
الليل كان ماشي على أطراف صوابعه، مافيش صوت غير أنفاس الممرات، وضوء المستشفى الأبيض اللي بيعمل وجع أكتر من راحة.
ياسر رجع للمستشفى، وشكله متغير، عينيه حمرا، وصوته مبحوح من كتر القهر. روان جنبه، ساكتة.. مش عارفة تقول إيه بعد اللي حصل.
لما دخلوا أوضة سارة، الضوء كان خافت، وهي نايمة على نفس الوضع، النبض ثابت على الجهاز، بس الروح.. تعبانة.
ياسر وقف عند السرير، مدّ إيده ولمس شعرها بهدوء، زي اللي بيطمن نفسه إنها لسه هنا. قال بصوت مكسور :
يا رب.. خفف عنها.
روان وقفت وراه، وشافت إزاي كل لمسة منه فيها وجع راجل بيحب لدرجة الخوف. كانت عايزة تقول كلمة تريّحه، بس اختارت تسكت، لأن السكوت ساعات أحن من الكلام.
ياسر سحب الكرسي وقعد، حط راسه على طرف السرير ونام كأنه محتاج أمان من صوت أنفاسها.
روان خرجت بهدوء، وقفت في الطرقة تبصّ من بعيد، تشوف إتنين :
واحد بيحارب بالنَّفَس، والتاني بيحارب بالصبر.
نسرين بلعجيلي
حصري
الصبح..
الشمس طلعت من ورا السحاب الرمادي، ضوءها خفيف بس كفاية يفتّح قلب الغرفة.
سارة فتحت عينيها ببطء، شافت ياسر نايم على الكرسي، إيده ماسكة إيدها، ودمعة ناشفة على خده. إبتسمت، مدّت إيدها ولمست شعره :
ياسر… قوم يا حبيبي.
رفع راسه بسرعة، الدهشة في عينيه اتبدلت بفرحة مفاجأة :
سارة؟!
سارة :
أيوه يا ياسر، أنا هنا، ما رحتش في حتة.
ضحك وهو بيبص فيها كأنه بيشوف الدنيا أول مرة من جديد :
الحمد لله، ألف حمد وشكر ليك يا رب. كنت بدعِي.. كنت بترجى وبتكلم مع ربنا علشان يسيبك ليا.
ضحكت سارة، لكن التعب بان في صوتها :
شكلك إتغير يا ياسر، عينيك فيها خوف مش متعوداه منك.
ياسر :
خايف.. مش من المرض، خايف من الحياة من غيرك.
سكتوا، والنَّفَس بينهم بقى دعاء صامت.
روان دخلت عليهم بابتسامة فيها تعب الليل كله :
صباح الخير يا أبطال.
سارة بصت ليها :
هو فيه حد بيبقى بطل في حربه؟
روان :
أيوه، لما يفضل يقاتل وهو بيتوجع.
قعدت روان على الكرسي التاني، وقالت لياسر :
الدكتور عايز يشوفك تحت بعد شوية.
ياسر :
خير؟
روان :
تحاليل جديدة، ومتابعة الحالة.
سارة اتنهدت :
يعني لسه ماراثون؟
روان حاولت تهزر :
الماراثون ده فيه خط نهاية إسمه “سلامة”، وده هدفنا.
ضحكوا، لكن كل ضحكة كانت بتحاول تغطي خوف بيكبر جواهم.
Nisrine Bellaajili
بعد نص ساعة..
ياسر نزل يقابل الدكتور، وسارة فضلت مع روان. بصت ليها وقالت بنبرة هادية جدًا، كأنها بتجهز كلام مهم :
روان… لو في يوم حسّيتِ إني خلاص مش قادرة، أو لو حسّيتوا إن وجودي بيأذيكم، ما تخلّوش الوجع يضيع البيت.
روان بصت لها بحدة فيها عتاب ودموع :
ما تقوليش كده تاني، سارة، البيت من غيرك بيبقى طَيف مش حياة. إحنا مش محتاجين نعيش، محتاجينك إنتِ.
سارة ابتسمت، بس عينيها دمعت، وهمست وهي بتبص للسقف :
يمكن ربنا يبدّل الوجع ده فرح قريب.. يمكن.
في الدور التحتاني، الدكتور كان قاعد قدام ياسر، بيقلب في التقارير الجديدة.
صوته طالع بهدوء طبيب شايف الحقيقة ومش قادر يجمّلها :
النتائج مش مطمئنة قوي يا أستاذ ياسر. الأنسجة لسه بتتدهور، والجسم بيقاوم بالعافية.
ياسر حط إيده على راسه، وصوته خرج خافت جدًا :
يعني… الخطر لسه قائم؟
الدكتور :
للأسف أيوه. لكن فيه حاجة إسمها “معجزات الصبر”. ناس كتير حالتها زيها، وربنا مدّ في عمرهم سنين، والمفتاح الحقيقي هنا، إنكم تكونوا دايمًا جنبها.
ياسر قام من مكانه، قال بصوت متماسك رغم الرجفة :
طول ما أنا عايش، مش هسيبها لوحدها.
طلع من المكتب، عينيه شايفه الممر الطويل كأنه طريق بين الحياة والقدر. وقف لحظة، وقال في سره :
“يا رب، لو مكتوب ان عمرها قرب ينتهى اديها عمر وطوله عشان خاطرى انا وملك يارب"
في آخر اليوم، روان واقفة في الشرفة الصغيرة تطّمن على الجو، وياسر جنبها بيبص للسماء.
قال بصوت واطي :
فاكرة أول يوم جينا المستشفى؟ كنت متخيل إن ده آخرنا.
روان إبتسمت بهدوء :
يمكن كل نهاية في الدنيا، ربنا مخبّي فيها بداية جديدة، بس بنشوفها بعد وجع طويل.
ياسر بصّلها، شكرها بنظرة مليانة تقدير :
وجودك هنا سند، لو ماكنتيش موجودة، كنت وقعت.
روان قالت وهي بتبص على الشارع المليان نور خافت :
إحنا كلنا واقفين علشانها، وهي بتقف علشانا.
دي مش وصية حبّ وبس…
دي معركة حياة.
ياسر إتنهد وقال وهو يرفع عينه للسما :
والحب عمره ما انهزم قدّام الوجع.
والليل نزل تاني… بس المرة دي كان أهدى. فيه وجع، آه، لكن فيه كمان طمأنينة صغيرة، زي وعد في الهوا بيقول :
“لسه الحكاية ما خلصتش.. ولسه القلب بينبض بإسمها.”
مرت الأيام ببطء، كأن الساعة كانت بتمشي على أطراف صوابعها. بعد أسبوع كامل من القلق والسهر، خرجت سارة من المستشفى. الطبيب قال إن حالتها مستقرة، لكن محتاجة راحة تامة، وأي انفعال ممكن يرجعها تاني هناك.
رجعت البيت، ووشها باهت شوية، لكن عينيها كان فيهم نور غريب.. نور النجاة بعد معركة طويلة.
ياسر ساعدها تدخل الشقة، خطوة بخطوة، وملك جريت عليها تحضنها وهي بتعيط :
"وحشتيني يا ماما!"
سارة ضحكت وهي بتحضنها بقوة، كأنها بتحضن عمرها كله في اللحظة دي.
رجعت الحياة تمشي في البيت، لكن الهدوء ما كانش راحة.. كان هدوء العاصفة اللي بتتخبّى قبل ما تضرب. روان كانت بتيجي تزورها كل يوم بعد الشغل، تطمن عليها وتقعد شوية، لكن بعد أسبوع إضطرت ترجع لشغلها من جديد. ودّعتها سارة بابتسامة حنونة وقالت :
إرجعي لحياتك يا روان.. أنا كويسة دلوقتي.
لكن قلبها كان عارف إنها مش هتبقى كويسة فعلاً.
من يومها، البيت ما بقاش زي الأول. قدريّة قررت تفضل عندهم "علشان تساعد"، زي ما قالت. وسلوى كمان بقت تيجي كتير، بحجة إنها تساعد في تنظيف الشقة والطبخ. بس سارة كانت حاسة إن فيه حاجة مش مظبوطة. نظرات سلوى لياسر كانت بتطول أكتر من اللازم، وكلام قدريّة بقى كله عن المسؤولية والمستقبل، وعن الراجل اللي محتاج "ستّ في عزّه".
في البداية، سارة حاولت تتجاهل، تقول لنفسها إن دي أوهام ناتجة عن التعب، لكن الإحساس الخانق ما كانش بيفارقها.
كانت قاعدة في الصالة يوم، ومعاها فنجان الشاي، وقدريّة وسلوى بيكلموا بعض في المطبخ. الصوت مش واضح، لكن الكلمات كانت بتتسرّب من تحت الباب زي سمّ بارد.
سلوى :
هو خلاص يا خالتي، يعني فعلاً ناوية تخليني أتجوزه بعد سارة؟
قدرية :
وليه لأ؟ الست دي شكلها مش هاطول، وربنا عالم باللي فيها. أنا مش هستنى لما إبني يضيع. البيت لازم يفضل واقف، والبنت محتاجة أم.
سلوى :
بس يا خالتي، الناس هتقول إيه؟
قدرية :
الناس بتتكلم يومين وتسكت. بعدين، ده حقك، إنتِ بنت كويسة وأنا عايزاك ليه. سارة خلاص، راحتها قربت."
الكلمات دي خبطت في سارة زي صاعقة. إيديها رجفت، والفنجان وقع على الأرض، اتكسر نصين، والشاي غرق السيراميك.
قدريّة خرجت من المطبخ بسرعة :
مالك يا سارة؟ وقعت منك الكوباية؟"
سارة بصت لها بنظرة جامدة، فيها وجع ودهشة في نفس الوقت :
آه… وقعت.
قدرية :
خذي بالك من نفسك، أنا هلمّها.
قدريّة نزلت على ركبها تجمع الكسر، وسلوى واقفة وراها ساكتة، بس عينيها ما كانتش مرتاحة.
سارة راحت أوضتها من غير ما تقول حاجة، قفلت الباب ووقفت قدام المراية. وشها شاحب أكتر من قبل، بس في عنيها لمعة غضب، لمعة ستّ فهمت إنهم بيجهّزوا حياتها القادمة من وراها.
إتنهدت وقالت بصوت مسموع وهي تبص لنفسها في المراية :
"عايزين يجوزوه و أنا لسه على قيد الحياة؟ ده أنا حتى لسه بتنفّس."
نسرين بلعجيلي
وقعدت على السرير، مسكت النوت بوك اللي كانت بتكتب فيه زمان، وبدأت تكتب من جديد :
"لو اليوم ده جه فعلاً، وأنا لسه هنا، مش هسكت. الوصية مش نهايتي، دي هتكون قوتي."
في اللحظة دي، سمعت صوت ملك بتضحك من برّه مع سلوى، وصوت ياسر داخل من الباب بيقول :
سارة، جيت أهو.
إبتسمت وهي تمسح دموعها بسرعة، وبصوت واثق قالت لنفسها :
"أنا لسه هنا، ولسه عندي اللي أقوله."
وهي مش عارفة إن اللي جاي هزّ البيت كله.
من يوم ما رجعوا البيت بعد المستشفى، ياسر كان حاسس إن فيه حاجة مش مريحة في الجو. البيت هادي زيادة عن اللزوم. سارة بتحاول تبين إنها بخير، لكن ملامحها بتفضحها، وعينيها فيها خوف ساكت مش عايز يطلع.
قدريّة وسلوى بقى ليهم وجود دايم. مرة في المطبخ، مرة في الصالة، ومرة بحجة “عايزين نساعد سارة”. لكن المساعدة كانت بتخنق أكتر ما بتريح.
ياسر لاحظ كل حاجة. نظرات سلوى الطويلة ليه، وهي تضحك من غير سبب، وكلام أمه اللي بقى كله : “البيت محتاج ستّ" و“سارة محتاجة راحة، خلي سلوى تقوم بدلها”.
هو ما قالش حاجة في الأول، بس كل يوم كان الغضب بيكبر جواه زي نار تحت الرماد. وفي ليلة، بعد ما سارة نامت، قعد في الصالة وهو بيفكر بصوت عالي لنفسه :
“أنا مش فاهم هما عايزين إيه بالظبط؟ ليه حاسس إن فيه خطة بتتنسج حواليّا؟”
خرجت قدريّة من المطبخ وهي ماسكة صينية شاي، وسلوى وراها بتضحك ضحكة صغيرة :
تعالى يا ابني إشرب معانا كوباية شاي.
ياسر قال بهدوء وهو بيحاول يسيطر على أعصابه :
لأ، مش قادر أشرب حاجة.
قدريّة رفعت حاجبها :
مالك يا ياسر؟ وشّك متغير كده ليه؟
ردّ بهدوء شديد بس صوته فيه نغمة حزم :
ماما، أنا عايز أتكلم معاكِ في حاجة.
قدرية :
قول يا حبيبي.
ياسر :
أنا شايف إن وجودك إنتِ وسلوى هنا بقى زيادة شوية. سارة محتاجة هدوء، ومش محتاجة ضغط.
قدريّة اتشدّ وشّها :
ضغط؟! إحنا ضغط؟ ده أنا قاعدة باخدمها وباعمل اللي المفروض مراتك تعمله.”
ياسر ردّ بسرعة، نبرته فيها وجع وغضب مكبوت :
مافيش حد طالب منك خدمة يا ماما. إنتِ جيتي علشان تطمني عليها، كتر خيرك، بس خلاص. سارة بقت أحسن، وأنا هجيب واحدة تساعدها في البيت. إنتِ وسلوى ترجعوا البلد ترتاحوا.”
سلوى اتلبخت، عينيها راحت لأرض المطبخ، وقدريّة قالت بصوت عالي وهي بتحط الصينية بعصبية :
يعني تصرف فلوس على غريبة، وأنا عندي بنت أختي في وشّي؟ سلوى بنت كويسة، محترمة، وأحسن من ألف غريبة.
ياسر ردّ بنبرة ثابتة :
مافيش حد غريب، بس مافيش داعي سلوى تفضل هنا كل يوم. سارة مش محتاجة خدامة، محتاجة راحة نفسية، وأنا مش مرتاح بوجودها.”
قدريّة شهقت :
مش مرتاح؟! ليه يا ياسر؟ دي زي أختك.
رفع عينه فيها مباشرة :
لأ، يا ماما، مش أختي، ولا ينفع تكون. نظراتها ليا مش طبيعية، وأنا مش غبي.
سلوى اتجمدت في مكانها، وشها إحمر وقالت بسرعة :
إيه الكلام ده يا ياسر؟ أنا عمري ما بصيتلك بنظرة وحشة.
قدريّة ضربت كفها في الترابيزة :
عيب الكلام ده، إزاي تقول كده على بنت أختي؟ إنت اتجننت ولا إيه؟
ياسر ردّ وهو بيحاول يهدّي صوته لكنه فشل :
أنا مش مجنون، بس أنا فايق جدًا. سارة مش ناقصاها خيانة من أقرب الناس. أنا بحب مراتي، وعمري ما هشوف غيرها.
قدريّة صرخت :
وهي تفضل كده؟ مريضة وتعبانة؟ هتعيشلك كام سنة كمان؟ إنت محتاج تفكر في حياتك يا ياسر.”
الكلمة دي وقفت الدم في عروقه. بصّ لها بحدة :
إيه؟ بتخططي ليّ كده؟! ماما، إنتِ بتتكلمي عن مراتي كأنها خلاص ماتت.”
قدريّة حاولت تبرّر :
أنا بخاف عليك يا ابني، مش عايزاك تفضل لوحدك بعدين.”
ياسر :
بعد إيه؟!
صوته كان عالي، عينيه بتبرق بغضب :
بعد موتها؟ إنتِ مستعجلة على ده كمان؟
سلوى قالت بسرعة :
ياسر، بالله عليك، ما بتقصدش كده.
ياسر :
أسكتي إنتِ.
صرخ فيها وهو بيشاور بإيده :
ولا كلمة. إنتِ السبب في اللي بيحصل. بقالك كام يوم دايرة حواليا كأنك بتستني لحظة ضعف. أنا بحب سارة، ووجودك هنا مش مقبول.
قدريّة وقفت، حطت إيدها على صدرها :
ده جزاتي؟ أقعد أرعى فيكم وفي الآخر تطردني؟
ياسر ردّ بقسوة فيها وجع :
أنا ما طلبتش رعاية، طلبت راحة. وإنتو جبتوا للبيت قلق وسمّ، سارة حاسة، وأنا شايف. فلو بتحبيني فعلاً، خدي سلوى وارجعي بلدك النهارده.
نسرين بلعجيلي
السكوت سيطر على المكان. سلوى واقفة مرتبكة، ودموعها على خدها، وقدريّة واقفة مصدومة، مش مصدقة إن إبنها اللي ربتّه بيكلمها كده.
لكن ياسر كان خلاص فاض بيه الكيل. مسك جاكتِّه من على الكرسي وقال وهو بيبص لهم نظرة حاسمة :
أنا نازل أجيب لسارة دواها، ولما أرجع، نفسي ألاقي البيت فاضي.
طلع من البيت، وسابهم في صمت قاتل. سلوى بصّت لقدريّة بخوف وقالت :
خالتي، شكله شافنا على حقيقتنا.
قدريّة شردت لحظة، وبصوت واطي قالت :
يمكن.. بس ساعتها هنشوف مين اللي هيفضل واقف.
ايه اللي بتحسوه لما بتقرأو الفصل ؟؟
اوصفو ليا احساسكم
الفصل الخامس عشر
النهار بدأ عادي جدًا، بس في بيت منى، الجو كان متوتر من غير سبب واضح. روان قاعدة على السفرة، لابسة جاكيتها ومستعدة تنزل تزور سارة بعد ما خلصت شغلها، لكن ملامح منى وهي في المطبخ كانت مختلفة، فيها قلق غريب.
طلعت من المطبخ وهي بتمسح إيديها في الفوطة وقالت بنبرة فيها شيء من الحذر :
رايحة فين تاني يا روان؟
روان، بابتسامة تلقائية :
عند سارة يا ماما، كنت قايلة لك، هاطمن عليها شوية.
منى سكتت لحظة وهي بتبصّ لها، بعدين قالت بهدوء مش طبيعي :
هو ياسر هناك؟
روان اتفاجئت بالسؤال :
أيوه، أكيد هناك. ليه بتسألي؟
منى قعدت قصادها على الكرسي، نظرتها فيها قلق أكتر من غضب :
بصي يا بنتي، أنا مش بحب أتدخل في اللي بينك وبين الناس، بس خلاص كفاية زيارات، خليها ترتاح شوية. والناس بدأت تتكلم.
روان رفعت راسها ببطء :
تتكلم؟ عن إيه؟
منى :
عن وجودك في المستشفى طول الوقت، وعن إنك مطلقة، وفيه راجل متجوز، و…
منى سكتت، مش قادرة تكمل الجملة، لكن روان فهمت كل كلمة ما اتقالتش. صمتت لحظة، صوت نفسها بدأ يعلى من جوّاها :
ماما، إنتِ سامعة نفسك؟ إنتِ بترددي كلام مين؟ كلام الناس ولا كلام قدريّة؟
منى اتنفست بعمق وقالت :
قدريّة يمكن قالت كلام ضايقني، بس هي نبهتني. الناس ما بترحمش يا روان، وأنا مش عايزة إسمك يتلوث بسبب نيتك الطيبة. إنتِ مطلقة، والناس مش هتشوفك بريئة حتى لو كنتِ ملاك.
روان بصت لها نظرة حزن، مش غضب :
يعني عايزة أسيب سارة لوحدها؟ الست دي محتاجة حضن، مش حكايات الناس. إنتِ ناسية لما بابا تعب مين وقف معانا؟ سارة كانت أول وحدة في البيت عندنا، ما حسبتش حساب الناس.
منى قالت بصوت فيه رجفة :
الظروف غير الظروف يا بنتي. وقتها ما كانش فيه راجل في الصورة، لكن دلوقتي فيه جوزها، وده يخلي الدنيا شكل تاني.
روان قامت من على الكرسي وهي بتتكلم ببطء :
ماما، اللي بيني وبين ياسر هو احترام، ومش هيهزّه كلام ستّ ولا خوف من سمعة. أنا مش رايحة علشان ياسر، أنا رايحة علشان سارة.
منى مسكت إيدها بسرعة قبل ما تمشي :
روان، اسمعيني. أنا مش بشك فيكِ، بس أنا بخاف عليكِ. الناس لما تبتدي تحكي، ما تعرفيش هتوقف إزاي. أنا أمك، وشايفة الدنيا بعين تانية غير عينك.
روان بصت في عيون أمها، دمعة خفيفة نزلت وهي بتقول بهدوء :
بس إنتِ نسيتي حاجة واحدة يا ماما، اللي بيخاف من كلام الناس بينسى كلام ضميره. وسارة مش مجرد صديقة.. دي أختي.
سحبت إيدها بلطف، اخدت شنطتها، وهي خارجة من باب البيت، منى نادتها بصوت مبحوح :
روان… الناس مش دايمة، بس الكلمة بتفضل.
روان بصت وراها وقالت :
وأنا كمان مش دايمة، يا ماما.. بس طالما عايشة، مش هسيب حد لوحده.
خرجت وسابت البيت، وصوت الباب وهو بيتقفل كان كأنه بيقفل على خوف أم وبيفتح على شجاعة بنت.
منى وقفت عند الشباك تبص من ورا الستارة، وهي شايفة روان ماشية في الشارع، وقالت لنفسها بصوت واطي :
يا بنتي، يا ريت الناس تفهم الطيبة زي ما إنتِ فاهماها.
ثم اتنهدت، وحست لأول مرة إن الخوف اللي جوّاها مش من كلام الناس، لكن من القدر اللي بيقرّب خطوة بخطوة.
روان وصلت بيت سارة في آخر النهار، الجو كان هادي والضوء داخل من الشبابيك بخفة، ريحة الدوا والورد الأبيض مالية المكان. دقّت الجرس، وبعد ثواني الباب اتفتح، وسارة بنفسها اللي فتحت. إبتسمت وهي تحاول تبين إنها كويسة، لكن وشها شاحب والتعب باين في ملامحها.
روان :
إزيك يا سارة؟
سارة :
الحمد لله، تعالي أدخلي.
دخلت روان وهي شايلة كيس فاكهة صغير :
جبتلك شوية فواكه طازة، الدكتور قال لازم تاكلي حاجات فيها فيتامين.
سارة :
تسلمي يا حبيبتي، بس تعبتِ نفسك ليه؟
قعدوا في الصالة، وسارة حاولت تخفي رعشة خفيفة في إيديها وهي بتسكب العصير :
مامتك عاملة إيه؟
روان ترددت لحظة، وبعدين قالت :
كويسة، بس زعلانة مني شوية.
سارة :
ليه؟
إبتسمت روان إبتسامة باهتة :
شايفة إن الناس بقت بتتكلم كتير. بتقول إن المفروض أسيبك ترتاحي، وإن وجودي ممكن يزعّل ناس.
سارة سكتت، وحطت الكوباية على الترابيزة :
كلام الناس ما بيخلصش يا روان. كل واحد شايف الحكاية بطريقته. بس إنتِ تعرفيني كويس، وجودك مريحني مش مسببلي وجع.
روان حاولت تضحك :
بس الظاهر إنهم خلاص حكموا علينا كلنا من غير ما يسمعونا.
سارة بصت لها بحنان وقالت :
الناس بتحب الحكايات، ومافيش حكاية تمشي من غير وجع. المهم إحنا نفضل عارفين نفسنا، وإنتِ عارفة إيه اللي جواكِ، ماحدش يقدر يحاسبك عليه.
روان إبتسمت وهي تمسح على إيدها :
أنا كنت خايفة ماما تبقى مزعلاكى.
سارة حركت راسها نفيًا :
لا يا حبيبتي، بس حاسة إن قدريّة ما سابتش حد إلا وملِت ودانه بكلام. حتى ياسر نفسه متوتر، بقى يشوف في عيوني حاجة مش فاهمها.
روان قالت بهدوء :
عادي يا سارة، الراجل لما يلاقي الست اللي بيحبها مريضة، بيخاف يصدق إن الوجع ممكن يزيد. هو بيحبك جدًا، وأنا باشوف ده في كل نظرة ليكي.
سارة ابتسمت، بس في عينيها لمعة خوف :
الحب ساعات مش كفاية، يا روان. فيه حاجات بتكسر بين الناس من غير ما ياخذوا بالهم، وكلمة واحدة ممكن تهدّ بيت.
صمتوا لحظة، الساعة كانت بتدق بخفوت، والجو فيه ريحة غريبة بين طمأنينة وحزن.
روان قامت تساعدها تروّق السفرة، لكن سارة مسكت إيدها وقالت بهدوء :
ماتروحيش النهارده، خليكى شوية. مش عايزة أسمع صوت الصمت ده وأنا لوحدي.
روان بصت لها وقالت بابتسامة بسيطة :
ما اقدرش أسيبك لوحدك، حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي.
سارة ضحكت ضحكة صغيرة وقالت :
يا بختي بيكِ يا روان.
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح، وياسر دخل. وشه باين عليه التعب، لكن لما شافهم، حاول يبتسم :
مساء الخير، عاملين إيه يابنات؟
ـ كويسين، الحمد لله.
سارة حاولت تبين خفتها :
روان جايبة فواكه، بتقول إني طفلة لازم تتغذى.
ضحك وقال :
والله عندها حق. لازم نسمع الكلام.
بس وسط الضحك الخفيف ده، كل واحد فيهم كان شايل جواه حاجة ما قالهاش :
سارة حاسة إن القدر بيقرب..
ياسر حاسس إن فيه حاجة هتتكسر..
وروان بتحاول تصدّق إن الخير ممكن يفضل رغم كل الكلام اللي حوالين الحب والمرض.
الليل نزل، والسكون غطّى البيت، لكن ما كانش هدوء سلام، كان الهدوء اللي بييجي قبل ما يحصل تغيير كبير في كل شيء. كانت سارة قاعدة على الكنبة، بين ياسر وروان. الثلاثة في نفس المكان، بس كل واحد فيهم في دنيا لوحده.
ياسر بيحاول يضحك مجاملة، روان بتحاول تلهي الجو، وسارة ساكتة بتتفرج.
نظرت ليهم بتمعن، ووشها هادي، بس جواها دوشة. بتشوفهم من بعيد كأنها مش واحدة منهم. كل حركة منهم ليها معنى، وكل نظرة ليهم بتوجعها أكتر.
روان بتتكلم بحنية، بصوتها اللي فيه طيبة الدنيا كلها، وياسر بيرد عليها بهدوء، بس عينه فيها ارتياح وهي حواليه. الإرتياح ده اللي وجع سارة.
قلبها قالها :
هو ده اللي بين الناس لما يبتدوا يحبوا بعض.. ولا دي رحمة؟
بصت في ملامح ياسر، كان شكله متغير فعلًا. لحيته طولت، والهالات تحت عينيه سودة كأنها ليل ما نامش فيه من شهور، هدومه مش مرتبة زي زمان، حتى صوته بقى خافت، مش هو نفسه اللي كانت بتسمعه وهي بتضحك على كلامه من غير سبب.
نظرت لروان، وشها مرهق، شعرها مربوط بسرعة، لكن في عينيها نفس النور، النور اللي كانت سارة بتحبه فيها من أول مرة شافتها، بس النهارده النور ده رايح ناحيته هو.. مش ليها.
وبينما هما بيتكلموا، سارة أخذت نفسها بصعوبة، تحس كأن في حجر على صدرها. مدت إيدها تمسك الكوباية، بس إيديها كانت بتترعش، نقطة مايه وقعت على الفستان، وهي بتضحك بخفوت كأنها بتحاول تخبي وجعها.
قلبها بيكلمها :
شايفاهم؟ شايفة هما الاتنين عاملين إزاي؟ هي بتحبه من غير ما تعرف، وهو بيحس معاها بحاجة كان محتاجها يمكن من زمان.. دفء، إهتمام، راحة.
إبتسمت وهي بتبصّ عليهم، بس إبتسامة متكسّرة، فيها رضا ووجع في نفس الوقت.
يا رب، هو أنا السبب؟ أنا اللي خلتهم كده؟ أنا اللي غيرت في وشه وخلّيت التعب يكتب على ملامحه بالشكل ده؟ أنا اللي سرقت النوم من عينه وخليت ضحكته تبقى مكسورة؟ ولا المرض هو اللي سرقنا من بعض؟
إتنهدت، ونظرت ناحية روان اللي كانت بتحكي حاجة بسيطة وتضحك. ضحكتها دخلت جوه قلبها كأنها موسيقى قديمة بتحرك ذكريات كانت نايمة.
يا روان، أنا بحبك أوي.. بس يمكن حبك ليهم هيبقى سبب وجعهم. وأنا؟ أنا بقيت مجرد ظلّهم.
نسرين بلعجيلي
نظرت لياسر تاني، كانت عينه عليها، بس فكرُه في حتة تانية. هو مش شايفها زي الأول، مش شايفها ستّ، شايفها مريضة محتاج يتطمن عليها، مش حبيبة يرجعلها بعد شغل.
دمعة نزلت على خدها، وهي تهمس لنفسها :
يا رب.. أنا ما طلبتش أعيش العمر كله، بس كنت أتمنى ماكونش السبب في تعبهم… كنت أتمنى أسيب لهم ذكرى حلوة مش وجع بيخوفهم من الحب.
أخدت نفس عميق، بس كان تقيل، زي اللي بيحاول ياخد آخر نفس في رواية طويلة، وقالت في سرّها :
يمكن خلاص، دوري في الحكاية بيخلص. بس نفسي النهاية تكون بشرف، نهاية ستّ حبت بصدق، وسابت حبّها يعيش حتى لو هي راحت.
سكتت، والمشهد حواليها اتجمّد، ياسر بيكلم روان، روان بتهز راسها بابتسامة خفيفة، وسارة بينهم.. شايفاهم بعين أمّ، وحبيبة، وغايبة في نفس الوقت. وفي قلبها صوت بيقولها :
"هو الحب ممكن يعيش بعد الموت؟ ولا بيتحوّل لظلّ بيمشي بين اللي اتبقوا؟"
سكتت سارة، والليل كان بيزحف على البيت بهدوء، نور الأباجورة انعكس على وشها الباهت، وعينيها لسه بتلاحقهم في صمت، كأنها بتحاول تحفظ تفاصيلهم جواها قبل ما الوقت يسرقها.
قلبها بينبض على مهل، والوجع جوّاها ساكن كأنه جزء منها خلاص، لكن في وسط التعب ده كله، كان في سلام غريب، سلام الست اللي قررت تحب للآخر حتى لو نهايتها وجع.
بصت لملك وهي نايمة على الكنبة، ولروان اللي بتحضّر لها دواها، ولياسر اللي قاعد مطاطي راسه بين إيديه، وقالت في نفسها بصوت شبه الهمس :
"أنا لسه هنا… بس يمكن مش كتير. ولو مشيت، سيبوا الباب مفتوح، يمكن روحي تفضل حوالين البيت ده تحرسكم مع بعض."
فهمته ايه ما بين السطور ؟؟