رواية انا لها شمس الفصل السابع والخمسون 57 والثامن والخمسون 58 بقلم روز امين
الفصل السابع والخمسون
نجح فؤاد بمحاولة تهدأتها، لكنها رفضت الجلوس وبشدة لتتحدث إليه بنبرة أظهرت كم إضطرابها والألم الساكن بالقلب منذ سنواتٍ ينهش بداخلها: -مش مستاهلة قعاد، أنا عاوزة أمشي من هنا بسرعة.
اشفق على حالتها وتشتت روحها، ود لو يسحبها بأحضانه ليشق صدرهُ ويضعها بداخلهِ ليحميها من كل البشر والمشاعر المؤذية، أومى لها بابتسامة هادئة بثت بكيانها الطمأنينة لتتنهد براحة قبل أن تفتح حقيبة يدها وتُخرج منها بعض الأوراق لتمد يدها إلى عزيز وهي تجاهد في أن تظل أمامهُ بتلك القوة التي استدعتها بصعوبة بالغة بينما داخلها مدمر هشٍ ضعيف، نطقت وهي ترمقهُ بنظراتٍ حادة: -دي أمانة بابا اللي كان سايبها عندي، خلاص، وجودها معايا مبقاش ليه لازمة بعد ما أطمنت على حضانة إبني.
إتسعت أعين عزيز ومنيرة فقد ظنت أن ابنتها ستستغل تلك العقود لتنتقم منهم وتحاول إذلالهم لما فعلوه بها أثناء وفاة والدها، لتنطق وهي تُخرج الأوراق وتنظر بداخلها: -أنا خليت المحامي يقسم الميراث بينكم إنتم الأربعة بشرع ربنا
ومدت يدها بورقة إلى عزيز: -وده تنازل مني عن الأرض والبيت علشان أبطل العقد اللي بابا كان كاتبه لي
بدأت بتوزيع العقود عليهم وتوقفت أمام والدتها لتنطق: -وده عقدك.
نطق وجدي من خلفها بعدما قرأ العقد الخاص به: -وإنتِ فين حقك يا إيثار؟
إلتفتت إليه تطالعه بغرابة لتقول بصوتٍ متعجب: -وأنا إمتى كان ليا حق معاكم علشان يبقى لي الوقت يا وجدي؟!
تطلع عليها بتأثرٍ لتتابع بصوتٍ مختنق يريد الصراخ: -طول عمري وأنا بتعامل في البيت ده على إني مواطن درجة تالتة، جارية مسلوبة الإرادة عايشة لتلبية رغبات الجميع إلا رغباتها هي
نطق أيهم وقد تجمعت بعينيه قطرات الدموع تأثرًا بحال شقيقته وما تشعر به: -إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا حبيبتي، إنتِ بنت غانم الجوهري وطول عمرك كنتي الأقرب ليه مننا كلنا، وبابا بنفسه كتب لك كل حاجة من غير ما يفكر.
رفعت ذراعيها لتنطق وهي تنزلهما من جديد باستسلام ودموع الهزيمة ملئت مقلتيها: -وأنا مش عاوزة حاجة منكم يا أيهم، اللي عيشت عمري كله أدور عليه وكنت محتاجاه للأسف مش موجود عندكم
أزالت دمعة فرت بأصابعها ثم تنفست كي تستطيع المواصلة لتسترسل: -أنا كده وفيت بوعدي ل أبويا ورجعت الأمانة لأصحابها
وتابعت: -بس ليا طلب عندكم.
نظر الجميع إليها بتمعنٍ وتركيز لتستطرد بعينين مليئتين بنظرات الترجي: -عاوزاكم تسامحوا بابا، أنا عارفة إنكم زعلتم منه لما كتب لي كل حاجة، بس هو يا حبيبي عمل كده علشان يحميني
باتت توزع نظراتها اللائمة على جميعهم لتتابع بمرارة وانكسار: -كان متأكد إني ضعيفة وزي ما يكون كان عارف اللي في نفوسكم ومخططين له بعد وفاته.
يا لهُ من شعورٍ مرير أصاب قلوب جميعهم بعد أن ادلت بجملتها الأخيرة وهي تتطلع لهم بنظراتٍ مليئة بالحسرة والألم.
عزيز، توارى من نظراتها الجالدة لينزل بعينيه لأسفل قدميه وكأنهُ يختبئ من عاره المسطر على جبينه بالخط العريض، هو شقيقها الأكبر وكان من المفترض أن يكون عوضًا عن والدها، فمن المتعارف عليه أن بعد فقدان الفتاة لوالدها يحل محله الشقيق الأكبر ليصبح هو سند الفتاة وأمانها وحمايتها من كل ما يؤرق عليها الحياة، لكنه كان عكس كل ذلك، فما رأت منه سوى الخسة والندالة والتفريط في وصية أبيه، وبدلاً من أن يكون لها العوض كان لها الجلاد، تاجر الرقيق الذي جذبها من يدها ليعرضها بسوق النخاسة ويقبض الثمن.
وجدي أصابه الغثيان من حاله وصرخ ضميره وبات يعنفهُ، كيف له أن ينساق وراء وجهة نظر شقيقه الطامع ووالدته التي طالما إعتبرت ابنتها كنزها الثمين ويجب إعطائها لمن سيدفع أكثر ويعود عليها وذكورها الثلاث بالنفع، لماذ لم يثور ويعترض ويرفض، كان عليه أن يصرخ ويعترض ويأخذ بيد شقيقته الضعيفة ويخرجها من الظلمات هي وصغيرها بدلاً من المشاركة في تلك المذبحة، يا لهُ من خاسر.
أيهم برغم أنهُ أقلهم ندالة لكنه لم يسلم من شعور الذنب الذي اقتحم قلبه بضراوة ليفتك بمشاعرهِ البريئة، شعر بالخزي والعار يعتريه ولم يشفع لهُ وقوفهُ بجانبها، نعم كان موقفًا مخزيًا فقد ساعدها من خلف الستار كاللصوص، إكتفى بمكالمة هاتفية شرح من خلالها الوضع لتلك ال عزة وترك لها كامل التصرف بإنقاذ من تعتبرها كإبنة لها، ولولا أن هدى الله تفكيرها بذاك ال فؤاد لكانت الفتاة ضاعت للأبد وقضي عليها.
منيرة هي مشتتة الذهن بالأساس، فقد عاشت حياة مأساوية منذ صغرها قضت على كثيرًا من مشاعرها الإنسانية حتى أصبحت إمرأة بلا قلب فاقدة الحِس، تلك السيدة تنطبق عليها مقولة فاقد الشئ لا يُعطيه وبرغم شخوصٍ قاسوا ظروفًا أشد قسوةً منها واستطاعوا صُنع شخصيتهم وتغيير مسار حياتهم بالعزيمة والإصرار على النجاح والفلاح وكسر تلك المقولة، ومنهم إيثار بذاتها، فبرغم أنها افتقدت حنان ورعاية الأم ولم تتنعم بيومٍ بأحضان أمها كغيرها من الفتيات، إلا أنها أثبتت أن فاقد الشئ يعطيه وبسخاءٍ حيث فاضت على صغيرها بسيلٍ من الحنان وحاوطط عليه لتحميه من المخاطر المحاطة بها بل وحملته على ظهرها وباتت تبحث له عن الأمان والحماية حتى وجدتهم.
خرج صوت عزيز مليئًا بالخزي والألم: -أبوكِ كان راجل حكيم وقريب من ربنا، علشان كده ربنا نور بصيرته بالفكرة دي، الله يرحمه باللي عمله حمانا كلنا من الشر
واسترسل بخزيٍ: -يا عالم كان إيه اللي هيحصل لنا لو كنتي رجعتي ل عمرو وإحنا رجعنا لشغلنا مع نصر
نطق وجدي بنبرة نادمة: -الله يرحمك يا ابا، حمانا من شر المال الحرام وهو عايش، وحتى بعد موته طيباته قعدت لنا وربنا حمانا من اللي كان ممكن يحصل لنا.
إبتسامة ساخرة خرجت من جانب فمها على شقيقاها، هل كانا يحتاجان لكارثة تعصف بحياة نصر ليدركا أن ماله حرامًا وفاسد وأن والدهما كان على حق!
تحدث عزيز من جديد بنبرة تحمل الإصرار، فقد تغير وأصبح أكثر حكمة وتفكرًا بعد حادثة زوجته التي عصفت بكيانه وجعلته ينظر للأمور من جميع الزوايا: -إنتِ لازم تاخدي حقك علشان أبوكِ يكون مرتاح في تربته.
نطقت بثبات: -حقي أنا متنازلة عنه من زمان قوي، من يوم ما أخدت إبني وهو لسة مكملش سنتين ونص وخرجت بيه برة البلد
واسترسلت بهدوءٍ وسكينة ظهرت من بين كلماتها: -وبالنسبة لأبويا فهو مرتاح لأني أخدت قراري بمحض إرادتي وعن إقتناع.
ثم نظرت إلى زوجها ونطقت بعينين تفيضان حنانًا وعرفان: -والحمدلله، جوزي مش مخليني محتاجة لأي حاجة لا أنا ولا إبني.
بادلها بابتسامة حنون وعينين تمتلؤ عشقًا لينطق عزيز من جديد علها تتراجع: -الأرض دخلت كردون المباني بعد الطريق الجديد وسعرها إتغير يا إيثار، وبعد ما كانت بملاليم بقى سعرها ملايين
نطق فؤاد ليعلمه: -إحنا عارفين الكلام ده كله، وإيثار واخدة قرارها النهائي، مفيش داعي للكلام الكتير في الموضوع ده لأنه هيتعبها.
نطق كلماته لتنطق وهي تتطلع على حبيبها: -يلا بينا يا فؤاد.
تحرك بجوارها تحت نظرات أشقائها الثلاث وحزنهم العميق، تخطت وقوفهم مرورًا بوالدتها لتباغتها الأخيرة بالتمسك بكفها مما جعل الرجفة تسري بجسدها وتوقفت جراء تشبث منيرة بيدها، إلتفتت لتطالعها وتفاجأت بما رأت، عينين يتجلى بعمقهما الندم والأسف لتنطق بنبرة متأثرة: -ماتمشيش قبل ما تتغدي إنتِ وجوزك مع اخواتك
ونطقت بنظراتٍ متوسلة: -أنا عاملة لك كل الأكل اللي بتحبيه.
برغم انتفاضة قلبها لكلماتها ونظراتها الخاضعة إلا أنها نطقت بنبرة متهكمة: -ياه، هو حضرتك طلعتي عارفة أنا بحب إيه؟!
صمتت منيرة وتطلعت على ابنتها وكأنها تتأسف لها بنظراتها تلك لتتابع الاخرى ساخرة: -بصراحة إنتِ فاجئتيني
نطقت بصوتٍ خافت يرجع لشعورها بالخزي والألم: -متظلمنيش يا بنتي، مفيش أم بتكره بنتها ولا بتكره لها الخير.
واكملت بقوة وهي تنظر بمقلتيها: -أنا زيي زي أي أم، طول عمري كنت بحلم إنك تتجوزي راجل غني وتعيشي معاه مرتاحة علشان ما تدوقيش اللي انا دوقته وعمرك يضيع كله في الحرمان والحُوجة، وعمرو كان فرصة علشان يخرجك من الفقر وتعيشي معاه عيشة محترمة.
-محترمة؟!، قالتها إيثار باستهجان لتكمل منيرة ما بدأته: -لما لقيتك بتخربي بيتك بإيدك وبتخسري كل حاجة كان لازم أقف لك وأرجعك لعقلك، كان لازم أفوقك قبل ما تخسري جوزك اللي كان بيتمنى لك الرضا وتخسري عيشتك المرتاحة معاه.
نزعت كفها بقوة وعنف من خاصة والدتها لتهتف بعينين تطلق شزرًا: -أي جوز وأي عيشة مرتاحة اللي بتتكلمي عنهم؟!، جوزي اللي كان بيقبل عليا الإهانة من أهله ويسكت ولما كان يفيض بيا وأشتكي له يقول لي معلش؟!
هتفت بحدة أكبر: -جوزي اللي لما اعترضت على إهانتي من أبوه وامه اللي قالت لي قدام البيت كله أنا جايباكِ هنا علشان مزاج إبني، وحبيت أحتفظ بكرامتي ضربني وبهدلني وأخدني عصب عني؟!
وصرخت وهي ترمقها بنظراتٍ مثل الرصاص لو انطلقت لاخترقت قلبها وشطرته لنصفين: -يومها أخدت إبني وهربت وجيت لك، وريت لك جسمي اللي كان مليان باللون الأزرق من كتر ضربه فيا، فاكرة يومها قولتي لي إيه؟!، قولتي لي معلش، كل الستات بتنضرب.
والتفتت بحدة تطالع شقيقها الاكبر بنظراتٍ كالسهام وهي تشير إليه: -وأخويا الكبير اللي بدل ما يجيب لي حقي ضربني بالقلم وقال لي إنتِ عاوزة تخربي بيتنا، واخدة حفيد نصر البنهاوي وجاية بيه من وراه لحد هنا.
دارت حول حالها لتتابع وهي تفرق بينهم نظرات اللوم والغضب: -وكلكم وقتها اتفقتم على إن عزيز ياخدني يرجعني ويتأسف ل نصر وعمرو بيه.
لم يتحمل كلماتها التي تنزل على قلبه كسوطٍ يجلد بدون رحمة، أمسك كف يدها ليهتف بحدة أظهرت كم غضبه وهو يسحبها للخروج: -كفاية يا إيثار وخلينا نمشي من هنا.
انتزعت يدها بعنفٍ لتصيح بدموعها المنهمرة: -لا مش كفاية يا فؤاد، لازم أوريهم بشاعة اللي عملوه فيا وأعريهم قدام نفسهم.
وصرخت وهي تُشير على منيرة: - لازم أعرفها إنها كانت أم فاشلة طالما شايفة وحاسة إنها مغلطتش وكانت أم عظيمة بتحافظ على بنتها الخايبة.
اتسعت عينيه وهو ينظر إليها ولثورتها العارمة، يريد أن يحملها ويهرول بها مغادرًا تلك القرية الملعونة تاركًا ذكرياتها المؤلمة خلفهما ليبدأ حياة جديدة، حياة خالية من المواجع والأحزان والخزلان، سيحاول جاهدًا تعويضها عن كل ما قاست منه، نعم كان يعلم انها عانت كثيرًا لكنه لم يتخيل حتى بأبشع كوابيسه ما تجرعته من كؤؤس الغدر والخيانة والخذلان ما يكفي لقريتها بالأكمل، سيخرج من تلك القرية ويذهب بها مباشرةً للمعالج النفسي مثلما اتفقا، سيحاول بشتى الطرق تعويضها وحذف الماضي اللعين وما تعرضت له من ذاكرتها.
فاق على صوت منيرة التي تحدثت بدفاعٍ عن حالها: -أنا كنت عوزاكِ تعيشي وتستري، مكنتش عاوزة الناس تضحك عليكِ ويقولوا بنت منيرة خابت واتطلقت
بصوتٍ يملؤه الوجع أشارت على حالها: -وأنا، ووجعي وأنا بموت في اليوم مية مرة وأنا عايشة مع راجل سُكري وخاين وكل يوم مع واحدة شكل؟!
واسترسلت بتوجع: -تفتكري إني مكنتش حاسة إنه بيخوني من قبل موضوع سُمية؟
أنا ست والست بتحس بجوزها، بس كنت بتغاضى وأعمل نفسي مش واخدة بالي زي ما كنتي دايمًا بتقولي لي، وكل ده علشان أحافظ على إبني.
نظرت منيرة أرضًا وتحدثت بخفوت: -أنا كنت عاوزة لك الستر، أهالينا علمونا إن الست لازم تصبر وتتحمل علشان عيالها.
صرخت بكامل صوتها المعترض: -أمونة كانت مرات أبوكِ مش أمك
لتتعمق بعينيها وهي تقول بنبرة يملؤها القهر: -إنت عملتي فيا كل اللي أمونة عملته فيكِ، كنتي بتطلعي فيا كل اللي عملته فيكِ وكأنك بتنتقمي منها فيا
وإلى هُنا لم يعد بإمكان منيرة الصمود أكثر، فانهمرت دموعها بغزارة لتتابع إيثار وهي تنظر إليها بضعف: -ربنا يسامحك على اللي عملتيه فيا، وأنا يمكن في يوم من الأيام أقدر أسامح.
تعالت شهقات منيرة ليهرول أيهم ويحتضنها ثم نظر إلى شقيقته ليقول بنظراتٍ متوسلة: -كفاية يا إيثار، كفاية لحد كده، إرحميها.
تطلعت إلى شقيقها بعينين تترقرق بهما قطرات الدموع وبشفاهٍ مرتعشة ثم انفجرت كبركانٍ لتشهق ببكاءٍ يقطع نياط القلوب ليسرع إليها فؤاد ويقوم باحتضانها فتشبثت بقميصه بقوة ودفنت وجهها بصدره لتبكي كما الأطفال وصوت شهقاتها يعلو ويعلو، انفطر قلبه عليها وبات يشدد من احتضانها وهو يهمس لتهدأتها: -إهدي يا بابا، علشان خاطري بطلي عياط.
بخطواتٍ متخبطة إقتربا عليهم عزيز ووجدي، وباتا يهدأن كلتاهما، خرجت منيرة من حضن أيهم لتتجه لتلك التي تدفن حالها في حضن زوجها وكأنها تختبئُ من أوجاعها داخل أحضانه، بسطت كفها لتجذبها برفقٍ من ذراعها، ابتعدت عن صدر فؤاد لتُصدم برؤية والدتها وهي تطالعها بدموعها المنهمرة لتقول: -سامحيني يا بنتي، حقك عليا.
شهقت بقوة لتنزل دموعها أكثر وما شعرت بحالها سوى وهي ترتمي بأحضانها وتشدد بمسكتها، وكأنها كانت تنتظر المبادرة، دموعٍ وشهقات مرتفعة متألمة تنم عن مخزون وجعٍ لسنواتٍ طويلة، يا الله، كم هو رائع ومختلف حُضن الأم، فتلك هي المرة الأولى التي تجربه، باتت تشدد من ضمتها أكثر وهكذا منيرة أيضًا التي ارتفع صوت بكائها وكأنها تعتذر لصغيرتها عن التقصير بحقها بتلك الطريقة.
تطلع على حبيبته بألمٍ وأمل، ألمٍ على حالتها ووجعها وما كانت تكنه بداخل قلبها، وأملًا بالتأثير الإيجابي على نفسيتها جراء تلك المصالحة، وضع كفيه داخل جيب بنطاله وبات يتطلع على عزيز وهو ينتشل شقيقته من أحضان والدتها ليضمها إليه ويربت عليها، وكأنهُ اليوم العالمي لصحوة الضمير.
شاركهما وجدي وأيهم الذي تأثر بدموع غاليتاه وانتقلت العدوى إليه وأيضًا نوارة حيث كانت تتطلع عليهم بجوار الباب، تحدث عزيز بعدما انتبه لوجود ذاك الراقي الذي تركهم يعبرون عن مكنون قلوبهم وابتعد: -معلش يا باشا حقك علينا
هز رأسه وتحدث بهدوء: -ولا يهمك
ثم نظر إلى حبيبته لينطق: -نمشي يا حبيبي؟
شددت منيرة من مسكتها لتنطق بعينين متوسلة: -إتغدي مع اخواتك وباتي معايا، ورحمة أبوكِ تباتي معايا.
انتفض قلبها لتلك النظرات وما تحملهُ من حنانٍ لأول مرة تتلقاهُ على يدها، التفتت سريعًا لزوجها تستشف رأيه، تطلع إلى عينيها ليتعجب من نظراتها، فتلك هي المرة الأولى التي يرى ذاك النقاء بهما، وكأنها تحولت إلى طفلة مرحة، نظرة صافية خالية من أيه شوائب تعكر صفوها، ابتسم لينطق لأجلها بعدما فهم مغزى نظراتها: -أنا قولت لك، اللي إنتِ عوزاه وشايفة إنه هيريحك أنا معاكِ فيه.
هزت رأسها وهي تسألهُ ومن داخلها تتمنى الموافقة: -يعني ممكن نبات هنا فعلاً؟
لم يكن الامر بسهلٍ عليه، فاتخاذ قرارٍ بأمر المبيت يحتاج ترتيباتٍ أخرى، رجال الحراسة وتأمين مبيتهم هنا، إقناع والدهُ لوالدته المرتعبة عليه من مجرد الزيارة فكيف له أن يقنعها بالمبيت في تلك القرية، مع وجود كل تلك العوائق والعراقيل ومع ذلك لم يهتم، جل ما جال بفكرهِ بتلك اللحظة هو راحة خليلة قلبه وفقط، لذا تبسم لها وتحدث بنبرة حنون: -لو إنتِ حابة كده أنا معنديش أي مانع.
هرولت إليه لتحتضنه بقوة وهي تقول بنبرة حماسية: -ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
كما الظمأن التائهُ بوسط الصحراء وبلحظة ظهر أمامهُ بئرًا من الماء العذب ليهرول إليه يشربُ ويشرب حتى الإرتواء، هكذا رأها أمامه، نظراتها التي تبدلت، وكأن شيئًا كان ينقصها والأن فقط قد عثرت عليه لتكتمل.
شددت من احتضانها ليشاركها لحظة السعادة بعودتها إلى كنف عائلتها، بعد قليل كان يجلس فوق إحدى الأرائك يتوسط عزيز و وجدي حيث بدأ بفتح الأحاديث لادماج زوج شقيقتهم، وضعوا الطاولة الارضية وسط الغرفة وبدأت نوارة وفتيات عزيز وشاركتهم إيثار برص الاطعمة المتنوعة فوقها، كانت تتحرك برشاقة رغم حملها وهي تجلب الطعام من المطبخ وتقوم برصه وكأنها عادت إبنة التاسعة عشر، انتهوا من تجهيزها لتهرول هي لإحدى الأرائك وبدأت بحمل إحدى الوسائد ووضعها فوق الأرض لتنطق وهي تُشير لزوجها: -حطيت لك مخدة علشان تكون مرتاح وإنتَ بتاكل.
أجابها بهدوء وهو يتطلع لتلك الطاولة الأرضية: -ملهاش لزوم يا حبيبي، أنا هقعد معاكم على الأرض
هتف وجدي بحبور: -ميصحش سعادتك
وقف الجميع وحمل عزيز وسادة ليضعها بجوار جلوس فؤاد وتحدث إلى شقيقته وكأنهُ يريد محو الماضي من مخيلتها: -وإنتِ كمان إقعدي جنب جوزك علشان متتعبيش.
تطلعت عليه بنظراتٍ مختلطة، ما بين سعادة وحيرة واستغراب، وعلى الفور ابتسمت له ليمسك زوجها بيدها وساعدها على الجلوس نظرًا لحملها ثم جاورها، حضرت منيرة والتف الجميع حوال الطاولة لينطق أيهم في محاولة منه لفتح أحاديث مع زوج شقيقته: -طبعاً دي أول مرة تاكل فيها على الطبلية يا سيادة المستشار؟
ابتسم وهو يقول بملاطفة: -بصراحة أول مرة، بس حبيت القعدة جدًا.
وتابع وهو يشير بكفيه: -تحس إن فيه ألفة وجو عائلي أكثر من السُفرة.
قامت منيرة بتقطيع لحوم البط وقامت ببسط ذراعها وهي تضع إلى فؤاد بصحنه لتنطق بحبور ووجهٍ بشوش: -مد إيدك وكُل يا ابني، ومتقلقش من ناحية النضافة، إحنا نضاف وأكلنا زي الفُل.
تحدث على عجالة لينفي فكرتها: -ده شيئ واضح يا افندم ومش محتاج كلام
أمسكت نوارة ملعقة كبيرة وقامت بغرف قطعة كبيرة من صينية الأرز المعمر لتقول وهي تضعها بصحن ذاك الراقي: -دوق بقى الرز المعمر بتاع ماما وقول رأيك فيه
واسترسلت بحماس وهي تُشير إلى إيثار: -ده بقى أكلة إيثار المفضلة، كانت بتعشقه وعمي الله يرحمه كان بيخلي ماما تعمله مخصوص ويوديه ل إيثار مصر بنفسه.
تذكرت والدها وزياراته لها حيث كان يأتي محملاً بالخيرات، تنهدت لتبسط كفها تلتقط إحدى وحدات أصابع المحشي لتتناولهُ وتغمض عينيها تتلذذُ بنكهته الرائعة والتي تذكرها بأيام صباها، إلتقطت واحدًا أخر لتضعهُ بفم زوجها دون أن تشعر بالخجل ك قبل مع عمرو لتنطق بعينين تظهر بهما السعادة: -دوق المحشي ده، هيعجبك قوي
بدأ بمضغه ليرفع حاجبهُ للأعلى باندهاش لينطق وهو يتطلع إليها: -طعمه هايل.
ثم توجه بحديثه إلى منيرة وتحدث: -تسلم إيد حضرتك
اجابته بابتسامة صافية: -بالهنا والشفا يا ابني.
وضعت لها نوارة قطعة من الأرز المعمر لتتناول ملعقة منه وتعود بذاكرتها لذاك الطعم المميز، تطلعت للمائدة وأصناف الطعام الموجودة وعادت بذاكرتها للخلف، وجوه الموجودين بذاتهم لم تتغير، رائحة الطعام الذكية وطعمه الحُلو المميز، ذاك الدفئ الذي كانت تشعر به بحضرتهم، كل شيئٍ ظل كما هو إلا ذاك الحبيب الطيب، وبرغم رحيلهُ إلا أنها كانت تشعر بروحهِ الطاهرة تحوم من حولهم وكأنهُ الحاضر الغائب ويرى هذا التجمع وسعيدٌ به أيضًا.
تطلعت بسعادة للجميع وهم يتناولون الطعام بشهية مفتوحة وسط أحاديثهم الشيقة حتى فؤاد اندمج معهم بالحديث.
سألتها منيرة باشتياقٍ ظهر بصوتها: -مجبتوش يوسف معاكم ليه؟
ده وحشني قوي ونفسي أشوفه
ابتسمت لتجيبها بمرارة: -محبتش أجيبه علشان ميسألش عن أهله
تأثر الجميع لأجل الصغير فجميعهم يعلم مدى تعلق الصغير بعائلته وعشقه لهم، حمل وجدي إحدى الحمامات المحشوة بالفريك وقدمها لشقيقته وقال كي يُلهيها ويمحو عنها حزنها: -كُلي حمام يا إيثار
أشارت لصحنها وهي تقول: -قدامي واحدة يا وجدي.
نطق عزيز بنبرة حنون تعجبت لها: -اللي قدامك محشية رز لكن دي محشية فريك، خديها من إيد أخوكِ.
ابتسمت وتناولتها من يد شقيقها برغم عدم الاشتهاء لها، تحدث عزيز إلى فؤاد بصوتٍ حماسي: -كل حمام يا باشا، ولا ملكش فيه؟
-لا باكله عادي، قالها ليتابع وهو يُشير إلى طبقه بملاطفة: -بس اكيد مش هاكل أربعة
نطقت نوارة بنبرة حماسية: -كل يا باشا بالهنا والشفا، دي أول مرة تاكل عندنا.
نطقت منيرة وهي تتطلع إلى ابنتها بتعمق لعينيها: -إن شاءالله مش هتكون الأخيرة.
ابتسمت بخفوتٍ لوالدتها وتابع الجميع تناولهم للطعام، ليتحدث عزيز: -بعد الغدا إطبخي للرجالة اللي برة علشان يتغدوا يا نوارة.
نطق فؤاد برفضٍ قاطع: - متشغلوش نفسكم بالرجالة يا عزيز، أنا بعت واحد منهم يجيب غدا من المركز القريب من هنا وزمانه جاب لهم
قالت منيرة بنبرة عاتبة: -ليه كده يا ابني، هو احنا قليلين في نظرك علشان تبعت تشتري لرجالتك أكل من برة؟!
نطق بهدوء مبررًا: -انا مقولتش كده حضرتك، أنا بس محبتش أشغلكم بتجهيز الاكل وقولت تستغلوا الوقت في القعدة مع إيثار.
واسترسل بنبرة هادئة: -ولما طلعت أكلم الباشا وأبلغه إننا هنبات، خليت واحد منهم يروح يجيب غدا للباقي.
انتهوا وحملوا الاواني للمطبخ واتجه الجميع لغسل أياديهم ثم توجهوا لغرفة الضيافة لتناول مشروب الشاي التي صنعته نوارة، وأثناء تناولهم للشاي استمعوا لخبطات فوق الباب لتذهب نوارة ثم تعود بعد قليل وهي تقول بنبرة مرتبكة: -فيه واحدة برة عاوزة تقابلك يا إيثار
ضيقت بين حاجبيها لتسألها باستغراب: -واحدة، عوزاني أنا؟!
سألتها منيرة تحت نظرات فؤاد المدققة: -مين دي يا نوارة؟!
صمتت قليلاً قبل أن تنطق بتلبك: -مروة مرات حسين البنهاوي، ومعاها بنت عمرو وسمية
لتسترسل بإبانة: -الأمن حاجزينهم برة وواحد منهم هو اللي خبط وبلغني.
أوقفها الأمن ومرر على جسدها وجسد الطفلة جهاز كشف الأسلحة والمعادن ليتأكدا من خلوها قبل أن يسمحا لها بتخطي الحاجز الأمني الذي حدده المسؤل عنهم.
ارتبكت بجلستها لينطق فؤاد بحدة بعدما استمع للقب البنهاوي: -من فضلك بلغيها إن إيثار مش عاوزة تقابل حد
وقفت إيثار وتحدثت إلى زوجها برجاء: -معلش يا فؤاد أنا هقابلها، ده بعد إذنك طبعاً
اتسعت عينيه يرمقها بحدة لتتابع مبررة: -مروة شخصية طيبة مش زيهم، وبعدين أنا معاكم ووسطكم.
نطقت منيرة: -متقلقش يا ابني، مروة من عيلة محترمة وبنت ناس
ثم وقفت وجاورت ابنتها لتتابع كي تطمأنه: -وأنا هطلع معاها علشان تطمن.
اطمئن قليلاً بوجود الحرس وتأكد من أن رئيسهم لن يسمح لها بالدخول لولا تأكده من الأمان، خرجت إيثار لتجد مروة تقف بجوار الطفلة المتشبثة بثوبها تختبئُ خلفها وكأنها حصنها المنيع، اقتربت عليها تحت نظرات مروة المتفحصة لحال إيثار الذي تبدل وكأنها ترى أميرة، نعم طالما كانت جميلة وبرغم فقرها إلا أن ثيابها كانت جميلة وأنيقة وبعد زواجها من عمرو تغير حالها للأفضل ولكن ليس بتلك الحالة التي عليها الان، فقد أصبحت طلتها كالأميرات ونجمات السينما نظرًا للمستوى المادي التي انتقلت إليه بزواجها من أحد الأثرياء، تحدثت إيثار وهي تقترب عليها: -أهلاً يا مروة.
بسطت مروة يدها للمصافحة لتنطق بنبرة لإمرأة ظهرت بائسة حزينة لما أوت إليه: -إزيك يا إيثار
أشارت لها منيرة لإحدى الغرف: -تعالي يا بنتي جوة.
-معلش يا خالتي، انا جاية أتكلم مع إيثار كلمتين وماشية على طول، قالتها بانكسار لتتابع وهي تنظر إلى تلك الصغيرة المنكمشة خلفها: -وجبت زينة معايا علشان تشوف أخوها وتسلم عليه.
ازدردت إيثار ريقها وهي تتطلع بتمعنٍ لما يظهر من تلك الصغيرة التي تحمل إثم والدتها على عاتقها، فتلك هي حصاد الخيانة التي تعرضت لها بأقسى طريقة، زوجها وصديقة العمر، يا لها من ضربة قاسية أطاحت بحياتها بالكامل وأفقدتها الثقة في الجميع حتى بحالها لمدة ليست بالقليلة حتى تعافت وعادت لها ثقتها بحالها من جديد، لم يظهر من الصغيرة سوى إحدى عينيها التي تتطلع بها من خلف جلباب مروة وكأنها تخشى مواجهة العالم، نطقت إيثار بهدوء وهي تنقل بصرها إلى مروة: -يوسف مجاش معايا، خفت يسأل عنكم ويطلب يزور البيت.
واسترسلت بتأثر ظهر بصوتها ونظرات عينيها الحزينة: -إبني لسه صغير على إني اصدمه وأقول له حقيقة اللي حصل مع عيلته.
تألم داخل مروة ثم تحدثت: -أنا جايبة لك رسالة من حسين، ومني أنا كمان
قطبت جبينها باستغراب لتتابع الأخرى بتوسل: -حسين طالب منك تسامحيه وتسامحي أهله، بيقول إن اللي حصل لهم ده كله بسبب لعنتك، لعنة ظلمك اللي كلنا شهدنا عليه وسكتنا
أخذت الأخرى نفسًا عميقًا وتحدثت: -ربنا اللي بيسامح يا مروة، أنا ربنا عوضني أنا وابني براجل محترم ونسيت معاه كل اللي فات، وصدقيني لو قولت لك إني زعلت على اللي حصل معاكم.
واسترسلت بجدية: - دول مهما كان أهل إبني واللي يضرهم يضره.
سألتها باهتمام: -يعني مش زعلانة مني ولا من حسين؟!
هزت رأسها بنفي لتسألها باهتمام: -هو حسين معاكم هنا؟
تنهدت بألم حين تذكرت حال زوجها لتقول بصوتٍ متأثر: -حسين قاعد في مصر شغال هناك في شركة، بيقبض مرتب ضعيف ولما ظروفه تتحسن هيبعت ياخدني أنا والولاد
ثم تطلعت لتلك المختبأة خلفها: -وهاخد زينة معايا، هي عايشة معايا عند بابا.
-هي أمها، قالتها إيثار وقبل أن تُكمل قاطعتها مروة لتنطق: -كانت عيانة، عندها ورم في الرحم بعيد عن السامعين، عملوا لها العملية وحُكم الإعدام هيتنفذ فيها بعد بكرة
هزت إيثار رأسها بأسي لتتابع الأخرى بيقين: -ربنا جزاها على كل الأذى اللي عملته في حياتها، الله يسامحها بقى
هتفت منيرة بحدة وشراسة: -الله لا يسامحها لا دنيا ولا أخرة وينتقم منها بحق العيال اللي يتمتهم وكسرتهم.
نطقت مروة بكلماتٍ حق: -مهي نسرين التانية مكنتش بريئة يا خالتي
أشارت منيرة بكفها وتحدثت بأسى: -حسبي الله ونعم الوكيل فيهم هما الإتنين، ربنا يكحمهم في جهنم بحق ما خربوا بيت بنتي.
هتفت نوارة باتساع عينيها المتعجبة: -لسة بتقول خراب بيت بنتها؟!، هو أنتِ يا خالتي مش شايفة حالة بنتك ولا جوزها سيادة المستشار، إيش جاب لجاب
نطقتها بملامة ثم نظرت إلى مروة لتنطق بصوتٍ جاد: -معلش يا مروة أنا لساني فالت ومبعرفش أسكت قدام الحق، وبصراحة كده إيثار ربنا بيحبها إنه نجاها من العيلة الهم دي.
قالت إيثار لإنهاء ذاك الحديث: -خلاص يا نوارة، كل شئ انتهى وراح لحاله والكلام مبقاش ليه لزوم
تحدثت مروة وهي تستعد للرحيل: -يعني أطمن حسين يا إيثار؟
أومأت لها وتحدثت بنبرة صادقة: -حسين طول عمره كان محترم معايا، وعمره ما أذاني حتى بكلمه، ربنا يصلح حاله ويفك كربكم وتتجمعوا قريب
استمعت لصوت ذاك الحنون الذي خرج ليطمئن عليها بعدما فقد القدرة على الصبر أكثر من هذا، لينطق: -الوقفة دي غلط عليكِ يا حبيبي.
ما اروعهُ حين يقول كلمة حبيبي، ينطقها أمام الجميع دون أن يخجل بالعكس، يشعر دائمًا بالفخر بامتلاكه لتلك الرائعة، اقترب عليها لتنطق مروة بعدما شعرت بالخجل: -أنا همشي
قالت منيرة بنبرة هادئة: -هتمشي يا بنتي من غير ما تشربي حاجة
تطلعت إلى فؤاد الذي يخترق ملامحها بنظراته ليستكشف نواياها بحكم ما تعود عليه من خلال عمله لتنطق هي بارتباك: -مرة تانية يا خالتي، متشكرة يا إيثار.
رفعت كتفيها لتنطق بنبرة صادقة: -على إيه بس يا مروة.
تطلعت إيثار على تلك الصغيرة لتشعر بالأسى تجاهها، فقد جنى عليها والداها بمجيئها للدنيا بتلك الطريقة المهينة، رحلت المرأة لتتركها بصحبة عائلتها، قضت سهرتها بصحبة عائلتها لتغفى بالليل بصحبة زوجها بغرفة أيهم، وباليوم التالي خرجت من البلدة لتمر من ذاك الكوبري ولأول مرة مرفوعة الرأس بقلبٍ سعيد، تطلعت لذاك الجالس بجوارها لترتمي داخل أحضانه تتنعم بحنانه ليهمس بأذنها: -بعد الليلة دي محتاجين نستجم في الچاكوزي، أظن كده من حقي أدلع.
لفت ذراعها حول عنقه لتنطق بسعادة وارتياح لم تشعر به منذ سنوات: -أنا حبيبي يستاهل دلع الدنيا كلها
ابتسم بسعادة لشعورهُ بشدة حبور خليلة الروح ليشدد من إحتضانها ويضع كفهُ يتحسس موضع صغيراه ليسألها: -حبايب قلبي أخبارهم إيه
-زي الفل يا حبيبي، قالتها وهي تطمئنهُ على جنيناه ليتنهد براحة.
بعد مرور أقل من ثلاثة شهور.
كانت بصحبة زوجها وعائلتها داخل منزل أميرة تلك الفتاة التي تعرف عليها أيهم من خلال عمله بشركة الزيني، فقد حضروا اليوم لزيارتهم لخطبة الفتاة ل أيهم، وقد حضرت معهم إيثار وفؤاد بعدما تحسنت علاقتهم وعادت كأي علاقة صحية لفتاة بعائلتها، وأثناء الترحاب بهم وبعد الإتفاق على تفاصيل الزواج، شعرت إيثار ببعض الألم، في البداية كظمت ألمها كي لا تفسد فرحة شقيقها وعروسه الجميلة لكنها لم تستطع الصمود اكثر لتطلق صرخة مدوية وهي تتمسك بكف زوجها: -فؤاد، إلحقني.
إنتفض قلبه لينظر عليها بوجهٍ شاحب كالأموات من شدة هلعه عليها ليسألها: -مالك يا قلبي.
حملقت عينيها باتساع وهي تقول بهلعٍ: -شكلي بولد، أاااااااه.
الفصل الثامن والخمسون
إخترقت صرخاتها المتألمة جدار قلبه قبل أذنيه ليأن وجعًا ورُعبًا على شريكة الروح، يقود سيارته بجنون فقد أوشك على فقدانه لعقله كلما استمع لأنينها وصوت صرخاتها المستنجدة، تارة يتابع الطريق بعيناه الزائغة وتارةٍ أخرى يتطلع بانعكاس المرآة على حبيبته القاطنة بالمقعد الخلفي تتلوى من شدة الألم تجاورها والدتها حيث تؤازرها وتحاول التخفيف عنها ببعض الكلمات كي تتحمل ألم المخاض الذي هاجمها بضراوة على حِين غِرَّة: -إتحملي لحد ما نوصل، وإجمدي كده هي يعني أول مرة ليكِ.
ضغطت على يد والدتها المحتضنة كفها لتنطق قائلة: -ما أنا مستحملة أهو يا ماما، هعمل إيه أكتر من كده.
ثم صرخت مستنجدة به بطريقة حادة: -بسرعة يا فؤاد، هو إنتَ طالع رحلة
برغم غضبها وحدتها بالحديث إلا أنهُ أوجد لها العذر وتحدث بصوتٍ أظهر كم الهلع الذي أصابهُ من وجعها: -حاضر، حاضر يا حبيبي، حاولي تاخدي نفس وتهدي وإحنا خلاص قربنا من المستشفى، أنا أتصلت بالدكتورة وهي في انتظارنا.
يجلس بالمقعد المجاور له وجدي بينما أيهم وعزيز يتبعاهُ بسيارة أيهم وبصحبتهم أميرة التي أصرت على ألا تترك خطيبها وعائلته بهذا الظرف الطارق فأخذت الإذن من والدها حيث سمح لها على الفور بأن ترافقهم.
بكثيرًا من التوتر أخرج هاتفهُ بيدٍ مرتجفة لينطق وهو يبحث عن رقم والدته: -أنا هكلم ماما تحصلنا على المستشفى هي والباشا
نطقت على عجالة وهي تصرخ: -خليها تجيب لي عزة معاهم.
صاحت والدتها باعتراض يرجع لعدم تقبلها لشخصية تلك ال عزة لما لهما من جولاتٍ وصولات من التراشق بالكلمات الاذعة بالماضي جعلت كلًا منهما تبغض رؤية الأخرى وتتجنب الإجتماع بها: -أنا مش عارفة يا بنتي إنتِ مستحملة الست دي لحد الوقت إزاي، دي عليها لسان عاوز قطعه من لغلوغه.
-ماااااما، نطقتها بصراخٍ معترض كي تجبرها على الصمت والتوقف عن الحديث فيما يثير غضبها بشأن تلك ال عزة لتنطق الاخرى وهي تضع كفها تسد به فمها: -خلاص، هخرص خالص ومش هجيب سيرة الست عزة هانم
لينطق وجدي وهو يحاول تهدأت شقيقته: -إستحملي يا إيثار، شوية ونوصل إن شاءالله.
أغمضت عينيها تعتصرهما مع ضغطها بقوة على كف والدتها لتكظم ذاك الألم المبرح فاستمعت لصوت فؤاد وهو يتحدث مع والدته: -بسرعة يا ماما، ومتنسيش تجيبي عزة معاكِ، وبلغي فريال وهاتيها هي كمان
هاجمتها تقلصات المخاض لتُلقي بجسدها للأمام فلم تشعر بحالها إلا وهي تقبض على كتفي ذاك الذي يستقل مقعد القيادة وتهزه بعنفٍ قائلة بصراخٍ هيستيري: -إقفل الزفت ده وزود السرعة، إنت فاكر نفسك طالع رحلة وقاعد توزع الدعاوي.
واسترسلت بصراخٍ بعدما أصيبت بنوبة فزع: -إنتَ السبب في اللي أنا فيه ده كله يا فؤااااااد.
اتسعت عينيه بذهولٍ ولولا ثباتهِ وقوته الجسدية لاهتزت الطارة من بين يداه وواجهوا كارثةٍ كبرى، صاح بها لتترك كتفيه: -إهدي يا بنتي وسيبي هدومي، هتودينا في داهية
اعتدل وجدي بجسده وحاول فك قبضة شقيقته المتشنجة من فوق تلابيب فؤاد وهو يهتف عاليًا: -إهدي يا إيثار مش كده، سيبي الراجل لنعمل حادثة.
ساعدت منيرة نجلها بفكاك قبضتيها المتشبثة لتنطق وهي تعيد ظهر ابنتها للخلف: -بسرعة يا ابني الله لا يسيئك، البت شكلها تعبان قوي ومش قادرة تتحمل.
رد يجيبها: -أنا سايق بأقصى سُرعة مسموح بيها يا أمي، لو ذودت أكتر من كده هعرض حياتنا للخطر وخصوصًا مع زحمة الطريق
ثم استرسل بنبرة حنون وهو ينظر لحبيبته في المرآة: -استحملي يا بابا علشان خاطري
تطلعت لانعكاس عينيه لتنزل دموعها وكأنها تشتكيه مر الألم لينشطر قلبه في الحال لشعوره بالعجز حيال ألامها الشرسة.
بعد مرور حوالي ثلاثون دقيقة وصلا للمشفى ليجدا عائلة علام بانتظارهم خارج المشفى نظرًا لقرب القصر من المكان، هرولت عصمت عندما رأت سيارة نجلها الذي خرج سريعًا ليفتح الباب لزوجته المتألمة، بسط ذراعه ليتمسك بخاصتها وهو يقول بحنو: -هاتي إيدك يا بابا وإنزلي بالراحة
تطلعت عليه بعينين دامعتين وما أن وقفت حتى مالت لتستند برأسها على كتفه لتنطق وهي تشهق بنبرة شقت صدرهُ لنصفين: -هموت يا فؤاد.
حاوط كتفيها برعاية وضمها إليه لينطق بصوتٍ خافت تجلى الرعب بين نبراته: -بعد الشر عليك يا قلبي، متقوليش كده علشان خاطر حبيبك.
نطقت عصمت وهي تتفحصُ وجنتها الموضوعة على كتف فؤاد والهلع يظهر بين قسمات وجهها: -إنتِ كويسة يا حبيبتي؟
أجابتها وهي تبكي: -موجوعة يا ماما، موجوعة قوي
ترجل أيهم من السيارة وهرول مسرعًا ليهتف بعجالة وهو يقوم باستعجال فريق المساعدة: -إتحركوا بسرعة.
كان علام يتابع الأمر وهو يقف بجوار ماجد وهو من أمر فريق المساعدة بألا يتقدموا وذلك بعدما رأى إيثار قد سندت برأسها على كتف زوجها فتيقن حاجتها الملحة لحُضنه كي تستمد قوتها منه، إقتربت عزة من إيثار وتحدثت بنبرة حنون وهي تربت على ظهرها: -طمنيني عليكِ يا بنتي.
لوت منيرة فاهها باستنكار لتنطق الأخرى وهي تتمسك بكفها: -تعبانة يا عزة تعبانة
رفع فؤاد رأسها وتحدث ليحثها على الإعتدال: -يلا يا حبيبي علشان ندخل المستشفى.
وكأنها وجدت ملاذها بين أحضانها رغم ألامها الغير محتملة، ساعدتها عاملتان بالجلوس فوق المقعد المتحرك وسحبوها للداخل والجميع يرافقها حتى وصلت إلى غرفة الفحص فتوقف الجميع بالخارج وولجت معها عصمت فقط بطلبٍ من الطبيبة، وأثناء ما كانت عزة تستكشف المكان فؤجئت بتلك ال منيرة ترمقها بازدراء وعدم القبول يظهر على محياها لتلوي عزه فاهها وهي ترمقها بحدة، لتهمس الأخرى لنجلها عزيز قائلة: -سبحان من زرع كره الولية دي في قلبي، أطيق العمى ولا أطيقهاش.
نطق عزيز بنبرة جادة: -كبري دماغك يا أم عزيز وتجنبيها، إحنا مش جايين نعمل مشاكل، وبعدين الست ما هي واقفة في حالها أهي.
مرت الساعات وولجت إلى غرفة العمليات تحت ارتعاب قلوب الجميع وأدعيتهم لها، تحرك فؤاد ليقف بجانب الباب وكلما استمع لصرخات زوجته انتفض قلبه هلعًا ليغمض عينيه يعتصرهما بألم، ليته يستطيع الدخول إليها والوقوف بجانبها، لكنهُ لم يتحمل رؤيتها وهي تتألم لذا فضل البقاء بالخارج، إقترب عليه والدهُ ليربت على كتفهِ قائلاً: -متقلقش يا حبيبي، إن شاء الله شوية وهتخرج بالسلامة وتشوف ولادك وتفرح بيهم.
نطق بصوتٍ متحشرج نتيجة تأثره: -أهم حاجة هي تبقى بخير يا بابا، أنا مش عاوز غيرها
وتابع وهو يهز رأسه بتأكيد: -والله العظيم ما عاوز من الدنيا غيرها
غامت عينيه بلمعات الدموع لينطق علام بقوة كي يحث صغيره على الثبات لكي لا تهتز صورتهُ أمام الحضور: -إهدي يا فؤاد وحاول تتماسك، مينفعش اللي بتعمله ده يا ابني، إدعي لها ربنا يقومها بالسلامة هي وولادك.
أما منيرة فوقفت بجوار باب الغرفة وقلبها ينتفض هلعًا على صغيرتها، نزلت دموعها وهي تستمع لصوتها الصارخ وباتت تدعو الله كي ينجي ابنتها وصغيراها لتجاورها عصمت تربت على كفها بمؤازرة، لتنضم لهما عزة التي تحدث بقلبٍ لا يقل هلعًا عن منيرة: -إدعي لها يا اختي ربنا يقومها بالسلامة، إنتِ أم، ودعوة الأم مستجابة.
تطلعت عليها منيرة بعينين دامعة، لتخرج بتلك اللحظة إحدى الممرضات حاملة أحد الصغيرين وتحدثت وهي تُسلمها إلى فؤاد: -سمي الله وخد بنت حضرتك يا افندم، حمدالله على سلامتها وتتربى في عزك إن شاءالله.
شعورًا عجيبًا ومختلفًا لأول مرة يحتل قلبه حين نظر لوجه تلك الملاك، هل حقًا هذه البريئة هي مِلكٌ له، استعاد توازنه وبسرعة رفع رأسه يسأل عن خليلة روحه قبل أن تسحبهُ تلك الساحرة الصغيرة بعالمها الجديدُ عليه: -إيثار كويسة؟
أجابته بابتسامة مطمئنة: -المدام زي الفل، والبنوتة أهي قدام حضرتك، وأخوها دكتور الاطفال بيكشف عليه وهخرجه أول ما يطمن عليه.
هرول الجميع وأحاطوا فؤاد الذي بسط ذراعيه ليحمل صغيرته ويتمعن بوجهها الملائكي، وبدون ادنى شعور مال بشفتاه يلثم وجنتها الناعمة لينطق بنبراتٍ مرتبكة من هول الموقف: -حمدالله على السلامة يا قلب بابي، نورتي حياتي يا تاج، يا تاج راسي وأمل حياتي اللي عيشت أتمناه.
استمع لصوت شهقات والدته حيث انهمرت دموعها تأثرًا بهيئة صغيرها وهو يحمل ابنته أخيرًا وبعد مرور كل هذا العمر في الإنتظار، إقتربت لتسند رأسها على كتفه تتطلع على ملاكهم وهي تقول: -مبروك يا حبيبي، الحمدلله اللي ربنا مد في عمري وشوفت ولادك يا فؤاد
وعى على حاله لينطق بنبرة حنون: -هأذن في ودانها وهديها لك تشيليها يا حبيبتي.
أومأت بموافقة فقد كانت تشتاق حمل الصغيرة بين ذراعيه لكنها ستتحلى بالصبر إلى النهاية، اقترب من أذن الصغيرة وبدأ يأذن بصوتٍ هادئ في أذنها اليمنى ثم انتقل لليسرى ونطق الإقامة، لتتناولها منه عصمت لتقربها من حضنها وتميل تشتم رائحة وجهها وتقبل كفها الصغير، إحتضنت فريال شقيقها وباتت تربت على ظهره بحنان.
أخرجوا الصغير أيضًا وتكرر ذاك المشهد مع فؤاد والجميع، بعد قليل كانت تتمدد فوق تختها والجميع يحاوطوها برعاية: -تحدث إليها عزيز بنبرة حنون، فقد بات يعلم أن شقيقته تكن لهم كل الحب وتتمنى لهم الخير: -حمدالله على سلامتك يا إيثار
-الله يسلمك يا عزيز، نطقتها بصوتٍ واهن ليتحدث إلى علام الذي يحمل الصغير ويتطلع عليه بسعادة الدنيا، تجاوره زوجته لتشاركه الفرحة: -يتربوا في عزكم يا باشا.
اجابه علام: -متشكر يا عزيز
أما أميرة فكانت تحمل الصغيرة بيدين ترتجفتين خشيةً إفلاتها، يجاورها أيهم حيث تحدث بملاطفة: -عقبال ولادنا يا قلبي
خجلت وأنزلت بصرها للأسفل لتقبل عليهما عزة تلتقط الصغيرة وهي تقول: -هاتي يا اختي البت لتقع منك بإديكي اللي بتترعش دي
نطقت اميرة وكأنها وجدت طوق النجاة: -متشكرة بجد.
تحركت بها ووقفت بوسط الغرفة لتتحدث وهي تنظر إلى منيرة كنايةً بها: -العيال دول محدش هيدق لهم الهون غيري، وهوصيهم يسمعوا كلام مين ويطنشوا مين.
رمقتها منيرة بنظراتٍ نارية في حين نطقت عصمت وهي تقبل الصغير: -لما ييجي السبوع إبقي إعملي اللي إنتِ عوزاه يا عزة
هتفت الأخرى بنبرة حماسية: -إنشالله يخليكِ يا أصيلة يا بنت الأصول.
مال بجزعه لينطق بصوتٍ حنون وهو يلثم كف يدها: -كنت هموت عليكِ يا قلبي
أجابته بصوتٍ خافت ووجهٍ شاحب: -بعد الشر عنك يا حبيبي، الحمدلله، عدت على خير
نطق أمام عينيها بنبرة صادقة: -ربنا يخلي لنا ولادنا التلاتة وحلو قوي كده، أنا مش عاوز من الدنيا غيركم.
إبتسمت بسعادة ليلثم كفها من جديد تحت استحسانها، عادت إيثار باليوم التالي إلى المنزل واستقلت غرفة مجهزة بالطابق الأرضي، قامت عصمت بالإشراف بنفسها على التجهيزات كي تستقبل زوجة نجلها والصغيرين إستقبالاً يليقُ بهم، كانت الغرفة رائعة حيث زُينت بأشرطة الزينة وعمودين من البلالين عمودًا باللون الازرق والأخر باللون الزهري ليناسب الفتاة، يجاورهما تختان واحدًا باللون الازرق خاص بالفتى والأخر بجوار عامود البلالين الزهري، ولجت عصمت حاملة بين يديها الصغير زين تقربهُ من حضنها وتضمهُ بحرصٍ شديد وكأنهُ أغلى كنوزها، تلتها فريال حاملة الصغيرة لتتوجها بهما إلى السريرين وقامت كلٍ منهما بوضع الصغير بالتخت المخصص له، خطت إيثار بساقيها تتوسط حبيبها حيث يسندها بكفه وبيده الأخرى يحاوط خصرها، تجاورها والدتها من الجهة الأخرى حيث نطقت وهي ترى جسد صغيرتها المتراخي والمنهك: -إتحملي يا بنتي، هما خطوتين اللي فاضلين وتنامي على سريرك.
وبالفعل وصلت إلى التخت ليساعدها فؤاد على أن تتمدد ثم وضع لها إحدى الوسائد خلف ظهرها وسألها باهتمام: -مرتاحة يا حبيبي؟
-إمممم، قالتها بصوتٍ خافت دل على شدة وهنها لتدثرها منيرة بالغطاء وتحدثت: -المفروض تتغدا علشان تاخد العلاج بتاعها.
نطقت عصمت التي انضمت إليهم بعدما اطمئنت على الصغير ودثرته بغطاءٍ وثير: -عزة بتجهز لها الغدا وشوية وهتجيبه
ثم استرسلت وهي تُشير إلى منيرة: -إتفضلي معايا يا مدام منيرة علشان سعاد توصل حضرتك للأوضة اللي هترناحي فيها.
لم تريد ترك ابنتها وصغيريها فتحدثت رافضة: -تسلمي يا دكتورة، أنا هقعد مع إيثار لحد ما تتغدى وترضع الولاد.
نطقت عصمت بإصرار تخوفًا على صحة صغيراي نجلاها: -إيثار هتدخل تاخد شاور وتغير هدوم المستشفي، وكلنا هنعمل كده علشان الجراثيم والأطفال
لوت منيرة فاهها بعدما أدركت مقصدها لتتابع الأخرى مسترسلة بنبرة جادة: -إتفضلي حضرتك معايا وعلى ما تاخدي شاور وتغيري هدومك هيكونوا البنات جهزوا السفرة علشان نتغدى.
طلبت أن ترافق إبنتها إلى الحمام كي تساعدها فاعترض فؤاد وأصر على أن يساعد هو زوجته، تحركت بمساعدته ودخلت إلى الحمام المرفق بالغرفة، فساعدها بخلع ثيابها وتحدث وهو يساندها كي تصل إلى كبينة الإستحمام: -براحتك يا حبيبي.
توقفت داخل الكبينة وفتح هو صنبور المياه لتنسدل على جسدها وبات يساعدها بالحموم، وضع قليلاً من سائل صابون الشعر ثم قام بتدليك شعرها برفقٍ ليتحدث بهدوء: -إسندي عليا يا حبيبي وشوية وهنخلص على طول
تنهدت لتنطق بإشفاقٍ عليه: -ياريتك طلعت إرتحت في جناحنا يا فؤاد وعزة وماما كانوا هيقفوا معايا
أجابها بإصرارٍ ونبرة حنون: -مستحيل أقبل إنك تنكشفي على حد وحبيبك موجود.
نطقت بحنوٍ: -يا حبيبي إنتَ معايا في المستشفى من إمبارح ومردتش تيجي تبات هنا وبيت معانا والأولاد صدعوك طول الليل، فأكيد محتاج تاخد شاور وترتاح شوية.
نطق وهو يجفف جسدها بالمنشفة ويساندها ليخرجها من الكبينة: -وأنا أطول أتعب لخليلة الروح وولاد عمري كله.
ساعدها بارتداء ملابسها وخرجت لتجد العاملات بانتظارها ليساعدوها بالتمدد بعدما قاموا بتغيير جميع الأغطية حسب التعليمات الصارمة اللواتي تلقينها من ربة عملهن عصمت، وصعد هو ليحصل على حمامًا دافئًا كي لا يُحرم من حمل صغارهِ حسب تعليمات عصمت الصارمة، وحضرت عصمت وفريال ومنيرة بعدما حصلت كل منهن على حمامًا دافئًا وتغيير ثيابهن لأخرى نظيفة، أخذن الصغار وبدلن لهن الثياب لتدخل عزة وهي تحمل بين يديها صينية وهي تقول بنبرة حماسية: -عملت لك شوية شوربة وحتة فرخة بلدي هتاكلي صوابعك وراهم.
وضعت الصينية وبدأت بإطعامها لتنطق إيثار باستحسان: -تسلم إيدك يا عزة، الشوربة طعمها حلو قوي.
ليلاً، ذهب الجميع لتناول وجبة العشاء وظل هو بجوارها وصغاره، كانت تحمل الصغير فوق ساقيها تريح ظهرها للخلف مستندة على الوسادة، يجاورها شريك رحلتها يحمل بين يداه تلك الساحرة الصغيرة حيث استطاعت سرقة لُبه من الوهلة الأولى التي رأتها به عيناه، كانت تفتح عينيها تتطلع من حولها ثم قربت كف يدها الصغير من فمها وبدأت بمص أصابعها ليخرج صوتًا ينم عن جوعها، ابتسم بحبورٍ ليقول لحبيبته: -تاجي شكلها جعانة يا إيثار.
نطقت وهي تطالعها بقلبٍ حنون: -حطها هنا جنبي وتعالي خد زين نيمه في سريره وأنا هرضعها.
مد يده ليُبعد أصابعها عن فمها فالتقطت إبهام أبيها وباتت تمتصهُ بنهمٍ ليطلق الضحكات وهو يبعد إبهامهِ عنها ويقول: -هو حبيبي جعان قوي كده، إصبري يا قلبي ومامي هتأكلك حالاً.
مدد صغيرته برفقٍ على الفراش لتصرخ بعلو صوتها بتذمرٍ فحمل الصغير الذي غفى بعدما حصل على إشباعهِ من حليب والدته ومدده بتخته ليغفى بسلام بينما حملت هي تلك الباكية وبدأت بإطعامها تحت انتفاضة قلب إيثار وشدة سعادتها، تحرك ليجاور زوجته وبات يطالع عزيزتاي عينيه مستمتعًا بأجمل مشهد تراه عينيه، قرب كفه ليمسك كف تلك الصغيرة فتشبثت بأصبع والدها مما أدخله بحالة رائعة وجعل قلبهُ يرفرفُ من شدة الحبور لينطق بصوتٍ يهيمُ فرحًا: -البنت دي خطفتني خلاص يا إيثار، إستحوذت على اللي باقي من فؤاد علام.
طالعته لتسألهُ بما تتيقن من إجابته لكنها أرادت مشاكسة زوجها وحثهِ على التغزل بها قليلاً: -ويا ترى اللي باقي من اللي باقي ده راح لمين يا سيادة المستشار؟!
-لروح قلب جوزها الغالية، قالها وهو ينظر بعينيها ليقترب من شفتها يلثمها برقة نالت إستحسانها لتميل برأسها على كتفه وينظران على صغيرتهما الجميلة، نطق بصوتٍ ظهر به مدى تأثره: -حاسس إني عايش جوة حلم حلو قوي، من أول ما عرفت إنك حامل وأنا بتخيل فرحتي لما أشوف ولادي وألمسهم، بس اللي اتخيلته حاجة، وشعوري بلمستهم حاجة تانية خالص.
تنفس بسلامٍ لينطق بصوتٍ تجلى به الانتشاء: -أتاري شعور إنك تشيل إبنك لأول مرة شعور لا يوصف، فيه مشاعر مهما حاولت توجد لها كلام يوصفها مش هتلاقي
تنفست بانتشاء لتنطق وهي تتطلع عليه بنظراتٍ جمعت حنان الدنيا بأكملها لتقدمه لذاك الراقي: -قد إيه إنتَ حد جميل يا حبيبي، أحلا زوج وأعظم إبن وأحن أب في الدنيا كلها
وتسائلت بعينين عاشقتين: -ياترى أنا عملت إيه حلو في حياتي علشان ربنا يكافئني بيك؟
-مش يمكن ربنا بيكافئني أنا، قالها بعينين تفيضُ عشقًا ليميل على شفتيها يلثمهما برقة أسعدت قلبها.
مرت سبعة أيام سريعًا وجاء يوم السبوع كما يطلقون عليه، اهتم علام بالجانب الديني حيث قام بذبح الذبائح وتوزيع لحومها على الفقراء والمساكين وقاموا بصنع الطعام وأطعموا المحتاجين، ثم أقام حفلة وقام بدعوة جميع الأحباء والأقارب فقط، اجتمع الحضور ببهو المنزل، عائلة أحمد الزين وباقي أفراد عائلة الزين، وعائلة أيمن الأباصيري وأيضًا عائلة غانم الجوهري، إنبهر جميع الحضور بالتجهيزات التي أشرفت عليها عصمت مع تكليفها لشركة قامت بجميع التحضيرات تحت تعليماتها، جلس الجميع بانتظار خروج الأم وتوأمها وأعينهم مصوبة نحو باب تلك الغرفة الأرضية حتى اتسعت أعينهم وهم يتطلعون بأعين منبهرة على تلك التي خرجت بجوار زوجها.
فقد كانت ترتدي ثوبًا باللون الزهري ما رأت العين أجمل منه، بدا وكأنهُ صُنع خصيصًا لها وبالفعل هذا ما حدث، فقد طلب فؤاد من دار الأزياء التي تتعامل معها زوجته أن يقوموا بصُنع ثوبًا مميزًا ورقيقًا يليق بتلك المناسبة الرائعة، ارتدت حجابًا بنفس اللون، وقد إختار لها فؤاد مجوهراتٍ تليقُ برقة الثوب وقام بتقديمها ك هدية لتلك التي ولچت إلى حياته لتُنيرها وتزيد من روعتها، لم تكن حياته هو فقط من تغيرت وتأثرت بحضرة تلك ال إيثار، فقد نثرت الزهور داخل أرواح جميع من بالمنزل لتنتعش وتتبدلُ وتمتلئُ بالفرح.
لم تتوقف مفاجأتهُ لها عند هذا الحد، بل استغل نظرات الجميع المصوبة عليهما ليشير إلى رئيسة العاملات سعاد فناولتهُ الأخرى صندوقًا ليخرج منه تاجًا يشبة تاج الأميرات مرصعًا بحبات الألماس الأبيض وبه بعض الأحجار ذات اللون الفيروزي مما أعطاهُ بريقًا ومظهرًا خلابًا استطاع سحر أعين الحضور، وقف أمام تلك التي اتسعت إبتسامتها بحبورٍ شديد ليقوم بتتويجها في حركة أراد بها الإعلان على أن تلك الساحرة هي ملكة حياته ومالكة الفؤاد، نطق بنبرة قوية: -ملكة قلبي ونور حياتي وأم أمرائي.
سألتهُ بذهولٍ وعدم استيعاب: -إيه اللي بتعمله فيا ده يا فؤاد
وتابعت بأعين شغوفة وهي تراه يضع لها التاج فوق حجابها: -بقيت مجنون رسمي.
-بيكِ، بقيت مجنون إيثار، قالها بأعين تفيضُ غرامًا وهو يتعمق بمقلتيها قبل أن يحيط وجنتيها بكفيه واضعًا قُبلة إحترام وتقدير ومحبة تحت تصفيق الجميع منهم المحب السعيد لأجلهم ومنهم الحاقد ك سميحة التي رمقتها بنظراتٍ كالرصاص و سالي التي ترى أن تلك الماكرة إختطفت ذاك الوسيم الرائع سليل لك العائلة الثرية وتراها غير مناسبة لتلك الزيجة وهذه العائلة العريقة، فاقت تلك الحقودة على صوت لارا التي صاحت بسعادة وهي تهلل لصديقتها: -واااو، التاج حلو قوي وإيثو تستحق تكون ملكة بجد.
إلتفتت لترمقها بحدة وهي تقول: -ملكة! قصدك طلعت لئيمة ونشنت صح
واسترسلت بنبرة اظهرت كم سوء نفسيتها الغير سوية: -صدقيني الجوازة دي مكنتش هتستمر لولا إن صاحبتك السكرتيرة دبستهم وجابت لهم الولاد اللي كانوا بيحلموا بيهم، علشان تجبر فؤاد على إستمرار الجواز اللي كلنا عارفين ظروفه كويس.
ثم أعادت بصرها من جديد على تلك التي احتضنت زوجها بسعادة لتسترسل بعينين حاقدتين: -تخطيط شيطاني ميخرجش غير من عقل حد خبيث، مكذبش اللي قال لؤم فلاحين.
اتسعت أعين لارا بعد ما استمعته من زوجة شقيقها بحق جميلة الروح التي اتخذتها كصديقة مقربة لها منذ أن رأتها بعدما استلمت عملها ك سكرتيرة خاصة لدى والده، صدمتها من تلك الكلمات الحاقدة ألجمت لسانها ومنعتها عن الرد، فلم تجد كلماتٍ مناسبة لذا قررت عدم الرد على تلك المهاترات.
عودة لتلك التي شعرت بأن روحها تطيرُ وتقفز فرحًا بذلك الحبيب الذي أصبح يُعلن عشقه لتلك الحورية على الملئ بمناسبة وبدون وكأنهُ يريد إخبار العالم بأكمله بملكيته الخاصة لها، نطقت وهي تتطلع بعينيه العاشقة: -فؤاد أنا بحبك قوي.
خرجت من خلفيهما عزة تحمل الصغير داخل ما يُسمى ب الغربال المزين بقماش من الشيفون الرائع بلونهِ الأزرق الخفيف لتجاورها منيرة تحمل تاج بغربالٍ باللون الزهري لتباغت عزة الجميع بإطلاقها للزغاريد مما أضفى على الإحتفال نوع?ا من البهجة ورونقٍ خاص أدخل الحضور في حالة من الحماس، أقبل الجميع على إيثار وباتوا يقدمون التهاني والمباركات لها ولزوجها السعيد في حين وقفت عزة بالمنتصف وباتت تصيحُ بصوتها المحبب لدى الجميع عدا تلك ال منيرة التي لم تغفر لها أخطاء الماضي على حسب قولها، فهي تتهمها بأنها كانت السبب الرئيسي لعناد صغيرتها وابتعادها عن عائلتها وليس أفعالهم الشنيعة، نطقت بنبرة عالية حماسية بعدما افترشت الارض ووضعت أمامها الصغير: -يلا يا حبايب علشان ندق الهون.
اتسعت أعين فريال وعصمت التي اعترضت حينما وجدت ذاك الشئ المصنوع من النحاس الهون: -أكيد مش هتخبطي جنب الاولاد وتسببي لهم إزعاج بالصوت العالي ده يا عزة!
نطقت تلك المشاكسة بنبرة إعتراضية وهي تشيحُ بكفها: -لا بقول لك إيه يا ست الدكتورة، إنتِ تقعدي على الكرسي بفستانك الحلو ده وتسبيني أشوف شغلي، دق الهون ده أنا ندراه من يوم ما عرفت إن إيثار حامل
واسترسلت وهي تتطلع على علام: -وبعدين أنا خدت الإذن من سعادة الباشا الكبير، يعني كلامك يبقى معاه هو مش معايا.
تطلعت عصمت إلى زوجها حيث أومى لها للتأكيد على صحة حديث عزة وحثها على الموافقة فابتسمت بحنانٍ ونطقت باستسلام: -وهو فيه رأي بعد رأي الباشا، الباشا يؤمر وما علينا إلا الطاعة.
ابتسم ليحييها باحترام تحت غضب نجوى زوجة شقيقه التي همست لابنتها سميحة: -مرات عمك فاكرة نفسها لسه بنت العشرين وبتدلع عليه قدام الناس.
لم تلتفت لها ولم تعير لحديثها أدنى اهتمام، فلديها ما يؤرق عليها حياتها ويجعلها تفقد زهوة كل شئٍ، وذلك لما رأتهُ من عشقٍ واهتمام من حبيب العمر إلى زوجته، هي من عشقته بكل ذرة في كيانها ليفضل عليها تلك التي تراها من وجهة نظرها لا تليق ولا ترتقي لذاك الوسيم المميز.
نطقت عزة وهي تدق الهون بعدما أقنعت إيثار بأن تخطو بقدميها من فوق الاطفال كما هو موثق بالطقوس المصرية وتوارثتها الاجيال: -الأولة بسم الله، والتانية باسم الله، والتالتة باسم الله، والرابعة بسم الله، والخامسة باسم الله، والسادسة باسم الله، والسابعة يا بركة محمد بن عبد الله».
أمسك فؤاد يد زوجته وساعدها بالجلوس وتطلعوا على عزة التي باتت تتحدث وهي تتابع دق الهون: -إسمعوا كلام أبوكم الباشا إبن الباشا الكبير
أشار لها يشكرها بطريقة درامية ليضحك الجميع لتتابع وهي تتطلع إلى إيثار: -وإسمعوا كلام بنتي حبيبتي ست البنات كلهم.
شملتها إيثار بنظراتٍ تشعُ حنانًا وامتنان لتلك الجميلة صاحبة القلب الذهبي التي طالما شملتها بحنانها وعطفها، أكملت عزة بخفة ظلها التي نالت بها استحسان الجميع: -إسمعوا كلام جدكم علام باشا المحترم، وست الهوانم جدتكم الدكتورة عصمت.
ضحكت عصمت ونال ما تفعله عزة استحسانها، هتفت فريال بنبرة حماسية وهي تشير على حالها: -وأنا يا عزة، إوعي تنسيني
نطقت بانتشاء: -ودي تيجي يا ست البنات
هزت غربال الصغير وهتفت بنبرة حماسية: -وكمان عمتكم فريال، لازم تسمعوا كلامها، وجوزها الدكتور ماجد علشان راجل محترم.
واسترسلت وهي تتطلع على يوسف وبيسان المجاورين لها يستمتعان بتلك الطقوس الجديدة عليهما: -وإسمعوا كلام أخوكم الكبير يوسف، وكمان القمر بيسان إسمعوا كلامها
صفقت بيسان بسعادة ومالت على وجنة الصغيرة تُقبلها كما فعل يوسف.
رمقت عزة منيرة وعزيز الجالس بجوارها بنظراتٍ ازدرائية وهي تقول: -أما بقى جدتكم منيرة فاللي تقوله تعكسوه على طول.
أطلق الجميع ضحكاتهم لتسترسل وهي تتطلع على عزيز: -وخالكم عزيز حطوه في نفس خانة جدتكم منيرة.
ثم تطلعت على أيهم الواقف بجوار خطيبته: -إنما الواد أيهم غلبان وأنا بحبه، إبقوا إسمعوا كلامه
-وكمان خالكم وجدي ومراته نوارة علشان بحبهم، إتسعت إبتسامة نوارة وبعثت لها بقبلاتٍ في الهواء.
ثم نطقت من جديد وهي تُشير على نفسها بتفاخر وكبرياء مصطنع: -وطبعًا مش محتاجين اقول لكم إنكم تسمعوا كلامي.
أطلق الجميع ضحكاتهم على خفيفة الظل ثم حملت إيثار غربال الصغير وجاورها فؤاد بعدما حمل غربال صغيرته التي استطاعت الإستحواذ على عقله والتف من حولهما الأطفال يحملون الشموع المشتعلة مرددين الاغانى الجميلة التي توارثناها عن الأجداد: -حلقاتك برجالاتك حلقة دهب في وداناتك و يارب يا ربنا تكبر وتبقى زينا
ثم أمسكت عزة وعاءٍ مملوء بالملح وأخذت تُلقيه في جميع أركان المنزل كما جرت العادة.
حمل علام الصغير وبات يتطلع عليه بنظراتٍ حنون تحمل أمل البقاء والإستمرارية الذي تجدد بحضور ذاك الملاك، وكأنهُ أتى إلى الدنيا ليزرع الأمل داخل قلب جده.
وبنهاية اليوم وبعدما رحل الجميع أخرج علام ورقة وقدمها إلى فؤاد قائلاً: -ده تنازل مني عن حصتي في كل أسهم شركات الزين
اتسعت أعين فؤاد لينطق بنبرة رافضة: -أنا مقدر فرحة سعادتك بولادة زين وتاج يا باشا، لكن أكيد مش هقبل العرض ده وأظلم أختي.
رفع علام حاجبه مستنكرًا تفكير نجله لينطق بكلماتٍ ثابتة: -ومين جاب سيرة ظُلم فريال، أنا قبل ما أكون أب فأنا قاضي، يعني يد الله في تحقيق العدالة على الأرض يا سيادة المستشار
واسترسل بإبانة: -أنا كتبت ل أختك حصتها من الشركات وكنت هكتب للدكتورة هي كمان، لكن رفضت وتنازلت عنهم ل زين وتاج.
وتابع لايضاح فكرته من ذاك القرار: -أنا حبيت أجمع كل أسهمنا في إيدك علشان تاخد منصب رئيس مجلس الإدارة والمالك الأكبر من أسهم الشركة، أنا عاوزك تكبر إسم الزين واولادك يكملوا المسيرة يا فؤاد
واسترسل غامزًا وهو يربت على كتفه: -عاوزين صفقة جامدة زي صفقة زين وتاج في أقرب وقت يا سيادة المستشار.
-للدرجة دي مستغني عني يا باشا، قالها بضحك ليطالعه بنظراتٍ هادئة وهو يتابع: -الحمدلله على كده يا باشا، ربنا يبارك لنا فيهم ويخلي لي إيثار ومش عاوز حاجة تاني من الدنيا.
بعد مرور أربعة سنوات.
أمام أحد المباني شاهقة الإرتفاع بوجهتها الزجاجية، توقفت سيارة فارهة تدل على رفاهية من يستقلها، تسبقها سيارة دفع رباعي سوداء ترجل منها ثلاثة رجال ذو أجسادٍ ضخمة وعضلاتٍ بارزة تدل على مدى قوتهم البدنية، أسرعوا ليحاوطوا تلك السيارة الفارهة حيث ترجل من الباب المقابل للسائق ضابطًا للحراسات الخاصة كان قد عينهُ زوجها ومعهُ بعض رجال الحراسة المدربون بأعلى مستوى ليقومون بحراستها وتأمين حياتها من ألا يصيبها أي مكروه من ذاك الذي مازال هاربًا خارج البلاد، بات الضابط يمشط المكان بعينيه بينما أسرع سائق السيارة لفتح الباب الخلفي لتترجل منها تلك التي أصبحت عضواً هامًا وبارزًا في شركات الزين بل أصبح اسمها يتردد كثيرًا في سوق الأعمال لما أحرزته من تقدم في عملها التي استلمته من علام شخصيًا.
وضعت قدميها في الأرض وارتدت نظارتها الشمسية لترفع رأسها تتطلع بشموخٍ لذاك المبني، حاوطها الرجال أخذين وضع الإستعداد ليتحركوا سريعًا خلف تلك الشامخة التي تتحرك بقوة وثبات باتجاه بوابة الشركة، كانت ترتدي بدلة نسائية رائعة المظهر بلونها البيج يعتلي رأسها حجابًا من نفس اللون بدرجة أغمق، سار بجوارها ذاك الضابط حيث سألها باحترام: -حضرتك هتخلص شغل زي كل يوم يا افندم ولا هتتأخري زي إمبارح.
نطقت وهي تتحرك للأمام قاصدة وجهتها: -إمبارح كان يوم إستثنائي يا صفوت، كان لازم أجهز أوراق الصفقة الجديدة وأشرف على الترتيبات بنفسي
سألها صفوت من جديد: -جنابك مش هتخرجي بدري علشان ترتيبات عيد ميلاد يوسف؟
نطقت بثبات إمرأة ناجحة: -لو هخرج أكيد هنبهك يا صفوت
تحدث الرجل على استحياء بعدما شعر بضجرها من كلماته: -أنا أسف سعادتك، أكيد مش قصدي أضايقك بأسألتي، أنا بس بحب أكون مستعد ومرتب لشغلي من قبلها.
نطقت وهي تتخطي بوابة الشركة الإلكترونية المصنوعة من الزجاج والتي فُتحت على مصراعيها فور اقترابها: -أنا فاهمة ده كويس يا صفوت
واسترسلت بإبانة: -ومش متضايقة بالعكس، أنا طول عمري بحب النظام في كل حياتي
ثم اعتدلت لتقابلة وهي تتابع: -بس تقدر تقول إني مبحبش كتر الكلام في بداية اليوم، ربنا خلقني كده.
-فهمت سعادتك، قالها الرجل وهو يشيح بنظرهِ أرضًا كما يفعل دائمًا خشيةً إثارة غضب ذاك الغيور عاشق زوجته، أومأت له وتحركت باتجاه المصعد الكهربائي ورافقها صفوت ورجل الحراسة المسؤول عن حمله للحقيبة الخاصة بأوراق العمل، أوصلاها لحيث مقر مكتبها ورحل كلًا منهما لوجهته، سألتها السكرتيرة الخاصة: -أجيب لحضرتك القهوة يا افندم؟
أجابتها بنبرة جادة: -هاتي لي الأول ملف الصفقة الجديدة بالكامل، وابعتي لي الموظف المسؤول عن التعاملات البنكية مباشرةً
اومأت الفتاة برأسها لتنطق وهي تعود للخلف: -تحت أمرك إيثار هانم
قالت كلماتها وتحركت للخارج، بعد قليل، كانت منكبة على الأوراق التي أمامها تراجعها بتمعنٍ ودقة أثناء تناولها كوب قهوتها الساخنة، استمعت لدقاتٍ خفيفة فوق الباب لتنطق ومازالت على وضعيتها: -إدخل.
ولجت السكرتيرة تتحرك بخطواتٍ ثابتة قبل أن تنطق بنبرة جادة: -باشمهندس بسام الزين برة وعاوز يقابل حضرتك يا افندم.
تنهدت لعلمها سبب مجيأة لتنطق وهي تنظر للأوراق تراجعها بتمعن: -خليه يتفضل
تحركت السكرتيرة إلى الباب وأشارت بكفها بابتسامة خافتة: -مدام إيثار في انتظار حضرتك يا باشمهندس.
ولج بخطواتٍ واسعة ومن صوت قوة حذائه التي دكت الارض أيقنت غضبه لترفع رأسها تعدل بأصابعها من وضعية نظارتها الطبية لينطق هو بصوتٍ جاهد أن يخرج هادئًا مع رسمه لابتسامة لزجة: -صباح الخير يا أستاذة
أراحت ظهرها للخلف لتنطق بابتسامة مشابهة لابتسامته المصطنعة: -صباح النور يا باشمهندس، إتفضل حضرتك.
نطقتها وهي تُشير بكفها إلى المقعد المقابل لمكتبها وتابعت وهي تتوجه بحديثها إلى السكرتيرة: -قهوة الباشمهندس بسرعة لو سمحتي يا ليلى.
أوقفها بإشارة حادة من كف يده لينطق بصوتٍ خشن علمت من نبرته أنه غاضب: -مفيش داعي، أنا مش هطول، ورايا شغل كتير لازم يخلص النهاردة.
مالت برأسها قليلاً لتشير للموظفة بالخروج لتفعل على الفور، توجهت له لتنطق بصوتٍ هادئ: -إتفضل يا باشمهندس، أنا سامعة حضرتك.
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره كي يطرد شعور الغضب من داخله وألا يحتد عليها ويضع حاله أمام ذاك الشرس الذي لا يسمح لأي شخصٍ مهما كان مجرد التعدي بحدة الكلمات على زوجته، : -ممكن أفهم حضرتك أخدتي ملف الصفقة الأخيرة ليه؟!
أجابتهُ مختصرة: -براجع البنود بتاعته
سألها بحدة اظهرت مدى سخطه: -بأي صفة يا أستاذة، دي وظيفتي وأنا المسؤول هنا عن مراجعة عقود الصفقات وإتمامها.
نطقت بقوة وثباتٍ أربكهُ: -وأنا مفوضة من رئيس مجلس الإدارة بإدارة شؤون الشركة، واظن حضرتك عارف إنه مديني صلاحيات أتابع بيها العمل فيما يخدم الشركة ومصالحنا.
سألها بنظراتٍ نارية: -يعني حضرتك بتستغلي منصب جوزك وبتستغلي إنه بقى مالك الحصة الاكبر من أسهم الشركة بعد عمي علام ما اتنازل له عن الأصول بتاعته؟!
عدلت من وضعية نظارتها لتنطق بقوة وثبات لم يأتيا من فراغ: -ياريت يا باشمهندس تتكلم معايا على إني المدير المالي المسؤول عن الشركة، وأظن مش من المهنية إن حضرتك تخلط ما بين العلاقات العائلية والشغل
وتابعت قاصدة إظهار عدم مهنيته: -يعني مينفعش تذكر مصطلحات زي جوزك وعمي والكلام ده وإحنا بنتكلم في أمور تخص العمل.
استشاط داخله من تلك المرأة الحديدية مثلما أطلق عليها جميع من يعمل بالشركة لقوة تحملها للعمل الشاق وثباتها في اتخاذ القرارات الحاسمة لما لها من صلاحيات قد فوضها لها فؤاد لثقته الهائلة بها كموظفة قبل أن تكون زوجة صالحة، لينطق بكلماتٍ بذل مجهودًا شاق كي يُخرجها هادئة: -أولاً أنا أسف، يمكن خاني التعبير، بس ده لا يمنع إني بتكلم في الحق، حضرتك يا أستاذة تعديتي على اختصاصاتي وأنا من حقي أقدم إعتراضي.
-حقك طبعاً، بس ده لما يكون تعدي على وظيفتك بجد، أنا بباشر صلاحياتي وده يُسأل عنه مدير مجلس الإدارة مش أنا، كلماتٍ نطقتها بحكمة لتكمل بنبرة عملية: -على العموم أنا هبلغ فؤاد بيه وهطلب منه يأمر بإجتماع عاجل يوضح فيه النقاط اللي مضايقة حضرتك، ولما سيادته يحدد الميعاد الإدارة هتبلغك.
ارتبك لعدم رغبته بالتصادم مع فؤاد وذلك لصرامته فيما يخص العمل، ف أراد أن يتلاشى المواجهة معه وتحدث وهو يحاول تلطيف الوضع: -مفيش داعي تشغلي فؤاد باشا معانا، كان الله في عونه
واسترسل مبررًا بترقيته التي لم يمر عليها سوى بضعة أسابيع: -أكيد مسؤليته تضاعفت بعد الترقية الاخيرة
-أوكِ، زي ما حضرتك تحب، قالتها بثبات وهي تنظر إليه بتفحص لينتفض واقفًا وهو يقول: -هروح أتابع شغلي، وأسف إني أخدت من وقتك.
وقفت باحترام لتنطق بثبات وهدوء: -نورت يا باشمهندس.
تحرك سريعًا مغادرًا مكتبها وبداخله براكينٍ من الغضب يكظمها عنوةً عنه، أمسك مقود الباب واداره ليجد ذاك ال أيهم يقف مع السكرتيرة وعلى ما يبدو أنه جاء لمقابلة شقيقته، تحدث بسام بابتسامة مصطنعة ترجع أسبابها لعدم تقبلهُ مؤخرًا جراء سطوة شقيقته وفرض هيمنتها على الشركة: -أزيك يا أستاذ أيهم.
-أهلاً يا باشمهندس، كلماتٍ مقتضبة بالكاد أخرجها أيهم لينطلق الأخر كالإعصار مغادرًا المكان برمته لينظر أيهم إلى ليلى ويسألها: -ماله ده.
مطت شفتيها ورفعت كتفيها للأعلى لتنطلق ضحكاتهما وياليته لم يفعل فقد وصلت للتو زوجته أميرة ليشتعل داخلها بنار الغيرة بعدما رأت رجُلها منسجمًا بالحديث مع تلك الحسناء ذات الشعر الأشقر المجعد بمظهرهِ الخاطف للأنفاس وثيابها الملفتة للأنظار، توقف وابتلع قهقهاته وهمس بصوتٍ لم يستمع إليه سواه: -يا وقعتك السودة يا أيهم، ليلة الخميس إنضربت خلاص.
رمقته بنظراتٍ كالرصاص لتبسط ذراعها بذاك الملف إلى تلك ال ليلي وهي تقول بجدية: -الورق ده كانت طلباه مدام إيثار، ياريت توصليه حالاً.
تحمحم مرددًا وهو يشير لها صوب باب مكتب شقيقته: -تعالي دخليه بنفسك يا أميرة، أنا كمان داخل ل إيثار.
-معنديش وقت أضيعه في الضحك والكلام الفارغ يا حضرة المحاسب المحترم، رمت بكلماتها اللاذعة بجانب نظراتها الحادة وانطلقت كالسهم لتعود لمقر مكتبها بقلبٍ يحترق من لوعة الغيرة على من يعشقه القلب، لوى فاهه ليبتسم ببلاهة لتلك التي تطالعهُ بملامح وجه بدا عليها التضامن والمؤازرة فيما سيناله من تلك الشرسة عاشقة زوجها، لينطق بملاطفة: -إنتِ كويسة يا لولا؟
بمشاكسة ردت تلك ال ليلى: -مش مهم أنا يا أستاذ أيهم، المهم انتَ اللي تكون كويس.
هز رأسهِ بطريقة ساخرة لتشير هي إلى الباب قائلة: -ثواني هدخل الملف للهانم وابلغها إنك عاوز تقابلها.
بعد قليل خرجت وتوجه هو ليلج إلى شقيقته فوجدها تتطلع على كومة من الاوراق ليتحدث بنبرة جادة: -بسام الزين طالع شايط من عندك ليه؟
رفعت رأسها تطالعهُ قبل أن ترد مستنكرة: -جنابه مش عاجبه طريقة شُغلي وبيتهمني إني بتعدى على اختصاصاته
جلس بالمقعد لينطق متخوفًا: -أنا قولت لك من الأول بلاش تستفزيه وتدخلي في الامور اللي تخص منصبه.
احتدت ملامحها لتعلن عن غضبها وهي تنطق بنبرة جادة: -مفيش حاجة إسمها أمور تخص منصبه، ده مال ولادي وجوزي مأمني عليه، والبيه بيتعامل كأنه المالك الرئيسي والوحيد للشركات ويا عالم بيهبب إيه من ورانا، فكان لازم أحجم صلاحياته واستخدم صلاحياتي اللي أدهالي فؤاد بحكم منصبي، وخصوصًا إنه كان مانع الموظفين يدوني أي أوراق خاصة بالصفقات.
بكلماتٍ يحكمها العقل والمنطق نطق أيهم: -بس كده ممكن يحطك في دماغه، وأحمد الزيني ممكن معاملته ليكِ تتغير، بالعقل كده أكيد مش هيسيب إبنه وينضم لفريقك ضده.
-يوريني أخر ما عنده، جملة بها تحدي نطقتها قاصدة أحمد لتتابع بجدية: -ولو باشمهندس أحمد الزين هيكون فريق ضدي لمجرد إن بسام إبنه يبقى هيخسر كتير قوي
واسترسلت بنبرة شرسة: -لأنه هيلاقي معاملة وإيثار مختلفة كليًا عن إيثار اللي كانت بتعامله بلطف واحترام
رفع حاجبه باعجاب لينطق: -بقيتي قوية لدرجة يتخاف منك يا إيثار.
أجابته باقتضاب: -محدش بيخاف غير اللي ماشي غلط يا أيهم
وافقها الرأي لتنطق بعدما قررت تغيير مجرى الحديث: -متنساش بكرة تجيب أميرة وساندي وتيجو بدري علشان عيد الميلاد هيبدأ الساعة أربعة العصر إن شاءالله
ابتسم وتذكر طفلته ذات الثلاثة أعوام وتحدث: -كل سنة ويوسف طيب، عقبال ما تشوفيه راجل قد الدنيا.
-متشكرة يا حبيبي، قالتها بابتسامة سعيدة لتتابع: -الحمدلله إن عيد ميلاده وافق يوم الجمعة وإلا كنت هضطر أخد أجازة أنا وفؤاد، انا عادي لكن فؤاد لسه مترقي من كام إسبوع ومشغول جداً في مهام الترقية الجديدة.
-ربنا يوفقه يا حبيبتي، فؤاد راجل محترم ويستاهل كل خير، قالها ثم هب واقفًا ليتحرك للخارج تاركًا إياها تتابع عملها.
بعد عدة ساعات عادت من عملها لتجد صغيراها اللذان اتما عامهما الرابع يلهوان داخل حديقة المنزل بصحبة دكتورة عصمت التي كرست جزءًا كبيرًا من وقتها بل وحياتها لصغيراي نجلها الغالي وفلذات قلبه بعد أن تبدلت حياتها للأفضل بوجودهما، تجاورها فريال حيث باتت لا تفارق منزل أبيها إلا قليلاً للاهتمام بشؤون توأم شقيقها الغالي وعزيز عينيها، فقد دبت الحياة بالمنزل وكأنهُ تحول لأخر، فبرغم وجود نجلي فريال بالإضافة إلى حضور يوسف إلا أن ذاك التوأم لهما حضورٍ خاص ويرجع ذلك لفطانة الصغيرين والمحبة التي وضعها الله لهما في جميع قلوب من حولهم، تطلع عليها الصغير بعينيه التي ورثهما عن والده مما زاد من عشقها له ليهرول مهللاً: -مامي.
هرولت إليه لتلتقطه وتخبأه داخل أحضانها مع نثرها لقبلاتها الشغوفة فوق وجههُ وعنقه وجل ما يقابلها من ذاك الغالي لتنطق عصمت بنبرة حادة معترضة على تصرف إيثار: -معقولة يا إيثار اللي عملتيه ده، تحضني الولد وتبوسيه قبل ما تغيري هدومك وتغسلي وشك؟!
هزت فريال رأسها استسلامًا لحديث والدتها وتشددها في حماية الصغار من الجراثيم لتنطق بكلماتٍ ساخرة: -أنا شايفة إن حضرتك تجيبي لهم صندوق من البلور وتحطيهم جواه وإحنا نشاور لهم من برة البلور
رمقتها حانقة لتتابع ابنتها: -مش معقول يا ماما اللي بتعمليه ده
هتفت عصمت بارتيابٍ يعود لشدة خوفها على الصغار: -على أساس إنك مبتسمعيش عن كم الأوبئة والجراثيم اللي بقت محوطانا يا أستاذة.
إقتربت عليهم إيثار التي مازالت تزيد من قبلاتها الشغوفة للصغير لتنطق أخيرًا: -ما تقلقيش يا ماما، عملت حسابي وعقمت نفسي وأنا جاية في العربية
تنهدت براحة لتبتسم لها قائلة: -حمدالله على السلامة يا حبيبتي
أطلقت فريال ضحكاتها وهي تقول: -الوقت بس تقدر تقول لك حمدالله على السلامة.
ضحكت الأخرى وناولت الصغير إلى عمته التي تلقتهُ بالقبلات الشغوفة لترفع تلك الصغيرة وتقول وهي تدللها: -الندلة اللي مش بتسأل في مامي وقاعدة في حضن نانا.
عوضًا من أن تحتضنها الصغيرة سألتها باعتراضٍ ظهر جليًا على ملامحها: -فين بابي، ليه مش جه؟
أجابتها وهي تُقبل وجنتها الوردية بشغفٍ فقد اتخذت ملامح جدتها عصمت وكأنها نسختها الصغيرة مما زاد من عشق علام وفؤاد لتلك الصغيرة التي خطفت لُبهما: -لسه الساعة إتنين يا حبيبتي، بابي هيوصل النهاردة الساعة خمسة علشان عنده شغل كتير.
أنزلت الصغيرة التي سكنت أحضان جدتها من جديد لتسترسل باستئذان: -أنا هطلع أخد شاور وأطمن على يوسف
واسترسلت بنبرة هادئة: -متعملوش حسابي في الغدا، أنا هستنى فؤاد لما يرجع
ضيقت عصمت بين حاجبيها وهي تقول: -بس فؤاد مش هيرجع قبل الساعة خمسة يا إيثار، كده الغدا هيبقى عشا.
-ولو قعدت لبكرة بردوا هستناه، قالتها باصرار نال استحسان عصمت وطمأنها على نجلها في حين نطقت فريال بمشاكسة لزوجة شقيقها التي أصبحت صديقتها المقربة: -قولي إنك عاوزة تنفردي بالباشا وتحولوا الغدا لعشاء رومانسي على ضوء الشموع.
رفعت قامتها للأعلى وهي تقول: -وهنكر ليه، جوزي وحبيبي وأتمنى أعيش عمره كله في قربه.
ابتسامة عريضة ظهرت على ثغر عصمت بانتشاء لتنسحب الاخرى إلى الاعلى، صعدت الدرج لمنتصفه لتتفاجئ بظهور عزة التي تهبط من الأعلى، على الفور ارتسمت على وجهها الابتسامة وهي ترحب بها: -حمدالله على السلامة يا ست الكل، جهزت لك الحمام زي ما بلغتيني في التليفون من شوية، واسترسلت بملاطفة: -حطيت لك فيه من الزيوت اللي بتفك الجسم وتنعنشه
ابتسمت الأخرى لتجيبها: -ربنا يخليكِ ليا يا عزة.
واسترسلت بجدية: -يوسف في أوضته؟
أجابتها باستفاضة: -أيوا فوق، لسه باص المدرسة واصل من شوية، سبته كان داخل ياخد الشاور بتاعه على ما الغدا يجهز
-تمام، أنا كمان هاخد شاور وأروح له أوضته يكون خلص، قالتها لتغمز لها عزة وهي تقول: -أنا خليت البت وداد تجهز لك اوضة الزاكوزي زي ما أمرتي، وحضرت لك الشيكولاتة والفاكهة اللي قولتي عليها، هو أحنا عندنا أغلى من الباشا علشان ندلعه.
ردت لها الغمزة وهي تقول بابتسامة عريضة: -برافوا عليكِ يا عزة.
تركتها وصعدت سريعًا قبل أن تفتح تلك الثرثارة بمواضيعها التي لا تنتهي، أخذت حمامًا ثم ارتدت ثيابها واتجهت صوب غرفة نجلها الغالي، وجدته يقف أمام مرآة الزينة يقوم بتمشيط شعره، تطلعت عليه بسعادة فقد أصبح نجلها رجلاً صغيرًا حيث سيكمل غدًا عامه الثاني عشر، فقد زاد طولاً حتى أنهُ تخطاها وأصبحت تتطلع للأعلى حتى تنظر بعيناه، واشتد عوده نظرًا لكثرة التماربن التي يتلقاها على يد المدرب الخاص به وأيضًا ممارسته للسباحة، نطقت وهي تفتح ذراعيها لاستقباله: -إيه الشياكة دي كلها يا باشمهندس، بالراحة على قلوب البنات.
تطلع على صورتها بانعكاس المرآة بملامح وجه معترضة قبل أن ينطق: -قولت لحضرتك مليون مره قبل كده إني هكون وكيل نيابة زي جدو علام وبابا، مش فاهم إيه إصرارك بإنك تناديني بالباشمهندس.
لقد أصبح يُلقب فؤاد ب بأبي مثل أخويه عندما كان بالتاسعة من عمره وبدأ أخويه ينطقان ويطلقان بابا على فؤاد فاعتاد هو الأخر من باب التعود، وحدث الامر رُغمًا عنه فبالاخير هو ابن التاسعة من عمرة ويظل طفلاً، تقبل فؤاد الأمر بل وسعد به بينما هي تحسست من ذاك الوضع لكنها لم تفصح عنه، والأن ينشطر قلبها للمرة اللا معلوم عددها حين تستمع من صغيرها الإعتراض على مهنة المهندس التي حاولت ومازالت جاهدة بزرع الفكرة في عقله منذ الصغر لكنهُ مصرًا على أن يلتحق بكلية الحقوق كي يمتهن مهنة القاضي تشبهًا بما يناديه ب أبي فؤاد و
