
بـدأت حنين تستعيـد وعيها رويدًا رويدًا، حتى هاجمها الضوء المُسلط عليها فأغمضت عيناها مرة اخرى بضعف، حركت يداها وفتحت عيناها لتدرك انها في مكان اخر خارج منزلها ...
وعند تلك النقطة تحديدًا هبت منتصبة تصرخ بصوت عالي :
-انا فين.. انتوا مييين !!!؟
كادت تنهض من على الكرسي الخشبي الذي كانت تجلس عليه.. ولكن فُتح الباب ليدلف شخصاً ما يخبرها بحزم هادئ :
-اهدي يا انسة
تمتمت بخوف :
-أنت مين، وعايز مني أية !!؟
هـز رأسـه نافيًا، يرد بصوت غامـض كلغز يصعب حله :
-الحقيقة مش أنا اللي عايز، الريس اما يجي هايفهمك كل حاجة
نهضـت مسرعة تنوي الهرب ولكنه أشار لها بيده مرددًا بصوت أجش حرك أطراف خوفاً ملحوظاً :
-ارجوكِ اقعدي مكانك، مش عايز اضطر استخدم معاكِ العنف عشان أنا ممنوع من دا !
ازدادت ازمة الضغط على أشلاء الخوف التي تناثرت بين جوانب قلبها المرتعد ..
استدار الاخر ليغادر مغلقاً الباب خلفه، فزفرت هي بقوة هامسة :
-الله يحرقك انت والريس بتاعك !!
مرت دقائـق ....
حتى وجدت الباي يُفتح مرة اخرى، ولكن الطارق لم يكن شخصاً عاديًا.. بل كان شخصًا غير متوقع بالنسبة لها !!!!
شخص عاكس إتجـاه جميع التوقعـات.. وكسر جميع القواعد ماحيًا عهد يسير بمبدأ الطبيعية...
خالقاً قوانين دفاعية لا تسري إلا في العشق !!!
توقـف إندفاعهـا.. وتصادم بلجام الصدمة، فظل هو يتطلـع لها قائلاً بهدوء تام :
-أقفلي بُقك يا حنين خلاص
وحينها إنفجر إنفعالها لتصيح فيه بحدة عالية :
-أنت مجنون يا حمزة ؟! أنت خطفتني.. لا دا أنت مجنون فعلاً !!!!
تقـوس فاهه بابتسامـة ساخرة تنوح عن كم التخبطات التي تتمحور داخله، ليومئ ببرود مرددًا في حدة مماثلة :
-امال عايزاني اقف واشوف حُب عمري بيضيع وأسقف.. ومش هابقي مجنون ساعتها ؟!
تأففت بضيق، ثم هتفت باتـزان حاد :
-سبني ارجع يا حمزة
ابتسـم بسخرية تخفي خلفهـا الاف المشاعر التي تُقيد من الظهور، ليستدير مردفًا بجدية :
-إنسي يا حبيبتي
إتسعت حدقتاها بتوسع الصدمة امامها، لتسأله متعجبة :
-أنت خلاص لسعت ولا أية ؟ ناوي تعمل أية يا حمزة !!!
اومأ موافقًا بسماجة يخبرها :
-اعتبريني كدة، وبطلي اسئلة هاعرفك كل حاجة بوقتها !
صرخت فيه بهيسترية وهي تركض خلفه ؛
-بطل تخلف يا حمزة وسبني، أنت بالطريقة دي بتعقد الأمور مش بتحلها.. !
رفـع كتفيه يغمغم بنبرة غامضة :
-عادي بقا.. مرة من نفسي يا حنيني !!!
ثم استدار يغلق الباب خلفه قبل أن تخرج، وسمع صوت صراخها المغتاظ.. ليزفر بقوة وخاصة وهو يشعر بـشيئ ما وكـزه بعنـف فشعـر بتجمهر تلك الدقـات التي لم تخضـع سوى لها !!
وصوت بعيـد يناديـه بسمـاعها.. يضاهيه صوت القلب الذي ينوح بالرفض... !!!
*******
كان أسـر يقف متجمدًا مكانه.. وفجأة تحرك يكاد يدلف للداخـل، ولكن اصطدم بالطبيب الذي خرج هو الاخر..
فنظـر له اسر متساءلاً :
-في إية يا دكتور، حصل لها حاجة ؟!
هـز رأسه نافيًا، ثم سأله مفكرًا :
-أنت جوزها يا أسر بيه صح ؟
اومأ أسر مؤكدًا، وأفكاره ترميه هنا وهناك بقلق، ليسمع الطبيب يخبره بجدية :
-طب حضرتك لازم تسمعني، أحنا لسة ماتخلصناش من الجنين، لكن في حاجة قولت لازم اقولهالك لانك اكيد عامل بسببها مشكلة مع المدام.. اكتشفت وانا بكشف على المدام
زجره أسر متوجسًا :
-ادخل في الموضوع على طول يا دوك !
تنهد الطبيب ثم بدأ شرحه بهدوء :
-بعض البنات بيبقى الغشاء البكاري عندها مطاط، بمعنى إنه مابيتفضش بعد العلاقة الاولى للبنت ولا بينزل دم ولا الكلام دا، ولا حتى بيتفض بعد العلاقة للمرة التانية او التالتة او حتى العاشرة.. الغشاء المطاطي مش هايتفض إلا لما البنت تولد او لما الدكتور يفضه بنفسه.. ودا اللي بتعاني منه بنات كتير بسبب سوء الفهم اللي بيحصل في مجتمعنا كون البنت ماتبقاش طاهرة وشريفة لو مفيش دم، وزي ما حضرتك فاهم.. اي زوج مش هيفكر كدة واحتمال كبير يكون مايعرفش، والبنت تتظلم وهي كمان ماتعرفش !!
كان أسر يحدق به مبهوتًا.. أزمة حُلت بالنسبة له واخرى تشابكت...
لو وُجد حل ابدي للمشكلات لما خُلقت المشكلات بازدياد.. ولكنها كالدائرة، دائرة قد يقف محورها...
ولكنه غير قابل للأنتهاء !!
إن كانت بريئة.. ولكن مؤكد أن ذاك " خالد " فعل ما فعل..
وهو ايضاً لن يدري !!!
نظر للطبيب متمتمًا بشرود :
-ايوة فهمت.. بس هل انا اقدر اعرف هل البنت تعرضت للأغتصاب ولا لا ؟
اجابه الطبيب بصوت أجش :
-على حسب.. لو الاعتداء من قريب اكيد هيظهر تهتك واعراض من دي، لكن انا حالياً شايف المدام تمام جدا مفيش فيها اي حاجة وحتى لو كلامك صحيح أعتقد مش هيظهر لانه واضح انه عدى عليه فترة طويلة !
اومأ اسـر موافقًا يهمس :
-شكرا يا دوك
كاد الطبيب يدلف مرة اخرى ولكن أسر منعه وهو يمسك بيده مرددًا :
-لأ، لأ خلاص انسى.. سيب الجنين دا كان تهور مني بس !
لوى الطبيب شفتاه بضيق يقول :
-زي ما تحب.. عن اذنك.. أحنا اديناها بينج، اول ما مفعوله يروح تقدر تاخدها
اومأ اسر موافقًا بشرود...
...................
مر الوقـت وكان أسر يجلس لجوار لارا في احدى الغرف منتظرًا عودتها لوعيها... !
وبالفعل بدأت تفتح عيونها ببطئ واهن، إلى أن هبت منتصبة وهي تصرخ :
-ابني !!
وضعت يدها على بطنها وأنخرطت في البكاء مرة اخرى، فنهض اسر يمسك بها مرددًا بهدوء :
-هششش.. اهدي يا لارا، اهدي محصلش حاجة
ولكنها نفضت يده عنها مسرعة، وحالت عيناها لشراسـة قطة تُعادي نمرًا في نظرها مغتصب احلامها الهانئة ولو قليلاً !!!!
لتقول بحدة هيسترية وهي تبتعد عنه :
-اياك تقرب مني.. قسمًا بالله لو جيت جمبي لاصوت واقول مش جوزي ولا نيلة .. غور اطلع بره
أشـار لها بيـده محاولاً تهدأتها يردد في حدة :
-لاراااا.. بقولك اهدي، اللي في بطنك زي ماهو، ارسي كدة واحكيلي كنتي بتعملي اية مع الراجل ابن****
رفعـت حاجبها الأيسـر، ثم قالت بحدة :
-لأ.. مش من حقك تعرف يا استاذ اسر
اتسعـت حدقتا عينـاه ليسألها مستنكرًا :
-نعممم يختي ؟!! اية دا اللي مش من حقي !
تنهـدت بقوة ثم قالت :
-ايوة.. عايزاك تطلقني !
سقطت عليه جملتها كالصاعقة التي هزت جذور اشجار مالت للسنين مثبتة.. !!!
أليست تلك التي كانت ترجـوه ألا يتركها !!
الان " رمت طوبته " بلا عودة... !
أستحـوذ ذلك الطفل عليها بتلك الطريقة وبتلك السـرعة.... !!!
فسألها فجأة :
-متأكدة يا لارا ؟
صمتت برهه لتجيب بعدها بصلابة :
-ايوة، حتى لو هتأذي لما تبعد.. هيبقى افضل بالنسبة لي، أنا كنت مفكرة إنك البرئ الي ملهوش ذنب واتصدم بواحدة مش كويسة في وجهة نظره.. لكن أكتشفت إنك لو صباعك وجعك هتقطعه، وأنا لو أنت ماصدقتنيش بعد كدة مش بعيد تعمل فيا اي حاجة، ومع عملتك دي المبررات الي حطتهالك اتبخرت.. يبقى انسى اني افضل معاك دقيقة ولا اخضع لك تاني !!
كان ينظـر لها بصمت.. إلى أن سألها مرة اخرى كازًا على أسنانه بغيظ :
-بسألك تاني مين الراجل دا يا لارا ؟
رفعت كتفيها تقول بلامبالاة :
-معرفش.. منا رقاصه بقا اتوقع مني اي حاجة يا استاذ اسر
صرخ بحدة وهو يقترب منها :
-لارا ماتجننيش.. والله هتجنن عليكِ
لوت شفتاها ببرود رغم الارتعاشة التي تكمن داخلها :
-عادي مش هتفرق.. قال يعني هي اول ولا اخر مرة !
نهض ينظر لها بغضب لتشير صارخة بهيستريـة :
-اضرب.. اضرب مستني أية !
نظر لها بغيظ ثم تركها وغادر للخارج كالأصـار الذي انهى عاصفته لتوه... !!
...................
مرت الدقائق وهو جالس امام المستشفى، يفكر ويفكر بلا توقف...
كأن الدنيا تدور به من اليمين لليسار كالدمية، دمية تتصرف حسب رغبتك انت !!!
حسب تقلبات الزمن.. ثم يعود ليلوم نفسه على تلك التصرفات... !
نهض متجهًا للغرفة التي تقيم بها لارا، فتح الباب باحثاً عنها.. ولكنها كانت قد اختفت فصرخ بأسمها بصوت هز جدران المشفى من حوله .... !!!!!!!!!!!!
*******
جلـس مُهاب لجوار " سيلين " التي كانت متسطحة على الفراش تنام بسلام بعد رحيل الطبيب بفترة...
وكان مهاب يضع يداه على رأسه يكاد يصرخ مصدومًا مما اخبره به الطبيب !!
شعر كما لو أن صفعة قاسية تلقاها بيد السموم التي اختزنت بين كلمات ذاك الطبيب وهو يخبره في الهاتف
" أنا اتأكدت يا أستاذ مهاب.. المدام عندها القلب مع الأسف، لذلك مش مستحملة اي مجهود لان القلب ضعيف " !!!!
شعر وكأن كل ما مر كان اختبـار لدوره في حياة تلك المسكينة الذي بات تحت الصفر... !!
إنتبه لتأوه سيلين المنخفض وهي تمسك برأسها أثر اصطدامها بالأرضية.. فانتفض يقترب منها هامسًا بهدوء :
-اهدي يا سيلين.. ارتاحي ارتاحي ماتقوميش
هـزت رأسها نافية تحاول الأبتعاد عنه، فصرخت فيه :
-ابعد ماتقربليش
ابتعد على الفور حتى لا يزداد إنفعالها، وكأن إنفعالها اصبح معتمدًا بشكل اساسي على تصرفاته...
بل كفة حياتها بأكملها !!!
بعد دقيقة من الصمت اقترب منها يمسك وجهها بين يديه هامسًا بصوت متألم :
-أنا اسف يا سيلين.. سامحيني حقك عليا !!!
رفعت عيناها له مصدومة !!
وكأن ذاك السواد الذي يتمحور بين مجحري عينـاه كان منطفئًا.. منطفئًا بخفوت غريب !!!!
فسألته مباشرةً :
-أية اللي حصل يا مُهاب ؟ في حاجة حصلت لي صح !
حسم أمره وهو يهز رأسه نفيًا :
-لا لا، محصلش يا سيلين.. إنتِ كويسة جدا بس ضغطك وطي !
لوت شفتاها تقول ساخرة :
-عايز تفهمني إن الوحي نزل عليك فجأة كدة قررت تعتذر وتقول سامحيني ؟!
هـز رأسه نافيًا :
-لا بس اعتبريني كدة، اعتبريني فكرت وعرف غلطي فـ حقك !!
تجاهلته وحاولت النهوض فأسرع هو يمسك بكتفيها قبل أن تنهض :
-ممكن تخليكِ في السرير....
وبعد برهه :
-لو سمحتي ؟
تأففت وهي تسأله بضيق :
-ما انت لازم تفهمني في أية يا مُهاب !
تمدد لجوارهـا وهو يهمس لها :
-ممكن تنامي جمبي بس ؟
نظـرت له بشك وكادت تعترض ولكنه قاطعها بهمس اكثر وداعة :
-لو سمحتي يا سيلين.. مش هاعمل اي حاجة !! ارجوكِ ؟
تمددت بتذمـر.. وتركت للمسافة حرية الدخول بينهما، فاقترب هو منها حتى احتضنها وهي تحاول التملص من بين ذراعيه...
فاحتواها رغمًا عنها ليدس أنفه عند خصلاتها بشرود تام هامسًا بصوت يكاد يسمع :
-اسف.. انا اسف بجد !! اول مرة احس أني الظالم مش المظلوم... !!!!!
********
بعد مرور خمس أيـام ....
فتحت حنين عيناها على صوت الباب الذي كان يُفتح ببطئ.. فتأففت وهي تستعد للهجوم على ذاك " حمزة " الذي يأسرها منذ ذاك اليوم..
يقدم لها الطعام والشراب.. بل وأريكة تنام عليها، ولكن يقبض على حريتها بين قبضتيه كحُلم بعيد !!!!
إتسعت عيناها صدمة وهي ترى شريف يدلف ببطئ مع احد الرجال... !
فهبت منتصبة تهتف بتوهان :
-شريف !!!
اقترب منها اكثر وهو يؤكد بصوت ساخـر اخترق اذنيها كتلاعب يُعجزها :
-ايوة شريف.. شريف يا مدام حنين !
ولتاني مرة يسقط قلبها صريـع الكلمات.. قتيل الصدمة...
خاصة وهو يكمل..
الفصل الرابــع عشر ( سـراب ) :-
كانت طرقـات قلبـها في تلك اللحظات أعلى من دقات الساعة وسط السكون المخيم بين الجميـع !!
وجدتـه يكمل بصـوت اُعلن له الحداد داخلهـا :
-مكنتيش متوقعـة إني اجي يا مدام، خوفتي أعرف اللي حصل فيكِ ولا أية ؟!
إتسعـت حدقتـا عيناهـا مصدومـة من عـار أشتبـك بتلابيب روحهـا عنوةٍ .. فسألته بحدة :
-أنت قصدك أية يا شريف أنت إتجننت ولا أية ؟!
ابتسـم بسخرية، ثم أخبرها بجمود :
-شكلي فعلاً اتجننت، على العموم أنا مش هقدر أتجوز واحدة حصل فيها اللي حصل فيكِ
شعـرت برجفـة عميقـة تكاد تشل أطرافهـا بقسوة، فسألته بغضب اشبه للهيسترية :
-أخرس ماسمحلكش تقول عليا نص كلمة يا مجنون
شملها بنظرة مزدردة وخـرجت حروفه كمفتاحًا للسلاسل على عنق الطير الحبيس وهو يقول :
-فعلاً.. إنتِ طالق يا حنين !! طالق طالق طالق بالتلاتة !!!!
كلمـات طفيفة دونـت سطورًا منفخـة بفراغات واهية... !
رغم ألم الموقف.. ورغم حدة النبرة، إلا أن المعنى كان يشمـل تيارات الأرتيـاح أدراجه !!!!
تقوس فاهها بشكل ساخر وقاسي وهي تتهكم صريحةً :
-ياااه، للدرجة دي أنا كنت حِمل على كتافك !! أمال اجبرتني لية ؟
"يمكن مكنتش عايز حاجة بقت ملكي تروح لـحمزة زي أي حاجة، لكن مش حقدر أسيبك على زمتي بعد اللي حصل يا حنين " !!!
خرج حديث صامت يتربص داخله لعقله الذي اجزم تلك الكلمات، ليخبرها ببرود قاسي على توقعات مخالفة ولينة :
-النصيب.. عن اذنك يا استاذة... ولا نقول مدام خلاص !!!
صرخت فيه بجنون :
-أخرج بررررره.. بررره مش طايقه أشوف خلقتك !
لوى شفتـاه مغمغمًا بحنق وهو يستدير مع الرجل الذي أمسك بذراعه في حزم :
-طالع ياختي هو انا هاطلع من الجنة، دا انا ما هاصدق أنفد بجلدي وإنتِ وريني مين هايطلعك من هنا بقا ؟!
ثم خرج هكذا وبكل بساطـة... !
خرج تاركًا ايـاها تترامى بين كل فكرة والاخرى.. بين كل صدمة وما تليها... !!!
بين ذلك وذاك وهي قشة خفيفة تتطاير حسب الأهواء
مرت حوالي ثلاث او اربـع ساعات...
فوجدت حمزة يدلف، ولم تكن الكلمات هي من رسمت السعادة، بل كونت السعادة أروع لوحاتها على قسماته السمراء !!!
فصار يُهلل بفرح حقيقي وهو يقترب منها مصفقًا :
-طلقك يا حنين، طلقك خلاص رسمي !! طلقك يا حنيني وهتبقي بتاعتي أنا بس !!!!!
لم ترد عليه.. كانت نظراتها فقط من تتابـعه بتوهـان... فسرقت بعض الحروف المتوازنـة لتسأله :
-إية اللي حصلي يا حمزة ؟
تجمـد مكانه مدة دقيقتـان يحاول إستيعاب تلك الكلمات التي رمته بهـا، وسرعان ما كان يجاوبها مندفعًا :
-ماحصلكيش أي حاجة، حصلك أية يعني !!!
نهضت وهي تصرخ به مفرغة كل ذرة سلبية غُرزت بكيانها المهزوز :
-انا اللي بسأل يا حمزة، أية اللي شريف كان بيبرطم بيه دا ؟ هو أنا حد جه جمبي ؟؟؟ أنا بقيت مدام زي ماهو بيقول يا حمزة !؟
هـز رأسه نفيًا بسرعة وبلحظات كان يحيط وجههـا الذي زلزل صفاؤوه حمره الغضب التي زُرعت فيه ويردد في صدق :
-دا انا اقطع خبر اللي يتجرأ يعمل كدة، محدش يقدر يجي جمبك ولا يلمسك غيري يا حنيني
نفضت يده عنها، وزمجـرت بعنف جلي :
-ولا أنت.. ولا أنت ليك الحق إنك تقرب مني، أنت مين اصلاً عشان تقرب مني، لا جوزي ولا خطيبي ولا واخدين بعض عن حب.. أنت مجنون مش أكتر !!!!
جذبهـا بقوة من رأسها لتصطدم بعضلات صدره العريضـة، ثم قـال وكأنه يخط دستـور لا يقبل الخلاف :
-لا لا يا حبيبتي.. أنا بعد 5 دقايق بس هابقى جوزك.. وعديت مرحلة خطيبك دي، وواخدين بعض عن حب طبعاً
ثم ملس على وجنتاهـا برقة نفرتها هي بحنق وهو يتابـع :
-وهو في غير الحب دا اللي هايخليني هتجنن من غيرك ؟!
حدقت به متسعة الحدقتيـن.. وتلقائيًا كانت تسأله ببلاهه :
-يعني أية !!!!!
رتب خصلاتهـا بأصابعـه برفق واخذ يدندن بسعادة غلفت تلك الحروف الواثقة :
-يعني خلال 10 دقايق بالكتير، هتبقي حرم حمزة الشاذلي
دفعته بقوة صارخة :
-نعمممم.. أنت مجنون ولا أية ؟!!!
اومأ موافقًا ثم أشار بيده :
-من زمااااااان يا عيووني !
ثم سحبها خلفه وصوته يصـدر بصورة آمـره :
-المأذون عارفني فمتحاوليش ترفضي، أنا مظبط معاه كل حاجة ومفهمه إنك مجنونـة حبتين وإنك خطيبتي، فـ اقصري الشر
حاولت التملص من بين ذراعاه، وعندما تملك اليأس هتفت مسرعة بخبث :
-طب أنا مش معايا بطاقتي حتى يا حمزة !!
إتسعـت ابتسامته وهو يستطرد بحماس ملحوظ :
-أنا جبتها يا روحي
وبالفعـل سحبها معه للخارج، فوجدت - المأذون - واثنـان لأول مرة تراهمـا...
وعند سؤال الشيخ الطبيعي لها، هزت رأسها نافية بحدة :
-مش موافقة.. مش موافقة مش موافقة ومش هوافق
-استهدي بالله يابنتي كل حاجة بتتحل بالهدوء
زجـره حمزة بعنف يتخفى خلف ذاك الثبات المشتعل :
-يلا يا شيخنا اكتب.. على بركة الله !
وبالفعـل تم كل شيئ خلال دقائق معدودة.. دقائـق كُتبت بالخط العريض في تاريخهم القصير !!!!
ودقائـق اخـرى مرت... حتى كان يقترب منها بعد رحيل الجميـع وهو يهمس بشوق سعيد :
-يااااه.. قد أية كنت مستني اللحظة دي من ساعة ما قلبي دق لك.. قد اية كنت مستني اللحظة الي هقرب فيها منك وإنتِ حلالي !! بجد شعور يساوي الدنيا وما فيهـا !!!!
ضحكـت بسخرية متمتمة :
-لاااا.. دا أنت شكلك راسم على تقيل !
تحـول عبثه للجمـود وهو يقترب منها أكثـر، فهزت هي رأسها نافية :
-لالالا أنت هاتعمل أية يا مجنون !!!!
أجابها ببساطة وقحة :
-زي ما أي راجل بيعمل يا حبيبة المجنون.... !!
********
كانت " سيلين " تتسطـح على الفراش للمرة التي لا تذكـر عددهـا ...
كلما تحركت كان " مُهاب " يتحايل عليها فيجلسهـا مرة اخـرى على الفـراش..
تأففت سيلين بضجـر صائحـة فيه :
-يوووه يا مُهاب، ما أنت لازم تفهمني في أية !!؟ أنا ابتديت اشك في الإهتمام بتاعك دا !
تنهيـدة عميقـة صدرت عن ذاك الذي مـل الكذب على الجميـع وبما فيهم " والدتها "
فنظـر لها مُكررًا وكأنه طلسم من دونه سيُهد كل شيئ فوق رأسه :
-للمرة المليون.. مفيش حاجة ورا إهتمامي خالص، إرتاحي بقا، أنا بس بحاول أسيطر على نفسي عشان أكون الزوج اللي أي بنت تتمنـاه !!
رفعـت حاجبهـا الأيسـر، ورغمًا عنها كان لسانهـا هو من يطبع تلك الحروف الساخرة وسط الطقس التائه :
-كداااب.. ما أنت طول عمرك إستغلالي وأناني، أية اللي إتغير خلال أيام !!!!!!؟
دب على الفراش مزمجرًا بصـوت لجم ذلك الإندفـاع الفطري في شخصيتها المتهورة في تلك المواقف :
-سيليييييين، مش معنى إني سكت لك كتير هاتسوقي فيها !؟
ابتلعـت ريقهـا بقلق.. ونهضـت فجأة بغيظ، فأمسك هو بها قبل ان تنهض :
-قسما بالله اللي ما بحلف بيه كذب، لو اتحركت لهكون معاقبك بطريقتي
ابتسمت بسخرية متساءلة :
-طب انا هقوم وعايزة اشوف بقا أية عقابك يا أستاذ مُهاب
وبالفعـل نهضـت بقوة فجذبهـا فجأة لتسقط جالسة على قدميـه.. فابتلعت ريقها بخوف حقيقي كاد يشل أطرافها المذبذبة، ثم همست بتوتر :
-مهاب ممكن تسيبني وأنا هاقعد على السرير !
هـز رأسـه نافيـًا، وخرج صوته خشن وجاد وهو يتهكم عليها :
-لا طبعًا، هو دخول الحمام زي خروجه ولا أية !!
حاولت النهوض ولكنه كان أقوى منها فشـل حركتهـا...
وكان الخوف من القادم كالكهرباء الذي تُزيد من ترنـج مشاعرهـا العاصفة !!!!
وفي اللحظات التالية كان ينهض ليجلسها بقوة على الفـراش..
ومد يده يفك حزام بنطاله وهو يغمغم بخبث :
-أنا حددت أية هو العقاب المناسب للأطفال اللي زيك !
سألته بخوف وهي تعود للخلف متشبثة بمفرش الفراش :
-أنت هاتعمل أية يا مهاب ؟!!!!
-هاتعرفي حالاً
قالها وقد أزدادت ابتسامته شرًا وهو يقترب منها، وهي تعود للخلف اكثر واكثر ...... !
********
" ليس في كل بُعد راحـة، فـ أحيانًا تكمن راحتنـا بين زوابـع الأختناق ونحن غافلون " !!!!!
مـرت دقـائق معدودة وكان هاتف أسر الذي لم يهدئ ولو للحظة بالرنين..
فأخرجه متأففًا بضيق جلي وهو يقول :
-ايوة مين
-أسر بيه احنا أمـن المستشفى، المدام بتاعت حضرتك كانت خارجة، فـ واجب علينا نبلغ حضرتك الاول !
-تمام تمام.. أنا جاي حالاً
-براحتك يا فندم
أغلق الهاتف مسرعاً ثم ركض باتـجاه الأسفل ووعيـد حاد ومُميت صـدر منه لتلك المجنونة " لارا "
نعم.. نعم مجنونة إن ظنت أن عرين الأسد مفتـوح في كل الأوقات والظروف !!!!
وصل عند بوابة الخروج فوجدهـا تجلس على كرسي خشبي وتهز قدمها بتوتر...
صك على أسنانه كاملة بغيظ حتى كادت تُكسـر...
وبكلمة واحدة يواليها الفعل قال :
-متشكر يا سامي
ثم سحبها من ذراعها بقوة ألمتهـا ولكنها كالعادة إختزنت ذاك الألم بين ثنايـا الروح المُشققـة !!!!
فوصلا للغرفة، فدفعها هو بعنف للداخل صارخًا بصوت مكتوم :
-خشي.. خشي اما نشوف اخرتها معاكِ
سحبت ذراعها منه بصعوبة متأففة :
-اوعى كدة هو أنت ساحب جاموسة وراك ولا أية ؟!
دب على الحائط بجواره قبل أن يسألها بصوت حاد صارخ :
-كنت هاتغوري فـ أنهي داهية ؟
وعندما كادت تنطق أندفع يقترب منها مكملاً صراخه العصبي الذي برزت له عروقه :
-وازاي اصلاً يجيلك قلب تهربي مني ؟ مفكراني مش هاعرف أجيبك يا لارا !!
إرتعاشة عميقة هزتهـا ولكنها إستغرقت مجهودًا جبارًا حتى تكتمهـا وتهتف فيه بصلابة ظاهرية :
-اه بهرب ولو جاتلي الفرصة هاهرب تاني يا أسر، أنا طلبت الطلاق وأنت رفضت.. يبقى أستحمل بقااا !
أغمضت عيناها عندما أقترب منها ظنًا أنه سيصفعها بالطبـع..
ولكن خاب ظنها حينما شعرت به يقبض على فكهـا بقوة أصدرت لها أنينًا خافتًا، فسمعته يردد بحدة :
-أنا ماسك نفسي بالعافية، لكن لو استفزتيني اكتر ماتلوميش إلا نفسك !!
نظـرت له بغيـظ.. ثم كررت بسخرية حانقـة متسخة برواسب الألم :
-طب مرة تانية يا أسر.. أنا عايزاك تطلقني لو سمحت !
هـز رأسه نافيًا، والبرود خلفيته الظاهرية :
-تؤتؤ.. مرة تانية يا لارا، أنا مابطلقش
رفعـت حاجبهـا الأيسـر بحقد، ثم سألته باستفزاز :
-حتى بعد ما عرفت إني روحت لواحد وانا على ذمتك ؟!
جذبهـا من شعرهـا فجأة بعنف حتى اصطدم وجهها بوجهه فلفحتها أنفاسـه الحارة مرددًا :
-حتى بعد كل حاجة وأي حاجة، عشان اللي في بطنك مش أكتر
هتفت بسخرية كانت مثقالها الوحيد بعد الألم المفجـع :
-أنت بتضحك على مين يا باشا، خايف على اللي في بطني اللي كنت عايز تموته من شوية ؟! لا ماصدقش !
تفاجئت به يقتحم شفتاهـا في قبلة عنيفـة وقويـة تُفرغ طاقـات مشحونـة من ذاك الحديث المائل للضياع !!!!
قطـع تلك القبلة صوت رنين هاتفهـا الصغير.. فتناولته على مضض وهي تحاول تهدأة لاهثهـا !!
وأجابت :
-الووو ؟
-أنسـة لارا !؟
-ايوة انا مين معايـا
-أنا...........
وفي الدقائق التالية المعدودة كانت تترنـج لتسقط بلا مقدمات بين ذراعي أسر الذي تناولهـا بارتعاد و.... !!
*******
مـر حوالي عشرة أيـام...
عشرة أيام وحنين تختلي بنفسهـا في تلك الغرفـة منذ ذلك اليـوم..
لم تنسى أنها ركضت حينها حتى أغلقت باب احدى الغرف عليهـا، ولم تخرج منها إلا عندما تشعر أنه نام واخيرًا بعد فترة عناء يُحايلها فيها احيان.. ويرجوها احيانًا اخرى.. وقد وصل به ان حدثها عن والدتها حتى تلين وتفتح له ولكنها كانت كالصخرة تزيدها الضربات والمحاولات قوة لا العكس !!!!!
وفي اليوم الحادي عشر إنتفضت على صوت الطرقات العنيفة هذه المرة، فسألته متأففة بتوجس :
-عايز أية يا حمزة، هو أنت مابتزهقش بقاا ؟
سمعت صوته الرجولي يطرق أبواب القشعريرة داخلها خاصة وهو يسألها بخشونة :
-لأخر مرة بقولك هاتفتحي ولا لأ يا حنين ؟!
صرخت بنفاذ صبر :
-لأ يا حمزة.. لأ مش هافتح ابداً ريح نفسك، ومش هخليك تقرب مني غير فـ أحلامك !!
دقيقة والثانية ووجدت الباب يُفتح وحمزة يدلف مغلقاً البـاب خلفـه.. فعادت هي للخلف بتلقائية مرددة :
-أية دا أنت دخلت ازاي ؟!
رفـع المفتاح الذي يحمله مشيراً لها بضيق حقيقي :
-أنا معايا المفتاح من اول يوم، لكن كنت بقول سيبها مع نفسهـا لعل وعسى تهدى لوحدها وتيجي تتناقش بالعقل، لكن الظاهر إنك مخك جزمة وانا بقا اكتر منك وأجن منك
اومـأت موافقـة ثم استطردت بغل مُستفز :
-أيوة وأنت عايزني ازاي أأمن لواحد قذر ومستغل وعمل فيا كدة عشان يحقق هدفـه زيك
اقترب منها صارخًا بنفاذ صبر :
-قولتلك محدش جه جمبك.. إنتِ مابتفهميش عربي ؟!!!!! محدش جه جمبك
رفعـت كتفيهـا مغمغمة بحدة :
-وأنا ايش عرفني.. أية اللي يضمن لي، كلامك !!!! أنا مابثقش إلا فـ كلام الرجالة بصراحة.... !
تقريبًا كانت تلك القنبلة التي فجـرت محور الإرتكـاز المتحكم...
فانسابت حبـال السيطـرة.. وجُنت خيول الغيظ والشوق معًا !!!!
فخـلع التيشرت الخاص به وهو يقول :
-أنا هاضمنلك واوريكي بنفسك !!
هزت رأسها نافية بسرعة، ولكنه لم يعطها الفرصة اذ جذبها ملتهمًا شفتاها في قبلة عميقة يلتهمها فيها بنهم مشددًا على خصرها وكاتمًا مقاومتها الضئيلة...
وتحولت القبلة لقبلات متعطشة فأخذ يشبعها تقبيلاً ويداه تعبث بأطراف ملابسها...
حتى نجح في ازالتها اخيرًا ليرميها على الفراش بثقل جسـده.. وهو عليها يأكل الظاهر من جسدهـا بتمهل مٌشتاق !!!!
وجفت الأقلام... واغلقت الصحف.. وانتهت باستسلام مرتخي..