محاولةً التمسّك بقرارها، لكنها فوجئت بكنز تمسك بيدها وتضعها في يد رحيم.

ثم قالت الطفلة ببراءةٍ مفعمةٍ بالألم:

– علشان خاطري يا ماما... أنا عاوزة أعيش معاكم أنتو الاتنين. أنا بحبكم مع بعض. ارجعي مع بابا يا ماما.

نظرت ليلى إلى رحيم، الذي كان يتوسّلها أيضًا بعينيه، ثم انحنت إلى مستوى ابنتها واحتضنتها بقوة وهي تقول بصوتٍ مختنق:

– متخافيش ياحبيبتي

....

في المساء، فتح رحيم باب الفيلا وهو يحمل كنز النائمة بين ذراعيه، وخلفه ليلى التي دخلت بخطواتٍ مترددة. وما إن دخلوا، حتى نظر رحيم إليها وقال بابتسامةٍ مليئةٍ بالأمل:

– أنا مبسوط أوي إنك رجعتي ياليلي

لكن ليلى ردّت بنبرةٍ جامدة:

– أنا رجعت علشان خاطر بنتي يا رحيم، وعلشان نفسيتها مش أكتر. فياريت بلاش الكلام ده، لأنه مش هيغير حاجة.

تأمّلها رحيم للحظات مدركًا صعوبة علاقتهما وما سيواجهه من تعب، لكنه لم ييأس، فقال:

– بس أنا مش هبطل أحاول ياليلي

بقلم فريدة احمد 

… 

بعد يومين،

بغرفة حمزة وزهرة، دخلت زهرة الغرفة لتجد حمزة واقفًا أمام المرآة يرتدي سترته، وكان الاستعجال واضحًا عليه.

– هو إنت رايح فين؟

أجابها وهو يضع ساعته على معصمه:

– خارج.

– أيوه خارج فين؟

– عندي معاد عشا عمل.. كنتِ عاوزة حاجة؟

– آه.

نظر إليها باهتمام، معتقدًا أنها ستطلب منه أن يجلب لها شيئًا في طريق عودته، فقال:

– عاوزة إيه يا حبيبي؟

قالت ببساطة:

– عاوزة أجي معاك.

– تيجي معايا؟!.. فين؟

– المشوار ده اللي إنت رايحه ، مش بتقول معاك معاد عشا عمل؟

– أيوه، بس تيجي معايا بصفتك إيه؟

– بصفتي مرراتك.

– امم، وأنا بقى آخدك في إيدي وأقول لشركائي اتفرجوا على البضاعة بتاعتي يعني ولا إيه؟

نظرت إليه بحدّة قائلة:

– والله إنت شايف كده؟

ليلحقها سريعًا قبل أن تتأزم حالتها بسبب هرمونات الحمل التي بات يعاني منها مؤخرًا، فقال:

– لاا، مقصدش.. بس ماينفعش آخدك معايا. أنا رايح شغل يا ماما مش رايح أتفسح، وبعدين إنتِ مش عندك مدرسة الصبح… قصدي جامعة. نامي، متسهريش.

وقبّل رأسها واتجه نحو الباب ليغادر، بينما جلست زهرة على السرير بضيق وقالت:

– يا حمزة، أنا زهقانة وعاوزة أخرج.

أثارت شفقته، فعاد إليها وقال:

– طيب بكرة وعد هخرجك، ماشي؟ بس النهارده مش هينفع، مش فاضي. لكن بكرة هخرجك، وعد.

وقبّل رأسها:

– اتفقنا.

تنهدت وقالت:

– ماشي يا حمزة، روح مشوارك عشان متتأخرش.

– مش هاين عليّ أسيبك وإنتِ زعلانة.

– أنا مش زعلانة يا حمزة.

– حبيبي العاقل.

قالها ثم مال وقبّل خدها، وبعدها انحنى ليقبّل شفتيها، وكاد أن ينسى نفسه، لتهمس هي:

– حمزة…

– هممم.

– هتتأخر على معادك

ليبتعد عنها بصعوبة وهو يقول:

– يا بنت الـ… على حلاوتك، استنيني لما أرجع.

لم تقبل زهرة أن تمرّ جملته عندما قال لها

«نامي عشان عندك مدرسة الصبح»،

تلك الجملة التي أغاظتها بشدّة، فاستغلّت الفرصة لتردّها له، وببرود قالت:

– علي عيني والله، بس لازم أنام علشان عندي مدرسة الصبح.


– أبو المدرسة على أبو الجامعة، قولت استنيني تبقي تستنيني.

– طب بقولك إيه… أنا فعلًا زهقانة بجد ومش جايلي نوم، أساسًا إحنا لسه بدري.

– قولي من الآخر، عاوزة إيه؟

اقتربت زهرة، قبّلته على خده وقالت:

– ممكن أروح لماما؟

– ابقي روحي.

– طب طلب أخير.

– اخلصي.

– خليني أبات عندها النهارده.

– لا.

قالها برفض لتقول: 

– ليه يعني؟ وفيها إيه لما أبات؟ دي ماما، هو أنا هبات عند حد غريب؟

بنبرة قاطعة قال:

– قولت لا يا زهرة، مفيش بيات برا البيت

نظرت إليه بضيق:

– حاضر.

بعد بضعٍ من الوقت، كانت زهرة قد ذهبت إلى والدتها، وبينما كانتا تجلسان معًا تتحدثان، لفت نظر زهرة صورة والدها زيدان المعلّقة على الحائط، تلك الصورة التي رأتها أيضًا في الشركة يوم ذهبت إليها. لتتأكد بأن هيام ما زالت عاشقةً لوالدها.

ابتسمت زهرة واقتربت من الصورة وهي تتأملها تقول لوالدتها:

– للدرجادي بتحبيه ياماما؟

– قلوبنا مش بإيدينا يا زهرة.

قالتها هيام بتعب ثم تنهدت وقالت:

– عمري ما اديت لنفسي فرصة أشوف راجل غيره.

ابتسمت وأكملت بسخرية:

– بس يظهر الرجالة كلهم شبه بعض، ما يستاهلوش إن الست تخلص ليهم. فضلت سنين مخلصة ليه برغم إنه كان متجوز، وحتى بعد ما مـات فضلت بردو مخلصة ليه واستكفيت أعيش على ذكراه. وفي الآخر.. اكتشف إنه كان عارف بوجودك وسايبني أنا سنين بتعذ، ب.

اقتربت زهرة منها وقالت:

– يعني مفيش أمل تسامحيه؟

– ربنا يسامحه بقى، ما يجوزش عليه دلوقتي غير الرحمة.

– الرحمة بتجوز على الحي والميت علي فكرة

نظرت إليها هيام دون فهم، فتنهدت زهرة وقالت:

– أقولك علي سر… بابا عايش يا ماما.

لتُنصدم هيام وتقول:

– إنتِ بتقولي إيه؟! عايش إزاي؟

سردت لها زهرة كل ما حدث، ثم قالت:

– أنا عارفة إن صعب تسامحيه، وأنا زيك، بس هو في الأول والآخر أبويا. أنا عارفة إن اللي عمله معاكي مفيهوش سماح، بس اللي متأكدة منه إنه بيحبك أوي.

بقلم فريدة احمد 

بعد منتصف الليل، كان حمزة قد انتهى من عمله ومرّ على فيلا هيام ليأخذ زهرة، فوجدها نائمة.


– سيبها تبات هنا الليلة يا حمزة، هتاخدها وهي نايمة!! 

قالتها هيام لحمزة الذي أصرّ على أن يأخذ زهرة حتى وإن كانت نائمة، ليقول:

– معلش، مش هينفع. ما بعرفش أنام من غيرها.

ثم اتجه مباشرةً إلى غرفة زهرة واقترب منها وحملها من على السرير برفق ونزل بها ووضعها في السيارة ثم قاد متجهًا إلى البيت.

….

مرّت الأيام والشهور، ووضعت زهرة مولودها، فقد أنجبت ولدًا وسمّته «يوسف» على اسم أخيها الصغير،

وهو ده بقا يوسف اللي في شظايا الروح ياجماعة😂


وكان اليوم هو يوم العقيقة الخاصة به.

في مكانٍ كبير يشبه المذ، بح، كان هناك عجلٌ مربوط، وكان هارون وحمزة ورحيم وعددٌ كبير من الرجال مجتمعين.

ليقول هارون:

– يلا يا حمزة، سمي الله وادبح.

اقترب حمزة وهو ممسك بالسكين وقال:

– بسم الله، الله أكبر.

ثم ذ، بح العجل.

ليقول هارون للرجل:

– هات العجل التاني يا حمدان.

وفي ثوانٍ، أحضر حمدان العجل الثاني، فقام حمزة بذ، بحه أيضًا.

ليقول هارون للرجال:

– يلا يا رجالة شدّوا حيلكم، مش عاوز بيت في البلد ما ياكلش لحمة النهارده.

ثم نظر إلى حمدان وقال:

– الطباخ وصل يا حمدان ولا لسه؟

– وصل يا هارون بيه.

– طب يلا خليه يشهل.

وبعد قليلٍ من الوقت، كان رحيم قد تركهم وتوجّه إلى المطار لاستقبال زيدان ويوسف، اللذين وصلا للتو من أمريكا إلى مصر.

نزل زيدان من الطائرة ومعه يوسف، الطفل صاحب العشر سنوات، بينما كان رحيم واقفًا في انتظارهما. وبمجرد أن رأى يوسف رحيم حتي ركض نحوه بلهفةٍ واشتياق وهو يصيح:

– رحيييم.

حمله رحيم بين ذراعيه واحتضنه بحب.

ليقول يوسف:

– وحشتني أوي.

رحيم وهو يحتضنه بقوةٍ واشتياق:

– وانت وحشتني أوي يا حبيبي.

ثم اقترب رحيم من زيدان واحتضنه باشتياق وهو يقول:

– وحشتني يا بوي.

ردّ عليه زيدان بالهجه الصعيدية وهو يبتسم بحب:

– وانت يا ولدي، اتوحشتك جوي.

ابتسم رحيم وقال:

– الصعيد اللي اتوحشتك جوي جوي يا بوي.

تنهد زيدان تنهيدةً طويلة، ووضع يده على كتف رحيم وقال:

– ياااه يا ولدي، أنا كنت فقدت الأمل إني أرجع لها تاني.

– ربنا يخليك لينا يا بوي.

– طمني، أختك عاملة إيه؟

– زي الفل، خلفوا هي وحمزة والنهارده العقيقة بتاعت ابنهم.

وبعد ساعات، ها هم صلوا إلى الفيلا، وهناك كان الجميع مجتمعين  في انتظارهم، وما إن دلفوا حتى اقتربوا بلهفةٍ واستقبلوهم بحبٍ واشتياق.


هارون يحتضن زيدان بحرارة:

– حمدالله على السلامة يا خوي، نورت البلد.

بينما اقتربت صفية بلهفةٍ واحتضنته قائلةً باشتياق:

– حمدالله على السلامة يا خوي.

ثم اقترب الجميع يسلّمون بحب.

احتضنت زهرة يوسف بحب قائلة:

– وحشتني أوي أوي أوي.

– وانتي كمان.

رفع وجهه من حضنها وقال:

– أنا مبسوط أوي إنك طلعتي أختي.

قبّلته زهرة وقالت:

– وأنا مبسوطة أكتر.

ثم أضافت:

– شوفت بقى؟ أنا سميت البيبي على اسمك.

فقال يوسف بفرحة:

– عاوز أشوفه، هو فين؟

– مع عمتو صفية اهو.

ذهب يوسف نحو الطفل، وبقيت زهرة في مكانها، إذ كانت تقف بعيدًا فكانت الوحيدة التي لم تقترب من زيدان ولم تسلّم عليه.

ليقترب زيدان منها ويقول:

– مش عاوزة تسلّمي على أبوكي يا زهرة؟

صمتت زهرة.فقال زيدان:

– حقك علي قلبي يا بنتي، حقك عليّا. وعد مش هخليكي تبعدي عن حضني تاني أبدًا. تعالي في حضن أبوكي يا حبيبتي.

وفتح ذراعيه لها، فتقدّمت بهدوء ليضمّها بحبٍ وحنان، ثم قبّل رأسها وهو يقول:

– أنا آسف ليكي يا قلب أبوكي.

ثم قال مازحًا، وهو يحيط كتفها ويضمّها إليه ويسألها:

– امال فين الواد الصغير ابن الكلب؟

ليقول حمزة:

– وليه الغلط بس يا عمي؟

لبتسم الجميع، بينما اقتربت صفية وهي تحمل الطفل وقالت:

– شوف يا خوي، حفيدك زي البدر، الله أكبر.

أخذه زيدان منها وهو يسمّي الله، ثم قبّل الصغير بحب، وأخرج من جيبه علبةً مخمليةً صغيرة، كانت تحتوي على قلادةٍ من الذهب وألبسها للطفل.

في المساء،

بفيلا هيام، 

كان زيدان قد ذهب إليها و التي ما إن فتحت الباب حتى تفاجأت به أمامها، بينما هو امتلأت عيناه بالشوق والحنين، ليقول:

– وحشتيني يا هيام

            الفصل الواحد والاربعون من هنا 

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا

 

تعليقات



<>