
الليل كان تقيل.. تقيل لدرجة إن كل حاجة في المستشفى كانت بطيئة، حتى عقارب الساعة.
روان قاعدة على مقعد قصاد باب غرفة سارة، إيديها معقودة في بعض والقلق عامل زي إيد بتخنق صدرها.
ياسر واقف جنب الشباك، مش قادر يقعد، مش قادر يهدى. كل شوية يرفع عينه على الجهاز جوه الغرفة كأنه مستني معجزة.
وفجأة…
الجهاز عمل صوت مختلف، مش “بيب… بيب” العادي. كان في رفعة، نبرة أعلى، كأن حد بيحاول يرجّع نَفَس قديم.
الممرضة جريت :
– استنّوا برة لحظة.
روان مسكت إيد ياسر من غير ما تقصد، هو حسّ بنفسه اتشدّ ناحيتها.
والباب اتقفل.
دقايق… نصف دقيقة… ثواني تقيلة… وبعدين الممرضة فتحت الباب، عينيها واسعة :
– هي فاقت، بس بوعي ضعيف. حد منكم يدخل حالًا.
ياسر مشي جوه الغرفة رجليه بتترعش، كأن كل خطوة بترجّع سنين لورا.
سارة كانت فاتحة عينيها، نصّهم، بس مفتوحة. مش سارة اللي كانت بتضحك، ولا اللي بتحضن، ولا اللي عندها مليون كلمة. كانت سارة الضعيفة، بس واعية.
وعينيها، أول ما شافت ياسر، نزلت دمعة واحدة.
قرب، مسك إيدها وقال بصوت مكسور :
– يا سارة، يا حبيبتي أنا هنا.
سارة بحروف متقطعة ونَفَس ضعيف جدًا :
– يا… يا… سر…
عينه دمعت، حطّ جبينه على إيدها :
– الحمد لله، الحمد لله.
سارة حاولت تحرك شفايفها :
– ملك… فين…؟
روان اللي كانت واقفة على الباب قربت شوية.
ياسر قال بصوت واطي :
– ملك في البيت، هجيبها بكرة. إنتِ لسه تعبانة.
سارة هزّت راسها “لأ” بصعوبة :
– عايزاها... دلوقتي.
الممرضة قالت :
– ممكن تشوفوها دقيقة مش أكتر.
بس بسرعة.
ياسر خرج يجري ورجع بعد نص ساعة شايل ملك نايمة على كتفه. دخل بيها وقربها من سارة. سارة مدّت إيدها الضعيفة ولمست خد بنتها.
ملك صحيت من اللمسة :
– ماما…؟ إنتِ صحّيتي؟!
سارة دمعت :
– حبيبتي… بابا… و… روان…
هيفضلوا معاكِ… على طول.
نسرين بلعجيلي
ملك حضنتها، وسارة اتألمت بس ما قالتش حاجة.
ياسر قاعد جنبها وروان واقفة الناحية التانية، مش لاقية نفسها.
سارة لفت عينها ناحية روان، نظرة واضحة، نظرة ستّ فاهمة كل اللي حصل، نظرة موافقة.
سارة مدّت إيدها لروان، روان قربت ومسكتها بحرص.
سارة قالت بصعوبة :
– روان… أمانة… خلي بالك… من بنتي.
دمعة نزلت من روان غصب عنها :
– حاضر، والله حاضر.
سارة بصّت لياسر :
– خلّي… بالك… من… من بعض.
ياسر اتجمّد، روان اتصدمت. النظرة كانت "عارفة"… "مسامحة"… "مبارِكة".
وبعدين قالت أهم كلمة :
– ده… قدر… مش خيانة.
روان غطّت بقها بإيدها تبكي، وياسر دموعه نزلت من غير صوت.
سارة تنفّست بصعوبة، نَفَس إتنين، وبعدين همست :
– ملك… أنا… مش… راجعة.
ملك صرخت :
– لأ!! لا يا ماماااا!!
سارة جمعت آخر قطرة قوة من جسمها وبصت للثلاثة معًا :
– حافضو على وصيّة… حب.
ونزلت دمعة هادية… والجهاز عمل صوت طويل :
"بييييييييييب——"
الممرضة جريت، الدكتور دخل، ياسر وقف مذهول، ملك بتصرخ وروَان ماسكة إيد سارة بتحاول تهزّها، لكن… كان خلاص. كانت النهاية. نهاية هادية، ومختارة، نهاية أم سلّمت بيتها.. وحُبها.. وقدَرها.. ومشِيت.
Nisrine Bellaajili
الغرفة كانت فجأة واسعة، واسعة أوي، لكن ولا نفس بيعلى فيها.
الممرضة بتوقف جهاز التنفس والدكتور قال كلمات محدش سمعها. كل اللي اتسمع، هو صرخة ملك، وانهيار ياسر، وصوت قلب روان وهو بيتقطع.
روان كانت أول واحدة تقع على الأرض، ركبها ما استحملتش الوجع. مسكت طرف السرير وانهارت عليه :
– سارة… قومي… قومي بالله عليك… قومي.
صوتها كان مبحوح، مكسور، ضعيف زي وحدة فقدت ركن من روحها مش صاحبتها بس.
ملك كانت بتخبط في ياسر :
– بابا.. صحّيها، إنت بتعرف تصحيّني، صحّيها بقاااا.
ياسر وقع على الارض، خدّه على طرف السرير، وعينه ما بترمش. إتكلم بصوت ماكانش صوته :
– يا سارة… لا… لا… مش دلوقتي… مش كده… ده مش معادك… ده مش معادك يا سارة… قومي.
إيده كانت ماسكة إيدها اللي بدأت تبرد، وبيحاول يدفيها بنَفَسه كأنه بيحاول يرجّع الروح للجسد.
روان مسكت ملك، قربتها لحضنها. ملك اترفعت عنها وضربت صدرها :
– لاااا… ما تسبينيش، إنتِ السبب، إنتِ السبب.. لو ماكنتيش هنا ماما كانت هترجع.
الصوت ده طعن روان في قلبها. ما حاولتش تدافع. ما حاولتش تهدي، سابت الطعنة تخترق، لأن الطفلة موجوعة ومش عارفة حق ولا كلمة توجع .
روان بصوت مرتعش :
– عندك حق، هاتي كل اللي جواكِ، أنا مش هزعلك.
ملك فضلت تضرب فيها، تشدّ في هدومها وتعيّط بقهر :
– روحي من هنا، رجّعيني لماماااا.
ياسر ما قدرش يستحمل، قام وهو بيترنّح وأخد ملك من حضن روان :
– ملك، تعالي.. تعالي يا روحي أنا هنا، بابا معاكِ.
ملك وقعت على صدره، بتعيط زي النار. وهو قاعد يطبطب عليها، لكن عينه كانت على روان.
روان وقفت، تحس إن رجليها واكلة الأرض، قلبها بينزل، وعينها على سرير سارة اللي خلاص فاضي.
مسكت طرف السرير، وبكت بصوت مكسور :
– أنا ماجيتش آخد مكانها، يا ريت كانت رجعت حتى لو أخدت قلبي معاها.
الدكتور قال بهدوء :
– لازم نخرج من الغرفة، لازم نجهّز الجثمان.
الجملة دي كسرت الدنيا.
ياسر وقف بالعافية وشايل ملك اللي جسمها بيتهز من العياط. روان ماقدرتش تتحرك، فضلت ماسكة طرف ملاية السرير مش قادرة تسيب إيد سارة في خيالها.
الممرضة قربت :
– معلش لازم تطلعي.
روان بصت لها وقالت كلمة مكسورة :
– دقيقة… دقيقة بس.
قربت من سارة وهمست جنب ودنها :
– سامحيني.. سامحيني لو ضايقتِك يوم، سامحيني لو حسّيتِ إني شبعت من مكانك، أنا عمري ما كنت غير واحدة بتحاول تحمي بنتك وتحافظ على بيتك.
متخافيش بنتك في امان معايا
لمست شعرها وقالت بأضعف صوت :
– روحي في سلام، روحي وإنتِ مطمنة، أنا ماقدرتش أرجّعك، بس هحافظ على كل اللي بتحبيه وكل اللي وصّيتِ عليه.
وقفت، وخرجت. رجليها كانت بتخونها، بتتهز، قلبها بينزف، بس دموعها خلصت.
نسرين بلعجيلي
في الممر.....
ياسر كان واقف شايل ملك، ملامحه مش راجل، ملامحه حدّ اتكسر، حدّ اتسحبت روحه من صدره.
روان وقفت قصاده، بينهم متر بس، لكن المسافة كانت زي جبل.
ملك نامت من كتر البكاء، راسها على صدر ياسر وإيده بتربّت عليها تلقائيًا.
روان قالت بصوت ضعيف :
– هي كانت بتحاول، كانت بتحاول ترجّع نفسها عشان تشوفكم.
ياسر رفع عينه لها، ولأول مرة من يوم ما دخلت حياته، كان شايفها بوضوح، شايف إنها موجوعة زيه. شايف إنها ما كانتش عايشة حياة، كانت عايشة حرب. و قالها :
– شكراً.
كلمة بسيطة، بس طالعة من آخر نقطة صدق في قلبه.
روان هزّت راسها :
– ماتشكرنيش، أنا فشلت، ماقدرتش أرجّعها.
– لأ، ما فشلتيش.
قرب خطوة، وجسمه كله بيترعش :
– إنتِ كنتِ سند لملك، وللبيت وليا.
إنزلقت دمعة مفاجئة من عين روان.
هو بصوت خافت :
– ماكنتش أقدر أعدّي ده لوحدي.
روان اتنفست بوجع :
– وأنا كمان، بس ده وجعها هي، مش وجعنا.
قرب خطوة كمان، لكن وقف فجأة. بصّ في الأرض :
– روان، إحنا.. إحنا دخلنا مرحلة جديدة. مرحلة مش مفهومة ومش سهلة، بس لازم.. لازم نعدّيها.
هي قالت بصوت يقطع القلب :
– ياسر، أنا مش عايزة أكون بديلة. ولا عايزة حد يحس إني السبب، ولا عايزة ملك تكرهني، ولا عايزة الناس تقول كلام.
قرب نظره منها، نظرة هادية بس محروقة :
– وإنتِ مش بديلة ولا هتبقي.
رفعت عينها والدموع رجعت :
– طيب إحنا إيه؟
سؤال واحد، بس وقع على صدره زي الحجر :
– مش عارف، مش قادر أقول حاجة غلط، ولا أوعدك بحاجة، ولا أظلمك، ولا أظلم سارة، بس إحنا لازم نكمّل علشان ملك، وعلشان وصيتها، وعلشان إحساس مش قادر أتجاهله.
القلبين اتكسروا.. لكن اتقرّبوا.
لحظة مليانة خوف، ومليانة صدق، ومليانة بداية لشيء أكبر من الخوف نفسه.
عربية الإسعاف..
جهزوا سارة، غطّوا وشّها،وخرجت عربية الموت.
ملك كانت نايمة، ما شافتش، بس روان وقفت ورا الزجاج بتبكي من غير صوت. وياسر وقف جنبها مش عارف يحضنها، ولا يبعد، بس حسّ إن وجودها جنبه الشيء الوحيد اللي مانعه ينهار.
روان قالت :
– هتصعّب عليّا ده، لما ملك تصحى
وتسأل.
ياسر مسح دموعه :
– هنقول سارة ارتاحت.
روان هزّت راسها :
– هتكرهني.
– لأ، مش طول ما أنا واقف.
الصبح ما طلعش، إتسلّل زي يوم مابيحبّش يبان. البيت كان كأنّ الموت قاعد فيه، مش لأن سارة ماتت بس، لأن كل روح جوا البيت اتشقّت من النص.
ملك صحيت عينيها منفخة وشعرها لسه فيه ريحة حضن سارة اللي ماودّعتهاش.
أول كلمة قالتها :
– بابا، هنروح لماما؟
ياسر اتجمّد وروَان وقفت في المطبخ، ماسكة الكوباية بإيد بتترعش.
البنت قربت :
– ماما فين؟
روان ماقدرتش ترد، بصّت لياسر كأنها بتسأله : "قول… ولا أهرب؟"
ياسر قعد على ركبته قدّام ملك، صوته كان مش صوت، كان وجع :
– ماما راحت عند ربنا يا ملك.
ملك اتسمرت، بقت تمثال صغير بيتنفس بصعوبة :
– يعني… مش هترجع؟
– لأ، مش هترجع يا حبيبتي.
ملك صرخت صرخة تخوّف البيت :
– لاااااااااا! إنت بتكذب، إنت دايمًا تقول إنها هترجع، إنت كذاب.. كذاب يا بابا، رجّعهااااا.
فضلت تضرب في صدره وهو سايبها، وكل ضربة بتخبط في قلبه.
روان جريت تشيل البنت من حضنه،
لكن ملك صرخت فيها :
– إبعديييي، إنتِ السبب، لو ماكنتيش هنا ماما كانت هترجع.
الكلمة كانت خنجر، خنجر حقيقي. روان وقفت ساكتة عينيها اتغرقت دموع، بس ما ردّتش.
ياسر صرخ لأول مرة :
– ملك، ما تقوليش كده، روان ماعملتش حاجة، روان ساعدتنا.
ملك رجعت تبكي :
– ماما ماتت.. ماما ماتت ومش هترجع، وإنتم بتسيبوني لوحدي.
وقعت على الأرض زي ورقة شجر اتقطعت من جذورها.
روان قعدت جنبها، قريبة، لكن مش لامساها :
– ملك، أنا هنا يا روحي وهفضل هنا حتى لو زعلتِ، حتى لو ضربتيني، حتى لو كرهتيني، أنا مش هسيبك.
ملك بكت بصوت عالي، بصوت يوجع السما نفسها. وياسر مسح دموعه وقرر وقتها :
– لازم نروح الدفنة سوا.
نسرين بلعجيلي
السماء كانت رمادي كأنها حزينة معاهم. المقابر ماكانتِش زحمة، سارة كانت وحيدة في الدنيا مالهاش حد غيرهم.
حتى عماد مكانش موجود
عربية الإسعاف وصلت، والتابوت نزل. ياسر وقف، مش راجل ولا زوج، كان طفل كبير فقدّ أول حب في حياته. إيده كانت على التابوت مش قادر يشيله، ولا قادر يسيبه.
ملك كانت حضناه من وسطه بتعيّط وبتقول :
– بابا، قل لها ترجع، قل لها ماتسبنيش، قل لهااا!
ياسر نزل لجنبها وحضنها جامد :
– أنا، أنا مش قادر يا ملك، هي راحت بس مش هتسيبك، ربنا هيحفظك.
روان كانت واقفة بعيد مش متدخلة، مش عايزة تبقى جزء من وداع مش بتاعها، لكن قلبها كان بينزف عليهم هما الاتنين.
بعد الدفن…
الناس بدأت تمشي. فضل ياسر واقف عايز ينزل معاها. ملك ماسكة إيده ورجليها مش ثابتة، وروان بتبص لهم ومش قادرة ترفع رجلها خطوة.
حد من الناس قال بصوت عالي متعمد يسمّع :
– عيب اللي بيحصل، مراته ماتت وصاحبتها عايشة معاه. يا ناس! ده زمن وحش.
ناس تانية بصّت لروان بنظرات كلها شك وغلّ.
وحدة قالت :
– دي اللي كانت معاه في المستشفى؟ أهو كله باين.
التريقة.. الشك.. الكلام السخيف.
روان اتسمرت، عينيها دمعت. سابت راسها لتحت. لكن قبل ما أي كلمة تكمّل، ياسر قرب منها، وقف جنبها، مسك إيد ملك وقال بصوت عالي :
– روان جزء من وصية سارة، ومحدّش ليه كلام علينا، ولا هي هتمشي ولا أنا هسمح لحد يعيّرها.
روان مراتي وساره هي اللي جوزتنا قبل ماتموت الله يرحمها
الناس سكتت، والمقابر نفسها سكتت.
روان بصّت له، مش مصدّقة إنه أعلن كده قدّام الناس. ملك مسكت إيد روان أخيرًا، ولأول مرة من غير رفض، وقالت بصوت صغير مكسور :
– ماما روان ما تسيبينيش.
بعد الدفنه
الشقّة كانت مليانة ستات ريحة بخور، ريحة قهوة مرة وأصوات بكا مكتوم، وأصوات همس عالي.
ملك قاعدة في حضن روان، رأسها مدفونة في كتفها مش بتبصّ لحد. كل شوية شهقة صغيرة بتطلع منها، وتسكت.
روان كانت قاعدة ساكتة، ملامحها هادية بس عيونها بتهرب من الناس.
الستات بقى؟
كانوا قاعدين يقطعوا زي السكاكين.
وحدة قالت وهي تبص ناحيتها :
– دي؟ هي دي اللي كانت قاعدة في بيته؟ مش عارفة تستحي.
والتانية ردّت :
– أصل الزمن اتقلّب، الرجالة بقت تتجوز صاحبات مراتاتهم وهما لسه عايشين.
ضحكات خبيثة.. همسات حقيرة.. وكلام زَيّ السم.
روان سمعت والكلمة جرحتها، بس ما ردّتش.
قدريّة دخلت بصّت على روان من فوق لتحت وبصوت عالي متعمّد :
– الله يرحمك يا سارة، كان قلبك أبيض. لو كنتِ شايفة اللي بيحصل في بيتك ما كنتيش رضيتِ.
سلوى جنبها، قاطعة في الكلام :
– وأنا مالي؟ أنا انظلمت، اترمى بيا عشان الغريبة دي،يستاهلوا بعض.
الكلام كله كان رايح ناحية روان. الستات اتجمّعوا حوالين بعض، عيونهم بتاكلها أكل.
ياسر واقف، وشه بيولّع غضب، لكنه ماسك نفسه علشان العزاء.
ملك بدأت تبكي تاني بصوت عالى :
– ماما روان، انا خايفه ، الناس بتبصّ لي وحش.
روان حضنتها وبصوت خافت :
– ماتخافيش، أنا معاكِ.
اللحظة دي كسرت قلب ياسر، بس قبل ما يفتح بقه، الباب اتفتح فجأة.
الشيخ “عبدالمنعم” إمام المسجد، والشخص اللي كتب الكتاب دخل بخطوة تقيلة وشه فيه غضب واضح.
الناس كلها سكتت.بصّ حواليه ثم بصّ على ياسر، ثم على روان. وقال بصوت عالي وواضح :
– محدش يجيب سيرة الست دي تاني إلا بالخير. اللي ما يعرفش يعرف دلوقتي.
النسوان اتجمّعوا حواليه :
– ليه يا شيخ؟ مش حرام اللي حصل؟
رفع إيده وقال بحزم :
– أنا اللي كتبت كتاب ياسر وروان. وكتبت الكتاب بوصية واضحة من المرحومة سارة.
القعدة كلها اتصدمت.
الشيخ كمل :
– المرحومة سارة قبل ما تدخل الغيبوبه الأخيرة نادتني، وقالت :
“يا شيخ، لو حصلّي حاجة، عايزة بنتي ملك ما تترباش مع حدّ غريب، وتعيش مع واحدة بتحبّها بجد. ووصّيت جوزي إنه يتجوز صاحبتي روان. أمانة، كمل الجواز.”
الستات اتسمروا. سلوى صوتها خرج متقطع :
– يعني… هي اللي قالت يتجوز صاحبتها؟
الشيخ قال بحزم :
– أيوه. أنا شاهد ومعايا العقد، ومعايا وصيتها الصوتية. ولو حدّ هيفتري أو يتكلم بالباطل، يبقى بيفتري على واحدة ميتة، وعلى وصية أم لطفلة يتيمة.
قدريّة اتلخبطت، اتوترت وبصت لياسر :
– الكلام ده… صحيح؟
ياسر رفع راسه :
– أيوه… صحيح.
الشيخ كمل :
– وبعدين، عيب في عزاء تتكلموا على ستّ شايلة بيت مش بيتها وتربي طفلة مش بنتها، وتسهر في المستشفى أكتر من أهلها؟
سلوى بصت للأرض وقدريّة وشها احمرّ من الخجل.
الشيخ قال :
– لو ليكم كلام غير كده خلوه عندكم. دي وصية سارة، وده جواز شرعي، وهما تحت ستر الله. والله ما يرضاش بالغيبة والافتراء.
العبرة مسكت المكان كله. روان دمعت، مش من الحزن، من الإنصاف من أوّل مرة حدّ يشيل عنها كلمة ظُلم قالتها الناس.
ملك رفعت وشّها.ومسحت دمعها بإيدها الصغيرة وقالت بصوت خافت :
– ماما… كانت بتحبّك يا ماما روان.
روان حضنتها وكل اللي في العزاء اتلخبط، لأن الحقيقة إعلنت قدّام الكل.
وسارة… حتى وهي ميتة، كانت لسه بتحمي روان.
العزاء بعد كلام الشيخ إتحوّل. الوشوش اللي كانت بتاكل في لحم روان من شوية اتلمّت، الهمسات اختفت، والكلام البايخ وقف فجأة كأنه اتحشر في زُور الناس.
سلوى بصت في الأرض، قدريّة مسكت طرحتها، مش لاقية تبرير. الستات اللي كانوا بيغيظوا، بقوا ساكتين زَيّ الأطفال اللي اتكشف كذبهم.
الشيخ بص على روان وبصوت هادي :
– ربنا يعينك ويعين البيت ده. اللي بتعمليه مش سهل، واللي شيلتيه مش أي حد يقدر يشيله.
روان نزلت عينيها، مش قادرة تبصّ له من التأثر.
ملك مسكت إيدها بقوة، ومن غير ما حد يلاحظ قربت راسها على كتفها.
أول مرة من موت سارة، تحس بالأمان شوية.
بعد ما الناس بدأت تمشي وقدريّة وسلوى خرجوا من غير ولا كلمة، فضل الجو هادي، هدوء تقيل، بس مش مؤذي زي الأول.
الشيخ قبل ما يمشي، بصّ لياسر :
– يا بني، الوصية مش كلمة، الوصية مسؤولية وربنا اختارك واختارها، فخلي بالك من البيت، وخلي بالك من القلوب اللي جواه.
ياسر هزّ راسه باحترام وصوته منخفض :
– حاضر يا مولانا.
الشيخ مشي. والباب اتقفل.
السكون اللي بعد العاصفة
ملك راحت أوضتها تعيط شويّة، وترسم شويّة، لحد ما نامت. الطفلة اللي كبرت يوم كامل في ساعة.
ياسر وقف في الصالة، مبسوط؟
لأ، مكسور؟ كمان لأ. كان واقف كأنه بيحاول يفهم نفسه ويفهم اللي حصل.
روان كانت في المطبخ بتشيل كوبايات العزاء وبتلمّ المكان لوحدها. مش من واجب، من عادة ومن هروب.
ياسر مشي ناحيتها، قرب خطوة وبعدين وقف، مش عارف يروح ولا يرجع :
– روان.
وقفت، ما لفتّش بس الصوت وضّح إنها سامعة :
– نعم؟
– شكراً على اللي وقفتيه وعلى اللي استحملتيه. والكلام اللي اتقال في العزاء ما تستاهليهش.
روان قالت بصوت هادي، هادئ لدرجة توجع :
– مش مهم. إتعودت الناس تفهم غلط وتتكلم غلط.
ياسر قرب أكتر ورفع صوته شوية :
– لأ، مهم، لأنهم جرحوكِ وأنا واقف،
جرحوكِ وملك بتعيّط، وإنتِ ما قلتيش ولا كلمة.
سكت ثواني.. وبعدين قال جملة خرجت منه من غير حساب :
– وإنتِ ما تستاهليش حدّ يوجعك ولا كلمة تكسر قلبك.
روان اتجمدت، إيديها اللي كانت ماسكة الكوباية وقفت في الهوا، لفّت عليه ببطء وعينيها كانت فيها دمعة، بس دمعة قوية مش ضعيفة :
– أنا.. مش عايزة أكون حمل عليك. ولا عبء في وسط وجعك ولا سبب كلام لحد، أنا هنا بس لو وجودي بيأذيك أمشي.
الجملة وقفت قلبه كأنها ضربته بشيء ما توقعهوش :
– تمشي؟ روان، مافيش تمشي. إنتِ جزء من البيت، سارة اختارتك، وملك محتاجاكِ، وأنا…
سكت.....
الكلمة الأخيرة وقفت في زوره كأنها تقيلة، ولا لسه مش جاهز يقولها.
روان حسّت وقطعت الصمت :
– وإنت…؟
هو رفع عينه فيها لحظة صدق كاملة، مالهاش هروب.
– وأنا… محتاج وجودك حتى لو مش عارف أقول ده بصوت عالي، حتى لو خايف، بس وجودك مش عايز يخوّفك.
روان قلبت نظرها بعيد، دمعة نزلت، هي مش عايزة تنزل :
– ياسر.. إحنا لسه خارجين من موت، مش وقت الكلام اللي يكسر حدّ فينا.
قرب خطوة.. خطوة بس، قريبة كفاية يبان الصدق في صوته :
– مش هكسرك ولا هسمح حد يكسرِك، ولا هسمح ليكِ تفكّري تمشي.
الجملة كانت زي وعد، ومافيهاش صوت غصب.. كان فيها خوف..
وخسارة وأول بداية للاعتراف.
روان مسحت دمعتها وقالت بصوت مكسور :
– خلّينا نعدّي الليلة وميحصلش حاجة تانية.
هزّ راسه :
– زي ما تحبي، بس إوعي تفكري تمشي من البيت ده، إوعي.
وبعدين سابها ترتّب الكوبايات وهو راح يطّمن على ملك. بس قبل ما يدخل أوضتها وقف ثواني وبص عليها من بعيد، هي وهو… إثنين موجوعين،.بس قدرهم اتربط من جديد.
وهو كان عارف :
اللي جاي، أقوى بكثير.