
الإنتقال.....
روان وقفت قدّام باب شقّة ياسر، أول مرة تخبط الباب وهي مش ضيفة.. ولا صديقة.. ولا زوجة.. حاجة في النص، حاجة مالهـاش إسم.
إيدها كانت بتتهز، مش من البرد، من الغُربة. اتفتح الباب، لقت ياسر واقف، ملامحه لا فيها زعَل ولا راحة، مجرد صمت طويل، صمت راجل مش فاهم هو بيبدأ حياة، ولا بيكمّل واجب.
ملك جريت على روان أول ما شافتها :
– روواان! تعالي شوفي السرير اللي عملتهولِك.
حضنتها ملك، بس روان وهي بترد الحضن حسّت بالبنت بتتعلّق بيها، والبيت كله بيبعد عنها خطوة، خطوة.
ياسر قال بهدوء :
– دخّلي الشنط، الأوضة جاهزة.
دخلت، أول خطوة في البيت كانت ثقيلة، زي اللي واقفة على أرض مش بتاعتها.
أوضة سارة مقفولة، مفتاحها على الكومودينو ماحدّش لمسها.
روان بصّت لها ثانيتين، قلبها وجعها. كملت طريقها. دخلت الأوضة اللي ياسر جهّزها، الأوضة بسيطة، سرير، كومودينو، ترابيزة صغيرة. مكان “محايد”، لا هو أمان، ولا هو بيت.
حطّت الشنطة، وقالت بصوت خافت :
– شكراً يا ياسر.
هزّ راسه من غير ما يرد.
ملك كانت بتتنطط :
– هتنامي هنا كل يوم؟ وهافطر معاكِ؟ وهاتودينى المدرسة؟
روان إبتسمت بس جُواها حاجة اتقطمت :
– أيوه يا حبيبتي، كل يوم.
ملك جريت تجيب لعبتها. فضلت روان واقفة في النص، في نص الأوضة، في نص البيت، في نص حياتين، مش قادرة تنتمي لأي واحدة.
ياسر قرب خطوة، لا هو قريب أوي، ولا بعيد. وقال بصوت منخفض :
– لو في حاجة ناقصة قوليلي. الأوضة، تقدري تغيّري فيها براحتِك.
هزّت راسها. عينها في الأرض.
هو حاسس.. حاسس إن وجودها “مش راكب”، زي قميص مقاسه غلط، زي كلمة طالعة من غير إحساس.
بعد لحظة سألها :
– إنتِ، مرتاحة؟
ردّت أسرع من اللازم :
– آه.. آه طبعًا.
جملة، واضح إنّها كذب. هو ماعلّقش، بس عينه قالت كل حاجة :
هي مش مرتاحة، وأنا مش مرتاح، والبيت نفسه حاسس بالغربة.
نسرين بلعجيلي
بعد دقايق، ملك صاحت :
– تعالوا نتعشّا.
ياسر قال لها :
– إنتِ أقعدي، أنا هعمل عشا.
روان ارتبكت :
– لا… لا… أنا هساعد.
هزّ راسه :
– مش لازم، إنتِ لسه داخلة.
دخل المطبخ، وهي وقفت وراه من بعيد، بتتفرّج على ظهره.. مش ظهر زوج، ده ظهر راجل شايل مصيبة، ومش عارف يشيل غُربتها فوقها.
كانت عايزة تقول له : أنا خايفة، بس لسانها مربّط.
وكان عايز يقول لها : أنا مش مستوعب، بس كبرياءه شدّه.
البيت كان مليان ثلاث أنفاس :
نَفَس ياسر، نَفَس روان، ونَفَس ملك اللي بتحاول تجمعهم.
بينما سارة لسه معلّقة بين الحياة والغيبوبة.
وفي أول ليلة ليها في البيت، روان نامت، بس نامت “غريبة”.
وهو.. قعد برّا يبصّ في الباب، وحاسس إن البيت اتغيّر.
الصبح دخل على البيت من غير ما يستأذن، دافئ شوية عن امبارح، لكن جوا البيت، كان فيه برد… برد نفسي.
روان صحيت بدري، مش عارفة تنام قوي، ولا تصحى قوي. الأوضة غريبة عليها، الحيطان غريبة، حتى السرير، رغم إنه مريح، كان بيقول لها إنها مش من هنا.
لبست ، وطلعت من الأوضة بهدوء. ياسر كان واقف في المطبخ، لابس تيشيرت رمادي وبنطلون ترينينج، بيحضّر ساندويتش لملك.
صوت الكوبايات كان خافت، وكأن البيت بيمشي على أطراف صوابعه معاهم.
لمحها، وقف، حركة بسيطة، لكنها قالت كثير.
– صباح الخير.
قالها من غير ما يبصّ عليها.
روان ردّت :
– صباح النور.
وسكتوا.
ملك دخلت بعد ثواني، شعرها منكوش وبتفرك عينيها :
– روواان! صباح الخير.
جريت عليها وحضنتها. الحضن ده كان الوحيد اللي حسّس روان إنها موجودة بجد.
ياسر قال :
– أقعدوا هفطرّكم.
روان بسرعة :
– لا، أنا هعمل الأكل.
بصلّها، نظرة قصيرة، بس ثقيلة :
– مش لازم، أنا متعود.
الجملة دي جرحتها من غير ما يقصد. عاش ٣ شهور لوحده هو وملك.. والغياب.
قعدوا يفطروا. ملك كانت بتتكلم، روان بتحاول ترد، بس هي وياسر بينهم صمت.. صمت مش عادي، صمت ناس مش عارفة تقرّب ولا تبعد.
بعد الفطار، ملك راحت تلبس، روان وقفت تساعدها، وبعدما خلّصت، لقت ياسر واقف عند باب الأوضة مستني.
قال لها :
– أنا هروح المستشفى بعد ما أودّي ملك. لو احتجتِ حاجة، إبعتيلي.
روان بصوت هادي :
– تمام.
كان ماشي وبعدين وقف. رجع وبصّ عليها لأول مرة من غير ما يهرب بعينه :
– روان.. لو مش مرتاحة، قولي.
جملتها طلعت أسرع من المتوقع :
– أنا.. غريبة.
هزّ راسه وقال :
– وأنا كمان.
الكلمتين دول كانوا أول اعتراف حقيقي بينهم.
مش حب، ولا قرب، اعتراف إن الاثنين مش عارفين يعيشوا في نفس البيت، ولا يعرفوا يبقوا بعيد.
Nisrine Bellaajili
بعد ما خرج البيت رجع هادي، بس كان هدوء من النوع اللي يخوّف، النوع اللي قبل التغيّر، النوع اللي بيقول إنه فيه حاجة جاية.
بعد خروج ياسر من البيت كان ساكت ساكن زيادة عن اللزوم. روان حاولت ترتّب الأوضة، تمسح الترابيزة، تطوي هدوم، لكن كل حركة كانت بتحسّسها إنها "بتلمس حياة مش بتاعتها".
بعد شوية، دخلت أوضة سارة. الأوضة المقفولة بقالها ٣ شهور. فتحت الباب بحرص، زي حد داخل مكان مُقدّس.
الريحة القديمة، ريحة عطر سارة كانت لسه موجودة. كل حاجة مكانها :
الإسورة، الشنطة، السكارف، كتاب مفتوح على الصفحة 17، وكأنها هترجع دلوقتي تكمل السطر اللي وقف عنده.
روان لمست طرف السرير، حطّت إيدها عليه ببطء، وحسّت بقشعريرة تمشي في جسمها.
همست لنفسها :
– يا سارة، أنا مش جاية آخذ مكانك، ولا جاية أعيش حياتك، أنا جاية أحافظ على اللي بتحبيه، بس والله.
الغُربة بتوجّع. قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، بالظبط في نفس المكان اللي كانت قاعدة فيه يوم الغيبوبة. نفس وضع الإيد، نفس الدعاء، بس المرة دي الدعاء اتغيّر :
– يا رب.. رجّعها. أرجوك رجّعها. أنا مش قادرة أشيل البيت ده لوحدي.
دمعتين نزلوا، مسحتهم بسرعة، وخرجت قبل ما تنهار.
رجوع ياسر…
الساعة كانت ١٢ الظهر. الباب اتفتح بهدوء، ياسر داخل تعبان، عينيه حمرا من قلة النوم. كان راجع من المستشفى وحاسس إن الغُصّة اللي في صدره بتكبر. شاف روان واقفة في الصالة مش لابسة خروجة ولا متزينة، بس ملامحها هادية بطريقة تخوّف.
قال :
– عاملة إيه؟
ردّت ببساطة :
– كويسة.
سكت لحظة وبعدين رمى الجملة اللي وقّفتها مكانها :
– دخلتِ أوضتها؟
إتجمّدت، قلبها وقع، مش من الخوف، من الذنب. قالت بصوت واطي :
– آه.. كنت باطمّن.
هزّ راسه، لا زعلان ولا مرتاح، مجرد صوت راجل موجوع :
– الأوضة دي ما يدخلهاش حدّ غير لما ترجع.
روان كتمت نَفَسها وقالت :
– حقك. أنا آسفة.
قرب خطوة، خطوة محسوبة، وقال بصوت أقل حدّة :
– أنا مش قصدي أجرحِك، بس المكان ده لسه ريحتها فيه.
روان نزلت راسها، قالت بهدوء :
– وأنا، لسه مش لاقية ريحتي في البيت.
الجملة خبطت صدره. طلعت من غير قصد، بس خلت قلبه يضيق.
حاول يغيّر الموضوع :
– ملك كانت أحسن النهارده. سألت عليك في الطريق.
روان ابتسمت إبتسامة صغيرة :
– وأنا كمان كنت مستنياها ترجع.
ياسر وقف، بصّ لها بتركيز لأول مرة، وشافها بجدّ. مش الزوجة اللي على الورق، ومش الغريبة اللي نايمة في أوضة لوحدها، شاف واحدة جايّة تشيل حمل مش بتاعها، ومش بتشتكي.
قال بحذر :
– روان، لو حسّيتِ في أي لحظة إن وجودك هنا بيجرحك، قولي.
رفعت عينها عليه، نظرة قصيرة، لكن صادقة :
– كل حاجة هنا بتوجّع يا ياسر. بس ملك تستاهل.
سكت.. وبصوت شبه مسموع قال :
– وإنتِ كمان تستاهلي حدّ يحس بيكِ.
إتجمّدت، هي وهو، إتصدموا من الجملة، كأنها خرجت من غير ما يفكر.
الهوى في البيت اتغيّر. قبل ما اللحظة تكبر دخلت ملك من وراهم :
– بابا، روان، تعالوا نلعب.
واتقطعت اللحظة.. بس، إتساب أثر. أول شرخ صغير في الغُربة، أول خيط رفيع بينهم، خيط هادي، لكنه حقيقي.
وأول مرة من أول الغيبوبة، البيت حَسّ إن فيه روح جديدة بتحاول تعيش.
عدّت أيام، وبعدين أسابيع، وبعدين شهور صغيرة، والبيت بدأ ياخذ شكل جديد، مش شكل "بيت"، ولا شكل "حياة"، لكن شكل هدنة، هدنة بين إثنين كل خطوة بينهم محسوبة.
ياسر بدأ يتعوّد يشوف روان بتصحى بدري، تحضّر فطار بسيط، تسرّح شعر ملك، وتضحّكها قبل المدرسة، ومن غير ما يقصد، حسّ إن البيت بدأ يتنفّس.
وروان…
بدأت تاخذ بالها من حاجات بسيطة :
مكان فوط ياسر، الكوباية اللي بيشرب فيها الشاي، القميص اللي دايمًا بيعلقه غلط، وتعدّله من غير ما ياخذ باله.
مافيش كلام كثير، مافيش قرب، بس وجودها بقى هادي، وجود يشيل، ما يتقلش.
وفي يوم…
اليوم اللي حصل فيه أول "قرب من غير قصد".
الصبح — الساعة 7:15
روان كانت في المطبخ بتحضّر سندوتش لملك. ملك كانت بتدوّر على الشنطة. ياسر دخل تعبان من ليلة صعبة في المستشفى، عيينه مقفلة، وكتفه واجعه، وواضح إنه ما نامش ولا ساعة.
حاول يفتح كباية المربّى، بس الغطا كان ناشف ومتنشن. لفّ الغطا، لف ثاني، لف ثالث، ما اتفتحش.
روان من غير ما تبصّ فيه، قالت :
– إدّيني.
هو اتفاجئ، إزاي هي واخذة بالها من غير ما تلتفت؟ قدّم لها البرطمان، روان مسكته، مسحت الغطا بإيدها، لفته لفة خفيفة جدًا، و"طَقّ"، إتفتح.
سلّمتهوله من غير ما تبصّ :
– الغطا ده بيحتاج حركة يمين بسيطة مش بقوة.
ساعتها، لأول مرة من شهور، ياسر إبتسم إبتسامة صغيرة، بس طالعة من مكان موجوع.
قال :
– واضح إني كنت بحاول غلط.
ردّت ببساطة :
– عادي، بتحصل.
عينه وقعت على إيديها، أول مرة ياخذ باله إن صوابعها فيها خدوش صغيرة من الشغل في البيت، ومن ترتيب أوضة ملك، ومن وجودها اللي بيتعب وما بيشتكيش.
هي حطّت البرطمان وكملت تجهيز السندوتش كأن ما حصلش حاجة.
هو فضل واقف ثواني، مش عارف ليه اللحظة الصغيرة دي وجعته، ولا ليه ريّحته. كإن البيت، ولأول مرة قال :
"إثنين.. بيشيلوا سوا."
اللمسة اللي ما كانتش مقصودة...
ملك فجأة صرخت :
– روان! الشراب بتاعي مش لاقياه.
جريت روان بسرعة، إتزحلقت على السجادة الصغيرة اللي عند باب الأوضة. ياسر مدّ إيده بسرعة، مسكها من دراعها قبل ما تقع.
ثانية واحدة بس، إيده على دراعها. عنيهم في بعض. هي اتلبّخت، وهو اتوتر.
سابها بسرعة ولفّ وشه :
– خلي بالك، السجادة دي بتتزحلق.
قالتها هي وهي مكسوفة :
– حاضر.
بس قلبها كان بيخبط، مش من لمس الإيد، من إنها أول مرة يحسّها موجودة، مش مجرد “وصيّة”.
وهو، عمل نفسه بيعدّل في شنطة ملك، بس الحقيقة إنه كان بياخذ نَفَس عميق، يحاول يهدّي حاجة إتحركت جواه من غير إذنه.
آخر النهار..
ملك نامت، البيت هادي، روان قاعدة في الصالة، تقلب في قناة عشوائية، مكسوفة تقعد في أوضتها بدري.
ياسر عدّى، شافها، إتردّد ثانيتين، وبعدين قال :
– الشاي…؟ تشربي؟
إتصدمت، هو عمره ما عرض عليها حاجة من يوم ما دخلت البيت.
قالت بخفوت :
– آه، لو مش هاكدب عليك كان نفسي في كوبايه شاي .
ردّ عليها وهو بيحاول يخبي الابتسامة :
– ما إنتِ أصلًا بتكدبي عليّا من ساعة ما دخلتِ.
رفعت راسها مصدومة:
– إزاي؟
– بتقولي "أنا كويسة"، وإحنا الاثنين عارفين إننا لسه غُرب.
جملة بسيطة، لكنها أول جملة صادقة بينهم من غير خوف.
هو دخل يعمل الشاي. وهي قلقانة، بس دافيانــة لأول مرة من شهور.
وأول تقرّب غير مباشر.. حصل من غير كلمة حب، ولا نظرة غلط، مجرد لحظات إنسانية.
لحظات بتقول :
"إحنا لسه تايهين، بس مش لوحدنا."
*وصيّة حب*
*وصيّة حب*
بقلم نسرين بلعجيلي
Nisrine Bellaajili
_الفصل الخامس والعشرين_
ياسر دخل البيت متوتر، باين عليه التعب والغضب. روان كانت بتطبق هدوم ملك، ولما شافته قالت بهدوء :
– الحمد لله على السلامة.
ماردش، عدّى ادّامها وهو يتنَفَس بضيق.
وقفت بصوت ممسوك :
– فى حاجة؟
لفّ عليها من غير ما يبصّ :
– ملك فين؟
– في أوضتها، بتلعب.
قال بنبرة فيها لوم غريب :
– وسايباها لوحدها ليه؟
روان اتكهربت :
– يا ياسر، أنا في الصالة وباب أوضتها ادّامي، هي مش لوحدها.
رد بعصبية عالية :
– من إمتى وهي بتقعد لوحدها بالساعات؟ إنتِ جاية تعيشي هنا ولا تزوري؟
الكلمة جرحتها زي السكينة.
– ساعات؟ إنت عارف أنا بعمل إيه طول اليوم؟ بشيل بيت مش بيتي، وبشيل بنتك، وبحاول أثبّت نفسي في مكان كل حاجة فيه بتصرخ إني غريبة.
قرب منها خطوة :
– لأنك غريبة ما بتحاوليش تبقي جزء من البيت. كل حاجة بتعمليها وهربانة.
صرخت :
– وأنا أهــرب ليه؟ علشان ده مش مكاني؟ علشان دي حياة واحدة غيري؟ علشان أنا ورقة جواز مش مفهومة؟!
هو شدّ صوته أكتر :
– إنتِ اللي اخترتِ البُعد، كل مرة تقعدي في أوضتك بالساعات، وتجاوبي كلمة وتختفي ملك هي اللي بتحاول تقرّبنا مش إنتِ.
الصدمة طلعت في صوتها :
– ملك؟.ليه؟ هو إحنا إيه أصلاً يا ياسر؟.أنا إيه؟ مربية؟ غريبة؟ ولا وصيّة واقفة تتنفّذ وخلاص؟
قرب أكتر.. قرب اوي لدرجة خلتها تحبس نَفَسها :
– إنتِ مش فاهمة حاجة. أنا راجل. وعندي إحتياجاتي وحياتي متوقّفة، نصها مع واحدة نايمة، ونصها مع واحدة واقفة قدّامي ومش عارف أتعامل معاها.
نسرين بلعجيلي
الجملة خرجت منه زي الطيش، زي الغضب، زي الوجع.
وهي؟
كانت واقفة مصدومة، عينيها إتسعت.. إتسعت للدرجة اللي تخلي أي راجل يحس إنه غلط مليون مرة.
ملك خرجت في اللحظة دي، شايلة رسمة، وببراءة :
– بابا، شوف رسمت.....
صرخ ياسر من غير ما يقصد :
– ملك! أدخلي أوضتك.
وقفت ملك مصدومة، دموعها نازلة.
روان صوتها إتهزّ من القهر :
– براحتك، اتعصّب عليّ زي ما أنت عايز، بس على البنت لأ، ملك مالهاش ذنب.
ياسر لفّ وشه عنها، إيده على راسه، واضح إنه ندم. ندم على الكلمة، على العصبية، على إنه وجّع إثنين في لحظة.
قال بصوت مكسور لأول مرة :
– أنا آسف، الكلمة طلعت غلط.
روان رجعت خطوة لورا، صوتها هادي لكن موجوع :
– غلط؟ دي كلمة واحدة هدمت كل هدنة كنا بنبنيها. إنت راجل ليك احتياجات؟ طب وأنا؟ أنا واحدة ولا ظلّ؟ ولا وصيّة ماشية؟ ولا أيّ حاجة والسلام؟
حاول يقرب، بس لما شاف دمعتها، وقف مكانه.
هي قالت بهدوء مرعب :
– أنا مش جاية أكمّل حياة حدّ. ومش جاية أبقى بديل. ولو يوم الجملة دي اتكررت، هاروّح، ومش هارجع.
ملك بكت أكتر :
– ماما روان، ما تمشيش.
روان حاولت تهديها وياسر واقف، وشه مصدوم وراسه نازل، وكأنه واخد صفعة. لأنه فعلاً كلمة واحدة بس، كانت ممكن تخسره كل حاجة.
هو تمتم بصوت مخنوق :
– أنا آسف، أنا ندمان، ما كانش قصدي أقولها.
روان ما ردّتش، دخلت أوضتها وقلبها بيوجعها. وياسر وقف برّة، إيده على بابها، بس عاجز يطرقه. لأن اللي خرج من بقه ماكانش غضب، كان إعتراف هو نفسه مش مستعد يشوفه.
روان قفلت باب أوضتها بهدوء، الهدوء اللي بيأذي أكتر من الصراخ. سندت ظهرها على الباب، ونفَسها بيطلع متقطع، مش من الخوف، من القهر.
جوا الأوضة…
العتمة كانت أرحم من التفكير. مسحت دموعها بعنف، كأنها بتحارب نفسها مش بتحارب كلمة.
برّا… ياسر واقف ادّام الباب، مش قادر يخبط، مش قادر يبعد، ومش قادر يواجه. حطّ إيده على الباب، وقال بصوت واطي :
– روان، أنا آسف أنا غلطت.
بس الصوت ما وصلهاش، ولا هي سمعت، ولا حتى كانت عايزة تسمع.
إتنهد.. إتنهد جامد وكإن الندم طالع من ضلوعه مش من صدره.
Nisrine Bellaajili
بعد دقايق…
باب أوضة ملك إتفتح. البنت الصغيرة خرجت عنيها لسه فيها دموع، وبتفركهم بإيدها :
– بابا، هي ماما روان زعلانة مني؟
الجملة كسرت ظهره. ركع ادّامها، حضنها، وقال وهو بيحاول يثبّت صوته :
– لأ يا روحي، إنتِ مالكيش ذنب. أنا اللي غلطت.
ملك خبّت وشّها في صدره :
– طب هي هتمشي؟
الجملة دي كانت خنجر.. خنجر في قلبه، خنجر في الباب المقفول اللي وراه روان بتعيط.
قال بحزم ضعيف :
– لأ، هي مش هتمشي، ولا هسمح إنها تمشي.
ملك رفعت راسها، صوتها مرتعش :
– طب صالِحها.
شدّ نفسه، وبصّ ناحية باب روان اللي لسه ساكن :
– هحاول يا ملك، بس يمكن تحتاج وقت.
الليل نزل على البيت بدري… بدري للدرجة اللي تخوّف. ياسر كان قاعد في الصالة مش قادر يدخل أوضته ولا قادر يبص ناحية أوضة سارة، ولا قادر ينسى جملة “أنا راجل… وليا احتياجات”.
مسك راسه بإيده وقال لنفسه :
– إنت غبي، غبي ومتهور وبتدوّر عن اللي يوجعك.
حاول يقوم، يخبط عليها، يصلّح، يشيل كلمة ويجيب بدالها مية. لكن رجليه ما ساعدتوش، كأن البيت نفسه بيقول له :
“سيبها تهدأ، وإنت كمان إهدا، لأن الكلمة اللي بتتقال غلط، ما بتتصلحش بسهولة.”
جوا أوضتها.....
روان كانت قاعدة على السرير، حضنة ركبها، بتتنفّس بصعوبة. مش بسبب الكلمة بس، لكن علشان إكتشفت إنها لأول مرة من سنين اتوجّعت من راجل مش المفروض يوجعها. وشعرت إنها مش بديلة، مش ضيفة، مش وصيّة، لكن إنسانة، وإن الكلام بيوجعها زي أي حد.
مسحت دموعها وقالت بصوت خافت لنفسها :
– لو الكلام ده اتكرر هاروّح. ومهما ملك إتعلّقت مش هفضل مكان بيتوجع منّي ومنه. قامت فتحت نور خفيف، وبصّت في المراية، وشّها كان متعب لكن عينيها، قوية.. زعلانة، بس قوية.
همست لنفسها :
– مش هسيب حد يكسرني، ولا كلمة تكسّرني.
---
في الصالة، ملك نامت على الكنبة، راسها على رجل ياسر، وهو قاعد ساكت ماسك إيدها الصغيرة وبيفكّر.
بعد ساعة، وقف. راح ناحية أوضة روان، وقف ادّام الباب، مدّ إيده وبعدين سحبها. وقال بصوت يكاد يكون نفس :
– سامحيني، أرجوكِ سامحيني.
وما خبطش. رجع لورا ودخل أوضته، وأول مرة من سنين قفل الباب عليه.
الفصل ينتهي على :
روان في أوضتها.. ياسر في أوضته..
ملك نايمة بينهم زي جسر مكسور. وبيت كامل، واقف على كلمة واحدة غلط. لكن اللي جاي مش نهاية، لأن الخناقة دي كانت أول شرارة بتفتح باب مشاعر، مش باب فراق.
تاني يوم…
الجو في البيت كان بارد، مش برد هوا. برد زعل.
روان خرجت من أوضتها بدري، لابسة فستان بسيط ، وشها هادي، هادئ من برّه، لكن جواها فيه ارتجاف خفيف ماحدش شايفه.
ياسر كان واقف في الصالة، لابس هدومه، واضح إنه ناوي يروح المستشفى، لما شافها وقف، مش عارف يقول "صباح الخير" ولا "إمبارح آسف" ولا يبتدي منين.
روان قالت بهدوء:
– لو رايح المستشفى، أنا جاية معاك.
الكلمة نزلت عليه زي مفاجأة، ما عارضش وما وافقش، بس هز راسه بس.
ملك جريت عليهم :
– هاتروحوا تشوفوا ماما؟ خدوني معاكم.
ياسر مسك بنتُه :
– لأ يا ملك، إنتِ روحي المدرسة الأول، هنيجي نجيبك بعدين.
روان نزلت لملك على ركبتها حضنتها :
– هنبقى نروح سوا بعد كده لما تبقي مستعدة.
ملك بصّت في عينها، وفجأة مسكت خدّ روان بإيديها الصغيرة :
– ما تزعليش يا ماما روان، بابا كان زعلان، بس هو بيحبّك.
الجملة جرحت قلبين في نفس اللحظة.
المستشفى.....
الطريق كان ساكت، ولا كلمة، ولا نظرة، بس صوت عربيات ونَفَس تقيل بين إثنين مش عارفين يبدأوا منين. وصلوا، دخلوا غرفة سارة.
الغرفة كانت نفسها، البياض، جهاز التنفس، صوت "بيب… بيب" ثابت،
وريحة المستشفى اللي بتوجّع.الذكريات.
روان أول ما شافت سارة اتجمّدت، وشها شاحب، شعرها على جبينها، جسمها هادي بطريقة تخوّف. قربت خطوة.. إثنين، لحد ما وقفت جنب السرير.
ياسر واقف وراها مش قادر يقول حاجة، مش قادر حتى يتنفس كويس.
روان مدّت إيدها، وحطّتها فوق إيد سارة. الدفا كان ناقص، والنبض ضعيف تحت الجلد.
روان بصوت رخيم، هادي، لكن صادق :
– سارة، أنا جيت، روان.. صاحبتك. لسه فاكرة آخر كلمة قولتيها لي، فاكرة "خلي بالك من ملك".
نَفَسها اتقطع لحظة وبعدين كملت :
– ووالله مش هسيبها، ولا هسيب البيت يتكسر. ملك بتكبر وبتضحك، وبتسأل عليكِ كل يوم وبتقوللي "ماما مش هتموت… صح؟"
صوت روان اتكسر، لكنها مسكت نفسها :
– وأنا بوعدك لو صحيتِ هسلمك بيتك، وهسلمك بنتك، وهسلمك جوزِك وهبعد. بس لو ما قمتيش، صدقيني مش هخلّي ملك تحس ولا يوم إنها وحيدة.
ياسر واقف وراها، عينه دمعت من غير ما يحس، مش من الكلام، من الصدق اللي طالع من واحدة مش مضطرة، لكن بتوفي بوصية واحدة نايمة.
روان مسحت على شعر سارة :
– ملك كويسة، بقت أشجع وأحنّ، وبتتكلم عنك كتير، وبتستنى اليوم اللي تصحي فيه.
وبصوت أضعف :
– وأنا مش جايّة آخد مكانك، ولا آخد حياتك، أنا بس بحاول أشيل اللي وقع منك لحد ما ترجعي.
نسرين بلعجيلي
لحظة إهتزاز...
الجهاز فجأة زوّد صوت "البيب" رمشة بسيطة، مش خطيرة، لكن حركة.
روان شهقت :
– ياسر!
ياسر اتصدر ادّام السرير، بص للجهاز وبصّ لسارة.
والاتنين شافوا نفس الشيء :
رموش سارة، اهتزّت هزّة خفيفة زي نَفَس جديد، زي روح بتحاول ترجع.
ممرضة دخلت بسرعة :
– ده شيء إيجابي، لكن مش معناها فاقَت، ممكن يكون رفلِكس عصبي.
روان وقفت مكانها، إيدها على إيد سارة وعنيها بتلمع.
ياسر واقف جنبهم، بين الأمل.. والرعب.. والذنب.. والحياة اللي واقفة بين الثلاثة.
الممرضة خرجت.
وروح الغرفه اتغيّرت.
ياسر قال بصوت هادي، مكسور، لكنه صادق :
– روان، شكراً.
ما بصتش ناحيته، لكن قالت :
– ده واجبي، ووصيتها.
سكت لحظة، وبعدين قال كلمة وقفت قلبها :
– مش بس وصيتها.
رفعت راسها، بصّت له، ولأول مرة من أول الجواز هو كان بيبصّ لها بجد مش كغريبة، ولا وصيّة، ولا بديلة، لكن كإنسانة واقفة قدّامه بتشيل وجعه ووجع بنتُه من غير ما تطلب حاجة.
وهنا، أول مرة من أول ما دخلت البيت روان حسّت إنها "مش لوحدها". رجعوا البيت بعد زيارة المستشفى، كل واحد فيهم شايل وجعه لوحده.
ملك رجعت من المدرسة، ولما شافت روان، جريت عليها وحضنتها كأنها كانت غايبة سنين.
الجو كان هادي، هدوء غريب بعد العاصفة اللي حصلت امبارح.
على بالليل…
الساعة كانت 9 ونص، روان كانت لابسة "لبس بيت بسيط و محترم"، قاعدة في الصالة مع ملك بتلّون رسمة. ياسر قاعد في الناحية التانية، شايفهم، ومش فاهم ليه الجو بقى “عيلة”، بس قلبه بيخاف يعترف.
وفجأة…
دَقه قويّة على الباب، ملك قامت تجري، بس ياسر بصوت واضح :
– أقعدي يا ملك، أنا هفتح.
فتح الباب، ولقّى قدريّة واقفة وشها نار، وجنبها سلوى متزيّنة ومستنية حاجة.
بصوت عالي أول ما دخلت :
– هو إيه ده؟.إيه اللي أنا شايفاه ده؟!
بصّت على روان من فوق لتحت، روان ارتبكت، وقامت بسرعة تقف، ملمومة على روحها.
قدريّة رفعت صوتها أكتر :
– صاحبتك مرمية في المستشفى بين الحياة والموت وإنتِ جاية تقعدي هنا في البيت بـ"لبس بيت"، جوزها قاعد، وإنتِ على حل شعرك؟ عيب، عيييب.
روان وشها إحمر، مش من الخجل، من القهر.
سلوى وقفت جنب أم ياسر، وقالت بنبرة سمّ :
– والله يا طنط أنا اتفاجئت، ما كنتش فاكرة إن فيه حد يقدر يعيش في بيت واحدة صاحبتُه كده.
روان فتحت بُقها، بس الصوت ما طلعش.
قدريّة كملت :
– وعايشة هنا كأن البيت بيتك، تطبخي، وتخرجي وتدخلي تلعبي مع البنت، وإنتِ إيه أصلاً؟ مربّيّة؟ ولا واحدة لاقية بيت تتلمّ فيه؟ ده إسمه إيه غير انك.عابشه في الحرام ؟
وكانت هتزود، لكن صوت ياسر فجأة قطع كل شيء. صوت قوي، ثابت، واضح :
– ماما، كفاية، روان مراتي.
الصمت وقع زي الطوبة. قدريّة اتجمدت :
– إيييه؟ إنت بتقول إيه يا ياسر؟!
سلوى وشها ولع، عيونها دمعت من الغيظ.
ياسر بصّ في عينين أمه :
– بقول اللي سمعتيه، روان مراتي، وبوجودِك، ادّام الناس، وادّام الدنيا كلها.
قدريّة صرخت :
– إنت اتجننت؟! تسيب مراتك في المستشفى وتجيب صاحبتها هنا؟!
ياسر شدّ نَفَسه :
– ماما، سارة هي اللي وصّت، سارة اللي طلبت، وسارة اللي اختارت روان، مش أنا.
قدريّة اتلخبطت :
– وصّت بإيه؟!
ياسر قالها بحدة مخلوطة بالحزن :
– وصّت إن روان تبقى مع ملك، وتكون معايا وتبقى في البيت. وأنا نفّذت كلامها.
سلوى بزعل ومرارة :
– يعني خلاص، مافيش نصيب بينا؟
ياسر بصّ لها نظرة واضحة :
– يا سلوى، لمّا يبقى فيه وحدة بينك وبين قدر الله، يبقى مافيش.نصيب من الأول.
روان كانت واقفة ورا ياسر، إيديها بتترعش، مش مصدقة إنه قال الكلمة، و ادّام مين؟
قدريّة استوعبت الكلام، وبمزيج غضب وصدمة :
– يعني أنت اخترت دي على بنت خالتك؟ على سلوى؟ على أهلك؟!
ياسر قال بثبات :
– أنا ما اخترتش، اللي اختارت هي سارة، وأنا بحمي وصيّتها.
ثم بصّ لروان، وولأول مرة قالها بوعي كامل :
– وبحميها هي كمان.
الكلمة كسرت كل الحواجز. قدريّة مسكت شنطتها وقالت :
– يبقى ربنا يسهّل، إنت بقيت ماتسمعش كلام حد، لكن افتكر الجواز ده مش ادّامي وانا مش راضيه عنه .
ياسر ردّ بهدوء :
– ومش محتاج يكون ادّام حد غير ربنا وكتاب الله.
قدريّة خرجت وسلوى وراها، باكية ومكسوفة. باب البيت اتقفل، وورا الباب بدأ عصر جديد.
روان واقفة، مش عارفة تتنفس ولا تتكلم. ياسر إتقدم خطوتين ناحيتها، وقال بصوت أهدى من الهمس :
– آسف، بس ماكنتش هسمح لحد يهينك في بيتي.
روان بصوت مرتعش :
– بيـتـك؟
ردّ وعينه ثابتة عليها :
– لأ، بيتنا.
وهنا ولأول مرة الغربة اللي بينهم اتشقّت.