رواية انا لها شمس الفصل الخامس 5 والسادس 6بقلم روز امين

       

رواية انا لها شمس الفصل الخامس 5 والسادس 6بقلم روز امين


 الجزء الأول

 الفصل الخامس

عودة لما قبل ثمانية أعوامًا.
ترجلت من إحدى وسائل المواصلات الجماعية(الميكروباص) حيث استقلته من  القاهرة وهي عائدة من جامعتها بالقاهرة ليوصلها إلى إحدى مُدن محافظة كفر  الشيخ، فهي طالبة بالفرقة الرابعة حيث انها أختارت دراسة إدارة الأعمال  بكلية التجارة، تسكن بالمدينة الجامعية وتعود لمنزلها بنهاية كل أسبوع  لتقضي إجازتها في منزل أبيها، وقفت تتطلع حولها لانتظار إحدى السيارات  لتقلها لقريتها، كان يقود سيارته ليتوقف في الموقف الخاص بالسيارات ينتظر  إبن عم له قادم بإحدى الحافلات من القاهرة ليقله بصحبته للبِلدة، خرج من  السيارة وتوقف ينتظر وصول قريبه وأثناء تفقدهُ للمكان وقعت عينيه عليها  لتلتمع عينيه بوميض مما يدل على إعجابه الشديد، اتسع بؤبؤ عينيه وهو يرى  ملامح وجهها الجميلة والتي جذبته منذ النظرة الاولى، ناهيك عن تقاسيم جسدها  الانثوي الذي جعل من لعابه يسيل وهو ينظر لها باشتهاء، برغم ارتدائها  لكنزة واسعة وتنورة طويلة تغطي جميع ساقيها وحجابًا إلا أن أنوثتها الجذابة  كانت طاغية، كانت كلوحة حب تنبض بالحرية والحياة، وقفت تتطلع حولها تترقب  ظهور إحدى السيارات وهي تنظر بساعة يدها بتأفف ظهر على وجهها، واثناء  مراقبته لتلك الفاتنة التي ظهرت من العدم وكأنها حورية هبطت من السماء  إستمع لرنين هاتفه الجوال ليجيب سريعًا بانفاسٍ متقطعة جراء دقات قلبه  العالية كطبول الحرب: -أيوا يا أحمد إنتَ فين؟
أجابه الأخر بهدوء: -إنتَ اللي فين، أنا خلاص داخل على الموقف
واستطرد باعلام: -شفتك خلاص يا ريس
في تلك اللحظة رأها تقترب من إحدى السيارات التي توقفت لتستقل مقعدًا بجانب  النافذة ليُشير سريعًا لإبن عمه يستعجله على التحرك وبعد لحظات انطلق  متتبعًا السيارة ليسأله الأخر: -فيه إيه يا عمرو، مالك يا ابني مسروع كده  ليه؟
-الميكروباص اللي قدامنا ده فيه حتة بنت، تقول للقمر قوم وأنا أقعد  مكانك، نطقها وهو يحاول الوصول للسيارة ومجاورتها ليقول الاخر بضحكة:  -بنت!، قولت لي، بقى هي الحكاية طلع فيها بنت
نطق سريعًا بصوتٍ مسحور: -ومش أي بنت يا أحمد، دي طلقة، عليها جوز عيون، يجننوا.
ظل يقود حتى أصبحتا السيارتين متجاورتين لينظر على تلك المتكئة برأسها  على زجاج النافذة شاردة بنظرها للسماء لتنعكس أشعة الشمس على أشعة عينيها  لتضيف بريقًا جعل من عينيها مبهرة لمن ينظر بها برغم الحزن الساكن  بداخلهما، مال ابن عمه برأسه للأمام ليقول بانبهار ظهر بصوته: -طلع معاك حق  يا عمرو، البنت جامدة بجد.
ابتسم وهو يرفع قامته للأعلى ليقول بتفاخر: -كان عندك شك في ذوقي ولا إيه.
-الشهادة لله طول عمر ذوقك لا يُعلى عليه يا ابن عمي، بالذات في صنف  الحريم، قالها مفخمًا به ليفرد الأخر جسده أكثر بعدما أشعره حديث ذاك  المنافق بتفرده، حول بصره مرةً آخرى لينظر على تلك الشاردة التي لا تبالي  بمن حولها سوى ملكوتها الخاص وشعورها الدائم بالوحدة الذي يلازمها اينما  ذهبت حتى بحضرة عائلتها، مر أكثر من خمسة عشر دقيقة وهو يراقب تلك الجميلة  حتى زفر أحمد وتحدث متسائلاً: -هنوصل لحد فين باللي بتعمله ده يا باشا،  إوعى تقولي إنك هتفضل ماشي وراها لحد بلدها؟
اجابه وعينه على من خطفت لُبه: -ياريت كان عندي وقت كنت مشيت وراها،  أدينا ماشيين لحد ما نوصل لكُبري بلدنا، بعد كدة مش هقدر أكمل علشان حِنة  أمل بنت عمك جمال، أبويا كلمني وانا مستنيك في الموقف، كان متضايق  وبيستعجلني علشان أقف مع شباب العيلة في توضيب كوشة العروسة.
تأفف أحمد ليقول متهكمًا: -يادي كوشة العروسة اللي صدعونا بيها، أبويا  كمان وجع دماغي من الصبح، مكانش عاوزني أروح الشغل أصلاً، بالعافية أقنعته  إني هاجي قبل التجهيزات ما تبدأ لولا كدة مكنتش هعرف أفلت منه
واستطرد بجبينٍ مقطب: -بيقولوا عاملين الكوشة فوق سطح بيت عمك جمال عشان البنات والستات ياخدوا راحتهم بعيد عن قعدة الرجالة.
أجابهُ بلامبالاة وهو يتابع تلك الجميلة: -يعملوها مكان ما يريحهم، مش فارقة كتير.
بعد قليل تملل أحمد بجلسته وشعر بالضجر من تصرفات ذاك المعتوه المسحور  بالجميلات وزفر ليتحدث مستفسرًا بعدما وجده يقف عند كل محطة تقف بها  السيارة وينتظر حتى يتأكد من شخصية المترجل: -وبعدين يا ريس، هنفضل كدة لحد  امتى، الميكروباص بيقف تقريباً دقيقتين عند كل محطة.
-بطل رغي يا أحمد ولو مش عاجبك إنزل وشاور لأي ميكروباص يوصلك، قالها  بعدما سَأم من تملله ليجلس الاخر صامتًا حتى إقتربا من محطة قريتهم حينها  استمع لرنين هاتفه وكان المتصل والده، نصر البنهاوي، زفر بضجر بعدما استمع  لتوبيخ الاخر له وهو يستعجله، فقاد بسرعة فائقة ليتخطى السيارة ليميل تارة  القيادة لليسار متجهًا لداخل قريته، وما ان اختفت سيارته للداخل حتى توقفت  تلك السيارة لتترجل هي منها، توجهت لمنزل والدها وما أن ولجت للداخل حتى  تهللت أسارير والدها حين رأها ليتحدث بترحاب: -حمدالله على السلامة يا  إيثار.
نظرت بابتسامة واسعة لذاك الذي يتوسط الأريكة الخشبية بوسط منزله  المتواضع لتقترب من جلوسه وهي تُمسك كف يده وتميل بطولها لتضع قُبلة احترام  فوق كفه ليمرر والدها كفه الحنون فوق حجاب رأسها، رفعت عينيها لتتحدث  بابتسامتها البشوشة: -الله يسلمك يا بابا، إزي صحتك
ابتسم والدها ليجيبها: -أنا بخير يا بنتي والحمدلله، إنتِ اللي عاملة ايه، طمنيني عليكِ.
خرجت منيرة من غرفة الفُرن البلدي وهي تحمل بين يديها إناءًا من الفخار  الساخن بواسطة قطعتين من القماش القطني المستهلك ليحمي كفيها من سخونة  الإناء، تحدثت سريعًا وهي تقترب من تلك المائدة الخشبية المنخفضة(الطبلية):  -وسعي مكان على الطبلية لطاجن الرز يا إيثار
أسرعت لتفسح المكان، وهتفت وهي تنظر للطعام الموجود داخل الإناء بلونه الذهبي المُشهي: -يا سلام يا ماما على الريحة.
واسترسلت بملاطفة وهي ترفع قامتها بمزاح: -الست منيرة بعون الله أحسن واحدة بتعمل طاجن رز معمر بالحمام في كفر الشيخ كلها
ابتسمت بوهنٍ لتشير لها بكفها إلى حُجرتها الخاصة بها: -طب روحي غيري هدومك بسرعة عشان تيجي تغرفي باقي الأكل وتطلعيه مع مرات أخوكِ
قطبت جبينها لتتحدث باستياء مصطنع تداري به ألم قلبها المنشطر: -هو أنتِ  على طول كدة معايا يا ماما، طب خديني في حضنك ولا حتى قولي لي حمدالله على  السلامة.
زفرت لتهتف بضجر: -يا بنتي سيبك من المياعة اللي إنتِ فيها دي وخلصي
واستطردت بملامح وجه مكفهرة: -إخواتك لسة راجعين من الأرض كانوا شغالين فيها من صباحية ربنا وواقعين من الجوع
تنفست بيأسٍ ومالت برأسها للأسفل لتتحدث بصوتٍ خفيض مليئًا بخيبة الأمل: -حاضر يا ماما.
انصرفت منيرة لغرفة الخبيز لتباشر ما تبقى داخل الفرن ووقفت هي تنظر  لأثرها، تنهد والدها بأسى لأجلها، يشعر بتمزق روحها الدائم من معاملة تلك  القاسية لها، لذا يحاول جاهدًا أن يعاملها بلُطفٍ وحنان ليقوم بتعويضها ولو  قليلاً، تحدث في محاولة منه للتخفيف من وطأة حزنها: -متزعليش من أمك يا  إيثار، دي غلبانة، أمها ماتت وهي صغيرة واتربت على إيد مرات أبوها وشافت  معاها اللي متستحملوش عيلة عندها تمن سنين.
واسترسل مبررًا: -غصب عنها يا بنتي، هي بتحبك، بس مبتعرفش تعبر.
رسمت على ثغرها إبتسامة مُرة لتومي برأسها وانسحبت سريعًا للداخل  لتبديل ثيابها، ولجت إلى المطبخ لتجد زوجة شقيقها الكبير نسرين تسكب الطعام  فاقتربت منها قائلة بصوتٍ خالي من المشاعر: -إزيك يا نسرين.
إلتفت برأسها لتتطلع إليها بابتسامة صفراء لتقول بترحيبٍ مفتعل يرجع  لحقدها الشديد لها: -حمدالله على السلامة يا إيثار، جيتي إمتى محسيتش بيكِ؟
بصوتٍ هاديء أجابتها وهي تتناول أحد الصحون استعدادًا لنقله للخارج: -لسة واصلة من حوالي ربع ساعة.
-ده عزيز هيفرح قوي لما يشوفك، إنتِ متعرفيش هو بيحبك قد إيه، قالتها  برياء قابلته الأخرى بتنهيدة هادئة لتيقنها أن شقيقها لا يحمل بقلبه الحب  لأحداً سوى حاله وولدهُ وتلك العقربة وفقط.
خرجت وجدت أشقاءها الثلاثة قد ولجوا لبهو المنزل واصطفوا حول المائدة  الأرضية بجوار والدهم، ما أن رأها أيهم شقيقها الذي يصغرها بثلاثة أعوام  حتى انتفض وهب واقفاً ليحمل عنها الصَحن ليضعه سريعًا ثم يعود محتضنًا  إياها قائلاً بحفاوة وترحاب: -وحشتيني، جيتي إمتى؟
إبتسامة واسعة بينت صفي أسنانها ظهرت على محياها لتجيبه بسرورٍ: -لسة جاية من شوية، إنتَ عامل إيه في مذاكرتك، طمني عليك.
-محدش راحمني ولا مقدر إني في ثانوية عامة، وعلى إيدك لسة راجع من  الشغل في الارض بعد عزيز ما صمم ياخدني معاه، نطق كلماته المتذمرة وهو يرمق  عزيز بنظراتٍ ساخطة ليقول الاخر بحدة: -إنتَ مقضيها نوم طول اليوم  ومبتفتحش كتاب ولما عزيز ياخدك تساعد وتعمل حاجة مفيدة يبقى كفر
مدت له يدها قائلة بعينين متطلعة: -أزيك يا عزيز.
أجابها دون أن يلتفت إليها قائلا بجمود بعدما مد يده وسحبها سريعًا: -الله يسلمك يا إيثار.
تألمت على معاملة شقيقها الجافة التي لا تجد لها سببًا، حولت بصرها إلى  وجدي الذي قابلها بابتسامة صافية مما جعل قلبها يهدأ قليلًا وما زاد من  سعادتها هو حديثه المريح: -حمدالله على سلامتك يا إيثار، حطي اللي في إيدك  وتعالي إقعدي جنبي علشان تتغدي.
ابتسمت بسعادة لاهتمامه ليكمل والده على حديثه قائلاً بلُطف وهو يشير بجواره: -تعالي يا بنتي تلاقيكي ميتة من الجوع
كادت أن تتحرك باغتتها تلك التي احتضنتها من الخلف وهي تقول بحفاوة: -حمدالله على سلامتك يا قمر، وأنا أقول البيت منور كدة ليه.
ابتسمت لترحاب نوارة زوجة وجدي شقيقها الاوسط والتفت لها تبادلها  الاحضان لتهتف بسعادة لتلك البشوش تحت غضب نسرين التي رمقتها بحقدٍ ظهر  بعينيها ولم تستطع تخبأته: -ازيك يا نوارة
واسترسلت وهي تنظر لبطنها المنتفخ جراء وصولها لشهرها التاسع بالحمل: -عاملة ايه وأخبار غانم الصغير إيه؟
-محدش هيسمى غانم تاني، هو غانم الصغير واحد بس، جملة جافة نطقت بها  نسرين تنم عن غيرتها الواضحة بعدما علمت نوع المولود، بينما نطق عزيز  بتفاخر: -اللي سبق كل النبق يا نسرين
قالها ومد يده ليجذب صغيره ذو الثلاثة أعوام والذي أطلق عليه إسم غانم  تيمنًا باسم والده للتباهي ليجلسهُ بأحضانه، ثم حول بصره ليتطلع لشقيقه  مسترسلاً بمشاكسة حادة: -قول لعمك يختار له إسم تاني يا غانم باشا.
ابتسامة خافتة ارتسمت على ثغر وجدي ليداري بها حرجه من حديث عزيز الذي  اتخذ من اسم والدهُ حكرًا، ليتحدث والدهما بتعقل: -وفيها إيه لما اخوك يسمي  إبنه على اسم جده يا عزيز، ولا تكونش خدت الإسم على حسابك إنتَ ومراتك.
احتدم صدره غيظًا من دفاع والده ليتحدث بصفاقة وحقد: -طب ولازمته إيه  التقليد يا ابا، ما الأسامي كتير يختار منها براحته هو ومراته، ولا هو الكل  لازم يبص لعزيز ويقلده في أي حاجة يعملها.
قطبت جبينها بتعجب وهي ترى هجوم شقيقها الحاد وطباعة التي تزداد سوءًا  يومًا تلو الأخر وبالاخص بعد زواجه من تلك الحقودة نسرين، احتدت ملامح غانم  وهم بالحديث لولا صوت وجدي الذي قاطعه قائلاً كي ينهي ذاك الجدال الدائر:  -لا تقليد ولا غيره يا عزيز، إبني هسميه خالد إن شاءالله
هز الأب رأسه بيأسٍ ثم تنفس ونظر لصغيرته قائلاً: -أقعدي يا بنتي كلي.
واسترسل وهو ينظر لزوجتي نجلاه برحمة: -أقعدوا يا بنات واندهوا لحماتكم.
هتفت منيرة التي ولجت للتو ممسكة بصينية كبيرة: -أنا جيت أهو
هتف أيهم بعينين تلتمعان وهو يتطلع لصينية اللحوم قائلاً بحفاوة: -دكرين بط وحمام مع بعض، أم عزيز مطرياها علينا على الأخر النهاردة
ابتسمت لتقول بعدما افترشت الأرض لتجاور زوجها: -مش شقيانين من صباحية ربنا في شغل الأرض.
قالتها لتحول بصرها إلى إيثار وهي تقوم بتقطيع اللحوم بكفي يديها:  -وكمان علشان أختك تتقوت بلقمة حلوة، تلاقيها يا حبة عيني مبتدوقش الزفر  (اللحوم بأنواعها) إلا كل فين وفين.
اشتدت سعادتها عندما رأت إهتمام والدتها بها ولو بكلمة، لطالما تمنت أن  تأخذها تلك القاسية بداخل أحضانها كما تفعل الأمهات سواءًا من تشاهدهم في  الأفلام والمسلسلات عبر جهاز التلفاز أو صديقاتها اللواتي دائمًا ما كُن  يبلغاها عن مدى حنان أمهاتهِن.
أمسكت منيرة بقطع اللحم وبدأت بتوزيعها بالأول زوجها ويليه عزيز أول من  رأت عينيها وصاحب النصيب الأكبر من إمتلاك قلبها، يليه وجدي ثم أيهم وأتى  ترتيبها بعدهم وتلتها زوجتي نجليها، بدأ الجميع بالتهام الطعام بنهمٍ يرجع  لشدة مذاقة الطيب، بسطت منيرة يدها بقطعة اخرى من اللحم وهي تناولها إلى  نوارة لتتحدث بارتياح: -كلي دي يا نوارة علشان اللي في بطنك يتغذى.
ابتسمت لها وتناولتها قائلة بحفاوة ترجع لاهتمام والدة زوجها: -تسلم إيدك يا ماما
لوت نسرين فاهها مغمغمة بضيق: -كلي يا حبيبتي كُلي.
سأل وجدي شقيقته باهتمام وهو يلوك الطعام بفمه: -عاملة إيه في المذاكرة يا إيثار
هتفت بحماسٍ أضفى زهوًا فوق ملامحها ليزيدها جمالاً: - الحمدلله، بذاكر  وبجتهد علشان أجيب تقدير زي كل سنة، دكتورة هالة رئيسة القسم أكدت لي إني  لو جبت تقدير السنة دي كمان والسنة الجاية هتعين معيدة وبعدها هكمل دراسات  عُليا.
قالتها بانتشاء اختفى حال سماعها لصوت عزيز الحاد حيث هتف بفمٍ مليء  بالطعام وهو يرمقها بازدراء: -كلام إيه الفارغ اللي بتقوليه ده، إحمدي ربنا  إننا خلناكي كملتي تعليم أصلاً
واستطرد موضحًا: -بعد إمتحاناتك بأسبوع هبعت ل سليم إبن خالك علشان ييجي  يتمم خطوبته عليكِ، الراجل كتر خيره صبر على دلعك كتير، والسنة اللي باقية  لك إبقي كمليها في بيته لو وافق.
أثنت على حديثه منيرة لتقول بتصديق: -عين العقل يا عزيز، البنت في الأخر ملهاش إلا الجواز والسُترة
لتهتف نسرين وهي ترمق إيثار بتشفي ظهر جليًا بصوتها ووجها الضاحك: -يسلم فُمك يا حماتي.
لم تكترث لتلك الثرثارة وكأنها والعدم سواء وأيضًا جنبت حديث والدتها  لتيقنها أنها تابع لنجلها البكري ليس إلا، لتنظر إليه بفزعٍ هاتفة بصوتٍ  مضطرب حاولت أن تتحكم فيه قدر الإمكان إحترامًا لوالدها ولعدم إثارت غضب  ذاك الجاحد: -بغض النظر عن موضوع تكملة تعليمي اللي لسة هنتكلم فيه
قالتها بحدة تنم عن صدمتها لتسترسل متسائلة باستنكار: -لكن أنا أمتى قولت إني موافقة على جوازي من سليم؟!
لتستطرد معترضة: -وبعدين سليم مكملش تعليمه، ده معاه دبلوم يا عزيز!
رمقها مستنكرًا ليقول بغلاظة: -ومن أمتى البنت كان ليها رأي في جوازها  يا ست إيثار، وماله الدبلوم ما أنا كمان معايا دبلوم، ولا إكمنك كملتي  تعليمك هتتكبري على أهلك وتكسري كلمة أبوكِ؟
وإلى هنا لم يستطع غانم الصمت أكثر بعدما أثار حفيظته حديث نجله البكري  ليقول بنبرة صارمة: -وأبوها لسة عايش وحِسه في الدنيا ومداش كلمة لخالك  علشان أختك تكسرها يا سي عزيز، ولا أنتَ خلاص إعتبرتني ميت وبتتحكم في أختك  قدامي.
حزنت نوارة لأجل تلك المشتتة بين الجميع أما عزيز فابتلع الطعام بصعوبة  لتقول منيرة في مساندة منها ودفاعًا عن نجلها: -بعد الشر عنك يا أخويا،  عزيز عاوز المصلحة لأخته، البت مهما اتعلمت وراحت وجت أخرتها الجواز.
-حرام عليكِ يا ماما، بطلي تيجي عليا علشان خاطر ترضي عزيز، نطقتها  بعينين لائمتين لامعتين تأثرًا بملئهما بالدموع التي أبت النزول إمتثالاً  لكرامتها لتهتف الأخرى باقتناع: -أخوكِ أكتر واحد عارف مصلحتك.
بدا الامتعاضُ على وجهها ليقول وجدي بهدوء: -إهدي يا إيثار وفكري بعقلك شوية، وبصراحة بقى عزيز معاه حق في اللي قاله.
اتسعت عينيها بذهول لتهمس بصدمة: -حتى أنتَ كمان يا وجدي!
أجابها بالمنطق محاولاً إقناعها: -يا حبيبتي إفهمي، إنتِ خلاص داخلة على  واحد وعشرين سنة، وده سن حلو قوي للجواز، بعد كدة فرصك كل يوم هتقل، ويا  ستي لو على السنة الباقية أنا هبقى اشرط على سليم يخليكي تكملي.
قطبت جبينها متعجبه منطقه الغريب المنافي مع تفكيرها العصري لتنظر  لوالدها مستنجدة ليهدأها بحديثه قليلاً: -كملي أكلك يا بنتي وبعدين نبقى  نتكلم.
ابتسمت بخفوت ليباغتها صوت والدتها الحاد: -والله ماحد مقوي قلبها على  أخوها الكبير ومخليها تكسر كلمته غيرك يا غانم، أخوها بيختار لها الصالح،  ده غير إني اديت كلمة ل عزت أخويا إن أول ما إيثار تخلص السنة دي هنقرا  الفاتحة ونجيب الشبكة والفرح في شهر تسعة.
-والله عال يا ست منيرة، قاعدة تتكلمي وتتفقي مع أخوكِ ولا عملالي  حساب، استمعت لمناوشات والديها وأصوات أشقائها الثلاث ونسرين التي استغلت  الوضع وبدأت الأصوات تتعالى وتتداخل لتهب واقفة وما أن تحركت بقدميها  للخارج حتى أوقفها صوت والدها الحزين قائلاً: -رايحة فين يا بنتي، تعالي  كُلي نايبك.
شبعت يا بابا، بالكاد خرجت كلماتها بصوتٍ مختنق وبتخاذل واضح وانكسار  ظهر بوضوح فوق ملامحها فرقت نظراتها على الجميع قبل أن تهرول لغرفتها ليهتف  والدها معنفًا الجميع: -حرام عليكم يا ناس، محلالكمش الكلام غير والمسكينة  قاعدة على الطبلية، زي ما تكونوا مستخسرين اللقمة فيها ومش عاوزينها  تاكلها بنفس.
استند بكفيه المشققتين من أفعال الزمن على طرفي المنضدة ليقوم بظهرٍ  محني لتسأله منيرة باستغراب: -رايح فين يا غانم، إقعد يا راجل كمل أكلتك.
-سديتوا نفسي إنتِ وعيالك، قالها لينسحب للخارج ليقول عزيز بنبرة  حاقدة: -رايح يراضي السنيورة حبيبة أبوها، طب والله لو أنا اللي سيبت الاكل  وقومت ولا كان اتهزت له شعرة
-ماخلاص بقى يا عزيز، كمل أكلك وإنتَ ساكت، قالها وجدي ليرمقه الاخر بنظرة  حاقدة أما أيهم فنهض بحدة لتسأله والدته متعجبة: -رايح فين إنتَ كمان؟
-طالع أشم شوية هوا قدام الباب، قاعدتكم تخنق، قال جملته الاخيرة وهو  يرمقهم باشمئزاز وانطلق للخارج خزنًا على شقيقته، زفرت منيرة لتهتف بسخطٍ  وهي تنظر للطعام: -يا ستار يارب، اللقمة اتسممت علينا زي ما تكون مبصوص  لها.
اكفهرت ملامح عزيز ليهتف بحقدٍ: -البركة في بنتك، كل ما تيجي تولع البيت حريقة
قطب وجدي جبينه ليتساءل مستفسرًا بتعجب: -وإيثار ذنبها إيه في اللي حصل؟!
اتسعت عيني نسرين لتقول بوقاحة: -وده سؤال بردو يا وجدي، ما كل اللي حصل ده بسبب كلامها ورفضها لجوازها من سليم إبن خالك
وبفمٍ ملتوي استرسلت باستنكار وحقدٍ ظهر بعينيها: - قال وإيه عايزة تكمل  علام تاني بعد الكلية، ده بدل ما تحمد ربنا إن عزيز رضي يخليها تكمل بعد  الثانوية ومقعدهاش.
هزت نوارة رأسها بيأسٍ لبجاحة تلك التي تتدخل في شؤون الجميع دون حياء  وتألم داخلها لما تحمله في قلبها من مَعَزَّة لتلك الهادئة إيثار لتتحول  عيني وجدي لمشتعلة وهو يقول معترضًا: -اللي يسمع كلامك يفتكر إن عزيز هو  اللي بيصرف عليها يا ست نسرين، ربنا يخلي أبوها ويديه طولت العمر.
-وانتَ إيه اللي مزعلك يا عم وجدي، وبعدين مراتي مغلطتش في حاجة، أنا  أخوها الكبير وكلمتي تمشي سيف على رقبتها، والله لو أبوك يحوش إيده عنها  لكنت مشيتها لكم زي السيف وعلمتها الأدب، قالها بنظرة صارمة وتوعد، هم  الأخر ليتحدث اوقفه صياح منيرة التي هتفت بعدما فاض الكيل بها: -كفياكم  مناقرة، هي اللقمة دي مش مكتوب لها تتبلع من سكات النهاردة ولا إيه.
نظرا كلٍ منهما للاخر بحدة بالغة وكأنهما ثوران يتصارعان داخل حلبة  ليسحب كل منهما بصره عن الاخر ويستكملا تناول طعامهما بغضبٍ شديد.
عودة لحُجرة إيثار، ارتمت فوق فراشها وبدأت ببكاءٍ مرير لتتوقف في  الحال حينما استمعت لصوت طرقات فوق بابها وبدأت بتجفيف دموعها لتتفاجأ  بولوج والدها، جلس بجوارها وبدون مقدمات سحبها لداخل أحضانها ليقول وهو  يربت فوق ظهرها بحنان: -زعلانة وبتعيطي وابوكِ عايش على وش الدنيا، أُمال  أما أموت هتعملي إيه
خرجت سريعًا من بين احضانه لتهتف بذعرٍ: -بعد الشر عنك يا بابا، متقولش كدة.
-الموت مش شر يا بنتي، الموت علينا حق، نطقها بيقين ليسترسل بعد أن أخذ  نفسًا عميقًا: -المهم، أنا مش عايزك تزعلي ولا تشيلي هم لأي حاجة طول ما  أنا عايش.
-يعني هترفض سليم إبن خالي يا بابا؟، سألته بترقب ليجيبها بتأكيد قوي:  -من ساعة ما اتولدتي وأنا عمري ما غصبتك على حاجة، هاجي على جوازك وأغصبك؟!
تنفست براحة وابتسم وجهها لتقول بانتشاء: -ربنا يخليك ليا يا بابا وتفضل طول عمرك سندي
ابتسم لها ليتحدث وهو يربت على كفها بلين: -يلا علشان تكملي غداكي
-مليش نفس، نطقتها بعينين منكسرتين ليقول بتعطُف كي يحثها على النهوض معه:  -من صباحية ربنا وانا مدقتش الأكل وجعان، ولو مقومتيش كلتي معايا مش هدوقه  وذنبي هيبقى في رقبتك.
ابتسامة حنون ارتسمت فوق ثغرها لتميل سريعًا على كف يده لتضع قُبلة  احترام وتبجيل لشخص والدها الحنون، وقف وتحرك بجوارها حتى وصلا للبهو ثم  تحدث بصوتٍ حاد وهو يرمق الجميع: -مش كلتوا، يلا قوموا.
زفر عزيز وهب واقفاً ليقترب من شقيقته ويرمقها بحدة قبل ان ينسحب للخارج كالإعصار
، جاورت والدها الجلوس لتكمل طعامها دون تذوق بعدما فقدت شهيتها، وبعد قليل  كانت تقف أمام حوض المطبخ تُجلي الصحون وبجوارها نوارة تتبادلتان الحديث  فيما بينهما لتسألها نوارة بفضول: -إلا قولي لي يا إيثار، هو عمي غانم جاب  الإسم اللي سماكي بيه ده منين؟
ابتسمت إيثار بشدة لتسترسل الاخرى موضحة: -أصل إسمك غريب قوي على  بلدنا، ومتزعليش مني، عمي غانم راجل بسيط زي أبويا، منين عرف الإسم ده؟!
-لو تعرفي كام حد سألني السؤال ده هتستغربي، قالتها بهدوء لتسترسل  بانتشاء: -بصي يا ستي، لما ماما كانت حامل فيا حصل لها نزيف وبابا اضطر  يوديها المستشفى اللي في المركز علشان يكشف عليها، الدكتورة اللي كشفت على  ماما كانت من اليمن ومتجوزة دكتور مصري، بابا وقتها عجبه إسمها قوي، ولما  عملت لماما سونار وقالت له إني بنت بابا قرر يسميني على إسمها، وكان نفسه  قوي أطلع دكتورة زيها.
لتسترسل بملامح متأثرة: -بس أنا خزلته ومجبتش مجموع في الثانوية، علشان  كدة أنا بجتهد ومصممة أجيب تقدير عالي كل سنة علشان أتعين معيدة في  الجامعة، وكدة ابقى حققت لأبويا حلمه وفي نفس الوقت عملت كرير محترم لنفسي.
-دي حكاية ولا الحواديت، قالتها بانبهار لتسترسل بانتشاء: -تعرفي يا  إيثار، أنا بحبك قوي وببقى مبسوطة وأنا شيفاكي بتنجحي وراسمة لنفسك مستقبل  حلو
واستطردت بحسرة ظهرت فوق ملامحها: -انا كان نفسي أكمل تعليمي قوي زي باقي  أصحابي، بس الله يسامحه أبويا طلعني من تالتة ثانوي أول ما وجدي اتقدم لي،  اترجيته يسيبني اكمل، ساعتها قال لي نفس كلمة أمك اللي قالتها لك، البت  مهما اتعلمت وراحت وجت اخرتها الجواز.
ابتسمت إيثار وقالت لتخفف عنها وطأة حزنها: -بس وجدي طيب وبيحبك يا نوارة، وممكن لما ظروفكم تتعدل تستأذنيه في إنك تكملي تعليمك
ضحكت نوارة لتقول برضا: -والنبي إنتِ رايقة يا إيثار، هو بعد العيد يتفتل الكحك.
ضحكتا من قلبيهما ليقطع اندماجهما دخول تلك ال نسرين حيث قالت بنبرة  ساخرة وهي تتطلع إلى ضحكة إيثار الواسعة: -ده أنتِ غريبة قوي يا إيثار،  ولعتي الدنيا في بعضيها ونكدتي على أبوكِ وأخواتك وقاعدة هنا تضحكي ولا على  بالك.
-أنا اللي ولعت الدنيا في بعضها ولا جوزك، قالتها بملامح وجه مكفهرة  لترد الأخرى بخُبث: -جوزي ده يبقى أخوكِ اللي خايف على مصلحتك، يعني الحق  عليه اللي عاوز يسترك قبل ما تعنسي.
أعنس!، نطقتها بازدراء لتقول نوارة بعد أن قررت التدخُل لفض تلك المناوشة قبل أن تتطور: -عيب الكلام ده يا نسرين
رفعت شفتها العلوى بتهكم لتقول متعجبة: -وإيه العيب في اللي أنا قولته يا نوارة، بقيت غلطانة علشان خايفة على أخت جوزي!
لتحول بصرها للأخرى وهي تقول بلؤمٍ: -إنتِ داخلة على اتنين وعشرين سنة  يا حبيبتي، وده سن محدش وصل له قبل كدة من غير جواز في بلدنا، حتى بنات  العائلات الكبيرة بيتجوزوا ويكملوا تعليمهم في بيوت إجوازهم.
-دي حاجة تخصني لوحدي ومسمحلكيش تتكلمي فيها، قالت جملتها بصرامة  لتستطرد ساخرة وهي تشملها بتهكم كي ترد لها الصاع صاعين: -وبعدين هما اللي  اتجوزوا كانوا خدوا إيه، واديكي اكبر مثال قدامي أهو
اشتعل قلبها وبلحظة احتدت عينيها لتهتف وهي ترمقها ببغضٍ شديد: -خدت كتير  يا حبيبتي، لقيت راجل يحبني ويتمنى لي الرضا، وستتني في بيته وجبت له ولد  زي القمر وحامل في شهرين وكلها سبع شهور واجيب الولد الثاني.
-هي دي إنجازاتك! نطقتها ساخرة لتقطع تلك المناوشة الكلامية الحادة  ولوج منيرة لتقول بملامح وجه صارمة: -إعملي شاي للرجالة وطلعيه يا نسرين.
استدارت إيثار لتولي ظهرها لوالدتها دون عناء النظر لوجهها متعللة  باستكمال جلي الاواني، زفرت منيرة لتيقنها غضب صغيرتها منها لكنها لم تهتم  وخرجت من المطبخ، انتهت إيثار من الجلي واتجهت إلى غرفتها لتأخذ ملابس لها  وتتجه نحو الحمام لتغتسل كي تريح جسدها وبعدها اتجهت لغرفتها من جديد لتؤدي  صلاة العصر، انتهت وجلست على فراشها تسترجع دروسها ليقطع تركيزها دخول  والدتها المفاجئ، نظرت لها باستغراب لتقول بضيق: -ياريت ياماما تبطلي تدخلي  عليا من غير ما تخبطي.
قطبت جبينها لتجيبها بحدة: -مبقاش ناقص إلا إني اخد الإذن منك يا ست إيثار
زفرت لتجيبها بإبانة: -مش قصة إستئذان، بس افرضي إني بغير هدومي.
-أنا عارفة إنك بتغيري في الحمام، وبعدين سيبك من الرغي الكتير وخلينا  في المهم، قالتها باهتمام لتنتبه الأخرى لها، اتجهت وجاورتها الجلوس  لتسترسل: -جهزي نفسك وإلبسي فستان حلو عشان تروحي معايا حِنة أمل بنت حليمة  بنت عمي حسين.
لم تتمالك حالها لتهتف متذمرة: -وأنا مالي بحنة أمل دي كمان، أنا عندي مذاكرة ومش فاضية للكلام ده
واسترسلت متعجبة: -وبعدين أمل دي أنا مشفتهاش مرتين تلاتة على بعض والكلام ده كان من سنين عند جدي الكبير الله يرحمه.
اجابت لاقناعها: -يا بنتي عيب اللي بتقوليه ده، حليمة تبقى بنت عمي وطول عمرها صاحبة واجب معايا، دي منقطاني في فرح إخواتك الإتنين
ردت مفسرة: -أنا مطلبتش منك متروحيش، بس كمان متجبرنيش أسيب مذاكرتي وأروح اضيع وقتي في مجاملات شكلية.
وصلت منيرة لذروة غضبها من تلك المتمردة صعبة المراس والتي ستهدم لها  مخطتها، فبرغم ان نجل شقيقها قد طلب إيثار للزواج بها إلا أنها تطمع دائمًا  للأعلى حيث فكرت بأن تصطحب إبنتها الجميلة لحفل إبنة عائلة عريقة كعائلة  البنهاوي وهي أكبر عائلة بالبلدة بل بالمركز بأكمله، لذا خططت بأن تجعلها  ترتدي أفضل ما عندها من ثياب لربما تُعجب بها إحدى سيدات العائلة وتختارها  زوجة لنجلٍ لها، حاولت تهدأة حالها لتقول بنبرة مصطنعة علها تستطيع تليين  عقل تلك العنيدة بتلك الكلمات المفخمة للذات: -طب وإن قولت لك إني عايزة  اخدك معايا اتباهى بيكِ قدام حريم البنهاوية وحريم البلد كلهم بردوا  هتكسفيني؟
ضيقت بين حاجبيها تتعمق بالنظر لمقلتي والدتها في تعجب لتفكيرها  لتباغتها الأخرى كي لا تدع لها الفرصة بالرفض: -خليني أتباهي وسط الناس  ببنتي المتعلمة ومتكسريش خاطري
لاَنَ قلبها بعد حديث والدتها ونظراتها المتوسلة التي تراها للمرة الأولى لتقول بابتسامة هادئة: -حاضر يا ماما، هروح علشان خاطرك.
انتفضت الاخرى من جلوسها لتتحدث بانتشاء وفرحة لم ترهما عيني إيثار من  ذي قبل: -طب قومي جهزي نفسك وابقي البسي الفستان اللي كنتي جيباه لخطوبة  صاحبتك بتاعت مصر
تنفست باستسلام لتجيبها بكثيرًا من العقل التي تتسم به شخصيتها الصلبة:  -لسة بدري يا ماما، خيني أذاكر شوية وبعد ما اصلي المغرب هلبس.
-لا ما أنا هبعت أجيب لك البت كريمة الكوافيرة عشان تنضف لك وشك  وحواجبك، قالتها بانتشاء تعجبت منه الإبنة لتقول باستغراب ظهر بَين فوق  ملامحها: -ليه ده كله، دي حنة أمل مش حنتي أنا يا ماما؟!
زفرت بقوة لتهتف بحدة وسخطٍ بعدما فقدت صبرها: -هو أنا مش مكتوب لي اسمع كلمة حاضر منك خالص، هتفضلي واجعالي قلبي لحد امتى؟
هبت واقفة لتقول سريعًا في محاولة منها لمراضاتها: -خلاص حقك عليا، هعمل لك كل اللي إنتِ عوزاه
وقفت تتطلع عليها بملامح حادة غاضبة لتقول الأخرى بابتسامة هادئة عليها  تستطيع إضحاك صاحبة الوجه القاسي ولو لمرة: -خلاص بقى متزعليش.
تنفست بهدوء ولانت ملامحها لتقول: -هروح أبعت للبت كريمة على ما تجهزي نفسك
قالتها وتحركت سريعًا للخارج دون انتظار الرد، تنفست الصعداء لتلقي حالها فوق الفراش وهي تزفر بضيق.
.
أتى الليل ليخيم الظلام على الكون، خرجت من حُجرتها وهي ترتدي ذاك الثوب  الرقيق والذي بدا وكأنه صنع خصيصًا ليجعل منها أيقونة جمال وانوثة تتحركان  فوق الارض، كان مصنوعًا من قماش الستان باللون الأزرق ليظهر بياض بشرتها  الحليبية، ضيقًا من عند الصَدر والخصر لينزل باتساع كبير اظهر تقاسيم جسدها  مما جعل كل من يراها ينبهر، اشتعل قلب نسرين حين رأتها تتحرك صوبها هي  ونوارة واللواتي كانتا ترتديتان ثوبان متواضعان مما جعل نسرين تهتف بحدة:  -مش يلا بينا يا حماتي، إتأخرنا وإحنا مستنيين، الحنة زمانها بدأت من ياما.
كانت أعين منيرة منبهرة بجمال ابنتها فأجابت وهي مسلطة عينيها فوق إيثار: -اسبقيني انتِ ونوارة وانا وإيثار هنحصلكم.
بالفعل تحركتا وبعد قليل ذهبت بصحبة ابنتها، وصلا إلى الشارع المؤدي  لمنزل والد العروس، نظرت منيرة لتلك الفراشة المنصوبة للرجال (الصوان) وما  تحتويه من طاولات مرصوص عليها جُل ما لذ وطاب من حلوى وفاكهة ومسليات، كان  يقف بالمقدمة ليستقبل المهنئين بجانب أبناء عمومته من الشباب، خرج ليتناول  سيجارة ينفث بها عن حاله بعيدا عن أعين والده ليتسع بؤبؤ عينيه ذهولاً  بعدما رأها وهو يتفقد المكان، نعم هي تلك التي سلبته لُبه منذ أن رأها ظهر  اليوم ومن حينها وللأن لم تغب عن تفكيرة ولو لحظة، وقف لحظات حتى استوعب  رؤيته لتلك الفاتنة، ترك تفكيره وتلك الأسئلة التي اقتحمت مخيلته ليهرول  إليها بعدما رأى من تجاورها وتأكد من شخصها، اقبل عليهما ليهتف بترجابٍ عال  وهو يقول: -يا أهلاً وسهلاً يا خالتي منيرة، نورتي الحنة.
قطبت جبينها لتدقق النظر بملامح ذاك المهلل والتي صعب على ذاكرتها تحديد  شخصه ليسترسل بلهفة: -إنتِ مش فكراني يا خالتي، أنا عمرو إبن الحاج نصر  البنهاوي، كنت زميل وجدي في الثانوية العامة وياما جيت عندكم علشان أذاكر  معاه وهو كان بييجي عندي ناخد الدروس ونذاكر.
تهلل وجهها لتجيبه بتذكُر: -إفتكرتك، ماشاء الله يا عمرو، شكلك اتغير خالص عن زمان، كبرت وبقيت راجل تختشي العين تبص له
حول بصره لإيثار التي تستمع بلامبالاة وكأن الأمر لا يعنيها ليتحدث وهو  يرمقها منبهرًا بجمالها الذي تضاعف عما رأها ظهر اليوم بفضل زينتها وثوبها  المنمق: -تشكري يا خالتي.
زاغت عينيها لتلتمع ببريق الأمل وهي ترى تحملقهُ بابنتها لتقول بدلال  عاتبة عليه: -بس أنا زعلانة منك يا عمرو، من ساعة ماخلصتوا الثانوية لا  عُدت بتسأل ولا كأنك كنت زملا أنتَ و وجدي، طب حتى كنت إسأل على خالتك  منيرة
واستطردت بفكاهة: -يخونك محشي الكرنب اللي كنت بتاكله عندي لما تتأخر في المذاكرة مع وجدي؟
ضحك ومازالت عيناه معلقة بتلك الجميلة ليقول بملاطفة: -حقك عليا يا خالتي، بس إنتِ عارفة الدنيا تلاهي.
أجابته بلمعة بعينيها: -الله يكون في عونك يا ابني، أرض الحاج نصر وأملاكه ياما ومحتاجة اللي يحميها ويراعيها
تبسم ثغرها وهي تراه مازال معلقًا مقلتيه بإيثار ليتحدث مستفسرًا بعدما فقد  سيطرته جراء شغفه لمعرفة شخصها: -أنا شفتك النهاردة في الموقف، هو أنتِ  تقربي لخالتي منيرة؟
قطبت جبينها متعجبة جرأته لتهتف منيرة بإيجاب لتُشبع رغبته الملحة في  المعرفة والتي ظهرت بينة بمقلتاه: -هو انتَ مش عارفها يا عمرو، دي إيثار  بنتي
التمعت عينيه ذهولاً ليقول: -معقولة، إنتِ إيثار؟!
ليسترسل منبهرًا: -شكلك إتغير قوي عن زمان.
كِبرت وادورت وخرطها خراط البنات، كلمات نطقتها منيرة وهي تلوي رأسها  بتفاخر لترمقها إيثار بحدة بعدما شعرت بالخجل الشديد لتقول بصوتٍ مرتبك:  -ماما، إيه اللي بتقوليه ده!
ابتسم عمرو على خجلها الذي زاد من توهج وجنتيها ليزيد من اشتعال قلبه  وحرارته لتهتف الأخرى بلامبالاة غير عابئة بمشاعر صغيرتها البريئة: -مكسوفة  من إيه ده عمرو زي أخوكِ وجدي بالظبط.
اغتاظت من والدتها وتحدثت بحدة أظهرت كم حنقها: -ممكن ندخل الفرح بدل وقفتنا في الشارع اللي ملهاش لازمة دي.
برغم سعادتها باعجاب عمرو الظاهر عليه إلا أنها كانت تشتعل داخليًا  لتخشب تلك الحمقاء ونظراتها الحادة، تغاضت عن غضبها لتتحدث وهي تُشير بيدها  نحو منزل العروس: -يلا يا حبيبتي
أوقفها متلهفًا ليقول باهتمام: -الفرح معمول على السطوح فوق يا خالتي
واسترسل وهو يتقدمهم: -اتفضلوا أوصلكم.
تحركتا خلفه وصعد ثلاثتهم الدرج إلى أن وصلوا لمكان إقامة الحفل، انسحب  عمرو بهدوء ليترك منيرة تتلفت حولها بانبهار لتلك الطاولات المرصوصة  والمزينة بمفارش بيضاء حملقت عينيها على الفاكهة والحلوى وزجاجات المياه  الغازية الموضوعة فوقها بانتظام، لقد تحول السطوح وكأنه قاعة أفراح بفضل  تلك الزينة المعلقة والمحاوطة للمساحة بأكملها، أما المكان المخصص لجلوس  العروس فكان مبهرجًا وجاذبًا للعين، تحركت خلف والدتها لتقابلهما والدة  العروس بترحاب شديد يرجع لقرابتها لمنيرة: -يا أهلا وسهلا يا ام عزيز،  نورتي الحنة يا بنت عمي هتفت بامتنان: -تعيشي يا ام كريم، مبروك وربنا يتمم  لكم بخير وتفرحي بعوضها إن شاءالله.
التفتت المرأة إلى تلك الجميلة لتقول بانبهار ظهر بعينيها: -صلاة النبي أحسن، كبرتي واحلويتي يا إيثار.
تبسمت براحة لتتحدث بلطف سببه تقبلها لتلك السيدة اللطيفة والتي طالما عاملتها بتودُد: -متشكرة يا خالتي، عيونك الحلوين
اشارت بكف يدها للداخل: -تعالوا ادخلوا.
تحركوا وهما في طريقهما للطاولة أخذت تلقي التحية والسلام على كل من  تقابلها بطريقها إلى أن جلست بجوار زوجتي نجلاها اللتان سبقتاها إلى هنا،  بعدما استقرت بجلوسها باتت تتفحص نساء العائلة لتتسع حدقة عينيها وهي تتحسر  على حالها كلما نظرت ليديهن وصدورهُن وما يرتديهُن فيهم من حُلىٍ وأقراط  مصنوعة من الذهب الخالص، بعد قليل نهضن الفتيات والتففن حول العروس وبدأن  يتمايلن بخصورهن يمينًا ويسارًا ويتراقصن بانسجام مع إحدى الأغاني الشعبية،  كانت تتابع ما يحدث بتملُل لشعورها أنها مختلفة عن تلك الطبقة، فجميعهُن  خُلقن مدللات وطلباتهن مجابة لثراء عوائلهُن الفاحش لذا فهي مختلفة عنهن  كليًا لكونها وُلدت لعائلة فقيرة بالكاد كانت تؤمن لها ولأشقائها المتاح من  المأكل والملبس واحتياجات التعلُم من أدوات وثياب بسيطة وبرغم هذا أصرت  على إكمال دراستها لتصنع لحالها مستقبل تستطيع من خلاله تغيير مسارها،  اندمجت بالحديث بصحبة نوارة إلى أن وجدت من تحتويها بذراعيها من الخلف  قائلة بمداعبة: -أنا مين؟
تعرفت على صوتها من الوهلة الأولى، إنها سُمية صديقتها المقربة  بالثانوية العامة، تفرقا بالجامعة حيث إلتحقت إيثار بكلية التجارة بجامعة  القاهرة بينما سمية فالتحقت بكلية الأداب جامعة المنصورة ولكن ظلت  علاقتيهما قوية كالسابق حيث تتبادلتان الزيارات بمنزليهما كلما سنحت لهما  الفرصة وتتحدثتان عبر الهاتف بشكل شبه يومي لذا اسرار كلتاهما لدى الأخرى،  أُنير وجهها بابتسامة سعيدة لتقول بحبورٍ تجلى بصوتها الناعم: -سُمية.
اعتدلت لتهب واقفة لتلتف لتلك المبتسمة وتبادلتا عناقًا حميميًا لفت  أنظار الجميع، تجاورتا الجلوس بعد أن صافحت منيرة وزوجتي نجلاها، وبدأتا  الفتاتان بالهمس لتقول سمية مستفسرة: -جيتي إمتى؟
لسة واصلة العصر، نطقتها ببشاشة وجه لتنهرها الاخرى بلومٍ مصطنع: -ومتكلمنيش يا ندلة عشان أجي أشوفك؟
أطرقت برأسها قائلة بحزن: -اسكتي يا سمية، أنا من ساعة ما وصلت البيت وأنا في حوارات.
-ليه، إيه اللي حصل، إحكي لي، نطقتها بعينين يملؤهما الفضول لتجيبها الاخرى بإيجاز: -هحكي لك بعدين
ثم ضيقت عينيها لتسألها باستغراب: -بس أنا متوقعتش ألاقيكي هنا في الحنة.
ليه يعني، قالتها باقتطاب لترد الاخرى: -يعني، أصل لا العريس ولا العروسة قرايبك، فاستغربت بصراحة
غمزت لها بعينيها لتقول بانتشاء وهي تهمس بالقرب منها دون حياء: -أقولك الصراحة، أنا جاية أشقط عريس
فغر فاهها لشهق بعينين متسعتين ذهولاً لشدة وقاحتها لتهتف الأخرى بتعجُل: -إقفلي بقك هتفضحينا.
لتسترسل بانتشاء: -بصي يا إيثار، مش هكذب عليكِ، أنا طول عمري بحلم إني  ادخل عيلة البنهاوي واتنغنغ في عزهم، وابقى غبية لو أضيع من إيدي فرصة زي  فرح بنت جمال البنهاوي، علشان كدة أول ما عرفت إن الحنة النهاردة
لتقول وهي تحرك كفيها فوق خصرها المنحوت بتفاخر: -إتشيكت ولبست أضيق حاجة عندي زي ما أنتِ شايفة وسحبت نفسي وجيت.
كانت تستمع إليها بعقلٍ غير مستوعب حديثها لتسترسل الاخرى وهي تتناقل  النظرات بين سيدات الحفل: -معظم الستات اللي قاعدين دول عندهم شباب في سِن  الجواز، مش يمكن حظي يضرب وأعجب واحدة منهم وتخطبني لابنها.
هزت رأسها بتعجب لتجيبها باستنكار: -وستات عيلة البنهاوي هيختاروكي على أساس إيه يا سُمية
تنهدت حين رأت استنكار صديقتها لتسترسل بإبانة: -متزعليش مني، أنا مش قصدي  اجرحك، بس إحنا غلابة قوي جنب الناس دي، ونهار ما واحدة منهم تفكر تخطب  لابنها أكيد هتختار له عروسة من البنهاوية أو حتى بنت عيلة كبيرة زيهم.
-خليكي إنتِ في تفكيرك الفقري ده لحد ما هتلاقي نفسك لابسة في سليم إبن  خالك أبو دبلوم، نطقتها بازدراء ولوم لتغرق الاخرى بدوامة أحزانها فقد  اصبح هاجسها الأكبر مؤخرًا هو أن يجبرها شقيقها على زواجها من ذاك السليم  الذي لا يختلف كثيرًا بطباعه عن عزيز.
لتسترسل الاخرى بتطلع وعينين حالمتين: -أما أنا بقى هحقق حلمي وبكره  أفكرك لما اتجوز واحد من شباب البنهاوية وأعيش معاه في العز، تعرفي، وأنا  جاية وقفت عند الصوان بتاع فرح الرجالة وعملت نفسي بربط في الكوتشي بتاعي
لوت فاهها باحباط لتسترسل: -كنت متأملة حد من شباب البنهاوية يطلع ويشوفني  وأعجبه، بس حظي طلع فقري، وقفت أكتر من نص ساعة إن حد يطلع، وأخر ما زهقت  طلعت على هنا.
أطلقت ضحكة بريئة على تلك الحالمة وتابعتا حديثيهما المسمر إلى أن قطع  انخراطهما صوت تلك البشوشة التي اقبلت باتجاه الطاولة لتقول وهي تجذب إيثار  من كف يدها لتحثها على النهوض: -تعالي إرقصي مع البنات يا إيثار.
تفاجأت بفعلها لتقول بكثيرًا من الإرتباك المصحوب بالخجل: -مش هينفع يا خالتي أنا مبعرفش أرقص.
هتفت نوارة زوجة وجدي التي كانت تقابلها الجلوس بالطاولة، لتقول بحماس وتفخيم: -لما أنتِ مبتعرفيش ترقصي أنا اللي بعرف؟
والتفت للسيدة لتسترسل بمشاكسة: -متصديقهاش يا خالتي حليمة، دي بترقص ولا فيفي عبده في فيلم الراقصة والسياسي.
-إنتِ هتقولي لي، ما أنا شفتها في حنة عزيز ووجدي، قومي يلا علشان  تفرفشي أمل، قالتها المرأة وهي تجذبها لتحثها منيرة على النهوض حيث قالت  لابنتها وهي تلكزها برسغها: -قومي ارقصي مع العروسة يا إيثار، عيب تكسفي  خالتك.
أما نسرين فكانت تتابع الحوار بقلبٍ يغلي من شدة حقده على تلك التي  استحوذت على كل ما حُرمت هي منه وهو إتمام دراستها الجامعية والذي جعلها  تشعُر بالدُونية بجانبها، وكذلك سمية التي شعرت بالغيرة من عدم تقدير والدة  العروس لها وكأنها غير موجودة بالأساس، كم تمنت بأن تسنح لها الفرصة  لتتراقص وتميلُ بخصرها المنحوت أمام هؤلاء النسوة لتستعرض جسدها وما لديها  من مهارات، بعد إلحاح الجميع استسلمت بالأخير وتحركت إلى وسط السطوح حيث  تجمع فتيات العائلة فأمسكت حليمة يداها لتشبكهما بيدان ابنتها العروس  واشتغلت الموسيقى وكانت غنوة خاصة بالمطربة شادية اُعيد تلحينها ليواكب  العصر وتغنى بها المطرب محمد منير«شيء من بعيد نداني».
اندمجت برقصتها لابعد حد وكأن جسدها تحرر ليلين ويتحرك بليونة عجيبة مع  كلمات الغنوة التي تماشت مع رقصها الراقي، كانت ترقص بقامةٍ مرتفعة وشموخٍ  كي تُشعر جميع الموجودات أنها لا تقل عنهُن بشيءٍ حتى لا تتطلع إحداهُن  عليها بتغطرس، بينما نظرت الفتيات لبعضهن باستحياء وبلحظة ابتعدن ليتركا  لها المجال خشيةً من أن تقارنَ برقصها ويخسرن أمام تلك التي تتراقص بمهارة  وكأنها خُلقت لهذا.
كانت هناك عينين مختبئتين في الظلام لتراقب تمايلها بقلبٍ يدق كطبول  الحرب وجسدٍ متصلب ينتفض مع كل حركة تقوم بها برقصتها الرائعة التي جعلت من  الجميع مشدوهًا بازبهلال ويتمعن النسوة بالنظر لحركاتها المتقنة بالرقص  الشرقي، تنفس عاليًا ذاك المختبيء يتلصص عليها بعدما صعد على سطوح منزله  المُظلم المقابل لمنزل العروس ليراقب تلك التي استطاعت خطف لُبه من الوهلة  الأولى، سال لعابهُ وشعر بانجراف مشاعره خلف تلك الساحرة، بات يتلصص عليها  حتى انتهت من رقصتها ليتوقف قلبه مع توقف الموسيقى، حُبست انفاسهُ  ليستعيدها من جديد وهو يرى والدة العروس وبعض الفتيات يتوسلن لتلك الإيثار  بأن تمتعهُن برقصة أخرى، بالفعل بدأت برقصتها تحت سعادة منيرة التي تخطت  عنان السماء واحتراق روح ذاك اللص المختبيء واشتعال روحه بنار اللهفة  والإعجاب، قطبت إجلال جبينها لتتمعن بالنظر لتلك الفتاة المختلفة حتى  برقصها، فهي مختلفة كليًا تشعر لوهلة أنها أميرة برغم ثوبها الهاديء والذي  يفتقد الثراء كفتيات عائلة البنهاوي إلا أنه جعل منها مثيرة ولافتة  للأنظار، شغفها الفضول لمعرفة من تكون تلك المختلفة، أشارت ل حليمة بكف  يدها بمنتهى الغرور لتأتيها الاخرى مهرولة خشيةً بطشها لتسألها بهدوء: -بنت  مين البت اللي بترقص دي يا حليمة؟
هتفت مسرعة بنبرة حماسية: -دي بنت منيرة بنت عمي يا ستهم
أومأت بملامح مُبهمة لتستفسر مجددًا: -بنت غانم إبن محمد الجوهري؟!
أومأت المرأة بتأكيد لتسترسل الأخرى متهكمة بكبرياء: -اللي يشوف رقصها  وتناكتها ميقولش عليها بنت غانم اللي محلتوش غير الجلابية اللي عليه.
ابتلعت المرأة لُعابها بإحراج لتهكمها الصريح على إبنة قريبتها لتحول  إجلال بصرها على منيرة التي تنظر متلهفة بسعادة وقلبٍ يدق بقوة لشدة حماسته  بعدما رأت نظرات تلك المرأة الثرية إلى ابنتها واستدعائها لحليمة لتستفسر  منها عنها وهذا ما استشفته بفطانتها، رمقتها إجلال بنظرات إزدرائية لتُشير  باطراف أصابعها ل حليمة بالإنصراف بطريقة مهينة تقبلتها المرأة وابتلعت  غصتها بمرارة تجنبًا لجبروت تلك المتسلطة، لتتحدث بازدراء لشقيقتها التي  تجاورها الجلوس: -قال وأنا فكرتها بنت ناس وقولت تنفع عروسة ل عمرو، طلعت  بنت غانم.
ضحكت الأخرى لتقول متهكمة بتعجرف: -المظاهر خداعة يا إجلال، البت من دول  على ما يخرطها خراط البنات وتشد حيلها تفتكر نفسها بني أدمة، انتهت ليطلقا  الضحكات الساخرة سويًا لتعودا لمتابعة ترقبهما للحضور وهما تنظرتان  بقامتان مرتفعتان بتعاظم.
لم تستطع سمية الجلوس فقد فقدت صبرها على كبح شعورها بالظهور أمام  هؤلاء النسوة، هبت واقفة لتتحرك صوب إيثار وشاركتها الرقصة تحت سعادة إيثار  وغضب عمرو الذي شعر بالسخط على تلك الدخيلة التي حجبت عنه رؤية تلك  المُثيرة انتهت إيثار وتحركت إلى والدتها لتجاورها الجلوس بأنفاسٍ لاهثة  وتركت سمية التي انتهزت الفرصة وتقربت من العروس وقريباتها لتندمج معهن  بالرقص في محاولة منها للظهور أمام السيدات، بعد مرور بعضً?



 الفصل السادس

أعاد الضغط على أرقام هاتف منزلها وأنتظر الرد فانتهى الإتصال مرةً  أخرى وقام بتكرار المحاولة عدة مرات دون أن يسأم، زفرت بقوة من ذاك المصمم  على الإتصال، وقفت وتمسكت بالهاتف لتتحرك به إلى غرفة شقيقها الصغير، ولجت  بعد الاستئذان لتقول وهي تضع الهاتف بين يديه: -فيه واحد بارد بيعاكس، خد  ظبطه وأنا هروح أكمل مذاكرتي.
-ده مين اللي ليلة أمه مش فايتة ده؟، جملة نطقها أيهم لتمط شفتيها مع  رفعها لكتفيها بلامبالاة وتحركت صوب الباب لتختفي خلفه تاركة رنين الهاتف  يصدح مرةً أخرى، رفع السماعة وبدون سابق هتف ليمطرهُ بوَابلٍ مِن  الشَّتَائم لتجحظ عينى الأخر وبسرعة البرق أعاد سماعة الهاتف لمكانها  ليُنهى الإتصال ثم نظر أمامه ليعقد حاجبيه بضيق وهو يحك ذقنه بأصابع يده  قائلاً: -يا بنت ال، ، تنفس بهدوء وما زادهُ تصرفها سوى إصرارًا على الفوز  بها، فقد تيقن أنها تختلف عن سابقاتها من الفتيات ليقرر تبديل خطته ليظفر  بها، زفر بقوة حين تذكر صورتها وهي تتمايل بخصرها بكبرياءٍ زادها جمالاً  وسحرًا فوق سحرها، عصر اليوم التالي، كان يقف أمام مرأته الخاصة بغرفته  يتطلع لهيأته بخيلاء بعدما ارتدى أفضل ما لديه من ثياب، بنطال من الجينز  الأزرق يعتليه قميصًا ناصع البياض وقام بتصفيف شعر رأسهُ بعناية فائقة، بسط  يده ليلتقط قنينة العطر الخاصة به، استمع لطرقاتٍ خفيفة فوق الباب، ولجت  والدته وتحركت صوبه تتطلع عليه بجبينٍ مقطب لتقول باستغراب: -لابس ومتشيك  ورايح على فين كدة؟
نثر عطره بسخاء مغرقًا به عنقه وذقنه ليقول بصوتٍ حماسي: -رايح أزور واحد صاحبي
رفعت حاجبها الأيسر لتنظر إليه بشكٍ وهي تقول بتهكم: -صاحبك مين ده اللي فضيت نص قزازة البرفان على وشك وإنتَ رايح له!
لتخرج إبتسامة متهكمة من جانب فمها مسترسلة: -اللي ربى خير من اللي اشترى يا ابن إجلال؟!
ابتسم بخفوت ليقول بمراوغة: -طب اعمل إيه إذا كُنتي مابتصدقنيش في أي حاجة أقولها لك.
ناظرته بريبة لتنطق بحدة: -تقول الحق وتبطل سرمحة وجري ورا البنات  الشمال اللي بتعرفهم، وتوافق على جوازك من واحدة من اللي بعرضهم عليك كل  إسبوع
لتستطرد بضيق ظهر بَين بعينيها: -يا ابني ده اللي قدك معاه عيل واتنين.
سأم وأصابه الحنق من حديثها المكرر التي لن تمل من سرده عليه بكل  مناسبة تأتيها ليزفر الاخر بقوة وهو يقول بتملل: -يا ماما هو أنتِ مبتزهقيش  من الكلام ده، مية مرة قولت لك لما ألاقي البنت اللي تدخل دماغي وتملى  مزاجي هاجي بنفسي وأقول لك اخطبيها لي.
-وإنتَ من بين كل بنات الأكابر اللي نقيتهم لك مفيش ولا واحدة دخلت  مزاجك يا سي عمرو؟ كلمات نطقتها بسخرية ليقترب منها مقربًا كف يدها من  شفتاه ليضع به قُبلة ثم تطلع لعينيها بعدما قرر أن يستجدي عاطفتها مستغلاً  عشقها الهائل لذاك القريب من قلبها والتي يتمتع بمكانة لم يصل لها غيره على  وجه الأرض بأكملها: -أنا مش عاوز أي واحدة والسلام، أنا بدور على واحدة  تكون إجلال التانية، حاجة كدة ملهاش مثيل.
رفعت قامتها لأعلى لتتحدث باستعلاء وغرور لا مثيل له: -يبقى مش هتتجوز ولا هتشوفه يا عين إجلال، لأن متخلقتش لسة اللي تشبه ستهم
ابتسم بحنان ليقول: -طبعاً يا ستهم، هو أنتِ فيه زيك في الدنيا كلها، بقول لك إيه يا ماما
طالعته باستفهام ليسترسل بغمزة من عينيه مستغلاً عاطفتها لها: -ماتهزي كيسك كدة وتديني خمس ألاف جنية، حاكم إبنك حبيبك على الحديدة.
طالعته بشك لتقول بنبرة ساخرة: -وتقول لي رايح لواحد صاحبي، ما ابقاش إجلال بنت الحاج ناصف إن ما كنت رايح تقابل واحدة من إياهم.
زفر بتملل ليقول بمراوغة: -طب والله واحد صاحبي
باغتته بسؤالها: -طب مين صاحبك ده، وعايز الفلوس دي كلها ليه؟
-واحد ماتعرفهوش، نطقها بلامبالاة وهو يهرب بعينيه قبل أن تستشف كذبهما  ليسترسل وهو يلتقط أشيائه الخاصه ويضعها بجيبي بنطاله: -واحد من بلد جنبنا  كان معايا في الكلية، اتصل بيا واتفقنا نتقابل على القهوة اللي في أول  البلد مع اتنين أصحابنا تانيين.
ثم التفت يتطلع لها بعدما عقد النية على أن يلعب على نقطة الغرور  وشعورها الدائم بالتميز وبأنها وانجالها بمكانة أعلى وارقى من الجميع:  -وطبعًا مايرضيكِيش حد يصرف على القاعدة وابن الست إجلال على سن ورومح قاعد  في المكان زي قلته.
أدلى بكلماته وهو متيقن من النتيجة وقد حدث ما توقع فقد رفعت قامتها  لأعلى وشعرت بالتفخيم بينما طالعته هي لتقول بتعالي: -ماتخلقش لسة اللي  يخليك تحس بكده، تعالى معايا الأوضة علشان تاخد الفلوس.
استدارت في طريقها للخروج من الغرفة ليبتسم بمكرٍ لنجاح خطته التي لم  تفشل أبدًا بجني ثمارها من تلك المتعالية لينسحب خلفها تاركًا حجرته، بعد  مرور حوالي الساعة، كانت تعيد ترتيب غرفة المعيشة بعدما ذهب والدها  وشقيقاها عزيز ووجدي إلى قطعة الأرض الصغيرة المملوكة لوالدها بينما يجلس  أيهم بغرفته يستذكر دروسه، أما والدتها فبالطابق الأعلى (السطوح)تُطعم  طيورها المتنوعة من الفراخ والأبط والأوز، بينما ذهبتا زوجتي شقيقاها  لزيارة عائلتيهما الاسبوعية بيوم الجمعة المسموح لهما من والدة زوجيهما،  استمعت لطرقات فوق الباب لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تتوجه إلى الباب  مباشرةً لتفتحه، قطبت جبينها عندما رأت ذاك الشخص التي رأته بالامس واقفًا  أمامها بكامل أناقته مبتسمًا يطالعها باشتياقٍ جارف ظهر بَين بمقلتيه مما  جعلها تتعجب لأمره وما زاد من حيرتها هو أكياس الهدايا التي يحملها بيداه  لتستفيق على صوته حين قال: -إزيك يا إيثار.
ضيقت بين عينيها بينما هو غارقًا بالنظر لعينيها الساحرة تارة لينتقل  لشفتيها المكتنزة بلونها الوردي تارة أخرى ليمرر عينيه بمنحنيات جسدها التي  أظهرها ذلك الثوب المنزلي بلونهِ الوردي الهاديء والذي أضفى على لون  بشرتها جمالاً مضاعفًا ليخفق قلب ذاك الواقف بقوة، وقف مشدوهًا فاغر الفاه  لجمالها الأخاذ، تلك المشاعر الجديدة عليه فبرغم تعدد علاقاته مع الفتيات  وبرغم أيضاً إنجذابه لجسدها الانثوي ومظهرها الرائع الذي لا يقاوم إلا أنه  منذ أن رأها بالأمس اقتحم شعورًا جديدًا على قلبه ليُقسم بداخله أن الذي  يحدث له بحضرة تلك المثيرة لم يطرأ عليه طيلة مشواره النسائي، تنهدت بحيرة  ليخرج صوتها مضطربًا نتيجة نظراته الجريئة وهي تقول: -الحمدلله.
هو أنتِ مش فكراني؟ أنا عمرو اللي قابلتك إنتِ وخالتي منيرة إمبارح في  حنة بنت عمي، نطقها بعينين متلهفتين وهو يذكرها بحاله لتقول بجدية بعدما  رأت توتره: -فاكراك طبعاً، أهلاً وسهلاً.
أنا جاي أشوف وجدي، نطقها مفسرًا ليجيب سريعًا عندما وجدها تتطلع إليه  باستغراب وأيضًا لإبعاد شُبهة الإتصال بها بالأمس، فلقد قرر أن يقوم بتغيير  خطته بعدما شعر باستياءها من فعلته ليقول مفسرًا: -أصل تليفونا الارضي  الحرارة مقطوعة عنه ليه يومين، وحاولت أتصل ب وجدي من المحمول علشان أقابله  على القهوة بس إداني مغلق،
ليكمل مبررًا بابتسامة: -ما أنتِ عارفة شبكة المحمول في بلدنا، في ذمة الله.
أخيراً تبسم وجهها بمجاملة لمجارات حديثه الغير معني بالنسبة لها  لينتعش قلبهُ وينتفض ثائرًا لبسمتها الرائعة ليقطع حديثهما صوت والدتها  التي كانت تنزل على الدرج واستمعت لصوت ابنتها يأتي من الخارج لتقول  باستفهام: -بتتكلمي مع مين يا إيثار؟
همت بالحديث ليسبقها ذاك الذي سأم الوقوف متخشبًا بتلك الهدايا الثقيلة  التي يحملها بين يداه فهو ليس معتادًا على هذه الأشياء فيوجد سربًا من  الرجال الذين يعملون لدى والده ويقومون بتلك الاشياء عنه لكنه أراد أن  يفعلها بحاله كي لا ينكشف أمره لدى والدته التي لا يفلت من تحت يدها شيئا،  هتف بصوتٍ مرتفع وهو يتطلع للداخل باحثًا عن صاحبة ذاك الصوت لتنقذه: -ده  أنا يا خالتي.
قطبت جبينها لتتحرك صوب الباب لاستكشاف صاحب الصوت لتتسع عينيها بذهول  حين رأته واقفًا أمامها يحمل كل تلك الأكياس، هتفت بعدم تصديق: -عمرو،  تعالى يا ابني إيه اللي موقفك برة كدة؟
اشتدت سعادته لترتسم إبتسامة واسعة فوق ثغره أظهرت صفي أسنانه من  احتفاء تلك السيدة به مما يجعله يشعر بقيمة حاله العالية، لتهتف هي ملقية  باللوم على إبنتها ولكن بطريقة حنون كي لا تسيء لصورتها بعيناه: -كدة يا  إيثار موقفة عمرو على الباب زي الغُرب، الراجل يقول علينا إيه يا بنتي؟
تلبكت ولم تجد جوابًا لينقذها بحديثه المدافع عنها: -متظلميهاش يا خالتي، أنا لسة جاي حالاً وكنت بسألها عن وجدي.
ابتعدت عن الباب لتفسح له الطريق وأشارت بيدها وهي تدعوه للولوج: -اتفضل يا عمرو
ساعدته بحمل الأكياس بعدما طلب هو منها لثقل وزنها لتقول وهي تطالعهم بنهم: -إيه يا ابني اللي إنتَ جايبه معاك ده، هو أنتَ غريب.
-دي شوية حاجات بسيطة ومش مستاهلة كلام يا خالتي، نطقها بهدوء ليسترسل  مبررًا تصرفه: -أنا قولت طالما ماحضرتش فرح وجدي يبقى مايصحش أدخل البيت من  غير هدية في إيدي
إبن أصول وطول عمرك وإنتَ بتفهم في الواجب يا عمرو، نطقتها لتحمل عنه جميع  الأغراض وتقول قبل أن تتجه بهم إلى المطبخ: -دخلي عمرو أوضة الجلوس يا  إيثار لحد ما أبعت أيهم ينده ل وجدي من الأرض.
باتت تفتش بداخل الأكياس لتستكشف ما بداخلهم لتجحظ عينيها وهي ترى  عُلبتان مليئتان بأصنافٍ عدة من الحلوى الشرقية من أفخم متجر حلوى في  المدينة، اتسعت عينيها بتشهي وهي تنظر لكعكة الشيكولاتة التي جلبها من نفس  المكان، فكم من المرات التي رأت مثلها عبر شاشة التلفاز لكنها المرة الأولى  التي ستتذوق منها، باتت تفتش بسعادة وهي تُخرج أصنافًا عديدة من الفاكهة  الطازجة الأغلى سعرًا بالاسواق، وعددًا من قنائن العصائر المتنوعة ويبدو  على مظهرها الفخامة، كانت كلما فتحت كيسًا تفتح عينيها بنهمٍ وكأنها وجدت  كنزًا، ورث عزيز عنها الطمع ودنائة النفس، عكس إيثار وأيهم اللذان ورثا  القناعة والنفس العفيفة من والدهما بينما ظل وجدي يتراقص بالمنتصف، فهو لم  يتدنى لمنزلة والدته وعزيز ولم يرتقي لمكانة أبيه وشقيقاها.
أما بالخارج بعدما أوصلته سألته بلباقة: -تحب تشرب إيه يا أستاذ عمرو، شاي ولا قهوة
بابتسامة جذابة اجابها: -متتعبيش نفسك، انا هستنى وجدي واشرب معاه شاي
بعد إذنك، نطقتها مستديرة لتتسع عينيها بعدما وجدته يقفز من جلوسه ليقطع  طريق خروجها بلمح البصر وهو يقول متلهفًا: -هو أنتِ على طول كدة مستعجلة  وكلامك قليل.
تعجبت لأمره وهزت كتفيها بلامبالاة لتقول: -إحنا مفيش بينا مساحة أصلاً علشان يكون الكلام قليل أو كتير!
طب ما تيجي نخلق المساحة، قالها بدعوة صريحة منه مع لمعة إنبهار ظهرت  بعينيه جعلتها تشعر بالتوتر لتبتلع ريقها من قربه ورائحة عطره التي برغم  أنها قوية وعبأت المكان إلا أنها تغلغلت بأنفها لقربه الشديد لتجعلها تشعر  بالريبة والتلبك ويرجع هذا لعدم خبرتها وعدم خوضها لأية تجارب تربطها بالج.  نس الأخر من قبل، فهي تملك شخصية قوية جعلتها تصد جميع محاولات الشباب في  التقرب إليها، خرج صوتها متعجبًا لتتسائل: -قصدك إيه؟
هم بالرد ليتوقف بعدما استمع لصوت منيرة المرحب به: -إنتَ لسة واقف يا عمرو، ماتقعد على الكنبة وارتاح يا ابني
قالتها بوجهٍ شديد الإحمرار من شدة سعادته لتسترسل بإبانة: -أنا بعت أيهم ينده لك وجدي.
أشارت ليجلس وجاورته هي الجلوس لتشدد على ابنتها الذهاب للمطبخ لجلب  واجب الضيافة، ولجت إلى المطبخ لتجد والدتها قد فرغت الأكياس ورصتها فوق  مطبخها الخشبي المتهالك لتقطب جبينها وهي تقول بصوتٍ هامس: -الواد ده مجنون  رسمي، إيه الحاجات اللي جايبها دي كلها، ولا كلامه ونظراته الغريبة.
تنفست لتهز رأسها بلامبالاة وتُقدم على المبرد لتفتحه وتُخرج منه دورق  مليء بمشروب الجوافة الطازج كانت قد أعدته قبل قليل لاستقبال والدها  واشقائها عند عودتهم للمنزل في الغروب، وكان والدها قد جلب لها ثمرات  الجوافة بالأمس إحتفائًا بمجيء صغيرته، سكبت كأسان من المشروب وحملتهما فوق  حامل واتجهت صوب الحجرة وما أن رأها ذاك المهووس حتى عادت دقات قلبهُ  لتسرع بدقاتها من جديد، شملها بنظراته المنبهرة تحت أعين منيرة التي تراقبه  في الخفاء لتتنهد براحة بعدما تأكدت بفطانتها إعجاب بل إنبهار ذاك الثري  بنجلتها، تبسم ثغرها وتعجبت لأمر القدر ولحكمة ربها، فكم حلمت وتمنت  وانتظرت تغيير قدرها للأفضل على يد رجالها الثلاث، وكم من المرات التي بغضت  بها تلك الإيثار وتمنت لو لم تُخلق من الأساس، فطالما كرهت الإناث ونظرت  لهُن نظرة دونية حسبما تربت، وطالما ترددت كلمات زوجة والدها المقيتة حينما  كانت تنعتها بأبشع الأوصاف والشتائم وتخبرها بأن الفتيات نذير شؤمٍ في  المنازل وأنهُن خُلقن فقط لخدمة أشقائهن من الرجال ومن بعدهم خدمة أزواجهن  والقيام على راحتهم بكل الطرق، وأنهن جئن إلى الحياة ليصبحن حِملاً ثقيلاً  على عواتق الرجال، فلطالما عاملتها على أنها عارٌ ولابد التخلص منه، والأن  يبدوا أن قواعد حِسبتها ستتغير وسيتبدل حالها وحال أولادها على يد تلك  الإيثار، تذكرت حين أصيبت بإكتأبٍ حاد عندما أخبرتها الطبيبة بأنها ستُرزق  بفتاة حتى أنها فكرت جديًا بالتخلص من الحمل لولا غانم الذي نهرها كثيرًا  وقام بتهديدها إذا تخلصت من حملها سيقوم بتطليقها في الحال، وأبلغها أن  الفتيات يُجلبن الرزق لعائلاتهن ويصبحن منبع للحنان، لكنها ما كانت تكترث  لحديثه ولا تأخذه بعين الإعتبار.
اقبلت عليه لتقديم المشروب ليباغتها بتصرفه النبيل حين هب واقفًا بزيف  وتحرك مقتربًا عليها ليحمل عنها عناء مشقة حمل الصينية كي يجذب إهتمامها  مما جعلها تضيق بين عينيها باستغراب ليتحدث هو بصوتٍ حنون: -تعبتي نفسك ليه  بس
مفيش تعب ولاحاجة، بعد إذنك، قالتها واستدارت لتتوقف حينما استمعت لصوت  والدتها التي نادتها بعدما رأت عبوس ذاك الثري لتقول: -تعالي إقعدي يا  إيثار، هو عمرو غريب.
تنفس بعميق بعدما شعر بقبضة بقلبه عندما رأها تخرج لكن تلك المنيرة  أعادت له الأمل بطلبها بينما تطلعت إيثار إلى والدتها تتعجب أمرها وتغييرها  الشامل مع ذاك ال عمرو، تذكرت معاملتها شديدة القساوة معها حينما كانت  صغيرة وحتى وصولها للمرحلة الثانوية، فكم من المرات التي نهرتها بها بل  ووصل الأمر بتعنيفها وصفعها لمجرد ذكرها لاسم صديقًا دراسيًا وهي تشيد  بتفوقه حتى خلقت لديها عقدة تجاة الجنس الأخر مما جعلها تضع بينها وبين  جميع الرجال حاجزًا حديديًا مازال موجودًا إلى الأن، نظرت بعينيها لتقول  بجدية: -عندي مذاكرة يا ماما، بعد إذنك يا أستاذ عمرو.
شعر بالإحباط عندما رأها تسرع بخطاها لخارج الحجرة كي لا تعطي لوالدتها  المجال للاعتراض بينما اشتعل داخل منيرة من تلك العنيدة وأفعالها الهوجاء،  نظرت لذاك الذي بدا على وجهه الإحباط لتقول بابتسامة مصطنعة: -اشرب العصير  يا عمرو
لتسترسل بإبانة تصرف نجلتها الأهوج: -متزعلش من إيثار، أصلها بتتكسف قوي وعمرها ماكلمت حد غريب.
-أنا مش زعلان منها يا خالتي، بس استغربت إنها بتعاملني على إني غريب عنها ونسيت إني متربي هنا وسطيكم.
ابتسمت لتجيبه بلوم لطيف على عكس طبيعتها: -ما هو الحق عليك بردوا يا  عمرو، أصلك قطعت بينا مرة واحدة، روحت وقولت عدوا لي، ده حتى فرح وجدي  محضرتوش.
هتف سريعًا مبررًا: -والله كان غصب عني، يومها كنت مسافر الاقصر في شغل مع ابويا ومكنش ينفع اسيبه لوحده
ولج وجدي من الباب ليهتف مرحبًا بصديق الطفولة قائلاً وهو يقترب عليه: -ده أنتَ هنا بجد، أنا افتكرت الواد أيهم مهيس وبيقول أي كلام.
وقف ليقابل صديقه قائلاً بمزاح: -جيت على بالي قولت يا واد طالما صاحبك مطلعش جدع معاك ونسيك روح أسأل إنتَ عليه
أقبل عليه ليتعانقا باشتياقٍ حقيقي وحنينًا للأيام التي عاشاها شويًا،  تركتهما وتحركت صوب غرفة ابنتها لتدفع الباب مقتحمة خصوصيتها لتفتح الأخرى  فاهها مشدوهةً لتقول منيرة بغضب عارم: -إنتِ قاعدة عندك بتعملي إيه؟
رفعت كتابها لأعلى لتقول بنبرة ساخرة: -زي ما إنتِ شايفة يا ماما، بذاكر.
اقبلت عليها لتهجم على كتابها وتنتزعه من يدها وتُلقي به أرضًا لتهمس  بفحيحٍ من بين أسنانها وهي تدهسهُ تحت قدميها: -أدي اللي إنتِ فالحة فيه
اتسعت عينيها بذهول وهي تنظر لكتابها لتسترسل الاخرى بحدة: -قومي انجري على المطبخ إعملي شاي ل عمرو ودخليهوله
أمسكت رسغها بقوة تحت ارتياب تلك المذهولة لتستطرد متذكرة: -وبعدين تعالي  لي هنا، إنتِ إزاي يا بت تكسري كلمتي وتطلعي لما قولت لك إقعدي معانا.
هتفت بكامل صوتها لتقول باعتراض: -ومن امتى وأنا بقعد مع رجالة غريبة،  ده ولاد أعمامي لما بييجوا مابتسمحليش أدخل لهم الشاي، يطلع مين عمر ولا  عمرو ده كمان علشان أقعد معاه؟!
احتدت نظراتها لترمقها باشمئزاز هاتفة باحتقار: -هتفضلي غبية والفقر بيجري وراكي زي أهلك بالظبط.
شعورًا مُميتًا اقتحم صدرها ليصعب التنفس وكأن أحدهم طعنها بنصل سكينٍ  حاد بمنتصف قلبها، ناظرتها بألم لتبتلع غصتها من الإهانة التي تعرضت إليها  على يد والدتها التي من المفترض أن تكون لها منبع الحنان، من تدفعها للأمام  وتزرع بداخلها عزة النفس واحترامها، إغرورقت عينيها بدموع الألم والحسرة  لتزفر تلك القاسية وهي تصيح هادرة بغضب: -عيطي ياختي عيطي، أدي اللي إنتِ  فالحة فيه، تحرقي دمي بعمايلك وبعدين تنزلي لك دمعتين علشان تصعبي على اللي  قدامك، ربنا ياخدك وارتاح منك.
رمقتها بازدراء لتخرج صافقة باب الغرفة خلفها بعدما أصيبت بالإحباط  وعلمت أن لا أمل بخروج تلك البائسة من غرفتها اليوم، أما تلك المسكينة التي  وما أن خرجت والدتها حتى تركت لدموعها الأبية العنان لتنهمر بغزارة فوق  وجنتيها كشلالٍ.
صباح يوم السبت.
تركت منزل أبيها لتتجه لأول الطريق كي تستقل سيارة أجرة تقلها للقاهرة،  تنهدت حين تذكرت تلك القاسية التي تجاهلتها عند مغادرتها المنزل بالرغم من  انها اقتربت عليها لتودعها قبل أن تعود لسكنها الجامعي إلا أنها أبت وحولت  وجهها للإتجاه الأخر كنوعًا من العقاب على ما حدث بالأمس، تنهدت بألم تحت  سعادة نسرين التي بلغت عنان السماء لتبتسم وهي ترمق شقيقة زوجها بنظراتٍ  شامتة، وصلت إلى بداية الطريق لتقطب جبينها وهي ترى هذا الشخص يتطلع إليها  متلهفًا وكأنه كان بانتظارها، انتابها شعورًا بالريبة تجاهه وبدأت تتيقن  بأنهُ يحاوطها ويقتحم خصوصيتها أينما كانت، تجاهلت نظراته المتفحصة لها  والتي بدأت تثير حنقها لتقف تنتظر قدوم إحدى السيارات بجانب عدة فتيات  أخريات خرجن من القرية لطلب العِلم، بعد مرور بعض الوقت وقفت تتملل وهي  تنظر بساعة يدها خشيةً من تأخرها على محاضرتها الأولى لتصل سيارة وتقف بنفس  التوقيت، هرول الجميع باتجاهها لتصاب بالإحباط سرعان ما اختفى ليحل محله  الأمل بداخلها عندما وجدته يقف بجسده ليسد باب السيارة وهو يُشير لها بأن  تقترب، وقفت لبرهة تناظره بارتياب لما يفعلهُ من تصرفات تدعوا للريبة لكنها  سرعان ما نفضت تلك الأفكار حين تذكرت ذاك الأستاذ الجامعي الذي تجاوز  أعوامه الخمسون وتذكرت ملامح وجهه ونظرات عينيه التي تتحول لجحيمية عند  دخول أحدهم قاعة المحاضرات بعده، اقتربت رغمًا عنها لتنظر بالسيارة لتجد  محلاً لفردين فقط، استقلت مقعدًا بجانب النافذة ليجاورها هو تحت خجلها  لتنطلق السيارة بعدها، امسكت بحقيبة يدها لتضعها حاجزًا بينهما تجنب?ا  للتلامس مما أصاب حنقه لكنه تجاوز فعلتها وتطلع إليها ليقول مرحبًا  بابتسامة ساحرة عله يختطف بها قلبها وينال منها كما فعل مع غيرها: -صباح  الخير.
صباح النور، نطقتها باقتضاب دون تكليف حالها عناء الالتفات إليه مما  أثار حفيظته لكنه استدعى هدوئه ليسألها بابتسامة هادئة: -رايحة كليتك؟
اكتفت بإيمائة من رأسها دون رد ليسترسل بإبانة لفتح مواضيع بينهما كي يحثها  على التمادي معه والوقوع في براثنه: -تعرفي إن حظي حلو قوي، أصل سيبت  عربيتي في البيت وقررت أروح مشواري مواصلات، وده من حسن حظي إني شفتك.
باغتته بعدم مبالاتها وكأنه يحدث غيرها برسالة موجهة منها إليه بأن  يلتزم الحدود بالتعامل معها مما جعله يتنهد باستسلام بعدما تيقن ان الوصول  لقلبها شاق ويحتاج للمزيد من بذل الجهد لكنه لم ولن يستسلم فقد شغفته  بجمالها واختلافها عن الاخريات، وما أثار إعجابهُ به أكثر هو عدم إهتمامها  والهرولة إليه للاستفادة من أموال والده كغيرها من الفتيات التي تعرف عليهن  طيلة حياته، اخرجت كتابًا وبدأت تستذكر دروسها كي تغلق عليه جميع محاولاته  للتقرب منها أو فتح مواضيع للحديث، أخرجت ورقة مالية لدفع حصتها لكنه رفض  وحاول مرارًا أن يدفع بدلاً عنها وبالاخير رضخ تحت إصرارها العجيب على ألا  يدفع عنها مما جعله ينظر لها باختلاف كلي، وصلا لموقف السيارات وترجل ينتظر  نزولها بابتسامة سُرعان ما اختفت بعدما رأها تتحرك أمامها دون النظر إليه.
استشاط داخله وهو يراها تستقل سيارة أجرة أخرى لتقلها لجامعة القاهرة  لتمر من جانبه، زفر بضيق على فشل خطته للتقرب منها وتأكد أن الوصول إليها  يكاد مستحيل، لكنه لن يبرح حتى يبلغ ويحصل على مبتغاه، توالت الأيام وهو  ينتظرها كل عطلة ليستقل بجوارها السيارة في محاولاته المتكررة لإيقاعها  التي لن يمل منها حتى انقلب السحر على الساحر وبدلاً من أن يوقعها وقع هو  بشباك غرامها بل أصبح متيمًا بعشقها المميز ذو النكهة الجديدة عليه، بات  يسهر الليالي يستمع للأغاني التي تتحدث عن العشق وهو يراها بكل الزوايا،  لقد وصل به الأمر حد الهووس وبات لا يرى الدنيا سوى بالساحرة عيناها، حتى  أنهُ ابتعد عن كل الفتيات اللواتي كانت تربطه بهن علاقات في إطار غير شرعي.
في تمام الساعة السادسة والنصف صباحًا.
كان يغفو فوق فراشه بجسدٍ منهك يرجع سببه لعدم اتخاذه القسط الكافي من  النوم، فمنذ أن عشقها صار النوم ضيفًا عزيزًا، انتفض من نومته ليهب جالسًا  بعدما استمع لصوت المنبه المنبعث من الهاتف، وبلحظة كان يقف أمام خزانة  ملابسة ليتخذ ملابس داخلية وتحرك صوب الحمام الخارجي ليغتسل بماءٍ بارد عله  يستفيق، وبعد مرور حوالي ثلاثون دقيقة كان يتحرك في عجلة من أمره بعدما  ارتدى أفضل ثيابه ليلتحق بموعده الاسبوعي مع تلك الجميلة الذي أصبح مقدسًا  بالنسبة له، قطع طريقه والدته التي خرجت من غرفتها لتقطب جبينها وهي تتطلع  في حيرة من أمره الذي تغير مؤخرًا واصبح غريبًا عليه، تنهدت لتسألهُ بفضول:  -رايح فين على الصبح كدة؟
عندي مشوار مهم يا ماما، قالها في عجالة لتصيح مستفسرة: -أنا نفسي اعرف  إنتَ بتقوم من النجمة بتروح فين كل يوم سبت، واشمعنا السبت بالذات
لتستطرد متعجبة: -وكله كوم وعربيتك اللي بتسيبها قدام البوابة دي كوم تاني، مع إنك مبتخطيش خطوة برة البيت من غيرها؟!
امتعضت ملامحه ليهتف باستياء: -سبيني يا ماما أنا متأخر على ميعادي، لما أرجع إبقي استجوبي فيا براحتك.
لم يدع لها فرصة للاعتراض فقد تفوه بكلماته وهرول للخارج يسابق الريح  ليستشيط داخلها من تصرفات ذاك الأرعن، كان يهرول بمشيته كي يسبق خروجها ككل  مرة، زفر باستياءٍ حين تذكر ليلة أول أمس وكم من المرات التي حاول بها  الإتصال ليجيب عليه شقيقها الكبير وينثره بوابلٍ من الشتائم، ليقرر الذهاب  عصر اليوم الذي تلاه ليرى عينيها ويتمتعُ بالغوص داخل بحرهما ولسوء حظه وجد  أيهم بالمنزل ليخبره بأن وجدي بصحبة والده بالارض وحينما سأله عن والدته  أخبره أنها ذهبت لمنزل والدها لتقوم بزيارة جدته المسنة مما جعل الإحباط  يتملك منه ليناوله علبة الحلوى التي جلبها وينسحب يجر أذيال خيبته بصمت،  وصل أخيرًا لمطلع الكوبري وكاد أن يُكمل بطريقه إلى أن رأها تخرج من الشارع  العمومي المؤدي لمنزلها، تسمر بأرضه وبات قلبه يدق بقوة، مشاعر جديدة من  نوعها تخترق جدران كيانه لتخبره بأنه لم يتذوق للعشق طعمًا وكل علاقاته  كانت هراءًا، التمعت عينيه بوميض اللهفة والعشق وهو يتطلع لهيأتها بولهٍ  ولكن ليست كالماضي، فالان قد اختلفت نظرته كليًا، بالماضي كان منبهرًا  بمظهرها وجسدها الانثوي أما الأن فيكفيه نظره من عينيها لتجلب السعادة  لقلبهِ المتيم، وقف ينتظرها لتزفر هي حين لمحت وقوفهُ ببداية الطريق لتتحرك  بوجهتها تتخطى وقوفه دون أن تنظر له مما جعله يبتسم ليقول بعدما تحرك  بجانبها: -إزيك يا إيثار.
الله يسلمك، قالتها باقتضاب وهي تسرع بخطاها لتبتعد عنه حتى وصلا  لوجهتهما لتتوقف سيارة عابرة ولم يكن بها مقاعد خالية سوى المقعدان  المجاوران للسائق، أمسك باب السيارة كي لا يدع الفرصة لتقرب أحدًا وأشار  لها لتتنهد وتتحرك صوبه مجبرة كي لا تتأخر على موعد محاضرتها، استقل مقعده  المجاور للسائق وأفسح لها لتجاوره الجلوس وتحرك السائق منطلقًا بطريقه،  تحمحم ليقول بصوته المبحوح: -أنا جيت لكم البيت إمبارح بس أيهم قال لي إن  خالتي منيرة بتزور والدتها.
تطلعت إليه ليسألها بفضولٍ أثار حفيظتها: -هو أنتِ كنتي معاها في بيت جدك؟
قطبت جبينها متعجبة حديث ذاك المتطفل الذي زاد من حشر أنفه بحياتهم على حين  غرة لتسألهُ بعينين حادتين كالصقر: -معلش يعني وإنتَ بتسأل ليه، ويهمك في  إيه تعرف إذا كنت موجودة ولا لاء؟!
أغمض عينيه في ألم ثم فتحهما من جديد ليبتلع غصته المرة من معاملتها  القاسية له، أخذ نفسًا عميقًا ليستعيد به توازنه ثم أجابها بابتسامة أراد  بها تلطيف الأجواء: -كنت عاوز أشوفك يا إيثار
نطقها هائمًا ليتسع بؤبؤ عينيها متعجبة جرأته بينما طالعها بنظراتٍ تنطق  عشقًا قابلتها باستفهام لتقول بكثيرًا من التعجب: -هو أنتَ بتعمل كل ده  ليه؟!
ليزداد إنعقاد حاجبيها وهي تقول بتشكيك: -فجأة كدة افتكرت إن ليك صاحب  إسمه وجدي ماشفتهوش من تلات سنين وقررت تزوره، لا وكل اسبوع تزورنا ومعاك  هدايا أشكال وألوان، عاوز توصل لإيه بالظبط؟!
-للقمر، نطقها هائمًا لتقطب جبينها تناظره بتيهة ليكمل بنبرة خرجت منه هائمة رُغماً عنه: -عاوز أوصل لك يا إيثار
ناظرته بإستفهام لتقول: -تقصد إيه بكلامك ده؟
ليجيبها بوضوح: -أنا عاوز أتجوزك.
اتسعت عينيها بذهول لتنطق بصوت مضطرب حاولت أن تتحكم فيه قدر الإمكان: -تتجوزني؟!، بس أحنا منعرفش بعض كفاية علشان تطلب مني نتجوز!
أخذ ينظر لوجهها بتمعن وابتسامة أمل أشرقت على ثغره لتنير وجهه ليجيبها  متلهفًا: -بس أنا بحبك وده كفاية إنك تضمني إني هريحك وهشيلك جوة عينيا
واسترسل عندما لمح التيهة تجوب بمقلتيها: -أنا بقيت مجنون بحبك يا إيثار
واستطرد متعهدًا بعينين متأملتين: -وافقي وأنا أوعدك إني هخليكِ أسعد  إنسانة في الدنيا كلها، مش هخلي نفسك في أي حاجة، قبل ما تحلمي بالحاجة  هتكون تحت رجليكي، أنا نفسي هكون بين اديكي.
نظرت إليه بتيهة، تستشعر الصدق بكلماته ليسألها متلهفًا إجابتها: -قولتي إيه؟
قطع شرودها لتجيبه باقتضاب: -هو الكلام ده ينفع يترد عليه هنا بردوا؟
اشتدت سعادته فرحًا لكلماتها التي رفعت قلبه إلى عنان السماء ليشعر  بروحه هائمة بسماءها وقد جددت كلماتها الأمل بداخله ليقول بنبرة حماسية:  -خلاص، أنا هفاتح أبويا النهاردة وأخليه يطلب لي إيدك من عمي غانم
هتفت متعجلة لتقول بتردد ظهر بعينيها: -اديني وقت أفكر في الموضوع قبل ما تاخد أي خطوة جدية.
اجابها بقلبٍ عاشق: -أنا تحت أمرك في أي حاجة هتريحك، خدي وقتك وأنا متأكد إني لما أشوفك الإسبوع الجاي هسمع أخبار حلوة
سحبت عنه نظرها بخجل بعد أن قررت بسريرتها أن تعطي حالها فرصة للتفكير  بأمره، فهو بالنهاية يبدوا شابًا مناسبًا إلى حدٍ ما لذا ستفكر في الأمر  بجدية.
بعد مرور ثلاثة أيام عادت إيثار إلى منزل أبيها فقد أخذت إجازة إلى أخر  الإسبوع بمناسبة أعياد خاصة بالدولة، كانت تجلس بداخل حجرتها بصحبة  صديقتها سمية التي جحظت عينيها لتهتف بقلبٍ يمتلؤ بالغيرة التي لم تستطع  التحكم بها لتظهر بمقلتيها: -نعم، بقى عاوزة تفهميني إن عمرو إبن الحاج نصر  على سِن ورمح عاوز يتجوزك إنتِ يا بنت عم غانم؟!
نطقت جملتها الاخيرة مشيرة بأصبع السبابة إليها بنظرات إزدرائية مقللة  من شأنها مما جعل الأخرى تنظر إليها بتيهة من نظراتها الغريبة التي شملتها  بها لتسترسل سمية بضحكة استهزائية: -يا شيخة قولي كلام يتصدق.
تطلعت إليها بصدمة لتجيبها باستياء وصوتٍ خرج حادًا بعض الشيء: -وأنا  من امتى كذبت عليكِ يا ست سمية، وبعدين هي المواضيع دي ينفع فيها الكذب؟!
تراجعت سريعًا بعدما لاحظت إنزعاج إيثار لتقول في محاولة لإصلاح ما أفسدته: -انا مقولتش إنك بتكذبي، أنا بس مستغربة.
سحبت عنها بصرها ولم تجيبها لشدة غضبها لتسترسل الاخرى كلماتٍ مبررة:  -هكلمك بصراحة ومتزعليش، شوفي أنا ظروف عيلتي أحسن من ظروفكم إزاي، ده غير  إن ابويا موظف بالشهر العقاري وحياتنا إلى حدٍ ما مرتاحة عنكم.
مالت برأسها لتقول بصدقٍ: -منكرش إن طول عمري وانا حاطة عيني على أي حد من عيال كُبرات البلد وبالذات عيلة البنهاوي
واسترسلت بعيناي حالمة بجشع: -وحلم عمري أدخل وسطيهم وعيالي يبقوا منهم علشان مايعشوش الفقر اللي أنا عيشته.
لتستطرد نافية وهي تشير بسبابتها: -ومع ذلك عمري ما جرأت ولا خطر حتى على بالي إني أحلم بحد من عيال الحاج نصر البنهاوي
واكملت بحقدٍ دفين ظهر بَيِن بكلماتها التي تقطر سُمًا: -تقوم إنتِ يتقدم لك إبن كبير البنهاوية كده مرة واحدة!
تنهدت إيثار بضيق لما رأته من حقدٍ وتقليل غير مبرر بشأن عائلتها والتي  لا تختلف كثيرًا عن عائلة الأخرى سوى أن والدها حصل على شهادة متوسطة  وعُين بمصلحة الشهر العقاري ليباغتها سؤال تلك التي مازال الذهول يسيطر  عليها: -أمك عرفت؟
رفعت عينيها لتقول سريعًا: -لا طبعاً، ماما لو عرفت هتقول لبابا وإخواتي، ولو عزيز بالذات عرف مستحيل يديني فرصة أفكر.
-طبعاً، هو كان يحلم ولا يطول، نطقتها ببُغضٍ لتنهرها الاخرى بنبرة  غاضبة: -هو فيه يا سُمية، عمالة ترمي دبش من بقك من ساعة ما حكيت لك  الموضوع ولا عاملة أي حساب لمشاعري.
لتستطرد بكبرياء نابع من داخلها ورثته عن والدها: -أنا مش قليلة ولا  أهلي قليلين زي ما أنتِ حابة توصلي لي، أنا ابويا أه راجل فلاح وبسيط بس  عنده عزة نفس مش عند وزرا ورؤساء جمهورية، وكفاية إنه علمني أنا واخواتي  وخلانا أخدنا شهادات ولاد أكبر ناس في البلد معرفوش ياخدوها.
ابتلعت لعابها لتتحدث بنعومة كالحياء: -إنتِ زعلتي كده ليه، أنا بفضفض معاكي
واستطردت لتدخل الريبة بقلبها: -بصي بقى، أنا شايفة إنك تكتمي على الموضوع وترفضيه من غير ما تقولي لحد.
ضيقت بين عينيها لتستطرد الاخرى بإصرار: -الواد ده شكله بيلعب بيكي،  واضحة زي عين الشمس، هو معرفش يوصل لك ولا يقرب لك زي ما حكيتي لي الوقت،  فقال يدخل لك من ناحية الجواز علشان تفكي معاه ويطول منك اللي معرفش ياخده  في الأول وبعد كده يرميكي.
هزت رأسها لتقول بنفي: -لا مظنش، عمرو بيحبني بجد
لتسترسل بابتسامة حين تذكرت هيأته: -الحب كان باين في عنيه يا سمية.
هتفت الاخرى باستنكار لتبعد عنها تلك الفكرة: -طول عمرك عبيطة ومبتفهميش في الناس.
ضيقت عينيها بتفكر لتهتف بعدما طرأت على مخيلتها فكرة شيطانية: -أنا جت لي حتت فكرة هتخليني أكشف لك إذا كان بيلعب بيكي ولا لاء.
قطبت الاخرى جبينها لتطالعها مستفهمة لتسترسل الاخرى بدهاء: -أنا هاجي  معاكي الجامعة يوم السبت واركب العربية معاكم، وانا بطريقتي هوقعهولك في  الكلام علشان أكشفه، وساعتها هنعرف إذا كان بيحبك بجد ولا بيلعب عليكِ.
نظرت لها بحيرة لتهتف الاخرة بغضب ظهر بعينيها: -بس إنتِ طلعتي خبيثة  قوي يا بت يا إيثار، الواد بقاله شهر ونص بيجري وراكِ ومقضينها حكاوي معاه  في المواصلات ولا جبتي لي سيرة.
زفرت إيثار لترد على تلك التي تحولت وظهر ما بداخلها من حقد دفعةً  واحدة وكأنها تستكشف شخصيتها لأول مرة: -هقول لك إيه والموضوع كله مكنش في  بالي.
لتستطرد بحيرة ظهرت بعينيها: -أنا لحد الوقت لسة بفكر أوافق وأخليه يكلم أبوه، ولا أخدها من قصيرها وأرفضه واريح دماغي
هتفت على عجالة بتخوف: -استني لما أقابله يوم السبت وساعتها أنا اللي هقول لك تعملي إيه.
صمتت لتشتعل عيناي الأخرى بالحقد وهي تتطلع على تلك الإيثار وباتت  تتساءل ما الذي اعجبه بها ليختارها هي دون غيرها، تلك البلهاء التي لم تهتم  يومًا بالزواج من شابًا ثريًا تأتيها الفرصة على طبقٍ من ذهب بل وتتمنع  وتطلب منه منحها الوقت للتفكير، بينما هي التي قضت سنواتها في عناء البحث  عن فرصة لاصطيادها عريسًا ثريًا ليحقق لها أحلامها ويمنحها حياة أفضل من  حياتها البائسة لم تجدها إلى الأن.
عودة للحاضر وسنعود فيما بعد لسرد ما حدث بالماضي.
عصرًا، في قصر المستشار علام زين الدين، يقف داخل كبينة الإستحمام  الزجاجية مغمض العينين ساندًا بساعداه على الحائط الرخامي والمياه تنهمر  على رأسه لتمر على جسده لتنعش روحه المنهكة من العمل طيلة اليوم، تنفس بعمق  ليفتح عينيه باسطًا ذراعه يجلب زجاجة صابون الشعر ليأخذ منها القليل ويضعه  فوق رأسه ليدلكه برفقٍ ويميل برأسه من جديد تحت صنبور المياه ليغتسل  جيدًا، خرج من الكبينة ليجذب منشفة قطنية كبيرة يلفها حول خصره وأخرى صغيره  ليجفف بها شعر رأسه ليتحرك من الحمام إلى غرفة الملابس لينتقي بذلة قيمة  يحضر بها ميعاده مع رجل الأعمال صلاح عبدالعزيز بعدما عقد النية على التدخل  بشكل شخصي لفض هذا الصراع الدائر بينه وبين خصمه أيمن الأباصيري وصل  لحديقة القصر في طريقه للجراچ ليتوقف حين وجد والداه يجلسان حول حوض  السباحة ويحتسيان معًا كوبان من القهوة الساخنة ليقول بابتسامة خافتة:  -مساء الخير.
مساء النور يا فؤاد، نطقها علام لتقول عصمت بنبرة حنون وهي تُشير إليه بالجلوس: -تعالى اشرب معانا فنجان قهوة.
أجابها غامزًا بعينه الشمال: -مش حابب أكون عزول واضايق معالي المستشار يا دكتورة.
ابتسم علام ساخرًا ليجيب بمشاكسة لنجله المحبب والمقرب لقلبه:  -ماتتلككش بمعالي المستشار يا حبيبي، إنتَ أصلاً متشيك وباين عليك عندك  ميعاد مهم
رفع كفاه لأعلى باستسلام ليقول: -دايمًا كاشف اللي جوايا جنابك، محدش يعرف يعدي من تحت إيدك أبداً.
دقق النظر له ليقول بصوتٍ جاد: -شكلك رايح المشوار اللي بلغتني بيه إمبارح؟
-بالظبط يا باشا، ليستطرد بإبانة: -لما عملت تحرياتي عن صلاح عبدالعزيز  لقيت إنه حد محترم وحرام ينتهى تاريخه بسبب رغبة عامية في الإنتقام.
-إعمل اللي إنتَ شايفه صح يا سيادة المستشار، انا واثق في تفكيرك وواثق  إنك هتحل القضية بمنتهى العقل والحكمة، ربنا يوفقك، قالها بعينين فخورة  بنجله ليشكره فؤاد ويتحرك باتجاه الجراچ.
خرج من القصر ليستقل مقعده خلف المقود وينطلق بسرعة باتجاه منزل صلاح،  توقف بحديقة المنزل ليجد رجلين من الحراسة الخاصة بانتظاره ليصطحباه  للداخل، وجد الرجل ونجله الكبير بانتظاره ليقوما بالترحاب الشديد به  لمعرفتهما بشخصه وبمنصب أباه العظيم، أشار صلاح إليه بالجلوس ليفتح زرار  حلته ثم جلس منتصب الظهر واضعًا ساق?ا فوق الأخرى بمظهرٍ جذاب ليبدأ حديثه  بعملية: -طبعاً حضرتك بتسأل نفسك أنا ليه أخدت ميعاد منك وطلبت إن الزيارة  تبقى في بيتك.
-حضرتك تشرف أي مكان تدخله يا سيادة المستشار، كلمات نطقها صلاح بتهذيب ليشكره فؤاد قائلاً بلباقة: -متشكر جداً يا صلاح بيه
واستطرد بعملية اكتسبها من منصبه: -أنا هدخل في الموضوع على طول علشان  مضيعش وقت حضراتكم، الموضوع وباختصار خاص بقضية محاولة إغتيال أيمن  الأباصيري.
ارتبك داخل صلاح وحاول جاهدًا التماسك ليقول في محاولة لابعاد التهمة  عنه: -سبق وحضرتك استدعتني لمكتبك واستجوبتني بخصوص القضية والحمدلله إنتَ  بنفسك أمرت بإخلاء سبيلي لما التحريات أثبتت إني مليش أي علاقة بموضوع اللي  إسمه أيمن
ليسترسل بإبانة: -وإني يومها كنت عازم أهل مرات إبني هنا في فيلتي والكل شهد على كدة.
ابتسامة جانبية ارتسمت على شفتيه أوحت ل الأخر بأنه ليس مقتنعًا بتلك  النتيجة ليقول بذات مغزى: -جرت العادة إن المواضيع اللي زي دي بيكون لها  ترتيبات قبلها يا صلاح باشا.
قطب الرجل جبينه ليُمسك بعُلبة سيجاره الكوبي الموضوعة فوق الطاولة  ويخرج منها واحدًا ينتزع عنه ورقة السلوفان ليقترب نجله سريعًا ممسكًا  بالقداحة ليشعل السيجار لأبيه تحت نظرات فؤاد المتفحصة والذي تأكد من  خلالها توتر صلاح الذي وأخيرًا خرج صوته محاولاً الثبات: -تقصد إيه بكلامك  ده يا سيادة المستشار، ياريت تتكلم بوضوح أكثر من كده.
-أقصد إن أصابع الإتهام كلها بتدور حواليك يا صلاح بيه، نطقها بقوة وهو  يوجه له الاتهام عبر نظراته ليستطرد بإبانة: -خلينا نتكلم بالمنطق ونبص  للموضوع بشمولية، أولاً أيمن الأباصيري برغم إنه من أكبر وأشهر رجال  الأعمال في البلد إلا إنه ملوش اي أعداء وده عرفناه من خلال تحريات النيابة  وكمان شهادة الشهود، من ساعة حادثة بسام إبن حضرتك الراجل اتعرض لثلاث  محاولات قتل.
ليستطرد بعيني بهما اتهام: -محاولة تسميمه في قلب بيته على إيد الشغالة  اللي اعترفت إن فيه حد إتواصل معاها وسلمها مأتين ألف جنية وقزازة سم  وقالها تحط له منها في القهوة، ووعدها لما يتأكد من خبر موت أيمن هتاخد  زيهم كمان.
وضع السيجار بفمه ليسحب أكبر قدر من الدخان ثم يخرجه بقوة ليشكل سحابة  فوق رأس الرجل ويعبيء المكان تحت نظرات فؤاد المتفحصة له وكشفه لتوتر الرجل  الذي يحاول جاهدًا بتخبأته لكنه يكشفه بحس رجل القانون الموجود بداخله  ليستطرد راويًا: -ده غير إنك روحت له بيته وهددته صراحتًا إنك مش هتسيبه  غير وهو جثة زي ما عمل في إبنك بسام، والكلام ده قدمه أيمن عندي في محضر  رسمي من يومين وشهد عليه كل العمال اللي في بيته.
أشار ممثلاً بيده ليقول باتهامٍ صريح: -بعد كل الدلائل دي فسر لي بقى وقولي مين ليه مصلحة بقتل أيمن غير حضرتك؟
بعنفوان الشباب هتف هيثم نجل صلاح بغطرسة وصوتٍ مرتفع خالي من اللباقة:  -وإحنا مالنا بكل الكلام اللي إنت بتقوله ده، إنتَ لو عندك دليل واحد ضد  بابا مكنتش خرجته من النيابة أساسًا.
احتدت ملامح وجهه من حديث ذاك الشاب الذي حادثه بوقاحة لم يتقبلها  ليقول بنبرة حازمة بصوتٍ خرج متزنًا: -أولاً ياريت توطي نبرة صوتك وتتكلم  أحسن من كدة وإنتَ بتوجه لي الكلام.
نظرات لائمة أطلقها صلاح إلى نجله كرصاصاتٍ لتخرسه في الحال ليستطرد  الاخر بحديثٍ شبه تهديدي: -ثانيًا وده الأهم انا تحرياتي لسه مستمرة وأكيد  هتنكشف أمور كتير
رمق صلاح بنظرة ذات مغزى ليكمل: -إسأل على فؤاد زين الدين وإنتَ تعرف إن  عمري ما أخدت قضية إلا وقفلتها مهما كانت صعوبتها أو الأدلة ضعيفة.
ارتبك صلاح لتيقنه صحة ما قاله ذاك الدؤوب في عمله والمعروف عنه داخل  وسطه بالنزاهة والتفاني والمهارة العالية بفك ألغاز القضايا لذا يُوكل إليه  القضايا المعقدة من قِبل رؤساءه، سألهُ متوجسًا: -إنتَ عاوز إيه بالظبط يا  سيادة المستشار، ما تجيب من الأخر؟!
أراح ظهره للخلف أكثر وانتظر لدخول العاملة التي تحركت بعربة تقديم  الضيافة وبدأت بسكب الشاي وتقديمه مع قطعة حلوى ليشكرها ثم استكمل حديثه  قائلاً بوضوح: -من الأخر أنا عاوز أحل القضية بشكل ودي بينكم بعيدًا عن  القانون.
قطب صلاح ونجله جبينيهما ونظرا كلاً منهما للأخر بحيرة ليسترسل فؤاد  بإبانة: -أنا عارف إنكم مستغربين الكلام اللي بقوله ويمكن مش مصدقيني او  فكريني بحور عليكم
رد صلاح سريعًا: -العفو يا فؤاد باشا، سمعة جنابك وجناب سيادة المستشار والدك سبقاكم.
تنفس براحة ليستكمل حديثه: -متشكر يا افندم، الحقيقة أنا فكرت كتير في  موضوع العداوة اللي بينكم وقولت حرام لما إتنين من أكبر رجال الأعمال اللي  في البلد يهدوا اللي بنوه علشان غلطة غير مقصودة.
احتدت ملامح صلاح ليهتف مستنكرًا: -حضرتك بتسمي قتل إبني غلطة؟!
أجابه بثباتٍ وصوتٍ قوي: -ايوا غلطة وبسام الله يرحمه اللي بدأها وحضرتك ووالدته مشتركين فيها، وبلاش تخليني أقول كلام هيزعلك.
نكس رأسه لتيقنه من مقصد ذاك الصارم الذي يلمح على تقصيره وزوجته بحق  تربية نجليهما وبالحقيقة هو مُدرك لهذا جيداً لذلك فضل الصمت ليستطرد  الأخر: -أنا عارف إن النتيجة كانت قاسية وصدقني مهما كانت مرارة الحادثة  وحجمها بالنسبة لك فهي لا تقل مرارة وألم بل وندم عند أيمن الاباصيري، إنتَ  عارف كويس قوي إنه شخص محترم وبيتقي ربنا في كل تصرفاته وده شيء معروف  جداً عنه.
ضيق بين عينيه ليستطرد وهو يهز رأسه باستنكار: -إن الظروف تجبره ينهي  حياة شاب بأديه ده شيء في منتهى القسوة بالنسبة لحد ضميرة حي زيه.
احتدت ملامحه ونظر إليه بغضب ليسترسل فؤاد بإبانة: -صدقني أنا نفسي شفت دموع الألم والندم في عنيه وأنا بستجوبه.
هتف بحدة: -ولما هو ندمان عمل كدة ليه، يحرمني من إبني ويغدر بيه ليه؟!
هتف الأخر بنبرة صارمة: -ماتغالطش ضميرك يا صلاح بيه، إنتَ عارف كويس  مين اللي غدر بالتاني وتعدى على حرمة بيته وكان هيهتك عرض بنته.
ثم أشار إليه برأسه بصوتٍ حاد عل ضميره يستيقظ: -إنتَ نفسك لو مكانه وحد عمل كده في بنتك مش هتتأخر ثانية واحدة في إنك تاخد القرار.
تنفس بأسى وظهر الإنهاك فوق ملامحه ليتنهد فؤاد بضيق لأجل ذاك الرجل  المهزوم، تساءل بهدوء: -والمطلوب مني إيه يا سيادة المستشار، أنسى دم ابني  اللي سال في بيت ايمن وأروح أحط إيدي في إيده؟
-مش أحسن ما واحد منكم يخلص على التاني وييجي واحد من ولادكم يخلص على ابن التاني علشان يحقق الانتقام؟
ليسترسل متأثرًا: -إنتَ عارف إن الإنتقام دايرة اللي بيدخلها عمره ما هيعرف يخرج منها تاني، دي دايرة موت كل اللي جواها هالكين.
أمال برأسه بإيجاب لحديثه ثم نظر لنجله بألم ليهز الشاب المتعلم رأسه  لوالده ليحثه على الموافقة، حيث يختلف هيثم عن شقيقه الراحل بكل شيء، هيثم  رزين عاقل يساعد والده في بناء شركتهم الضخمة ليرفعا معاً إسم صلاح  عبدالعزيز في قائمة أكبر رجال الاعمال.
بعد قليل كان يخرج من منزل صلاح واستقل سيارته منطلقًا بطريق عودته  للمنزل، أمسك بهاتفه واخرج رقم أيمن ليهاتفه ويحددا ميعادًا ليجتمع الجميع  بمكانٍ محايد لاتمام عملية المصالحة، كاد أن يضغط زر الإتصال لكنه توقف  فجأة حيث ابتسم بخبثٍ وهو يُبدل الرقم برقم تلك الحادة الطباع، فيبدوا أنه  اعتاد على مشاكستها وأعجبه الحال، ضغط على الرقم الذي سجله على هاتفه بعدما  احتفظ به من بياناتها التي دُونت من قِبل الموظف بالمحضر، انتظر الرد،  كانت تتوسط فراشها تغط في سباتٍ عميق بجسدٍ منهك وعقلٍ مرهق نتيجة ما حدث  لها من أهوال طيلة الأيام الماضية، تمللت بنومتها حين وصل لمسامعها صوت  رنين الهاتف لتفتح أهدابها وتغلقهما من شدة نعاسها، بسطت يدها لجلب الهاتف  وما أن نظرت به حتى ضيقت بين عينيها وهي ترى ال رقم خاص ولا يظهر.
private number
ضغطت زر الإجابة ليصل إليه صوتها الناعس وهي تجيب بنعومة أثارته حتى أنه تعجب من حاله: -ألو
مساء الخير يا استاذة إيثار، نطقها بصوتٍ رجولي جذاب لتجيبه بنفس الصوت: -مساء النور، مين معايا؟!
أنا المستشار فؤاد علام، قالها بثبات لتعقد حاجبيها في حيرة لتقول: -هو حضرتك جبت رقمي منين؟!
ابتسم على تلك البلهاء وتحدث مفسرًا: -هو رقمك سر حربي ولا إيه، وأظن إن من خلال منصبي أقدر أجيب أي رقم بمنتهى السهولة
وهتف مستطردًا بتسلي: -والأهم من ده ك



تعليقات



<>