رواية وصية حب الفصل الثاني عشر12 والثالث عشر13 بقلم نسرين العجيلي

رواية وصية حب الفصل الثاني عشر12 والثالث عشر13 بقلم نسرين العجيلي
المساء كان تقيل، ريحة الشتا في الهوا والسماء غايمة كأنها مستنية حاجة تزعل. 
في شقة منى، أم روان، كان الجو دافي، البنت الصغيرة “ملك” قاعدة على الأرض بتلوّن، ومنَى قاعدة في المطبخ بتحضّر شوربة خفيفة.
دقّ جرس الباب. منى مسحت إيدها في الفوطة وراحت تفتح. ولما فتحت الباب، إتفاجئت بوشّ قدريّة.
ملامحها مشدودة، وصوتها دايمًا داخل قبلها :
 السلام عليكم.

منى :
 وعليكم السلام يا حاجه قدريّة، خير؟

قدريّة دخلت كأنها صاحبة المكان، وسلوى وراها ماسكة شنطة صغيرة.
سلوى ابتسمت بخجل مصطنع وقالت :
– جينا ناخذ ملك شوية، تغيّر جو.

منى ابتسمت بحذر :
 بس ياسر ما قالش حاجة، وملك لسه بتتعشى. في حاجة حصلت؟

قدريّة نظرت ليها بنظرة فاحصة وقالت بنبرة جافة :
 لا، مفيش غير إن البنت دي بقت بتقضي وقتها كله عند بنتك. وانا مش مرتاحة للموضوع ده.

منى رفعت حاجبها بدهشة :
 بنتي؟ تقصدي روان؟

قدرية :
– أيوه، بنتك. بنتك بقت لازقة في إبني لزقة مش مريحة. كل شوية مستشفى، وكل شوية مكالمات، وأنا ستّ فاهمة الدنيا كويس. إبني متجوز، مش ناقصاه واحدة تانية تقعد له على الباب.

منى اتسعت عينيها من الكلام وقالت بحزم :
 حاجه قدريّة، لو بتتكلمي عن روان، فهي وقفت جنب سارة في مرضها وقفة شرف. وكل الناس شايفة كده. روان سايبة شغلها علشان صاحبتها، مش علشان جوزها.

قدريّة زفرت بقوة وقالت بنبرة مليانة استعلاء :
 أنا ستّ كبيرة، مش محتاجة حد يشرحلي نوايا البنات. الطريق اللي بيبدأ بالحنية بينتهي بالخراب. خلي بنتك تبعد عن إبني يا منى، ولا هاضطر أتصرف بطريقتي.

منى صرخت لأول مرة :
 بطريقتك؟! إنتِ بتتكلمي عن إنسانة واقفة بتخدم سارة وهي في المستشفى، حرام عليكِ الكلمة دي.

سلوى حاولت تهدي الموقف :
 خالتي قصدها خير بس، ما تاخديش الكلام كده.

منى رفعت راسها وقالت بصرامة :
 لا يا حبيبتي، أنا فاهمة كويس، بس قولي لخالتك إن الناس اللي بتخاف من الحرام ما بتمسكش في الناس الطيبة بالشبهات.

قدريّة رفعت شنطتها وقالت ببرود :
 خلاص، ما تعصبيش نفسك، إحنا جايين ناخد البت ونمشي. ملك.. يلا يا حبيبتي معايا شوية عند تيتا.

ملك بصت لجدتها بخوف، بعدين بصت لمنى اللي حاولت تطمّنها :
 روحي يا حبيبتي شوية وارجعي بكرة. مافيش حاجة.

قدريّة مسكت إيد ملك ومشيت وسلوى وراها، وسكوت منى كان بيقول ألف كلمة وجواها نار مش قادرة تطفيها.

الليل في بيت ياسر.....
الأنوار خافتة، والصالة فيها برودة غريبة. ملك قاعدة على الكرسي، عينها لتحت. قدريّة وسلوى قاعدين جنب بعض، بيشربوا شاي وبيتكلموا بصوت واطي.

قدريّة وهي تهز الكوباية :
 والله يا سلوى، البنت شكلها خلاص. المرض بيخلص منها حتة حتة. أنا شفتها النهارده في المستشفى، وشّها أصفر، عظمها باين، شكلها بقت شبه الزومبي.

سلوى حركت راسها بتوتر :
 فعلاً يا خالتي، لما شُفتها خفت منها. حسيت إنها خلاص مش فاضل فيها روح.

قدريّة زفرت وقالت وهي بتبصّ في الفراغ :
 كل واحد بياخد نصيبه، بس أنا مش هسيب إبني يضيع بعد ما تموت مراته. لازم يبقى ليه بيت وستّ ترعاه هو والبنت.

سلوى سألت بخجل مصطنع :
 تقصدي إيه يا خالتي؟

قدريّة حركت راسها وقالت بنبرة فيها برود :
 أقصد لما سارة تموت، ياسر لازم يتجوز، وإنتِ أنسب واحدة. إنتِ من البيت، عارفة طبعه، والبت هتحبك بسرعة.

سلوى فتحت عينيها بدهشة :
 خالتي! بتتكلمي كأننا مستنيين خبر موتها.

قدريّة بابتسامة متجمدة :
 إحنا لا بنستنى ولا بنتمنّى، بس ربنا له حكمته. إستني شوية يا بنتي، إتكي على الصبر، وبعدين كل حاجة هتتظبط. ساعتها هتبقي زوجة محترمة، وياسر هيشكرك بدل ما يلومك.

سلوى ضحكت بخفوت وقالت :
 الله يسامحك يا خالتي، كلامك يخوّف.

قدريّة بهدوء بارد :
 الخوف ما بيغيرش القدَر. اللي مكتوب هيحصل، والليلة دي شكلها مش هتطول.

وما كانتش تعرف إن “ملك” سامعة كل كلمة. واقفة ورا الباب، إيديها بتترعش، وفي عينيها دمعتين كبار بيجروا على خدّها.

سمعت صوت جدتها بيقول :
 لما تموت أمك، كل حاجة هتتظبط.

الجملة خبطت في قلبها زي رصاصة. جريت على أوضتها، قفلت الباب ورمت نفسها على السرير، وبكت وهي بتقول بين شهقاتها الصغيرة :
“ماما مش هتموت.. ماما وعدتني إنها هترجعلي.”
وصوت الساعة برّا كان بيكمّل العدّ،
كأنه بيحسب كم دقّة فاضلة لحد ما القدَر ينطق.

ليل المستشفى كان تقيل، الهواء ساكن والوقت ما بيتحركش، وسارة 
نايمة على السرير كأنها بتصارع الحلم والواقع في نفس اللحظة. الجهاز بيصدر نغمة هادية "بيب… بيب" كأنه بيتنفّس مكانها.

روان قاعدة على الكرسي جنب السرير، وشّها شاحب من السهر، بس عينها مش بتسيب سارة لحظة.

الموبايل رنّ، إسم “ماما منى” ظهر على الشاشة.

روان مسحت وشها بسرعة وردّت :
 ألو يا ماما؟

صوت منى كان عالي ومتشنّج :
 إنتِ فين يا روان؟ هو إنتِ ناوية تفضلي في المستشفى كده كل يوم؟

روان :
– ماما، أنا مع سارة، حالتها مش مستقرة.

منى قالت بعصبية واضحة :
 طيب إسمعيني، قدريّة جتلي النهارده بنفسها، وقعدت تقولّي كلام يرفع الضغط.

روان اتجمدت في مكانها :
 قدريّة؟ راحتلك ليه؟ قالت إيه؟

منى بصوت غاضب :
 قالتلي بالحرف: "قولي لبنتك تبعد عن إبني" أنا مش ناقصة مشاكل ولا كلام الناس.

الكلمة وقعت على روان زي حجر. سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة متكسّرة :
 قالت كده فعلاً؟

منى :
 أيوه، وبالطريقة دي بالظبط، كأنك بتعملي حاجة عيب، ولا كأنك واقفة جنب واحدة بتموت. أنا سكتلها عشان ما أعملش خناقة في نص العمارة، بس والله يا بنتي دمي اتحرق. 

روان حطت إيدها على جبينها، صوتها هادي بس فيه وجع :
 ماما، سيبيها، هي ست كبيرة ومتوترة. أنا مش هردّ عليها، ومش هبعد عن سارة. 
منى بصوت عالي مليان خوف أكثر من الغضب :
 يا بنتي الناس ما بتشوفش نيتك، بتشوف الشكل. هو فيه عقل حيقول إن مطلّقة تقعد ليل نهار مع راجل متجوز في مستشفى؟ الناس هتتكلم يا روان، وحتى لو اللي بتعمليه خير، مش هيفهموه كده.

روان حاولت تهديها :
 يا ماما، أنا مش واقفة هنا علشان ياسر، أنا واقفة علشان سارة، الست دي أختي. ولو مشيت دلوقتي، عمري ما هسامح نفسي.

منى اتنهدت بقهر وقالت :
 إنتِ مش فاهمة يا بنتي، الدنيا مش رحيمة، والكلمة بتكسر سمعة في ثانية. إرجعي بيتك دلوقتي وخليهم يتصرفوا.

روان سكتت شوية وبعدين قالت بهدوء حزين :
 ماما، ربنا اللي بيستر، مش الناس. وإنتِ عارفاني عمري ما كنت باهرب من الحق. خليكِ مطمنة، أنا بخير.

منى قالت بانفعال آخر لحظة قبل ما تقفل :
 طيب، أنا قلت اللي عندي، وإنتِ حرة، بس خليك فاكرة كلامي.

المكالمة خلصت. روان فضلت ماسكة التليفون بإيد بترتعش، وعينيها لمعت بدموع مكسوفة.

لما رفعت راسها، لقت ياسر واقف على باب الغرفة. وشه تعبان، ونظرته مليانة قلق حقيقي :
 روان… في إيه؟
صوته واطي، لكن كأنه جاي من جوّا القلب.

روان :
 مافيش، كنت باكلم ماما بس.

ياسر :
 واضح إن المكالمة وجعتك. حصل حاجة تخص أمي؟

روان بصّت للأرض وقالت :
 ممكن ننزل الكافيتيريا؟ محتاجة أتكلم معاك شوية.

في الكافيتيريا....
الجو هادي، الضوء خافت وريحة القهوة مالية المكان. قعدوا قصاد بعض، وسكوت طويل سبق الكلام.

روان بدأت بهدوء صادق :
 قدريّة راحت لماما النهارده. قالتلها بالحرف “قولي لبنتك تبعد عن إبني”. كأن وجودي هنا غلط، كأن وقوفي جنب سارة جريمة.

ياسر شدّ نفسه، حط إيده على وشه وقال بنبرة فيها وجع وغضب :
 لا حول ولا قوة إلا بالله.. حتى بعد كل اللي شايفاه، لسه في قلبها قسوة.

روان بسرعة :
 ما تزعلش منها يا ياسر، هي مش شريرة، بس متوترة، خايفة عليك، وخايفة من كلام الناس.

ياسر رفع عينه ليها :
 وأنا خلاص، تعبت من الخوف ده. كل اللي بحاول أعمله إني أحمي سارة، لكن واضح إن حتى الخير بيتحسب علينا غلط.

روان قالت بهدوء :
 الناس مش هتسكت، يا ياسر. بس إحنا لازم نكون أكبر من كلامهم. أنا هنا عشان سارة، مش محتاجة تبرير من حد، ولا أنت لازم تبرر وجودك.

سكت شوية.. بعدين قال بصوت واطي ومليان تقدير :
 والله يا روان، وجودك هنا رزق. وسارة نفسها لو قامت، هتشكر ربنا عليكِ.

روان إبتسمت إبتسامة صغيرة حزينة :
 هي أهم من الكلام والناس كلها. أنا باخد قوتي منها، وبخاف عليها أكثر من نفسي.

ياسر نظر ليها نظرة امتنان خالص :
 إنتِ أختنا التانية يا روان. وصدقيني، محدش هيقدر يحرّف الصورة دي، لا أمي ولا الناس.

سكتوا، وسكون المكان كان أحنّ من الكلام. في اللحظة دي، الاثنين حسّوا إنهم على نفس الصف، مش ضد القدَر، لكن ضده بطريقتهم.
رجعوا بعدها الغرفة سوا، على ضوء خافت وريحة مطهر، وسكون لسه بيحمل وعد صغير جوّاه :
"مهما اتكلموا… الحق عمره ما يتهز."

ولما رجعوا الغرفة، كان الليل واقف على أطرافه كأنه بيحاول يسمع نبضهم. سارة نايمة في سكونها، وياسر قاعد على الكرسي جنبها، وروّان على الناحية التانية، تسند رأسها على الحيطة وتصلي بصمت.

ولا حد فيهم قال كلمة… بس القلوب كانت بتتكلم لوحدها. كل قلب فيهم بيدعي، بطريقته :
ياسر بيدعي إنها تفضل..
وروّان بتدعي إنها ما تتألمش..
والليل كله بيدعي إن الرحمة تسبق الوجع.

وفي وسط التعب، كان في حاجة صغيرة بتنور بينهم زي خيط نور خافت بيقول :
“لسه الخير موجود، مادام في قلوب صادقة بتخاف على بعض.”

لكن في زاوية الغرفة، النوت بوك اللي تحت وسادة سارة كان مفتوح على آخر صفحة...
وكأن القدَر نفسه كان بيقرأ وصيّة قبل ما يكمّل الحكاية."

الفصل الثالث عشر13 

ملك 

مش مصدقه اللي سمعته وحطت ايديها على وذنها و رجعت تفتكر المشهد كان ازاي 

فلاش باك 
الليل نازل تقيل في بيت ياسر، الساعة عدّت عشرة، وكل حاجة في البيت ساكتة إلا وشوش النسوان في الصالة.
قدريّة قاعدة على الكنبة، ولابسة روبها الغامق، شعرها مرفوع، ووشها متهجم كأنها بتحسب الأيام على صوابعها. جنبها سلوى، ماسكة كباية شاي بإيدين مش ثابتين، نص خوف ونص فضول. قدريّة بصوت منخفض لكن حادّ :
 البت دي خلاص، مش باقية فيها روح. النهارده لما شُفتها في المستشفى خُفت منها، وشّها أصفَر وعينيها غايبة، شكلها مش هتعدّي الأسبوع ده.

سلوى حركت الكوباية بتوتر :
 يا خالتي، متقوليهاش كده، يمكن ربنا يشفيها.

قدريّة زفرت وقالت :
 الشفا بإيد ربنا طبعًا، بس أنا مش هسيب إبني يضيع لو حصل اللي في بالي. ياسر لسه صغير، محتاج سِت تشيله وتربي له بنته، وسارة كانت نعمة، بس خلاص نصيبها بيخلص.

سلوى بصت لها بخضة :
 يعني…

قدريّة قاطعتها بنظرة حادة :
 أيوه يا بنتي، قصدي واضح، إنتِ اللي هتشيليه بعديها.  يا بنتي، أنا مش بهزر.، إنتِ من البيت، عارفة طبعه، وأنا واثقة إنك هتكوني ليه ستر بعد الوجع اللي عايش فيه.

سلوى قالت بصوت متردد :
 خالتي، الناس مش هتسيبنا في حالنا، هيقولوا اتجوزها وهو لسه ما دفنش مراته. 

قدريّة رفعت حاجبها وقالت بهدوء يخوف :
 الناس بتتكلم يومين وتنسى، لكن البيت اللي مالوش سِت، بيت ميت.
إستني شوية، وخلّي الأمور تمشي لوحدها. كل حاجة في وقتها.

سلوى حطت الكوباية على الترابيزة،
لكن قلبها بيخبط، مش عارفة هي فرحانة بالكلام ولا مرعوبة منه.

قدريّة كملت وهي بتبحلق في الفراغ :
 خلاص، الأيام بينا. أنا حاسة إنها مش هتقوم من التعب ده، بس لو حصل، عايزاكِ تكوني جاهزة. ملك محتاجة حضن، وياسر محتاج حياة.

وسكتت لحظة، وقالت ببرود صادم :
 إتكي على الصبر شوية، وبعدين كل حاجة هتتظبط.

ما كانتش تعرف…
إن “ملك” واقفة ورا باب الصالة، رجليها حافية، شعرها سايب على كتفها، وعينيها مليانة دهشة وخوف أكبر من سنها. كانت جاية تاخذ ماية،
بس الكلام ثبتها مكانها زي المسمار :

“تموت؟ تتجوز؟”

كلمات كبيرة مش عارفة تفهمها كلها، بس عرفت حاجة واحدة.. إنهم بيتكلموا عن مامتها.

قدريّة كملت كلامها وهي مش دريانة بوجودها :
 ربنا يطوّل عمرها على خير، بس شكلي حاسة إن الليالي دي آخرها.

ملك غطّت بُقها بإيدها الصغيرة،
وبدأت دموعها تنزل ببطء، تراجعت خطوتين لورا، قلبها بيخبط بسرعة، وركضت على أوضتها.

قفلت الباب، قعدت على السرير، مسكت لعبتها المفضلة وحضنتها جامد وهي تهمس بصوت مبحوح :
  ماما مش هتموت.. ماما قالتلي هترجعلي. ماما عمرها ما بتكذب عليا.

وبرا، كانت قدريّة بتكمل كلامها كأنها بتعلن حكم القدَر :
 خلاص، أنا حطيت في دماغي. اللي مكتوب هيحصل، وساعتها كل واحد هياخد مكانه اللي المفروض يكون فيه.

سلوى قالت بصوت خافت :
 يا خالتي، كلامك بيخوّفني. 

قدريّة ردّت وهي تمسك فنجانها وتبص فيه كأنه مستقبلها :
 ماتخافيش، اللي بيخاف ما بياخذش حقه في الدنيا.

وفي اللحظة دي، كانت ملك بتحاول توقف دموعها الصغيرة، بس الحزن كان أكبر من قلبها. هي لسه طفلة، بس الليلة دي كِبرت… كِبرت قبل أوانها.
اند فلاش باك 
الساعة في الصالة كانت بتدقّ، وصوتها بيمشي في البيت زي عدّ تنازلي.. عدّ مش للأيام، لكن للقدر اللي قرب.
الليل كان لسه تقيل فوق البيت، ولما الباب اتفتح، دخل ياسر وروان بخطوات مرهقة، وشكلهم بيقول إنهم شايلين همّ الدنيا معاهم.
قدريّة كانت قاعدة في الصالة، وأول ما شافتهم، قامت واقفة بعصبية واضحة :
 هو في إيه يا ياسر؟ إنت ناوي تفضل سايب مراتك هناك لوحدها؟ ولا ناوي تقلب الدنيا علينا؟

ياسر بصّ لها بهدوء متعب :
 ماما، سارة محتاجة رعاية، وأنا مش هسيبها.

قدريّة رفعت صوتها أكتر، إيديها بتتحرك وهي بتزعق :
 رعاية؟! والناس تقول إيه؟ إبني كل يوم في المستشفى مع مطلقة؟ روان بنت ناس، بس برضه مطلقة يا ابني، ولازم تحافظ على سمعتها قبل سمعتكم كلّكم.

روان وقفت مكانها، وشّها احمرّ من الإحراج، لكن صوتها خرج ثابت رغم كل حاجة :
 طنط، أنا مش محتاجة حد يدافع عني. أنا هناك علشان سارة مش أكتر، وأنا لو كنت بخاف من كلام الناس، ما كنتش فضلت معاها لحظة.

قدريّة هزّت راسها باستهجان :
 الدنيا ما بترحمش يا بنتي، والنية لو بيضا، العين مش كده. إنتِ فاكرة الناس هتقول بتخدم صاحبتها؟ هيقولوا بتدور على جوز صاحبتها.

ياسر بصّ لها بنظرة وجع وغضب في نفس الوقت :
 ماما! كفاية الكلام ده، روان أخت سارة قبل ما تكون أي حد تاني. اللي بتقوليه ده عيب.

قدريّة زفرت، رجعت تقعد، بس عينيها لسة بتولع شرار :
 أنا قلت اللي عندي، واللي يسمع يسمع.

في اللحظة دي، خرج صوت خافت من آخر الممر، صوت بكاء مكبوت.

ياسر إلتفت بسرعة :
– الصوت ده منين؟

جري ناحيه أوضة ملك، فتح الباب بهدوء، ولقى بنته قاعدة على السرير وشّها غرقان في الدموع، وعينيها مفزوعة.

ركع قدامها بسرعة، مدّ إيده على خدّها :
 مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟

ملك بصوت متقطع :
 بابا… ماما هتموت؟

قالت الجملة وهي بتنهج من البكاء.

ياسر إتجمد في مكانه، عينيه لمعت، حاول يضحك رغم الوجع :
– مين قال كده؟ ماما هتخفّ إن شاء الله.

ملك بصت له بعينين كلها وجع وطفولة مكسورة :
 لأ.. أنا سمعت تيتا قالت إن ماما خلاص، وإنك هتتجوز دي.

وأشارت بإيدها الصغيرة ناحية سلوى اللي كانت واقفة عند الباب مذهولة.

الغرفة سكتت فجأة. الهواء نفسه اتقطع.

روان بسرعة راحت تقعد جنب ملك، حضنتها بقوة وهي تقول بحنان :
 لا يا حبيبتي، ماحدش قال كده، مامتك بخير، وهترجعلك قريب.

ملك كانت بتنهج، دموعها بتنزل ووشها أحمر من الخوف :
 مش عايزة ماما تموت، مش عايزة حد مكانها.

ياسر دموعه نزلت غصب عنه، ضمّ بنته بين ذراعيه وقال بصوت مبحوح :
 مافيش حد هايجي مكانها يا ملك، مافيش حد في الدنيا ياخد مكان مامتك.

قدريّة وقفت في الباب، وشّها إتغيّر لما شافت حفيدتها بتبكي، بس لسانها ما عرفش يقول غير كلمة واحدة بصوت خافت :
 أستغفر الله العظيم.

أما سلوى، فكانت واقفة ساكتة، وشها شاحب، حسّت فجأة إن كل الكلام اللي قالته خالتها كان نار، وهي أول اللي اتحرق بيه.

روان بصّت لياسر، وفي عينيها دموع غيظ ووجع على ملك وسارة في نفس الوقت.

هو بصّ لها، نظرة راجل إتحمّل كتير، بس المرة دي.. إنكسر من جوّا.

ضمّ بنته أكتر، وقال بصوت مهزوز :
  مافيش بيت بيقوم على وجع، ومافيش حب بيتبني فوق موت.

وسكت الكل.....
الصمت في البيت كان أعلى من أي صرخة.
ملك غفلت في حضنه من كتر البكاء، وياسر بصّ لروان وهمس :
 أنا لازم أرجع لسارة، الليلة دي شكلها طويلة.

روان هزّت راسها، وصوتها خرج متقطع :
 وأنا معاك.. لحد آخرها.

والليل لف البيت بصمته، بس في قلب كل واحد فيهم، كان فيه وجع مختلف…
وجع بنت صغيرة سمعت اللي ماينفعش تسمعه..
ووجع راجل بيحاول يلمّ شتات بيته..
ووجع ستّ، ساكتة…
عارفة إن الكلام ده كله مش هيعدّي من غير جرح.

الصمت في الأوضة كان تقيل، كأن كل نفس بيتحسب. ملك نايمة في حضن أبوها، دموعها لسه سايبة أثرها على خدّها، وسلوى واقفة في الركن زي اللي اتسمر مكانه، وقدريّة عينيها بتزوغ شمال ويمين، مش قادرة تواجه نظرة إبنها.

ياسر رفع وشه وعينيه محمّرين من الدموع اللي كبسها ساعات. بصّ لأمه وبصوت متكتم لكنه راعد من جوّا قالها :
 إنتِ قُلتِ لها إيه؟ ها؟ قُلتِ إيه للبنت الصغيرة دي يا ماما؟

قدريّة اتلخبطت :
 أنا؟! ما قُلتش حاجة يا ابني غير إني بخاف عليكم. 

ياسر :
 بتخافي علينا؟! هو الخوف يخليكِ تقولي إن مراتي هتموت؟ وإن بنت أختك هتبقى مراتي بعدها؟ ده خوف يا ماما ولا قسوة؟!

قدريّة ارتبكت وقالت بنبرة دفاع :
 يا ابني أنا ما قصدتش، دي كلمة واتقالت في ساعة غضب

ياسر صرخ، صوته اتكسر أول مرة قدامها :
 كلمة؟! كلمة وجعت بنتي الصغيرة يا ماما، كلمة كسرت قلبها وهي لسه مش عارفة يعني إيه موت ولا جواز. إزاي تقولي كده عن سارة وهي لسه بتحارب؟!

عينيه كانت بتلمع غضب ودموع مع بعض :
 سارة مش بتموت، سارة بتتعب. بس هترجع بيتها، هتقوم وهتقعد في المكان اللي هي بانتُه بعرقها وحبها.

سلوى حاولت تتكلم بخوف :
 ياسر، بالله عليك، أنا ما قلتش حاجة.

بصّ لها بحدة ووجع :
 سكوتك جريمة زي كلامك. كنتِ قاعدة وسامعة، ليه ما وقفتيهاش؟ هو الكلام على موت إنسانة بقى عادي كده؟

قدريّة قالت وهي بتدمع :
 أنا أمّك يا ياسر، بتكلّمني كده؟

هو لفّ وشه عنها لحظة وقال بصوت بيتهزّ :
 أيوه، إنتِ أمي.. بس المرّة دي، وجعتيني أكتر من أي حد في الدنيا. وجعتيني وأنا بحاول أكون قوي علشان سارة وملك، وجيتوا عليّا بدل ما تسندوني.

قرب خطوة منها، وصوته نزل بنبرة راجل مكسور لكن واضح :
 أنا مش طفل يا ماما، ولا راجل هيتجوز على جثة مراته. أنا راجل بيحب مراته وبيخاف عليها، ومش هيبدّلها بأي ستّ في الكون.

قدريّة نزلت دمعتها، وسلوى كانت بتبص في الأرض، وشها كله خجل وانسحاب.

ياسر مسك نفسه بالعافية، إيده على راسه، صوته بيترعش بين وجع وغضب :
 أنا مش طالب منكم حاجة، بس لو بتحبوني، سيبوني أحبها على راحتي واعيش معاها بالشكل اللي يرضي ربنا، مش الناس.

ورجع يمدّ إيده يمسح دموع ملك، صوته ناعم جدًا وهو بيقول :
 مافيش حاجة هتفرقنا يا حبيبتي، مافيش حد مكان ماما، ولا هي هتسيبنا لوحدنا.

ملك فتحت عينيها بصعوبة، حضنت وشه بإيديها الصغيرة وقالت وهي بتتهته :
 ماتخليش حد يبعدها عننّا يا بابا.
نسرين بلعجيلي 
ياسر :
– مستحيل.

قام من مكانه، بصّ لروان اللي كانت واقفة عند الباب، عينيها دموعها واقفة فيها بس ماسكة نفسها.

روان بصوت هادي، مليان خوف عليه :
 ياسر.. تعال معايا شوية، تعالى نخرج من هنا.

بصّ حواليه، وشه مجهد، عرقان، نفسه متقطع، ومشي وراها.
خرجوا للصالة، الأنوار خافتة، والجو ساكت إلا من أنفاسه التقيلة. روان قربت منه وقالت بحنية نادرة :
 كفاية يا ياسر.. إنت اتكسرت النهارده.

ياسر :
 أنا مش قادر أصدق اللي بيحصل يا روان، مش قادر أستوعب إن أمي اللي علمتني الرحمة هي اللي بتزرع الخوف في بنتي.

روان بصوت حزين :
 يمكن لأنها خايفة تخسرك. بس الغلط غلط، وانت عملت الصح لما دافعت عن سارة.

مسك راسه بإيديه وقال بصوت مبحوح :
 أنا حاسس إني باخسر الكل، أمي… بنتي… ومراتي بتضيع من بين إيديا.

روان حطت إيدها على دراعه،
صوتها شبه الهمس :
 ماحدش هيضيع طول ما انت واقف كده. الليلة دي صعبة، بس بعدها ربنا هيكتب لطفه.

 رفع عينه ليها، والدموع بتلمع فيها بنور الأباجورة، وقال بنبرة راجل وصل آخر طاقته :
 أنا مش عايز لطف، أنا عايزها بس تعيش.

روان اتنفسّت ببطء، وشايفاه بيتهزّ قدامها بين الحب والخوف والانكسار. ومافيش في اللحظة دي غير الدعاء اللي طالع من القلبين بصمت :
 “يا رب… إحفظها. واحفظه علشانها.”

والليل لفّهم بلحظة وجع صافية، لا فيها كبرياء، ولا رجولة، ولا ملامة. بس فيها إنسان بيتحطم علشان الحب.

تعليقات



<>