رواية عشقت من الصعيد الفصل التاسع والثلاثون 39 والاخير بقلم حنين عماد
قالوا من قبل ان ضوضاء العائلة هي سكون القلب .. فالعائلة هي الجدار الذي نلجأ إليه ونستظل بظله عندما نصبح ضعفاء .. هي الملاذ الآمن .. العائلة هي من تمدك بالقوة حين تشعر بالضعف يستعمرك .. حين تبدأ الدنيا في احكام قبضتها حول عنقك .. تخنقك .. تسحب الهواء من صدرك .. تحول الدنيا في عيونك للون الرمادي .. وقتها تجد يد عائلتك هي الحامية .. هي من تحررك من قبضتي الحياة المميتة .. هي من تجعل الهواء يستعمر رئتيك من جديد منعشاً صدرك .. هي من تمسك بيدها الفرشاة لتلون الكون من حولك بألوان زاهية تجعل ذلك الساكن يسار صدرك يدق بسعادة مستقبلاً الحياة بذراعين مفتوحين على أقصاهما .. العائلة هي التي لا تتخلى عنك ابداً .. هي التي تشد على يد في احلك الأوقات وتبث فيك الأمل والتصميم من جديد .. ففي رأيي ان صوت العائلة المخلوط بالضحكات ينافس العندليب وأم كلثوم .. ينافس مقطوعات عمر خيرت وراجح داوود .. ينافس كل ما هو جميل .. ان اجمل الاصوات صوت العائلة عندما يضحك الجميع في نفس اللحظة .. وقتها فقط قد تشعر بأنه قد نبت لقلبك جناحين وها هما يرفرفان بقوة بين جنبات صدرك تماماً مثلما يرفرف قلبها بصدرها الآن وهي تجلس مع اروع عائلة في الكون .. عائلتها الجميلة الكبيرة التي تحمد ربها عليهم في كل صلاة .. ترتسم ابتسامة ساحرة على شفتيها وهي ترى كل منهم يتسابق لحمل هذا الصغير الذي جاء ليجمع شمل العائلة من جديد .. تراهم يلاعبون ذلك الصغير الذي كان حقاً قابلاً للأكل في تلك اللحظة بوجنتيه الحمراء وشفتيه الوردية وملامحة التي رغم جمالها إلا انها مخلوطة بلمسة رجولية أخذها من والده الصعيدي الذي يجلس الآن بعبوس وغيرة على ابنه .. نعم لا تستغربوا بذلك الشكل فهو يغير على ابنه حتى من والدته .. لو تروه الأيام السابقة وهو يضمه إلى صدره طوال اليوم رافضاّ الخروج من المنزل او الذهاب لعمله حتى يقضي الوقت معه ومع تلك التي سكنت قلبه والآن أصبح بينه وبينها رباط جديد .. رباط سيجعل أقدارهم متعانقة لآخر العمر وكأن كل الروابط السابقة لم تكن كافية لتربط قلب الصعيدي بقلب القاهرية التي عشقت من الصعيد ..
تلك القاهرية التي لا نبالغ إن قلنا انها في خلال الاسبوعين الماضيين لم ترى ابنها إلا مرات بسيطة؛ ففي الصباح يستعمر قلب والده كما يستعمر احضانه ولا يحرره من سجن احضانه إلا دقائق بسيطة حتى ترضعه ثم يعود لحمله من جديد بسعادة يتراقص عليها قلبه وقلبها وان انكرت ذلك وادعت تذمرها فهي اكثر من سعيدة بعلاقة زوجها الحبيب وتعلقه بإبنهما .. وكيف لا يحبه بل كيف لا يحب أحد "عبد الرحمن زين المنياوي" .. تتذكر عندما اخبرها باختياره لذلك الاسم لتلمع الدموع بعينيها تأثراً لتهرب دمعاتها حين اخبرها انها كانت فكرته وجده عبد الحميد راغبين ان ينتمي اسم عبد الرحمن لعائلة المنياوي .. يا الله ما تلك السعادة التي تشعر بها .. لطالما كانت الحياة بالنسبة لها شيئاً عادياً ولكنها الآن تصف جملة أم كلثوم حين قالت "ابتديت دلوقتي بس احب عمري .. ابتديت دلوقتي اخاف ل العمر يجري" .. نعم اصبحت تحب حياتها به ومعه .. نعم اصبحت لا تريد ان ينتهي عمرها لتنعم معه بأيام لا نهاية لها .. ايام تستعمرها السعادة المخلوطة بالحب الكبير الذي لم تكن لتحلم به .. تلك السعادة التي تتضاعف كل ليلة عندما ينتهي يومهم الملئ بالاحداث لتستكين رأسها براحة فوق صدره المحب وتُرسي كفها على موضع قلبه الهادر بعشقها لتشعر بذراعه تُحكم حصارها لها وتُزيد من ضمها لصدره بعشق يحتل كل جزء بكيانه .. عشق الصعيدي للقاهرية .. ذلك الصعيدي الذي وصل لأقصى درجات السعادة المخلوطة بالعشق بها ومعها .. عندما أهداها له القدر وشاء ربه ان تكون زوجته ظن ان سعادته لا يمكن تتخطى ذلك الحد ولكن حرفياً سعادته وصلت عنان السماء عندما حمل بين يديه قطعة منه ومنها .. قطعة لذيذة من اللحم الابيض المخلوط باللون الوردي المغري .. قطعة جعلت ذلك الساكن جنبات صدره يهدر بعنف وكأنه سيغادر ضلوعه مُعانقاً ذلك الخليط اللذيذ الساكن بين ذراعيه وبين احضانه .. أدمن احتضانه .. أدمن رائحته .. أدمن وجوده بجانب صدره .. يود لو يدخله بداخله .. نعم ذلك هو سبب احتضانه له بذلك الشكل كل يوم .. يشعر برغبة كبيرة بأن يدخله داخل صدره يُخفيه عن اعين الناس ويحميه من شرهم ومن قسوة الحياة .. هل يمكن لشخص ان يحب آخر عرفه منذ ايام قليلة لهذا الحد .. هل يمكن لشخص ان يكون مستعداً ومرحباً بالموت في سبيل حماية شخصاً آخر لم تجمعه معه أية مواقف تبرر وجود ذلك الكم من المشاعر الخاصة به هو فقط .. هو يحبه .. هو مستعد للموت من اجله .. حسناً من اجله ومن اجل تلك القاهرية الجميلة التي كانت سبباً في تلك السعادة التي يشعر بها الآن .. تلك القاهرية التي يجعلها تحتل أحضانه مساءاً وكأنه يرسل لها رسالة مبطنة ان أحضانه ملك لها هي وأولادهم فقط .. هو ملك لهم فقط وهم ملك له فقط .. لا أحد يشاركهم به ولا يشاركه أحد بهم
...: بجد يا جماعة الفتة واللحمة دول عظماااااااا
قالها سيف الحديدي الذي خرج من المطبخ للتو وهو يحمل طبقاً آخر من الفتة لتكتم ايمان ضحكاتها ويردف احمد وهو ينظر له
احمد: هو دا الطبق الكام؟
فارس(بتهكم مُجيباً سؤال احمد): الرابع ياخويا
مروان(بضحك): وكل مرة يخرج يقول نفس الجملة
سيف(بصياح): جرا ايه انت وهو؟!! انتوا هتبصولي في اللقمة اللي باكلها؟!!!
ميان(بغيظ): انا اللي مجنني انه ياكل ياكل وزي خلة السنان وانا مجرد ما اشم ريحة الاكل ازيد 3 كيلو
فارس(بغمزة عابثة وهو ينظر لها): هلا بالملبن
احمد(بحدة خفيفة): اتلم يلا
فارس(بمزاح وعناد خفيف): هأو خلاص بقت مراتي يا حلو
حياة(بمزاح وتهديد): كدا؟ طب ايه رأيك نشوف رأي الصاعقة؟
فارس(بتوتر وهو ينظر لها): ليه كدا يا بنت الشاذلي دا انا بقول عليكي جدعة
حياة: كله إلا قرة عيني
احمد(بغمزة وهو ينظر لها): قلب قرة عينك من جوا
ابتسمت حياة بخجل ليقلب فارس شفتيه بطفولية ويهتف بتذمر وهو ينظر لمروان
فارس(وهو يشير نحو حياة): اختك يا حج
مروان(بنبرة خفيفة): يا عم عادي دا جوزها .. وبعدين مادام إن بابليك ومفيش فيلينج .. يبقى سو وات
ثم اقترب بوجهه من مريم ليردف بنبرة عابثة
مروان(بغزل عابث): يا جارحني برمشك على سهوة .. ما تاخدني في حضنك ل استهوى
اشتعل وجه مريم حرفياً لتُداري وجهها بعبد الرحمن الصغير الذي كانت تحمله بين يديها لتصيح سلمى
سلمى(وهي تقف): ال 10 دقايق خلصوا .. دوري بقا اشيل بودي
قالتها ومدت يدها لتحمل عبد الرحمن الصغير بين يديها ليردف زين
زين(بتذمر): اسمه عبد الرحمن مش بودي
سيف(بجدية وهو يقف بجانب سلمى): اهدى شوية يا عم ذئاب الجبل .. ثم ان لوما تقول اللي هي عايزاه
زين: تجول اللي هي عايزاه من غير ما تچلع ولدي .. الرچالة ماهيتچلعوش
نظرت له ايمان نظرة خبيثة ليتنحنح ويهرب بعينيه وقد مر بعقله لحظاته معها حين تتعمد تدليله باسم "زينو" الذي يكرهه ولكنه لا يقدر على الاعتراض وبالأخص حين تناديه به وهي تتعلق بعنقه بدلال أنثوي يلهب جسده ويجعل قلبه العاشق لها يدق بعنف لكل شئ بها حتى ذلك الدلع .. نظر سيف لسلمى ليردف بتحدي ومزاح وهو يضع ملعقة من الفتة بفمه
سيف(بفم ممتلئ بالأكل): اعملي اللي انتي عايزاه يا بيبي .. المكان مكاننا والفتة فتتنا يا روحي
سلمى(بهمس مسموع): سيفو .. كفاية فتة
سيف(بعبوس طفولي): حتى انتي يا لوما؟!!!
سلمى: يا بيبي انا بتكلم علشانك ..(ثم اردفت بنفس الهمس المسموع وبجدية كبيرة).. فيه حلتين موغات بيتعملوا دلوقتي وطنط صفاء هتغرقهم مكسرات
سيف(بعيون لامعة): مغات بالمكسرات؟! انتي متأكدة
سلمى: عيب عليك انت مش عارف اني بكون واثقة من مصادري .. انا بنفسي لسة مدياها السمن البلدي علشان تبدأ تعملهم هي وطنط صالحة
سيف(بصياح وفرحة): ايوة بقا يا وديييييييع
///////////////////////////
بقرية اخرى بمحافظة المنيا وبالتحديد في تلك المشفى الذي كان يرقد بها المعلم سليمان يتحرك أكمل بهدوء معاكس لما يحدث بقلبه الآن فهو على وشك رؤيتها .. رؤية تلك الجميلة التي تسبب ربكة بقلبه .. تلك الجميلة الذي رأى جانبها الحنون ما ان استعاد والدها وعيه وخرج من غرفة العناية المركزة لتصبح ملازمة له .. تغرقه بحنانها وحبها وطاعتها له .. لم تشعره حتى بنظرة من عينيها انها تنفر منه بسبب ما فعله .. لم تُحاسبه .. بل أشعرته بصدق مشاعرها .. مشاعر حب الابنة لأبيها .. حبها الذي لم يقل ابداً بسبب ما فعل بل اخذت تتحدث معه بهدوء عن كون تلك الحادثة درس من ربها له حتى يفيق ويرجع لطريق الرشد .. حتى يعود مرة اخرى المعلم سليمان الصاوي الذي يعرف عنه الجميع حسن الاخلاق والاتزام .. فقد وقع في شباك تلك الحية ولكن الله حرره منها وأعطاه فرصة ثانية ليُصلح اخطاء الماضي وهو ما قرره وأسرره في نفسه .. سيُصلح كل خطأ ارتكبه في ماضيه وأولهم خطأ كان هو بداية كل شئ .. طرق خفيف على باب الغرفة تبعه دخول أكمل لتكتسي وجنتي أسماء من حضوره وتهرب بعينيها منه .. فهي لا تعرف ماذا أصابها .. لا تعرف سبب الخجل الذي يحتلها ولا تلك الحرارة التي تشتعل بجسدها وتضرب وجهها كلما تكلمت معه .. لا تعرف كيف بدأ قلبها الصغير تحتله مشاعر جديدة ولذيذة .. ابتسم أكمل وهو يلاحظ خجلها الجميل مثلها ليردف بهدوء
أكمل(بابتسامة وهو يدخل الغرفة): سلام عليكم .. حمد الله على سلامتك يا حاج سليمان
سليمان: وعليكم السلام يا ولدي .. اتفضل
اقترب أكمل منه ليردف بابتسامة بسيطة
أكمل: عرفت من الدكتور انك هتخرج النهاردة قولت لازم أجي بنفسي أسلم عليك وأباركلك على خروجك بالسلامة
سليمان: ربنا يكرمك يا ولدي .. والله اني مش عارف اجولك ايه عاللي عملته معايا ديه .. انت وجفت معايا چيبتلي حجي من التعابين اللي اني رميت نفسي في چحرهم .. چميلك ديه فوج راسي وفي رجبتي ليوم الدين
أكمل: مفيش جميل ولا حاجة يا حاج سليمان انا كنت بعمل شغلي وبعدين الانسان بيعيش ويغلط المهم انه يتعلم من غلطه ومايكرروش
سليمان(وهو يومئ برأسه): معاك حج يا ولدي
صمت أكمل لثواني قبل ان يتنحنح بحرج مردفاً
أكمل: احم .. انا كنت عايز اطلب طلب صغير من حضرتك يا حاج
سليمان: أؤمر يا ولدي
أكمل: الأمر لله وحده .. انا كنت عايز أجيب والدتي ونيجي نزوركم في البيت آخر الاسبوع
دق قلب أسماء بقوة واشتعل وجهها من فرط خجلها ليبتسم المعلم سليمان وهو ينظر لأبنته التي كبرت وأصبحت عروس وسيأتي لخطبتها ذلك الشاب الذي لن يجد أفضل منه لأبنته .. نظر سليمان لأكمل ليردف بنبرة هادئة
سليمان: تنوروا وتشرفوا يا ولدي بس..
وقع قلبيهما من تلك الكلمة .. نبض قلب أكمل بتوجس من أن يرفض أبيها او يكون بداخله نية لتزويجها من آخر ليردف وهو يبتلع ريقه بتوتر
أكمل: بس ايه يا حاج؟
سليمان: بس ياريت الزيارة تكون السبوع الچاي عشان فيه مشوار مهم لازمن أروحه اني وأسماء السبوع ديه
هنا تخلت أسماء عن صمتها ونظرت لوالدها لتردف وهي تضيق حاجبيها باستغراب
اسماء: مشوار ايه يابوي؟!
سليمان: هنروح نچيب أمك
لمعت عيون أسماء بسعادة لتردف بعدم تصديق
اسماء: صوح يابوي؟!!
سليمان: إيوة يا بتي .. امك كانت ست الناس كلها .. كانت حفظاني وحافظة مالي وعرضي ولا عمرها زعلتني ولا رفعت صوتها عليا .. حتى لما الفلوس چريت في يدي والشيطان لعب في عجلي وجررت اتچوز الملعونة اللي اسمها تهاني وأخدك تعيشي معايا ماجالتش حاچة تچرح كرامتي ولا رچولتي .. جبلت تروح بيت ابوها وتجعد فيه وتسيب البيت الچديد اللي حجها صوح .. هي اللي وجفت چاري وماشتكتش من جلة مال ولا چوع لما الحال كان يضيج بينا .. هي اللي كانت بتحط الجرش عالجرش عشان اجدر اشتري الدكان وابجى معلم ليا كلمتي في السوج .. عملت كتير بس اني الشيطان عمى عيني عن كل حاچة حلوة فيها .. ظلمتها وچه الوجت اللي لازمن اعتذر منيها فيه .. چه الوجت اللي زي ما وديتها بيت ابوها اروح اچيبها وارچعها لدارها معززة مكرمة .. ارچعها للبيت اللي هي هتكون سته وصاحبته ونوره اللي هينوره
انسدلت الدموع على وجه اسماء ورمت بنفسها داخل احضان والدها وهي تتمسك به بقوة .. تبكي بفرح على عودة عقل والدها لرأسه مرة اخرى .. تبكي بفرح على عودة عائلتها التي ما ان تفرقت لم تذق طعم السعادة .. ابتسم أكمل واستأذن للذهاب تاركاً لهما الحرية في التكلم كعائلة صغيرة قريباً سينضم لها .. قريباً سيجعل قلبه يهنأ بقرب من دق لأجلها ولكن بعد ان تهنأ هي بعودة والدتها الحبيبة .. تلك التي كانت تأتي خلسة للمشفى حتى تطمئن على من يسكن قلبها رغم جفاءه معها .. رغم قسوته ونسيانه لها إلا انها لم تنساه ابداً .. رغم إيلامه لقلبها إلا ان قلبها أعتصره الألم ما ان عرفت ما حدث له لتأتي كل يوم للمشفى عساها تراه ويطمئن قلبها وتختفي دموعها التي لم تتوقف عن السريان بقوة على وجهها .. تلك الدموع الصادقة التي لا تشبه دموع تلك الحية الخبيثة التي كانت على ذمته والتي كانت السبب في عدم ظهورها في المشفى وعدم وجودها بشكل دائم امام غرفة الرعاية المركزة كما كانت تتمنى فهي خافت منها وبالأخص بعدما هددتها انها لو لمحتها ستنتقم منها في ابنتها .. تلك الجميلة التي هي الرابطة الوحيدة الباقية بينها وبين زوجها الحبيب لتقرر التسلل للمشفى لتنعم بدقائق معدودة بجانبه حين تكون تلك الحقيرة مشغولة بالمحلات والأموال التي من اجلها كانت على أتم استعداد للتحالف مع الشيطان ولكنها لم تكن تعلم ان الله سينتقم منها اشد انتقام .. فهي ظنت انها حين تخرج تلك السكين امامه وتخبره كيف وافقت اشجان على مخطط قتله بل واحضرت لها السكين لتنفيذ تلك الخطة أنه سيصدق انها فعلاً تحبه وتفعل ما تفعل من اجله هو وليس من اجل ماله ولكنها اكتشفت انه لم يعد يصدق قناع الحب والطيبة المزيف الذي ترتديه دائماً .. لم يعد يصدق ذلك بل والأدهى انه هددها بالطلاق للمرة الثانية .. تمكن شيطانها منها لتأخذ تلك السكين مُقررة تنفيذ خطتها الدنيئة لتلقى مصيرها جزاء لما زرعته يدها
//////////////////////////
بمنزل المنياوي وبالتحديد بغرفتها التي دخلتها لتفرد جسدها على السرير قليلاً بعد ان احست بتلك الآلام القوية تدق بأسفل ظهرها وبطنها .. منذ الصباح تحس بتلك الآلام وتتجاهلها حتى لا تفسد حفل ابن اخيها الحبيب ولكنها حقاً لم تعد تحتمل .. تلك الآلام في تزايد مستمر .. تضغط على شفتيها وهي تغمض عينيها بقوة كاتمة تلك الآه التي تسكن صدرها لتجفل حين وجدت يد توضع على كتفها .. فتحت عينيها لتجد انها يد ذلك العاشق الذي لعب القلق بقلبه ما ان لاحظ اختفاء من تسكنه عن جواره .. ذلك العاشق الذي دب الرعب بقلبه ما ان رآها بذلك الشكل ليردف بلهفة
معتز(بخوف وهو ينظر لها): مالك يا دعاء؟
دعاء(وهي تغمض عينيها بألم): تعبانة يا معتز جوي .. وچع في ضهري .. هموت
معتز(برعب يدق بقلبه): بعد الشر عنيكي .. جومي معايا نروحوا المستشفى
هزت رأسها بطاعة فهي لم تعد تقدر على تحمل الألم .. كاد معتز بمعاونتها على الوقوف من على السرير ليلاحظ تلك المياة التي تغرق ملابسها والملاءة المفروشة من اسفلها والتي لم تشعر بها دعاء ولم تحس بتسربها .. سكن الرعب عيون معتز عندما وجد من تسكن قلبه تصرخ بأقصى قوتها صرخة يملؤها الألم
دعاء(بصراخ): آآآآآآآآآآآآآآه
انتفض جميع من بالمنزل على تلك الصرخة واطلقوا العنان لأقدامهم تسابق الرياح للغرفة ليجدوا دعاء تتمسك بمعتز بقوة وقد هربت دموع عينيها المحملة بالوجع وجرت كالشلال على وجهها .. فهم أكرم ومروان انها حالة ولادة وبالأخص عندما لاحظوا ان ماء المشيمة قد تسرب .. ضربت صالحة على صدرها وهي تجري نحو ابنتها بلهفة
صالحة(بلهفة وخوف): يالاهوي .. ديه الجرن طش
زين(بلهفة): يلا بسرعة عالمستشفى
أكرم(بعملية): مفيش وقت واحتمال تولد في السكة .. مضطرين نولدها هنا
سالم(بصدمة): إهنيه؟!!
مروان(بنبرة هادئة رغم توتر الجو حولهم): ماتخافش يا حاج سالم .. انا وبابا معاها ماتقلقش
صالحة(وهي تمسك بيد دعاء): اني ماهسيبش بتي
معتز(بعيون زائغة): واني كمان ماهسيبش مرتي
نظر زين نحو معتز وتحرك نحوه ليردف بهدوء
زين(وهو يربت على كتفه): تعالى معايا يا معتز
معتز(بانفعال): جولتلك ماهچيش في حتة اني هفضل مع مرتي
زين(وهو يقدر انفعاله): اسمع الكلام عاد .. هنجف جدام الباب بس عشان يعرفوا يولدوها
معتز(برفض قاطع): جولت لاه
مروان: خلاص يا زين سيبه .. ياريت بس الكل يخرج وتجيبولنا ماية سخنة وفوط نضيفة ..(ثم نظر لمريم ليردف بنبرة جادة).. مريم شنطتي في المضيفة هاتيهالي بسرعة
تحرك الجميع لتنفيذ تعليماته وتحركت مريم بسرعة نحو المضيفة لاحضار حقيبة معدات مروان التي لا يتحرك بدونها حتى يكون مستعداً إذا حدث اي ظرف طارئ وها قد أتى ذلك الظرف .. لم يمر سوى 5 دقائق وكانت مريم قد احضرت الحقيبة وناولتها لمروان ليُدخل زين له المياة الساخنة والفوط وهو يقاوم تلك الدموع التي لمعت بعينيه من صرخات رفيقة روحه وأخته الحبيبة .. وقف الجميع امام باب الغرفة وقلوبهم تدعي قبل ألسنتهم .. تدعي ان ينجيها الله .. تدعي ان تمر ولادتها بسلام .. تدعي ان تكون هي وطفلها بخير .. تتعالى صرخاتها ليضغط سالم على عصاه بخوف أبوي صادق يدق بقلبه
سالم(وهو يغمض عينيه بقوة): يااااا رب
قالها سالم بنبرة تحمل الكثير من الألم على صغيرته التي تعاني بالداخل لينظر نحوه زين الذي كان يتحرك امام باب الغرفة بتوتر وقلق يعتمر قلبه .. تحرك نحو والده ووضع يده على كتفه يعطيه العون وهو من بحاجة لمن يُعينه .. دقائق وصدح صوت صراخات أصغر افراد عائلة المنياوي .. تلك الصرخات التي جعلت دموع الحزن والقلق الساكنة عيون الواقفين تتحول في ثانية لدموع فرح وسعادة .. دقائق أخرى وفُتح الباب ليخرج معتز وهو يحمل داخل احضانه تلك الصغيرة الجميلة التي غلبت حُسن أخاها .. فإن كان هو بدر فهي بدور .. إلتفوا جميعاً حوله ليروا تلك الجميلة البيضاء ذات الوجنات الوردية والشفتين الكرزيتين الصغيرتين .. لمعت عيون معتز بفرحة وأردف بنبرة مهتزة من فرط المشاعر التي تعتمر صدره الآن
معتز(بنبرة تسكنها السعادة): بدور .. بدور معتز الراوي
ابتسم الجميع بفرح ليضم زين صديقه بعدما ناول تلك الصغيرة لجدها الذي ابتسم بسعادة غامرة وهو يحمد ربه انه أطال في عمره حتى يحمل بين يديه أحفاده .. طبع سالم قبلة حنونة على رأس تلك الصغيرة قبل ان يقرب أذنها من فمه ويبدأ تأذينه وتكبيره تماماً كما فعل مع ابن زين ما ان حمله بين يديه .. لمعت عيون الصاعقة من ذلك المشهد الجميل الموجود أمامه .. مشهد الجد الذي يحمل أحفاده بين يديه .. سرح قليلاً ودق قلبه بعنف وهو يتخيل ان يحدث ذلك المشهد معه يوماً ما .. ان يحمل بين يديه أحفاده ويدللهم ويلعب معهم .. ان يغرقهم بحبه وحنانه ويُعيد معهم ذكرياته مع أولاده الذي يفخر بهم وبما أصبحوا عليه .. انتبه لتلك اليد الرقيقة التي تربت برفق على ذراعه ليبتسم وهو ينظر لمجنونته التي فهمت ما يدور بخلد مرادها .. جذبها برفق لأحضانه وأحاط كتفها بذراعه .. تعلقت عيونهم بذلك المشهد الجميل وقلب كل منهما يتمنى ان ينعما بتلك اللحظة يوماً ما
//////////////////////////
اوشكت الشمس على المغيب لننتقل ببطئ لمنزل آخر بتلك القرية وبالتحديد منزل ممدوح الجبالي .. ذلك المنزل الذي تغير عن الماضي .. تغيير محسوس أكثر من كونه ملموس .. تغير في تلك الراحة التي تحتل الصدور ما ان تطأه الاقدام .. تلك الراحة التي سرها الاكبر في كلام الله الذي اصبح لا ينقطع من المنزل سواء من خلال المذياع صباحاً او لسان صابرة مساءاً او صوت ممدوح فجراً .. فهو قد أصبح معتاداً على قراءة ورد من القرآن طوال الفترة التي قضاها بالحبس لتلتصق به تلك العادة الجميلة ولا تخلى عنها بعد ان أكرمه الله ونصره وأظهر الحق بل وأصبح يستغل أوقات فراغه في الذهاب للمسجد ليستمع لدروس الدين التي يُلقيها الشيخ حسين إمام المسجد وخال تلك الملاك التي تزور أمه وتبرها .. تلك التي لا يعرف لما تصيب قلبه ربكة من نوع خاص كلما رآها او سمع صوتها .. هل أحبها؟! .. هل يمكن ان يحبها دون حتى رؤية وجهها؟! ؛ فذلك النقاب يمنعه من جمالها الفاتن المخفي خلفه .. ذلك النقاب الاسود الذي أحبه فقط لأنه يمنع غيره من ان يراها .. ما هذا؟! هل بالفعل يغير عليها؟! يغير ان يراها غيره؟! .. ليست كغيرته على دعاء عندما كانت زوجته او حتى على أشجان بل إنها غيرة من نوع خاص .. غيرة يشوبها الحب الصادق الخالي من اي غرض آخر .. غيرة ذلك الصعيدي الذي تاب لربه وعاد لرشده ليُوفقه الله في حياته بالحلال فقد قرر زراعة ارضه التي ورثها عن أبيه .. قرر زراعتها والعمل بها وبيع ما يزرعه بما يرضي الله .. قرر ان يتوب عن كل ما كان يفعل سابقاً فهو أبداً لن يعود ممدوح القديم .. وللحق ليس وحده الذي تغير بل صابرة ايضاً تغيرت كثيراً .. تقربت هي الأخرى لربها وعاهدت ربها ان تفعل كل ما في وسعها لتُكفر عن كل ما فعلت بحياتها .. أصبحت تصلي وتقرأ القرآن وتتصدق وغير ذلك الكثير .. ربما ذلك هو سبب ربط الله على قلبها وجعل لها نصيب من اسمها .. اعطاها الصبر على فراق فلذة كبدها التي لا تنفك تدعوه بأن يرحمها ويغفر لها ما قدمته يداها بتلك الدنيا .. تخرج وفاء من مطبخ البيت لتبتسم بهدوء وهي تردف
وفاء(بابتسامة هادئة): انا خلصت يا امي .. عايزة حاجة تانية قبل ما امشي؟
صابرة(بنبرة حزينة): هتمشي خلاص يا بتي؟! اجعدي معايا هبابة
وفاء(وهي تقترب منها برفق): معلش يا امي علشان ألحق اروح .. الدنيا ليلت وكمان علشان خالي مايزعلش
صابرة: والله يا بتي اني ماعرفاش ارد چميلك ديه كيف .. شايلاني ولا كأنك بتي وبتعملي الوكل بيدك و..
وفاء(مُقاطعة بنبرة هادئة): اولاً مفيش جمايل بين البنت وأمها وربنا أعلم اني من يوم ما شوفتك وانا بزور مدفن ابويا وامي وانا حسيتك زي امي فعلاً .. ثانياً بقا الاكل دا انا بحب اعمله .. عايزة ادوقك اكلي يا امي فيها حاجة دي
ابتسمت صابرة وفتحت ذراعيها لتتحرك وفاء وتجلس بجانبها وتضع رأسها بأحضان صابرة وهي تغمض عينيها لتربت الأخيرة على ظهرها بحنان وحب لا تعرف متى سكنوا قلبها لتلك الفتاة التي كانت هي حبل النجاة التي تمسكت به لتخرج من غياهب وظلمات نفسها الآثمة التي أبداً لن تعود لها .. صوت سعال بسيط اخرجهم من تلك الحالة لتسرع وفاء بتغطية وجهها بالنقاب وقد زارت وجهها ابتسامة حين لمحت ممدوح يدخل المنزل قبل ان تسرع بغض بصرها وقلبها يدق بقوة .. سعيدة بتغيره .. نعم فقد سمعت عنه كثيراً من صابرة ومن خالها أيضاً فقد صادقه الشيخ حسين منذ أن لاحظ مواظبته على دروسه لتزداد الرابطة بينهم حتى اعترف له ممدوح بكل شئ وأخبره عن توجسه من عدم مغفرة الله له ليُطمئن الشيخ حسين قلبه تماماً كما سبق وطمأنت وفاء قلب صابرة وعاونتها على العودة لطريق الرشد مرة اخرى وفعل الشيخ حسين مثلما فعلت .. دخل ممدوح وهو ينظر أرضاً رغم رغبته الكبيرة في ان ينظر نحو تلك الملاك الهادئ التي تسبب ربكة لذيذة بقلبه ليردف بنبرة هادئة
ممدوح: سلام عليكم
ردت صابرة ووفاء السلام لتردف وفاء بنبرة هادئة
وفاء: انا همشي بقا يا امي .. هستناكي في درس بكرة إن شاء الله
صابرة: بإذن الله يا بتي
وفاء: سلام عليكم
كادت وفاء بالتحرك ليردف ممدوح بنبرة هادئة
ممدوح: استني هوصلك
وفاء: لأ مش هينفع
ممدوح(بنبرة هادئة): اني اخدت إذن الشيخ حسين عشان .. يعني عشان عايزك في موضوع .. هغسل وشي وأچي
قالها وتحرك دون كلمة اخرى نحو الحمام تاركاً وفاء تقف بقلب تتواثب دقاته وعقل منشغل في ذلك الموضوع الذي يريد التحدث معها به والذي جعل خالها يسمح له بإيصالها لمنزلهم الذي لا يبتعد عن منزل ممدوح الجبالي سوى ببضعة امتار .. عاد ممدوح بعد دقائق واشار بيده لها ليغادر كلاهما تحت نظرات صابرة اللامعة وقلبها الذي يدعو ان تكون تلك الملاك الجميلة من نصيب فلذة كبدها
///////////////////////////
في خارج المنزل بدأ ممدوح التحرك وبجانبه وفاء التي وضعت مسافة بينها وبينه وأخفضت ناظريها وقبضت على يدها بقوة عساها تهدأ من إيقاع ضربات قلبها الغير طبيعي بالمرة .. إنه متواثب .. إنه سريع .. إنه قوي و.. لذيذ .. أخذت تستغفر الله في سرها وتذكر نفسها بغض البصر لتنتبه على جملة ممدوح الذي وقف وأردف مرة واحدة وبسرعة وكأنه يخشى ان يتراجع او يتملكه الجبن
ممدوح: تتچوزيني؟
رغماً عنها نظرت له بصدمة وهربت الحروف من على شفتيها خاصة وقد تلاقت عينيها بعينيه ليُسرع كل منهم بسحب نظره بعد أن احسوا بتيار من الكهرباء يضرب قلبيهما .. صمتت ليتنحنح هو ويردف
ممدوح(وهو يغض بصره): اني طلبت يدك من الشيخ حسين وهو جال هيسألك بس اني استأذنته ان اني اللي افاتحك في الموضوع ديه عشان فيه حاچة مهمة لازمن تعرفيها
نظرت له وفاء وقد لمعت عينيها بفضول فشلت في إخفاءه ليردف هو بنبرة منكسرة
ممدوح(وهو يبتلع غصة بحلقه): اني مابخلفش
قالها بنبرة حزينة منكسرة ليتألم قلبها على ألمه لتجده يكمل بنفس النبرة
ممدوح: اني عارف انها حاچة واعرة وان كل ست نفسها تكون ام .. اني نفسي عملت حاچات كتير عشان اكون اب بس حكمة ربك اني ماخلفش .. اني روحت لداكتور في مصر وجال اني ممكن اخلف بس...
وفاء: بس ايه؟
قالتها وفاء بترقب ليردف هو
ممدوح: بس ديه هياخد وجت كتير .. ممكن سنين .. سنين علاچ وكله في الآخر ب ايد ربنا
صمت قليلاً ليردف بعد دقيقة او اكثر
ممدوح: اني بجولك الكلام ديه عشان اني ماعايزش اظلمك معايا .. اني عايزك في الحلال يا بت الناس وشوفتك كيف بتعاملي امي كأنها امك تمام .. ماهطلبش منيكي رد دلوكت .. فكري مليح وردك أياً كان هو ايه اني راضي بيه .. واعرفي ان بيتي هيفضل مفتحولك تيچي تزوري امي وجت ما تحبي حتى لو رفضتي .. لا عمري هبعدها عنك ولا هبعدك عنيها
ارتسمت ابتسامة خجولة على ثغرها من جملته تلك منعه نقابها الاسود من ان يراها .. بل يمكن ان نقول ان ذلك النقاب انقذه فربما لو رأى ابتسامتها تلك ل خر صريعاً في الحال .. طال الصمت وارتسم العبوس والحزن على وجهه من صمتها وقد ظن انها ترفض طلبه ولكنها تخجل من قولها صراحة في وجهه .. أدار جسده وكان بالتحرك لتتيبس أقدامه بالأرض حين اردف على استحياء
وفاء: هتقدر على مهري؟
نظر لها ممدوح وهو لا يصدق جملتها التي سمعها ليردف بعيون لامعة
ممدوح(بلهفة): جولتي ايه؟
وفاء: قولت هتقدر على مهري؟
ممدوح(بنبرة صادقة ولهفة): كل اللي املكه هيكون تحت رچليكي و كل اللي تطلبيه هچيبهولك .. دهب و فلوس و..
وفاء(مُقاطعة بنبرة هادئة): ولا حاجة من دول تلزمني
ممدوح(باستغراب): اومال ايه مهرك عاد؟
وفاء: ابقى اسأل خالي .. سلام عليكم
قالتها وتحركت لتدخل منزل خالها الذي وصلوا إليه ولم ينتبه حتى!! .. ارتسمت ابتسامة راضية على وجهه وتحرك بقلب يدق بقوة بصدره وعقل منشغل ب لغز ذلك المهر فهل حقاً سيقدر على الحصول عليه وتقديمه لتلك الملاك ذات الروح الجميلة؟!
///////////////////////////
تجاوزت الساعة التاسعة مساءاً وجلس جميع ابطالنا بصالة السرايا الواسعة .. ها هي ايمان التي تحمل بين ذراعيها صغيرها الذي يصدر همهمات صغيرة مثله وها هو زوجها الحبيب يجلس بجانبها بعيون لامعة وهو ينظر لها وهي تحمل قطعة منه منها بين يديها .. وها هي دعاء التي لم تكن لتفوت ذلك التجمع الجميل ليرضخ الجميع لرغبتها ويعملوا على إخراج تلك الكنبة التي تُفتح على هيئة سرير من غرفة الضيوف للصالة ليفردوها حتى يتثنى لها الجلوس معهم وهي مُمددة على ذلك الفراش وبجانبها بدر وبدور .. قطعتي من قلبها .. ترتسم ابتسامة عاشقة على وجه معتز وهو يراها تلاعب بدر تارة وبدور تارة اخرى مُقسمة حبها عليهما بالتساوي دون تفرقة .. مد يده ليُمسك بيدها برفق عاشق ليجدها تفعل ما جعل دقات قلبه تتواثب بقوة بين أضلعه .. شبكت أصابعها بأصابعه وعانقت بعينيها عيناه وحركت شفتيها لتهمس له دون صوت "بحبك" .. هنا يجلس سالم وصالحة مستمتعين بتجمع عائلتهم حولهم .. وهنا تجلس رحمة وبأحضانها يجلس يونس ويُحاوطهم حمزة بذراعه القوي وكأنه يرسل رسالة مُبطنة لهم انه سيُشكل لهما درعاً حامياً .. وهنا يجلس الحاج عبد الحميد وبجانبه عكازه بعدما اصبح يستغنى عن كرسيه المتحرك في تنقلاته داخل المنزل ويحمد ربه بقلبه انه قد أمد في عمره حتى تلك اللحظة التي عاد يشعر فيها بحب ودفئ عائلته .. هنا الصاعقة ومجنونته وهنا دكتورنا العزيز وزوجته العنيدة وهنا الغول والسندريلا خاصته الهادئين كعادتهم والمتعانقة عيونهم كعادتهم أيضاً يقولون كلام بعيونهم وحدهم من يفهموا معناه .. هنا كل شباب العائلة وكل منهم يغازل محبوبته بعينيه لترد هي عليه بعيونها بكلام لا تكفي كل حروف الأبجدية ل وصفه .. انتبه الجميع على صوت سيف الحديدي الذي اردف بنبرة درامية جادة وهو ينظر لكوب المُغات القابع بين يديه
سيف(باستمتاع): آها .. آها
رفع مراد حاجبه ليجد سيف يكمل بدرامية اكثر
سيف: هنا سأسكت قليلاً .. هنا .. سأسكت .. قليلاً .. احتراماً .. وتقديراً .. لهذا الچميييييييل
قالها ورفع الكوب على فمه ليأخذ المتبقي منه دفعة واحدة ومن ثم يُنزل الكوب فارغاً تماماً إلا من بعض القطرات الملتصقة بجدار الكوب الداخلي
سيف(بتلذذ): حقيقي تسلم الأيادي
صالحة(بابتسامة بسيطة): بالهنا والشفا يا ولدي .. اچيبلك تاني؟
كاد سيف ان يجيب موافقاً ليلمح نظرة والده المحذرة ليردف بعبوس طفولي
سيف: لا متشكر .. اصلي بحب انام خفيف خفيف
كتم الجميع ضحكاتهم على تعابير وجهه المضحكة ليردف سيف وهو يقف
سيف: ها بقى هنعمل ايه بقا؟
احمد: هنعمل ايه في ايه؟!
سيف: في الاحتفال
زين(وهو يضيق حاجبيه باستغراب): احتفال ايه عاد؟!
سيف: الاحتفال بالمنياوي الصغير
ايمان: يا ابني ما احنا احتفلنا
سيف(بصياح): نعممممم فين دا؟!!!!!
مروان: انت هتستعبط يلا والمُغات والفتة اللي أكلتهم؟!!!
سيف: اديك قولت أكلتهم .. انا بتلكم عن الاحتفال .. المزيكا .. الرقص .. الهون واسمع كلام ابوك واسمع كلام امك
ايمان(بابتسامة بسيطة): الكلام دا مش هنا .. هنا للولد بيعملوا عقيقة بيدبحوا فيهم عجل او اتنين ويوزعوه عالناس ويعملوا اكل ومغات وبس .. وبعدين مش انت حضرت ضرب النار الصبح
سيف(بصدمة وصياح): احلفي .. يعني مفيش احتفال .. دا انا اروح فيكم في داهية
مراد(بتحذير): سييييف
سيف(بنبرة اهدأ): اعذرني يا ولدي بس الواحد مش هيبقى خال وعم سوا كل يوم في عمره .. عن اذنك
قالها وانصرف بسرعة نحو المطبخ تاركاً الجميع ينظرون في اثره بضحكات زادت عندما عاد وهو يحمل بين يديه ذلك الهون النحاسي الذي اخذ يدق به هاتفاً بفرحة وهو يقترب من عبد الرحمن الصغير
سيف(بابتسامة واسعة): اسمع كلام امك .. اسمع كلام ابوك عم ذئاب الجبل .. اسمع كلام عمك وخالك سيف الحديدي
احمد(بصوت عالي وهو ينظر لعبد الرحمن): اوعى تسمع كلامه يلا دا هيضيعك .. اسمع كلامي انا خالك وعمك احمد الحديدي
فارس(بصياح منضماً لهم): اطلع جامد وشديد زي ابوك يا عبده
مروان(بصياح وضحك): ولا يا عبده .. ابقى اشقط بنات لما تكبر يلا
ضربت مريم مروان في معدته ليردف وهو يمسك معدته
مروان(بمزاح يشوبه الألم الخفيف): خلاص اترهبن يا عبده
انفجر الجميع ضاحكاً ولمعت عيون زين بسعادة من كلامهم الذي برغم حمله للمزاح بين طياته إلا كونهم اعتبره أخوهم وصرحوا بها في حديثهم مع صغيره الذي أخذ يصدر همهمات سعيدة وكأنه فهم كلامهم ذلك .. وضع سيف الهون من يده ليُمسك هاتفه مُشغلاً أحدى الاغاني قبل ان يستأذن الحاج عبد الحميد في عصاه السوداء ليحملها ويقف في منتصف الساحة ويبدأ في الغناء والتمايل مع الاغنية التي صدحت حولهم
اللى منك منك .. وانت منه يا عم .. الشكل هو هو .. والدم هو الدم
اللى منك منك .. وانت منه يا عم .. الشكل هو هو .. والدم هو الدم
اثم اخذ يشير لجميع الامهات الجالسات امامه بفرحة والتي اصبحت ايمان ودعاء منهن الآن ليردف بابتسامة
اللى امه تملى بتدعيله تدعيله .. احسن من اللى امه بتديله تديله
اللى امه تملى بتدعيله تدعيله .. احسن من اللى امه بتديله تديله
يلا نفرح ونغنيله وننسى حبه الهم .. آه يا عم
انضم مروان وفارس واحمد له ليتكاتفوا جميعاً ويُحركوا اقدامهم بطريقة معينة تشبة رقصة الدبكة ولكن بطريقتهم الخاصة مشاركين سيف غناءه ورقصه احتفالاً بذلك الصغير لتعلوا اصواتهم مكملين كلمات الاغنية
ولا ولا .. ايه .. انت يالا .. ايه .. هنقضى الليلة هزار
ولا ولا .. ايه .. تيجى يالا .. ايه .. دا فرحنا مولع نار
تقدم سيف من ايمان ليحمل عبد الرحمن الصغير على يده وأخذ يحركه برفق وحنان وهو يغني ويبتسم بسعادة مع ذلك الصغير الذي اخذ يضحك بسعادة آسرة
لموا كل العيلة وشغلوا الديجيهات
عشان عريس الليلة السكر الشربات
لموا كل العيلة وشغلوا البوجيهات
عشان عريس الليلة السكر الشربات
اشار نحو زين وايمان ليغني بحماس ومعه جميع شباب العائلة
هاتوا ابوه هاتوا امه هاتوا خالوا وعمه
هاتوا ابوه هاتوا امه هاتوا خالوا وعمه
ايدك فى ايدى نرقص صعيدى والناس علينا تتلم
ما ان انضم زين وايمان لهم حتى تشابكوا جميعاً ومعهم فتيات العائلة ايضاً ليغنوا بحماس ومازال عبد الرحمن يسكن احضان سيف
ولا ولا .. ايه .. انت يالا .. ايه .. هنقضى الليلة هزار
ولا ولا .. ايه .. تيجى يالا .. ايه .. دا فرحنا مولع نار
تلمع عيون الجميع وهم ينظروا لتلك العائلة السعيدة ليُلاحظ سيف نظرة الحزن التي سكن عيون صفاء التي كانت صامتة طوال جلستهم شاردة بمالك قلبها و مَن كانت تتمنى لو كان معها في ذلك اليوم الذي لطالما حلموا به .. يقترب سيف منها ليردف بنبرة مازحة خفيفة رسمت ابتسامة على وجهها ليضع عبد الرحمن الصغير بين احضانها وهو يردف مع الاغنية
يا حلو ياللى مكشر على ايه عقلك يشت
شاور بأيدك وقشر وانا ارقصك على التت
يا حلو ياللى مكشر على ايه عقلك يشت
شاور بأيدك وقشر وانا ارقصك على النت
يا قمر وحكاية فين الضحكاية
يا قمر وحكاية فين الضحكاية
يا عيون يا حلوة عاوزلها غنوة حبك فى قلبى أهم
قالها ثم قفز مرة اخرى لينضم للشباب مكملاً رقصه معهم بقلوب تدق بفرحة عارمة ليتفاجئ الجميع بانضمام حمزة ورحمة لهم من جانب ومعتز وهو يحمل بدر على يده من الجانب الآخر ليردفوا بفرحة وأصوات عالية
ولا ولا .. ايه .. انت يالا .. ايه .. هنقضى الليلة هزار
ولا ولا .. ايه .. تيجى يالا .. ايه .. دا فرحنا مولع نار
ارقص .. هيص .. واعمل كدا اهوه وكدا اهوه
ولع .. كهرب .. وتعالى نعمل كدا اهوه
دا اللى منك منك .. وانت منه يا عم
مع نهاية الاغنية وقع جسد رحمة ارضاً لتقع معها القلوب التي كانت تدق بسعادة منذ دقائق .. فهي كانت تقاوم شعور الاعياء الذي اصابها منذ الصباح وذلك الدوار اللعين الذي كان ضيفها طوال الايام السابقة .. ظلت تقنع نفسها انه شئ طبيعي في سنها ولكن هل هو فعلاً شيئاً طبيعياً؟! .. اسرع حمزة بحملها ليُدخلها اقرب غرفة ويتبعه جميع افراد العائلة بقلوب تدق بلهفة وخوف .. مرت دقائق وأكرم الشاذلي يقوم بكشفه الطبي بطريقة عملية بحتة دون ان يُبدي اي تعبير على وجهه مما جعل القلق يتلاعب بقلوب جميع الواقفين .. مرت بضعة دقائق اخرى واستطاع أكرم ان يجعل رحمة تستعيد وعيها لترمش بأهدابها اكثر من مرة حتى تعتاد ضوء الغرفة قبل ان تنتبه لصوت بكاء يونس الذي يحتل نبرته في نداءه لها الذي آلم قلبها .. أجبرت نفسها على ان تفتح عينيها بشكل اكبر لتردف بحنان
رحمة(بنبرة هادئة): ماتخافش يا يونس انا مليحة يا حبيبي
ما ان نظرت بجانبها حتى وجدت حمزة ينظر لها ووجهه حرفياً يُحاكي الموتي من فرط انسحاب الدماء منه .. انتبهت على يده التي ارتعشت وهي تمسك بيدها وقد شعر لثانية انه كاد بخسارتها كما خسر من قبلها الكثير .. رسمت ابتسامة مُطمئنة على شفتيها وهي تنظر لها وأغمضت عينيها مطمئنة إياه لتردف صالحة بلهفة صادقة
صالحة: انتي مليحة يا خيتي؟
رحمة(وهي تومئ برأسها): الحمد لله ..(ثم نظرت حولها لتردف بتيه).. هو ايه اللي حصل؟!
تولى أكرم الاجابة عن هذا السؤال حين ابتسم وأردف بالجملة التي جعلت قلب رحمة وحمزة يدقوا بقوة حتى كادوا يتوقفوا من فرط الدق
أكرم(بنبرة هادئة): اللي حصل ان عيلة المنياوي هتزيد فرد جديد
شهقت البنات بفرحة وسكنت السعادة قلوب الجميع حين فهموا قصد أكرم الشاذلي بينما نظرت رحمة لأكرم لتردف وهي لا تستوعب ما يقول
رحمة(بعدم استيعاب): فرد ايه؟! فرد مين؟! انت هتجول ايه؟!
أكرم(بنفس النبرة الهادئة): مبروك يا مدام رحمة .. حضرتك حامل
رمشت بأهدابها أكثر من مرة محاولة استيعاب تلك الجملة ليردف عبد الحميد بفرحة تحتل كيانه الذي أخذ يرتعش بسعادة
عبد الحميد(بفرحة): حامل؟!!
أكرم(بتأكيد): ايوة .. حامل في شهر او شهر ونص, التحاليل هتبين أكتر
رحمة(بصدمة): مين دي اللي حامل؟!!
أكرم: حضرتك اللي حامل
رحمة(وهي مازالت لا تصدق): حامل كيف؟! اني كبيرة
ايمان: كبيرة ايه بس يا خالتو دا انتي يادوب 40 سنة
رحمة(وهي تنفي برأسها بعدم تصديق): لاه اني.. اني..
صمتت وكأن حروفها هربت منها .. تلك الحروف التي رافقوها لسنوات والتي كانت هوايتها في الماضي التلاعب بهم في قصائدها قد اختفت .. قصائدها التي لم يرها سوى ذلك الجالس بجانبها بعقل شارد وأذن قد فقدت حاستها وكأن أصوات العالم أختفت من بعد جملة اكرم وتصريحه بحمل ساكنة القلب ومالكته بثمرة حبهم .. لمعت الدموع بعينيها ليبتسم أكرم ويقف ليتحرك خارج الغرفة وخلفه جميع افراد العائلة تاركين هذين الزوجين ينعمان بتلك اللحظة الخاصة .. الخاصة جداً .. مرت دقائق من الصمت كان كل منهما شارداً بنظراته لتبدأ ابتسامة بسيطة في شق طريقها على شفتي رحمة لتتسع شيئاً فشيئاً لتكرر تلك الكلمة التي لا نبالغ إن قلنا أنها كانت أكسير الحياة بالنسبة لها
رحمة(بهمس مسموع مخلوط بفرحة): اني حامل
وكأن صوتها وجملتها تلك هما من جذبوه من شروده لأرض الواقع مرة اخرى ليردف وكأنه يخشي التصديق
حمزة(بدقات قلب متواثبة): هو .. الداكتور .. جال ايه؟
رحمة(وهي تنظر له): جال اني حامل
قالتها ثم امسكت كف يده لتضعه على بطنها وتردف بنبرة مرتعشة يشوبها دموع الفرح ويستعمرها الكثير من المشاعر لتكررها مرة اخرى
رحمة(بعيون لامعة بالدموع): اني حامل
فتح فمه وحرك شفتيه المرتعشة وراءها بدون صوت وهو يحاول استيعاب تلك الجملة ويتذوق حلاوتها .. تعانقت عيونهم وهربت دموع الفرحة من عيونها لتتبعها دموعه هو قبل ان يجذبها بقوة لأحضانه ويشبث كل منهما بالآخر خائفين ان يكونوا بداخل حلم سيستيقظوا منه .. يضمها لصدره بقوة وتتمسك هي بجلبابه ودموع كل منهما تغرق ملابس الآخر فرحين بكرم الله وعوضه الكبير .. فرحين بتلك الهدية التي مَنَّ الله عليهم بها .. تلك الهدية التي ستكون اكبر اثبات ان قلوبهم مُعلقة ببعضهم حتى آخر أنفاسهم .. تلك الهدية التي ستكون البرهان على عشقه لها الذي لم ينضب أبداً وعلى عشقها الذي سكن قلبها ولم تستطع رياح الزمن ان تنتزع جذوره من قلبها .. نعم كانت ومازالت وستظل عاشقة له فهي الأخرى قد عشقت من الصعيد
عشقت من الصعيد 🌴♥️ - ♥️ الخاتمة ♥️
قُلتها سابقاً وحان الوقت لأُكررها .. قد تجبرك الحياة على تقبل واقع لا تتمناه .. قد تموت بداخلك اشياء تحبها لتُبعث من رمادها اشياء اخرى ستعشقها .. قد تضطرك الظروف على تغيير مجرى حياتك لتكتشف فجأة انك على اعتاب حياة جديدة .. قد تُرغم على التواجد بمكان تكرهه لتقع في حبه دون ان تدري .. قُلتُ من قبل يكون الحمل خفيفاً حين يحمله اثنين ويلتئم الجرح سريعاً حين يجد يداً تُداويه .. يرتاح القلب بقرب من تألف الروح لهم وتأنس بوجودهم .. وحلاوة العوض قادرة على ان تُريح القلب من كل وجع زاره .. العوض يهدهد الروح ويمحو كل ذكرى سيئة سكنتها .. وأخيراً قُلت انه قد يقع قلبك بعشق لا يقدر الزمن على نزعه من داخلك .. تبقى ذكرياته مرسخة بداخل روحك تأبى ان تتلاشى .. تأبى ان تغيب .. تأبى تلك الأيام التي عشتها معه ان تطير من عقلك كما يطير الدخان في الهواء ويتلاشى ببطئ .. تأبى ان تنمحي .. فكيف تمحو ايام لها بعمق روحها اثر .. حينها احذر .. احذر ان يقودك عنادك لطرق لا رجعة منها .. احذر ان يتحكم فيك ويجعلك كالعروس الخشبية المربوطة بخيوط عديدة تحركها أصابعه .. احذر .. فإن قراراتك التي تأخذها بدافع العناد وحدك من ستدفع ثمنها .. اعطي فرصة ثانية لقلبك ولمن سكنوه ليلملموا قلبك المكسور ويُجبروه .. عساك تعود لتحس بمعنى الحياة .. عسى ندمهم الصادق يُمحي كل أثر لوجع وحزن زار روحك يوماً .. عسى وجودهم يُعيد شعورك بوجودك .. اطلق العنان لقلبك و بُح بما يسكنه ؛ فقليل البوح يموت غرقاً في صمته .. هن قررن البوح .. هن قررن تسليم قلوبهن لمن امتلكوها .. هن من تملك العشق من قلوبهن فهتفوا انهم عشقوا من الصعيد .. انظروا امامكم .. انظروا جيداً .. هل ترون سرايا المنياوي .. تلك السرايا التي تغيرت كثيراً عما كانت عليه منذ 5 سنوات .. نعم أعزائي 5 سنوات .. 5 سنوات مرت على عائلتنا الحبيبة .. عائلة المنياوي .. مرت بكل ما فيها من فرح وسعادة وضحك وبالتأكيد شابت بعض الأيام بوجود دموع لا يطول وجودها في عيون ساكني تلك السرايا .. فكيف يطول الحزن قلب اي منهم وحوله تلك العائلة المحبة .. تلك العائلة التي عشنا معها وشاركناهم حزنهم وفرحهم .. شاركناهم أدق التفاصيل وحان الوقت لنشاركهم تفاصيل آخر يوم لنا معهم .. هيا بنا نقترب ببطئ نحو ذلك المنزل الذي شهد على حكايات كثيرة .. هنا وُلدت قصص حب ساكني هذا البيت .. هنا رأى سالم المنياوي صالحة لأول مرة ليدق قلبه بين جنبات صدره لتلك التي صلحت اسماً وصفة .. هنا حمل حمزة رحمة الصغيرة بين يديه لأول مرة وسلم قلبه لها لتكون رحمة لقلبه .. وهنا تلاقت عيون معتز ودعاء لأول مرة ليقع قلبه في شباك عشقها وتكون دعاءه لسنوات .. وهنا ولدت قصة حب القاهرية والصعيدي .. قصة الحب التي بدأت بصدام ثم مشاكسات ثم عشق تشعب بالوجدان وامتدت جذوره بالروح والكيان .. عشق جعل ذلك الصعيدي القوي الجامد يهتف بأعلى صوته انه عاشق لتلك التي أسرت قلبه ما ان لمح طيفها الفاتن وجعل تلك القاهرية العنيدة التي لم ترضخ للحب أبداً تصرخ انها عشقت من الصعيد .. شهد هذا المنزل على الكثير وسيشهد على أكثر فمن يعلم ربما تولد بين جدرانه قصص عشق جديدة لقلوب صغيرة تسكنه .. هيا بنا نمر اولاً بحديقة السرايا .. هل ترون تلك الورود الحمراء .. هل لو اخبرتكم ان من زرعها هو زين المنياوي ستصدقون؟ ماذا؟! لن تصدقوا .. انتم أحرار ولكن تلك هي الحقيقة .. تلك الورود زرعتها أيدي ذلك الصعيدي مجاورة لذلك الحوض الكبير من النعناع البلدي ذو الرائحة القوية الذي زرعه سالم المنياوي لحبيبة قلبه التي تعشق الشاي الصباحي الممزوج بعيدان النعناع الطازج .. زرع سالم النعناع وزرع زين الورود ولكل منهم طريقة في التعبير عن حبهم .. فزين قد زرعهم لمن ملكت قلبه؛ فهو قد اعتاد ان يقطف وردة يانعة متفتحة كل صباح ليضعها على سريره مجاورة لتلك التي تسكن قلبه قبل ان يطبع قبلة بسيطة على وجهها الجميل ومن ثم يتحرك ليُوقظ بنفسه عبد الرحمن المنياوي الصغير المُتعلق بوالده كثيراً .. لا تظنوا ان زين وحده هو من يفعل ذلك, فكل عاشق يُهادي محبوبته بما تحبه .. على سبيل المثال منزل حمزة المنياوي أصبح يُحيطه الكثير من ورود الياسمين التي تعشق حبيبته رائحتهم .. وكذلك منزل الراوي فمعتز زرع الريحان والقرنفل البلدي لدعائة التي كانت تعشقهم منذ زمن ولم تخبر أحد بذلك السر ولكن بالطبع لا يُخفى شئ على ذلك العاشق فهو ما ان رآها وهي لم تتعدى 10 سنوات تشم الريحان والقرنفل في الحقول اثناء عودتها من المدرسة حتى ترسخ بعقله تلك الذكرى عن محبوبته وبدأ يعمل ليُعيد لحياتها كل ما تحب .. كل رجل من أبطالنا عاشق مميز ولكن للحق من يمتلكوا قلوبهم يستحقون ذلك .. انظروا معي لداخل مطبخ المنزل .. هل ترون ذلك .. نساء عائلة المنياوي تتحركن بحرية داخل ذلك المطبخ الواسع وكل منهم مشغولة بعمل أكلة يعشقها من يسكن قلبها .. هنا إيمان تصنع طاجن الارز المعمر الذي يعشقه زين والذي أصبحت ماهرة في إعداده .. وهنا تقف دعاء لتصنع الملوخية على الطريقة القاهرية التي تعلمتها من إيمان بعدما علمت من فرح اخت معتز انه أحب تلك الطريقة أثناء وجوده بالقاهرة .. وهنا تقف رحمة لتصنع الارز باللبن الذي يدمنه حمزة من يدها .. وهنا تقف صالحة لتقوم بحشو الحمام بالفريك الذي يحب سالم أكله من يديها .. وأخيراً هنا تقف صفاء التي أصبح أبيها عبد الحميد المنياوي لا يأكل إلا من يدها .. تقف لتصنع له صينية البطاطس بطريقة والدتها التي تُضفي طعم لذيذ لها .. كل منهن تقف وتتفنن في الإبداع في تلك الأكلة الكامنة بين يديها ليس لشئ سوى لترى ابتسامة رضا مرسومة على شفتي من يسكنوا قلوبهن وكأن الأكل هو طريقتهم في التعبير عن حبهم .. او ربما يطبقون ذلك المثل الشهير "أقرب طريق لقلب الرجل .. معدته"
...: هاتي بطرمان الزبدة يا دعاء
قالتها إيمان وهي تمد يدها نحو دعاء الواقفة خلفها بتلك العباءة الزرقاء الملائمة لجسدها المكتنز بطريقة شهية والذي زاد جماله حين حددت خصره بذلك الحزام الرفيع ليُعطيها مظهر جميل وفاتن لا يليق سوى بها هي .. دعاء المنياوي
دعاء(وهي تناولها إياه): اتفضلي يا خيتي .. عمتي .. البطاطس لسالها كتير؟
قالتها دعاء وهي تنظر نحو صفاء لتردف الاخيرة
صفاء: لاه يا حبيبتي انا هطلعها من الچرن عشان تهدى هبابة
قالتها لتضحك إيمان وهي ترى والدتها عادت لتلتقط بعض الكلمات الصعيدية مرة اخرى
إيمان: رجعنا للصعيدي يا ماما
صفاء(بابتسامة بسيطة): وهو انا كنت سيبته .. الحكاية كلها ان لساني كان واخد على كلام مصر بس الصعيد عمره ما طلع من قلبي
إيمان(بابتسامة واسعة): اوبااااا يا صفصف يا جااااامد
قالتها إيمان وهي تحتضن والدتها بسعادة لتبادلها والدتها ذلك الحضن الدافئ قبل ان تخرجها من احضانها بهدوء مردفة وهي تنظر لوجهها
صفاء: مش كفاية كدا بقا عشان ماتتعبيش
قالتها وهي تضع يدها على بطنها المنتفخة قليلاً لتبتسم إيمان وهي تضع يدها بجوار يد والدتها وتستشعر وجود تلك الجميلة الصغيرة بداخلها .. تلك الصغيرة التي تسكن باحشاءها منذ خمسة أشهر والتي لم يتبقى الكثير على انضمامها لعائلتنا الجميلة .. اخذت إيمان نفساً قصيراً قبل ان تردف بهدوء
إيمان(بابتسامة هادئة): انا خلاص خلصت اصلاً .. هحط الطاجن في الچرن وهقعد
ابتسمت وهي تنظر نحو صالحة التي علمتها تلك الكلمة لتبتسم الاخيرة وهي تسمعها وتتحرك نحوها بهدوء قبل ان تحاوطها بحنان مردفة
صالحة: اجعدي انتي يا بتي انا هحطه وهتابعه كمان
رحمة(بنبرة مزاح): وماتجلجيش هنبجى نجول لزين انك انتي اللي عملتيه
إيمان(بارتباك): وهو انا عاملاه علشان زين؟! انا عاملاه لينا كلنا
دعاء(وهي تكتم ضحكاتها): ايوة ايوة مفهوم
رحمة(بضحك ومزاح): ايوة طبعاً مفيش كلام
احمرت وجنتا إيمان بخجل لترتسم ابتسامات على وجوههن جميعاً قبل ان تختفي فجأة وتشكن شهقة صدورهن عندما نظروا نحو باب المطبخ ووجدوا أمامهم هذا المنظر الصادم!!!
///////////////////////
على الجانب الآخر من القرية وبالتحديد امام احد الارضي الزراعية الكبيرة يقف الحاج سالم المنياوي وهو ينظر بابتسامة سعيدة وهادئة لأراضيه التي كساها اللون الاخضر القادر على اسر القلوب وبث الراحة والسعادة في النفس .. يرى الشجر من حوله وقد أثمر بما لذ وطاب من الفاكهة وتنوعت محاصيل الأرض وقد حرص معتز على استغلال كل شبر بتلك الأراضي ليُحولها لقطعة من الجنة .. تتسع ابتسامة سالم وهو ينظر نحو ابنه الذي يُعطي للعاملين بالأرض بعضاً من المحصول سواء كان فاكهة او خضار منفذاً تعليمات أبيه حتى يُشعرهم انهم لا يعملون لديه بل يعملون معه وإن كانوا يتقاضون أجراً مقابل عملهم بالأرض فلابد ان يجعلهم يذوقون مما تعبوا في زراعته ورعايته لفترة طويلة حتى لا يأتي اليوم ويدخل الشيطان لهم من ثغرة شهوتهم لما لم يذوقوه .. يرى زين يُمازح العاملين ليشعر بالفخر بابنه وخليفته .. يفخر بتربيته التي حرص ان يزرع بذور التواضع بها وها هو يرى تلك الزرعة التي زرعها بابنه قد أثمرت .. ينظر بجانبه لمعتز الواقف بهدوء يُعطي تعليماته لرئيس العمال الذي ما ان تحرك مبتعداً حتى اقترب سالم من معتز واضعاً ذراعه حول كتفه مردفاً بابتسامة هادئة كملامحه الرجولية الهادئة والجميلة
سالم: عفارم عليك يا ولدي .. الارض بجت بتچيب ضعف محصولها وكل التچار بيشكروا في المحصول وكل ديه يرچعلك الفضل فيه بعد ربنا
معتز(بابتسامة بسيطة): اني ماعملتش حاچة يا حاچ سالم .. الخير اللي حضرتك وزين بتعملوه بيعودلكم في الارض وحب الناس ليكم
سالم(وهو يربت على ظهره بحنان): تسلم يا ولدي .. تسلم على حاچات كتير
معتز(بنبرة هادئة): اني ماعارفش حضرتك هتتشكرني على ايه .. هو فيه أب هيشكر ولده على واچبه
قالها معتز بابتسامة ونبرة صادقة قبل ان يردف بنبرة خفيفة
معتز(بخفة ومزاح): ولا حضرتك مامعتبرنيش كيف زين؟!
سالم: بالعكس يا ولدي .. اللي انت هتعمله إهنه في الارض واللي شوفته منيك في معاملتك مع بتي يخليك في غلاوة ولدي تمام
معتز(بابتسامة واسعة): خلاص يبجى ماتشكرنيش عاد .. حضرتك كيف أبوي الله يرحمه وبعدين الهدية اللي حضرتك هادتني بيها تخليني لو عشت عمري كله اردلك چميلك ديه ماهكفيش
ابتسم سالم حين فهم انه يرمي لزواجه من دعاء .. يرى حبه لأبنته الساكن عينيه .. ماذا يريد الأب اكثر من ذلك .. ماذا يريد أكثر من رجل يحب أبنته ويحافظ عليها .. ربت سالم على ظهره بحنان داعياً بقلبه قبل لسانه ان يديم سعادة عائلته جميعاً .. انتبه سالم لاقتراب زين منهما ليردف بنبرة هادئة
سالم: خلصت يا ولدي؟
زين: إيوة يابوي
سالم: اوعى يكون فيه حد مشي وهو نفسه في حاچة
معتز: ماتخافش يا حاچ سالم .. زين بيدي كل واحد اللي نفسه فيه وأكتر كمان .. ربنا يجدركم على فعل الخير
أمن سالم وزين وراء معتز ليردف زين بنبرة خفيفة
زين: مش يلا بينا عاد نعاودوا .. اني خلاص عصافير بطني هتموت من الجوع
معتز(بهمس وغمزة): عصافير بطنك ولا عصافير جلبك
قالها معتز بنبرة هامسة لزين ليدفعه الاخير بمزاح حين فهم انه يرمي لشوقه لتلك القاهرية التي ملكت قلبه وأصبح لا يقدر على الابتعاد عنها .. ابتسم سالم وهو ينظر لهما ولمشاكساتهما التي تطمئن قلبه على عائلته الجميلة التي يعشقها .. تحرك الجميع متجهين للدار وقلب كل منهم مشتاق لرؤية من تسكنه
//////////////////////////
...: هي حصلت؟! راجعلي بالهدوم مقطعة!!
قالتها إيمان بغيظ وحدة خفيفة لعبد الرحمن الواقف امامها بملامحه صعيدية وكأنه نسخة طبق الأصل من زين المنياوي .. نعم هو .. الشعر الاسود والعيون الحادة العميقة .. الملامح الرجولية المخلوطة بطفولة آسرة .. الجسد المفرود بغزة لا يقدر أحد على كسرها .. ينظر لوالدته الغاضبة والتي تقبض بين يديها على قميصه الابيض او ما كان يُسمى قميصاً .. فبعدما قطعت ياقته وتمزق احد أكمامه بذلك الشكل لم يعد يصلح ان يُسمى قميصاً .. نظرت إيمان لأبنها وهي تحاول ان لا تتأثر بملامحه التي تشبه ملامح من يسكن قلبها لتتفاجئ حين وجدته يردف بشجاعة غريبة على عمره
عبد الرحمن: اني ماغولوطتش
إيمان(بنبرة يشوبها الغضب الخفيف): انت كمان بتكابر؟! ايش حال راجعلي وهدومك مقطعة! إيه هتشتغل بلطجي على آخر الزمن؟!
عبد الرحمن: اني مش بلطچي .. انا كنت بنفذ كلام حضرتك
إيمان(وهي تضيق حاجبيها باستغراب): كلامي انا؟!!
عبد الرحمن(وهو يومئ برأسه): ايوة .. مش حضرتك جولتي ان العيلة خط احمر ومانجبلش أي حد يچي جنبها
إيمان: أيوة قولت كدا
عبد الرحمن: انا بجا كنت بدافع عن عيلتي وعن اللي يخصني
إيمان(وهي ترفع حاجبيها باستغراب): يخصك؟!
عبد الرحمن(بنبرة يشوبها الغيظ): ايوة .. منصور ومدكور ومسرور كانوا بيرزلوا على بدور ومنة وفريدة وأخدوا العرايس منيهم
إيمان: ودا يخليك تضربهم؟!
عبد الرحمن(بنبرة تحمل الغيظ والغضب داخلها): اني ماضربتهمش غير لما بدور عيطت .. محدش يزعل بدور
إيمان(بتهكم): ومنة وفريدة عادي!
عبد الرحمن(وهو ينفي برأسه ببراءة): لاه مش عادي بس منة عنديها بدر وفريدة عنديها يونس لكن بدور بتاعتي اني وبس
إيمان(بنبرة تهكم يشوبها الغيظ والمزاح): صلاة النبي أحسن انتم مقسمينها؟!! وبعدين ايه بتاعتك دي؟! هي عجلة!! و إيه منصور ومدكور ومسرور دول كمان .. دي اسامي اطفال ولا اسامي قُطاع طرق
عبد الرحمن(وهو ينظر لها بقوة): بصي يا ماما .. اني من الآخر إكده مش ندمان لأن عيلتي خط احمر ومحدش يجرب منهم ولا يزعلهم ابداً
نظرت إيمان نحو صغيرها وهي تحاول منع تلك الابتسامة من شق طريقها على وجهها .. اي صغير .. لا هذا ليس طفلاً صغيراً بل نسخة مصغرة منها ومن زوجها العزيز .. أخذ كل الطباع منهما حتى العناد والشخصية القوية وحمايتهم للعائلة .. هدأت نبرة إيمان لتردف وهي تنظر لابنها الذي رغم اعترافه بعدم ندمه إلا ان نظراته تسكنها الخوف من ردة فعل والديه .. يعلم ان الأمر لن يصل للضرب وهذا شئ مؤكد فهي وزين أخدوا عهد على انفسهما ان لا يعتمدوا هذا الاسلوب في التربية ولكن ما يخشاه هذا الصغير ان يأخذوا موقفاً منه .. هو قد يتحمل اي شئ إلا ان يُحزن أمه او ابيه
إيمان(بنبرة اهدأ): عبد الرحمن .. قرب
اقترب عبد الرحمن قليلاً لتردف إيمان بنفس النبرة
إيمان: اللي انت عملته دا غلط
عبد الرحمن: لاه اني...
إيمان(مُقاطعة بنفس النبرة): ماتقاطعنيش .. وماتكابرش .. انت غلطت في انك استخدمت الاسلوب دا .. من امتى واحنا بنضرب اللي يضايقنا حتى لو كان يستاهل الضرب فعلاً .. من امتى واحنا مش بنستخدم عقلنا
عبد الرحمن: يا ماما هو اللي استفزني
إيمان: وانت كدا اديته المفتاح اللي هيتحكم فيك بيه .. الغضب والعناد .. هو خلاص بقا عارف انه لو استفزك انت هتلغي عقلك وتتصرف بغضب أعمى .. قولي , هو مايقدرش بكرة يجيب اخوه الكبير يضربك؟
عبد الرحمن(ببراءة): ماعندوش اخ كبير
إيمان(وهي تمنع ابتسامتها على براءته): ابن خالته ابن عمه اي حد وخلاص .. يقدر يجيبه علشان يضربك زي ما ضربته .. وساعتها انت هتجيب حد يضربه وهتبقى الحكاية بلطجة مش أطفال بيلعبوا
عبد الرحمن: اني مش طفل .. اني راچل
إيمان: وهو الراجل بيكون راجل بكلامه ولا بأفعاله .. ماينفعش ايديك تكون سابقة لسانك وعقلك .. اللي عايز يحمي عيلته بيحميها بـ ده ..(قالتها وهي تشير لرأسه).. قبل ده ..(قالتها وهي تشير ليده).. فهمت؟
عبد الرحمن(وهو ينظر لها ببراءة آسرة): يعني اعمل ايه يا ماما؟
إيمان: قولتلي تعمل ايه أقولك انا بقا .. انت تدخل تغير هدومك زي الشاطر وبعدين تلبس طقم نضيف بدل اللي اتبهدل دا .. وتنزل معايا علشان زمان بابا على وصول ولازم نتجمع ونتغدا معاه ومع العيلة زي ما احنا متعودين .. وبعدين نقعد انا وانت بالليل نفكر في حوار استاذ مغلوب دا
عبد الرحمن(بتصحيح برئ): منصور يا ماما
إيمان(بابتسامة ونبرة مزاح): اسمه هيبقى مغلوب انت ايش عرفك ..(ثم نظرت له بجدية لتردف).. قولي يا عبده, هي دي اول مرة يدايق البنات؟
عبد الرحمن(وهو ينفي برأسه): لاه .. هو وأخواته مدكور ومسرور دايماً بيدايجوا بدور ومنة وفريدة ويغلسوا عليهم
هزت إيمان رأسها وقد تأكد حدسها من ان ذلك الصغير وأخوته هم من تسببوا في انفجار بركان غضب الصعيدي الصغير فهي تعلم ان ابنها رغم غضبه الكبير وعناده الشديد إلا انه ليس من السهل جعله يفقد أعصابه ويتصرف بتلك الطريقة .. رسمت ابتسامة على وجهها لتردف بهدوء
إيمان: يلا بسرعة غير هدومك وأنا هنزل اشوف الاكل
عبد الرحمن: حاضر .. ماما
إيمان(وهي تنظر له): أيوة يا حبيبي
عبد الرحمن(بتوجس): هو .. حضرتك هتجولي لبابا؟
إيمان(وهي تنزل لمستواه): بص .. هو انا لازم أقوله لأننا ماتعودناش نخبي حاجة على بابا .. بس أوعدك اني أخليه مايزعلش منك لو أنت وعدتني انها هتكون اخر مرة تتصرف بالطريقة دي
عبد الرحمن(بابتسامة بريئة): أوعدك يا ماما
إيمان(وهي تقرص وجنته بحب): قلب ماما يا ناس
///////////////////////////
تقف رحمة بغرفتها وعلى السرير الكبير وضعت تلك الشقية الصغيرة لتبدأ في تبديلها لملابسها وهي تستمع لتفاصيل الواقعة من خلال تلعثمها الطفولي الذيذ الذي يدغدغ قلبها .. تبتسم وهي تنظر لها.. لتلك الهدية الكبيرة التي لو ظلت تحمد ربها عليها عمرها كله لما أوفت حقها .. لتلك النعمة التي أهداها الله لها ومَنَّ عليها بها.. منة الله حمزة المنياوي .. الصغيرة ذات ال4 سنوات والتي تُعتبر النسخة المُصغرة من رحمة .. تشبهها في كل شئ إلا مشاكستها وثرثرتها التي أخذتها من والدها الذي يمكن ان نقول انه فعلاً عاد مُحباً للحياة حين حملها بين يديه لأول مرة .. شعر بقلبه ينتفض بين جنبات صدره ما ان داعبت رائحتها الطفولية الجميلة أنفه ليزداد دق قلبه حين ابتسمت ابتسامة أسرت قلبه .. ابتسامة مطابقة لابتسامة والدتها التي تعتلي عرش قلبه وتتربع عليه .. وكأن الله مَنَّ عليه بتلك الصغيرة كعلامة على مسامحته له .. مَنَّ الله عليه بها ليقرر هو تسميتها منة الله .. مَنَّ عليه بها لينعم في حياته .. مَنَّ عليه بها جزاء لتوبته وندمه الصادق ولكل ما فعل راغباً في محو ذنوب ماضيه .. مَنَّ عليه بها جزاء لذلك اليتيم الذي كفله في بيته وأحبه مثل ابنه وحتى بعد ان أتت منة حرص على ألا يُفرق بينه وبين منة في المعاملة .. كلاهما أولاده وكلاهما يسكنا قلبه وإن كان معظم القلب مسكون بتلك الجميلة التي لم يتوقف عن حبها يوماً والتي لم تتوقف هي عن عشقه ساعة .. انتبهت رحمة لمنة التي تُكمل حديثها بحماس طفولي
منة(بتلعثم طفولي): وبث كدا .. بدل ضلب مثلول بالفوكث في ثنانه وقاللي مث تعيطي ف انا ضحكت (وبس كدا بدر ضرب مسرور بالبوكس في سنانه وقاللي مش تعيطي ف انا ضحكت)
رحمة(بيأس من تلك الصغيرة): ماشي .. اتفضلي انزلي يلا عشان اشوف اخوكي
رفعت منة يديها نحو والدتها لتبتسم الاخيرة رغماً عنها وتقترب لتحملها حتى تنزلها ارضاً لتستغل تلك الصغيرة اقترابها من امها بذلك الشكل لتطبع قبلة عميقة على وجنتها قبل ان تجري وهي تردف بنفس التلعثم
منة(ببراءة): حبك خالث
ضحكت رحمة على تلك الصغيرة ذات القامة القصيرة .. القصيرة جداً .. تلك القادرة على جعل دقات قلبها تتواثب بقوة داخل صدرها تماماً كما يفعل والدها .. على ذكره تحركت لخارج الغرفة وهي تحاول رسم الجدية على وجهها بالأخص بعد ذلك المشهد الذي رأته كل النساء بالمطبخ .. الاطفال ممزقة ملابسهم ومتسخين وشعورهم مبعثرة بعشوائية ويقفون جميعاً امام زوجها العزيز الذي تلون اسفل عينه اليسرى باللون الازرق من أثر تلك الكدمة ويبتسم ابتسامة بلهاء غير ملائمة للموقف
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
💚 مرحبا بكم ضيوفنا الكرام 💚
هنا في كرنفال الروايات ستجد كل جديد
حصري ورومانسى وشيق ابحث من جوجل باسم الروايه علي مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو في قناتنا👈علي التليجرام من هنا يصلك اشعار بكل جديد من اللينك الظاهر امامك
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
لقراءة باقي الفصول اضغط هنا
💚 مرحبا بكم ضيوفنا الكرام 💚
هنا في كرنفال الروايات ستجد كل جديد
حصري ورومانسى وشيق ابحث من جوجل باسم الروايه علي مدوانة كرنفال الروايات وايضاء اشتركو في قناتنا👈علي التليجرام من هنا يصلك اشعار بكل جديد من اللينك الظاهر امامك
🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
لقراءة باقي الفصول اضغط هنا
