رواية وصية حب الفصل السادس6 والسابع7 بقلم نسرين العجيلي

رواية وصية حب الفصل السادس6 والسابع7 بقلم نسرين العجيلي
الأيام عدّت…
يوم ورا التاني، والبيت بقى ماشي بخطوات أهدى من المعتاد.

سارة ما بقيتش زي الأول. ضحكتها موجودة، بس أخف، حركتها موجودة، بس أبطأ. وفي عنيها دايمًا لمعة تعب بتحاول تخبّيها على أد ما تقدر.

التحاليل؟
لسه مفيش إجابة نهائية، والدكاترة بين كلمة "محتاجين نتابع" و "نطمن بعد ما نشوف النتايج الجينية".

الحلم الوحيد اللي ماسكها كان صوت أمها اللي قالت :
"خبّي نفسك.. واعتني بقلبك."

كانت بتحاول.. والله بتحاول.
ملك اتعودت تحضن أمها أكثر، وياسر اتعود ينظر لها كثير وهو ساكت، كأنه بيعدّ أنفاسها جوه قلبه.

سارة حاولت تخلي البيت طبيعي، لكن الحقيقة، فيه حاجة صغيرة كل يوم بتتسرّب من قوتها.
روايات نسرين بلعجيلي Nisrine Bellaajili  

وهم الهدوء بيتشقّق.. بعد أسبوعين 
ضحى هادي، شمس كريمة داخلة من البلكونة.
سارة واقفة في المطبخ تمسح رخامة، بس إيدها إترجّت فجأة، الإسفنجة وقعت من إيدها وارتطمت بالرخامة بصوت خفيف،
لكن جوا قلبها، الصوت كان زي صدمة.

ياسر جري عليها فورًا :
 مالك؟ تعبانة؟

سارة حاولت تبتسم : 
 لأ، بس إيدي نامت شوية.

هو ما صدّقش، مسك إيدها في إيده كأنه ماسك عمره مش إيدها.

ياسر :
 تعالي أقعدي. أنا هكمّل.

سارة :
 يا ياسر أنا مش عايزاك تقلق كده، ده إرهاق طبيعي. ما تكبّروش.

قالها بصوت واطي قوي : 
 مافيش تعب طبيعي فيكِ ما يقلقنيش.

قعدت على الكرسي، وكانت عايزة تقوم، بس جسمها قال لأ.
 سارة فهمت… وجوّاها حاجة اتخضّت تاني.
البيت مش لوحده
الجرس رنّ. ملك جريت فتحت الباب بحماس. وصوت ست خشنة، وطاقة مش خفيفة خالص قالت :
 السلام عليكم، هو ده بيت ياسر؟
(هما كانو في بيت قديم و عزلو بيت جديد 
سارة رفعت راسها ببطء وعنيها إتسعت.
قدريّة حماتها. جلباب غامق، طرحة ملفوفة بشدة، ملامح ست اتعودت تتخانق مع الدنيا، وتتخانق مع الناس اللي بيحبوها قبل اللي بيكرهوها.

ياسر اتجمّد ثواني : 
 ماما؟! إيه المفاجأة دي؟

قدريّة رفعت شنطتها : 
 قلت أطلع أشوف إبني وأطمن قلبي، بدل ما أفضل قاعدة أستنى أخبار.

تبص على سارة من فوق لتحت، بنظرة زنّانة مش محتاجة شرح :
 ما شاء الله شكلك مرهقة يا ست سارة. هو إبني  مابقاش بياكلك؟ ولا إنتِ بتتدلعي؟

سارة حاولت تقوم تسلم ماقدرتش بسرعة، قامت ببطء، ومدت إيدها بابتسامة محترمة :
 أهلا بحضرتك، نورتي.

قدريّة رفعت حاجب : 
 من غير كلام كبير، أنا جاية أشوف إبني، مش جاية أدوّر على مجاملات.

ملك جريت على سارة واتخبّت فيها،
حاسة إن الجو اتغيّر.

سارة بصوت هادي : 
 إتفضلي يا طنط، البيت بيتِك.

قدريّة بصّت على البيت بنظرة تقييم : 
 أهو نشوف شغل العرايس بيعجّب في الصور، لكن الحقيقة اللي تِبين.

ياسر بص لها بغيظ مكتوم : 
 ماما، إحنا مش في لجنة تفتيش.

قدرية :
 لأ أنا اللجنة. وبعدين ما هو أنا قلت تتجوز بنت بلدنا سلوى، كنت أرتاح وأفهمها وكنت آجي ألاقي البيت رايق زي الفل، مش ست تعبانة وماحدش عارف مالها.

الكلمة قطعت الهوى. سارة وقفت ثابتة، ما اتهزتش لكن جواها حاجة شدّت، نفسها ضاق، قلبها دق أسرع.

ياسر قرب من سارة، وقف جنبها، مسك كتفها : 
 ماما، آخر مرة أسمع كلام بالشكل ده هنا. سارة مراتي، وأم بنتي، ونعمة من ربنا.

قدريّة نفخت : 
 ربنا يشفيها، بس اللي ماقدرش يحافظ على نفسه، هيحافظ على بيت؟

سقطة صغيرة وجرح عميق..

سارة حاولت تمشي تروح تحضر شاي، لكن رجلها خانتها تاني. إيدها اتسندت على الحيطة، نفَسها اتقطع لحظتين.. والهوى بقى تقيل.

قدريّة بصوت عالي : 
 اللهم طولك يا روح، كده بقى؟ هو ده الحال اللي وصلتيله في بيت إبني؟

ياسر جري يمسكها :

 أقعدي ما تعمليش حاجة.

سارة، بصوت واطي وهي تحاول تمسك كرامتها : 
 أنا كويسة، مجرّد دوخة.

قدريّة بصوت عالي وسخرية واضحة : 
 دوخة؟ ولا حاجة أكبر، وانتوا مخبيين؟

صوت سارة اتكسر من جوّا، بس فضلت واقفة بأدب : 
 لما نعرف، كلنا هنعرف، مافيش حاجة تتخبّى.

قدريّة تمتمت : 
 يرضيك يا رب إبني يبوّظ حياته بإيده؟

ياسر صرخ لأول مرة : 
 كفاية.. قلت كفاية.

سارة ما عيطتش، بس عينها إتهزّت زي شمعة قربت منها ريح.

دخلت أوضتها بهدوء، قفلت الباب، وقعدت على السرير.

مش لأنّها ضعفت.. لكن لأن التعب ما بقاش في الجسم بس، كان في الروح. ولأول مرة من بداية الحكاية سارة قالت في قلبها :
 "يا رب… لو الصبر أسلوب، خليني أعرف أكمّله، ولو القوة رزق، أرزقني بيها قبل الوجع."

Nisrine Bellaajili
وبرا الأوضة، الحرب لسه مبتدتش، والحب لسه واقف، بس عليه إمتحان جديد.  قبل ما الجو يهدى،
الجرس رن تاني.
سارة مسحت وشها بسرعة و طلعت  وفتحت الباب
روان كانت واقفة. لابسة فستان بسيط، بس ماسك جسمها شوية، شكلها من النوع اللي كل ما يدخل مكان، الهوا يتغيّر حواليه.

إبتسامة خفيفة طلعت منها : 
 إزيك يا سارة؟ قولتلّي أعدّي عليك أجيب الكشكول بتاع ملك.

سارة حاولت ترجع لمود الهدوء :  أهلا يا روان، إتفضّلي.

أول ما دخلت، عين قدريّة مسكتها من فوق لتحت، وبصوت عالي يكفي الجيران تسمع قالت :
 هو إحنا في بيت ولا في كباريه؟ دي داخلة عليكم كده ليه؟

سارة اتشدّت، ووشّها اتغير، لكن روان وقفت ثابتة، بصت للأرض بتواضع :
 خير يا طنط؟ أنا جاية أديها كشكول البنت الصغيرة.

قدريّة نفخت : 
 كشكول؟ ولا جايّة تتفرّجي على جوز صاحبتك؟ هو مايكفيش إنك مطلّقة، كمان داخلة البيت كده؟ وبنتي سارة تعبانة ومعدومة، وإنتِ تيجي كده، مش خايفة تخطفي جوزها؟ ولا هو الفرص قليلة اليومين دول؟

الكلام نزل زي السكينة.
سارة شهقت : 
 حرام عليكِ يا طنط، روان صاحبتي من سنين.

قدريّة رفعت صوتها : 
 الصاحبة اللي ما تُأتمنّش، خلاص الزمن اتغير يا بنتي. المطلقة مالهاش أمان، وخصوصًا لو بقت حلوة وقعت في وش الراجل.

روان وقفت شامخة، ما عيطتش، ما زعقتش، لكن إتجرحت من جوّا.

بصت لسارة بهدوء موجوع : 
 ولا يهمّك، أنا واقفة معاكِ مش ضدك.

سارة قربت تمسك إيدها : 
 إنتِ زي أختي.

قبل ما روان ترد، صوت ياسر قطع الجو زي طلقة :
ماما، بس.

قدريّة اتفاجئت : 
 إنت واقف مع الغريبة عليّا يا ياسر؟!

ياسر ما رفعش صوته، بس نبرته كانت سلاح :
 أنا واقف مع الحق. إحنا في حالة ضغط وتوتر، وسارة تعبانة، مش ناقصين حد يدخل علينا بسمّ ويفكّرنا باللي نخاف منه. روان صاحبتها، واحنا مش في زمن الناس تقيّم بعض من هدومها.

قدريّة شهقت وزعلت : 
 أهو إنقلبتوا عليّا، الست دي سحرتك يا ابني. قلتلك من الأول خد سلوى بنت أختي ست بيت، مش زي دول.

ياسر مشي خطوة ووقف قصاد أمه بثبات : 
 أنا اخترت مراتي بقلب وعقل، ومش ندمان، واللي مش هيدّيها احترام ما يلزمنيش احترامه للكلام ده.

قدريّة اتصدمت، رفعت عبايتها بتوتر : 
 خلاص، أنا ماشيّة. ربنا يورّيكوا الأيام.

سارة حاولت توقفها : 
 طنط لو سمحتِ ما تزعليش، إحنا…

قدريّة قطعتها بحدة : 
 ماتكلّمنيش دلوقتي. أنا أمّ جوزك، مش أي حد.

وخرجت…
الباب اتقفل وراها بقوة، والبيت بعدها سكت.
سكوت تقيل، سكوت زي ما حد قطع نفس البيت كله فجأة.

روان بصوت واطي، ثابت قوي رغم الألم : 
 ما تزعلوش، اللي بيتوجع بيطلع سمّه ساعات. بس أنا مش هخلّيكم تخسروا مني حاجة.

سارة قربت منها، حضّنتها، صوتها مكسور : 
 آسفة… والله آسفة.

روان مسحت على ظهرها بلطف : 
 ما تعتذريش، أنا هنا ليكِ، مش عليكِ.

وبصت لياسر باحترام : 
 خليك معاها، ده أكبر دعم ليها دلوقتي.

وجمعت نفسها ومشيت بهدوء، بدون أي كلمة زيادة. كأنها فهمت إن اللحظة مش لحظة صحاب، دي لحظة بيت بيحارب.

بعد ما الباب إتقفل، سارة وقفت في نص الصالة، أخذت نفس طويل، وحطت إيدها على قلبها.

ياسر قرب منها، إيده على كتفها : 
 ما تسمعيش الكلام ده. أمي كانت غضبانة ومش كل غضب حكمة.

سارة بعين فيها تعب وكرامة : 
 مش خايفة من كلامها عليّا، أنا خايفة عليك أنت. ضغط عليك من بره، وتعب من جوّا.

ياسر حضنها : 
 اللي بيننا أكبر من أي صوت برا البيت.

سارة أغمضت عينيها، فتَحتها على همسة دافية :
 يا رب.. قوّني وقوّيه. إحنا الإثنين محتاجينك دلوقتي.

والليل…
رجع يسكت تاني. بس المرة دي السكوت كان أعمق، والحكاية دخلت سكة أصعب، اللي فيها صبر، ورباط، وامتحان.

*وصيّة حب*

بقلم نسرين بلعجيلي
Nisrine Bellaajili 

_الفصل السابع_

الفجر نده على الدنيا، صوت الأذان كان لطيف، كأنه ما بيزعقش ولا بينادي، كان بيحضن الهوى حضن خفيف.

سارة فتحت عينيها بهدوء. ماكانش نومها تقيل، كان أشبه بنص صحِّي ونص غرقان في تفكير ما وقفش طول الليل.

مشيت عينيها على السقف الأول، كأنها بتلمّ روحها من الحيطان قبل ما تجمعها في صدرها. وبعدين قلبها نزل على ياسر اللي نايم جنبها، وشه هادي بس عينه شكلها تعبان من جوّا…
لوهلة فكرت :
"هو بينام؟ ولا بس بيغمّض عينه؟"

رفعت نفسها براحة، قعدت على السرير وحطت رجلها على الأرض ببطء، كأنها بتتعامل مع الأرض لأول مرة.
الأوضة كانت ساكتة، بس السكون مش دايمًا راحة، أوقات السكون بيبقى شهادة إن فيه قلب بيحارب.
نسرين بلعجيلي 
سارة إتمددت للحظة، مسكت راسها من الجنب، ونفَس طالع ببطء، مش تعب جسد أد ما هو حمل قلب. وقفت على رجليها ومشيت نحو الشباك، فتحتّه شق صغير وخلّت برد الفجر يلمس خدّها. الهوى كان نظيف، طري، كأنه جايب معاه رسالة :
"قومي… لسه فيه أمل."

سارة ما قالتش ولا كلمة. بس دمعة صغيرة نزلت لوحدها. دمعة من نوع دموع الفجر اللي بتنزل قبل ما حد يصحى ويشوف. مسحتها بإيدها بسرعة، زي اللي مش عايز حتى نفسه يشوف ضعفه.
مدّت إيديها على البسيطة وسندت راسها على الحيطة. وبصوت يكاد ما يسمعهوش غير ربنا :
 يا رب، لو فيه إمتحان، قوّيني عليه،
ولو فيه خير قرّبه، ولو فيه تعب، خلّيه في قلبي مش في وجع أحبابي. إنت اللي شايف، وأنا بس أََمَة واقفة قدام بابك مستنياك.

صوتها كان ثابت، بس قلبها بيرتعش من جواها رجفة شوق للثبات. بعد لحظة، سمعت حركة خفيفة على السرير. ياسر التفت، بصّ ليها، عيونه نص نايمة ونص واعية بيها وبحالها :
 سارة؟ قُمتي بدري ليه؟

إبتسمت له إبتسامة خفيفة، مش إبتسامة قوة، إبتسامة حب :

 صحيت مع الفجر، قلت أتنفس شوية.

مدّ إيده ليها من بعيد :
 تعالي. ما توّديش نفسك بعيد.

رجعت له، مشيت بخطوات بطيئة، لحد ما وصلت السرير.
قعدت جنبه، حدّت نظرها عليه لحظة كأنها بتشرب ملامحه في قلبها وقالت :
 ياسر، أنا كويسة.

قالتها وهي عارفة إنها مش الحقيقة الكاملة. والغريب، هو كمان كان عارف، بس قرر يصدّق الجزء اللي محتاج يصدّقه علشان يقوم بيوم جديد.

مسك إيدها، دفّاها في كفه زي اللي بيحط وردة جوه كتاب علشان ما تتكسرش :
 إنتِ مش لوحدك. ولا هتكوني.

ردّت بصوت ناعم جدًا :
 وأنا عارفة.

وقام من غير كلام كتير، وفي صمت الفجر وقف قدام الحيطة، مدّ سجادة الصلاة، وأشار لها :
 يلا… نقف قدام ربنا سوا.

سارة وقفت جنبه، رغم التعب، رغم الدوخة اللي بتحوم حوالين جسمها كل كام دقيقة، رغم قلبها اللي بيقولها "أقعدي" أوقات كتير، لكن روحها قالت :
 "لو وقعت هنا، هقوم هناك."

صلّوا…
دموعها نزلت وهي بتسجد، مش دموع خوف، دموع تسليم كامل. دموع ناس فاهمة إنها ما بقتش تمسك في الدنيا، هي ماسكة في السماء.
وبعد التسليم، ياسر مد إيده تاني ومسح دمعتها، مش دمعة مرّ،
دمعة رضا :
 ربنا معانا يا سارة.

قالتها من غير ما تبصّ له، وعينها لسه على سجادة الصلاة :
 وإحنا محتاجينه.

سكتوا… سكوت طيب. سكوت مش بيخوف. سكوت بيقول إن الرحلة مش سهلة، بس مش لوحدهم فيها.

وفجأة صوت صغير جه من الأوضة التانية :
 ماما؟ صحيتوا؟ فين الفطار؟

ضحكة خفيفة طلعت من سارة رغم كل حاجة :
 ملك فاقت.

ياسر تنفّس وقال كأنه بيرجع للدنيا :
 يلا نعيش اليوم. واحدة واحدة.

سارة وقفت، حست برعشة بسيطة في رجلها، لكن ثبتت نفسها بسرعة.
لفت طرحتها، وقالت في سرها :
 "كل فجر… بداية جديدة. واللي كتب البداية، قادر يحط النهاية بكرامة."

وخرجت من الأوضة، على نور صبح بدأ ينتشر، ومعاه حكاية لسه بتتنفس، حتى لو بتتنفس ببطء.

الصبح كان هادي، وإزاز الشباك عليه بخار خفيف من سخونة الشاي. سارة قطّعت عيش صغير لياسر وملك، بتحاول تبتسم وتبان طبيعية، بس التعب كان قاعد في ملامحها زي ضيف مالوش نية يمشي.

ملك بتتكلم بحماس طفولي :
 ماما أنا عايزة أخد السندويشه  دي كلها للمدرسة.

سارة ضحكت :
 لا يا بطّة، خليهم نصين علشان مايبقاش غداك فاضي.

وياسر إيده على ذقنه، بيبص لها طول الوقت كأنه بيلقط كل نفس بتاخذه ويخبّي قلق في قلبه.

رنّ التليفون. سارة وقفت في مكانها، بصت للشاشة من بعيد،
"المستشفى".

الجو اتغيّر.

ردّت:
 ألو!.

صوت هادي، رسمي :
 أستاذة سارة، لازم تيجوا بكرة الساعة تسعة. ضروري جدًا.

سارة :
 فيه حاجة حصلت؟

الصوت :
 نفضّل نشرح كل شيء هنا. ما تتأخروش.

المكالمة خلصت.
سارة حطت التليفون على الطاولة ببطء، كأنها بتحط حجر تقيل على صدرها.
Nisrine Bellaajili 
ياسر قرب منها :
 خير؟ قالوا إيه؟

سارة بابتسامة خفيفة تتشقّق من جوّا :
 قالوا نروح بكرة الصبح.

ملك رفعت رأسها :
 ماما إنتِ كويسة؟

سارة مسحت على خدها :
 كويسة يا روح ماما.

ياسر بص في عينيها. عارف إنها مخبية حاجة، بس ساكت علشان مايكسرهاش :
 أنا لازم أروح الشغل بدري النهارده، هتقدري؟

سارة :
 هقدر… روح.

حضنها قبل ما يخرج، حضن أطوَل من العادي، زي اللي بيعمل حساب للحظات جاية مش مضمونة.

ملك سلّمت وباست خد أمها وخرجت تجري على الباص.

الباب اتقفل. البيت بقى ساكت، غير صوت نفسها اللي بيطلع بشق النفس.

سارة فضلت واقفة دقيقة، وبعدين أخذت تليفونها واتصلت بروان.

نسرين بلعجيلي 

مكالمة الوجع والصدق :
– ألو؟
– روان… إزيك؟

صوت روان جاي دافي وطبيعي، زي ما يكون مافيش اللي حصل امبارح :
 كويسة يا روحي وإنتِ؟

سارة :
 أنا.. كنت عايزة أقولك آسفة على اللي حصل من حماتي.

روان ضحكت ضحكة صافية :
 يا بنتي أنا أصلاً ما اتضايقتش، أنا عارفة مين إنتِ ومين ياسر. ودي ست كبيرة وتعبانة من حياتها أكثر مننا، سامحيها إنتِ بس.

سارة اتنفست، وبصوت ضعيف :
 روان.. بكرة عندي موعد مع  الدكاترة.

روان :
– عارفة، قولتيلي قبل كده.

الصمت وقع ثواني، وبعدين سارة قالتها بنبرة بتتهز :

– روان… أنا خايفة. خايفة جدًا. حاسّة إن فيه حاجة... حاجة مش تمام.

صوتها اتشرخ قبل آخر كلمة، كأنها كانت ماسكة الدموع بكل قوتها وفلتت.

روان سكتت نص ثانية.. وبعدين صوتها اتغيّر، بقى قوي وحقيقي :

 أقعدي مكانك. بسرح شعري ونازلة.

سارة :
 لا لا… إنتِ عندك شغل.

روان :
 شغلي؟! يا سارة إنتِ أغلى من أي شغل.

سارة نزلت دمعة، مش دمعة خوف، دمعة لما حد يشيل عنك شوية :
روان… أنا مش قادرة أقول لياسر كل اللي حاسة بيه. مش عايزة أخوّف حد، بس جسمي.. مش جسمي. والليل.. بيبقى أطول من اللازم.

روان اتنهدت بخوف محبة :
 إنتِ مش لوحدك. أنا جاية دلوقتي. إلبسي حاجة دافية وافتحي الشباك تهوي، واستنيني.

سارة مع شهقة صغيرة :
 بحبك يا روان.

ردت عليها :
 وأنا أكثر  وعايزة أشوفك دلوقتي حالًا قبل ما دماغك تجيب وحش.

المكالمة قفلت. سارة قعدت على الكرسي، مسحت دموعها بطرف طرحِتها وقالت لنفسها بصوت واطي يهز القلب :
 يا رب.. لطفك.

بعد ما قفلت سارة المكالمة، قعدت ثواني صامتة تحاول تلم نفسها زي حد بيجمع قطع زجاج وقع فجأة.
لكن فجأة،وجع حاد، قوي، زي نبضة كهربا ضربت في عضلة كتفها وامتدت للصدر.
سارة اتخضّت، حطت إيدها بسرعة على صدرها وبطنها، واتنفّست بعمق لكن النفس كان بيقطع :
 يا رب…

عينها دمعت من الألم ومن الخوف اللي جه مرة واحدة، مش لأن الوجع كسرها، لكن لأنها حسّت إنها مش ماسكة زمام جسمها زي زمان.

اللحظة اللي العقل يبطل يطبطب على القلب ويبدأ يسأله :
"هو إحنا لسه بخير؟"

وقبل ما الأفكار تسوّد، رنّ الجرس.
سارة مسحت دموعها بسرعة، قامت ببطء تتسند على  الحيطة، وفتحت الباب.

روان كانت واقفة… وشّها من غير ميكاب، لبس بسيط، لكن نظرتها كلها قلق صريح.
أول ما عينها شافت ملامح سارة،
من غير أي كلمة... حضنتها.
حضن طويل، مش حضن عزاء، حضن ستر :
 أنا هنا، أنا هنا، ما تخافيش.
همستها روان وهي ماسكة ظهرها كأنها تمنع الدنيا تقع عليها.

سارة حاولت تمسك نفسها، لكن صوتها خرج مكسور زي طفل اتوجع فجأة :
 أنا مش ضعيفة… بس تعبت. حاسّة فيه حاجة، وبتخنق لوحدي.

روان مسكت وشها بين إيديها، مسحت دمعة نزلت من تحت عينها :
 إوعى تعيدي كلمة "لوحدي" تاني.
إحنا هنا، فاهمة؟ وإنتِ مش محمولة على رجلك، إنتِ محمولة في قلوبنا.

سارة نزلت عينيها وخدت نفس تقيل، والقلب بينبض بين الخوف والدعاء :
 أنا خايفة على ياسر وملك أكثر ما أنا خايفة على نفسي.

روان قربت راسها على راسها، وقالت بصوت واطي مطمّن :
 اللي يحبّك ربنا ما يضيعوش. والقلوب اللي فيها خير ربنا بيسترها مهما اتأخرت الراحة.

سكتت لحظة، وبعدين قالتها بصدق نظيف :
 واللي جاي مش خوف. اللي جاي رحمة. يمكن صعبة في الأول، بس رحمة.

سارة قالت بصوت صغير جدًا :
 قوليلي إن ربنا شايفني.

روان حضنتها تاني :
 ربنا شايفك… وبيجهّزلك لطف أكبر من اللي تتخيليه. إهدي واتسندي عليا، مش لازم تكوني قوية كل ثانية.

سارة اتنفست ببطء، وبعدين قالت، كأن سر صغير خرج من قلبها :
 أنا بس عايزة أقوم يوم وأصحى عادية، مش بطلة. عايزة أعيش من غير ما أكون في حرب كل لحظة.

روان ابتسمت :
 وده هيحصل يوم وهيرجع كل ده. بس دلوقتي؟ سيبي معركتك لربنا شوية. خليكِ في حضنه وهو يكمل.

سارة أغمضت عينيها، واللحظة كانت بين ضعف وشجاعة، وبين خوف وإيمان. وما بين الاتنين.. كانت بتتخلق قوة جديدة، هادية، ناضجة، قوة اللي بيستسلم لربنا مش للسكين.

روان مسحت دموعها ودموع سارة مع بعض :
 يلا نصلّي ركعتين ونشرب شاي. الوجع لما يدخل على بيت فيه ذكر بيصغر.

سارة هزّت راسها بابتسامة ضعيفة :
 حاضر… بس… أقعدي جنبي ما تبعديش.

روان :
 مش هبعد… ده مكاني دلوقتي.

وهدأ المكان شوية كأن ربنا مرّر نسمة رحمة في الهواء، وقال للقلبين :
"لسه فيه أمان."

تعليقات



<>