
رواية جرح قابل للتجديد الفصل الخامس5 الاخير بقلم سارة بركات
- مامتك عاملة إيه؟
تعجبت من حديثه معها وتقابلت نظراتهما وتحدثت بسطحية:
- الحمدلله.
فقط ذلك كل ماتحدثت به، وعادت تنظر إلى آيات وزميلاتها، وظلا صامتين هي تتحكم في ذاتها لأنها تشعر بارتعاشة جسدها، لا تريد أن تنهار الآن!
- إنتِ بتشتغلي دلوقتي؟ ولا قعدتي في البيت؟
ذلك ماتحدث به بهدوء وهو يُطالعها ولكنها أجابت بجمود مُخفية إرتعاشة جسدها بجدارة:
- أظن إن مايخصكش إنك تسألني عن أي شيء يخصني.
عقد حاجبيه وتحدث بضيق:
- إنتِ ليه عايشة دور الضحية؟! أنا اللي اتغشيت فيكِ!
تحولت ملامحها للذهول ثم تحدثت وهي تنظر إليه:
- من الواضح إن إنت اللي عايش دور الضحية! أنا مش قادرة أصدق إن حتى بعد ما عدا عشر سنين عن الموضوع ده برده لسه شايفُه بالنظرة دي!
تحدث وليد بغضب:
- أصلي مستغرب لحد دلوقتي، إنك بعد ماكنتِ حتى بترفضي إني أمسك إيدك! فجأة ألاقيكِ بتعملي ده كله من ورايا!
هزت رأسها نافية بسرعة ثم تحدثت:
- مش هقدر أستحمل إننا نتكلم في الموضوع ده تاني، خليك زي مانت صدق اللي تصدقه .. المهم إني عارفة إني بريئة وشريفة غضب عنك.
اقترب منها قليلاً متحدثًا بضيق أكبر:
- ليه بتتكلمي كإنك الضحية يا حبيبة؟!! ليه؟
صرخت بغضب وبكاء ولم يهمها من حولهم:
- عشان أنا فعلا كنت ضحية! إنت حتى مفكرتش تهدى وتستنى وتفكر كويس!، أنا وماما استنيناك تهدى وتشُك على الأقل إن في حاجة مش مظبوطة! وترجع تكلمنا تعتذر عن اللي حصل! تساعدني آخد حقي من اللي عمل فيا كده، لكن إنت مرجعتش! وطالما مرجعتش يبقى إنت اللي إخترت يا وليد مع الأسف، العلاقة الناجحة أهم عامل فيها الثقة بين الإتنين وانت اللي دمرت الثقة دي بينا!.
سأل سؤاله ذلك بعدم اقتناع:
- عايزاني أعمل إيه لما أكتشف إن الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها بتعمل فيا أنا كده؟؟ أنا اتغشيت يا حبيبة! حُطي نفسك مكاني! أنا تعبت لما إنتِ عملتي فيا كده! متتخيليش حجم الصدمة اللي عشتها بسببك!!
صرخت هي الأخرى في المقابل:
- إنت بجد مصدق اللي انت بتقوله ده!! ولسه بتسأل نفسك السؤال ده؟؟؟ عدا عشر سنين يا وليد !!! عشر سنين!!!!!!!!!!! وبرده بتسأل نفس السؤال! .. ماجبتش إحتمالات إن في حد سرق مني صوري وراح ركبها على مقاطع وحشة زي دي! إزاي بجد؟؟؟ إنت شخص مثقف المفروض تعرف موضوع زي ده! أو على الأقل ييجي في بالك حاجة زي كده! وتبقى واثق كمان إن حبيبة اللي إنت حبيتها من كل قلبك بجد إستحالة تعمل كده! بدون أي شكوك أصلاً، لكن مع الأسف إنت خذلتني! ودمرت ثقتي فيك! إنت عارف اللي وجعني إيه أكتر من اللي حصل ده؟؟؟ اللي وجعني إن أكتر شخص وثقت فيه يصدق عني كده! إنت حتى ماشكتش مثلا إن رحمة اختفت فجأة ليه من الجامعة أو توفت إزاي! بس مع الأسف إنت متستحقش إنك تعرف أي حاجة عن اللي فات أصلا خليك كده على عماك! ودي مشكلتك يا وليد على فكرة بتبص للظاهر عمرك مابتبص للحاجة بتركيز نهائي .. وأنا غلطتي الوحيدة اللي أذنبت فيها هي إني في يوم من الأيام صدقتك ووثقت فيك وحبيتك! لإن مع الأسف بعد كل الوعود اللي وعدتني بيها دي إنت منفذتش ولا وعد فيهم! واللي كان أكتر حاجة بتتقال فيها هي إن مهما حصل أي حاجة عمرك ماهتبعد ولا هتمشي! بس إنت مع أول مطب مشيت وسبتني يا وليد! يا ترى بقا مين الضحية فينا؟ أنا ولا انت!!!
كان مذهولاً مما يسمع كيف لم يفكر بوجهة نظرها تلك، كيف كان أعمى هكذا وترك مشاعره هي من تتحكم به! استفاق من شروده عندما وجدها تبتعد عنه وهي تبكي وجسدها يرتعش، هرول خلفها:
- ليه محاولتيش تكلميني توضحيلي اللي حصل يا حبيبة؟ وبعدين ليه مفكرتيش إني أنا اللي استنيت توضيح؟
تحدثت ببكاء وهي تُعطيه ظهرها:
- مع الأسف إنت خسرت الحق ده من بدري لإنك جريتني الشارع وراك عشان أشرحلك لكنك مسمعتنيش، واستنيناك أنا وماما على الأقل تكلمنا تسأل ليه حصل كده؟ لكن كل اللي جالنا هو رد والدك، كل شيء قسمة ونصيب! مع الأسف يا وليد إنت دمرت اللي كان بينا! ومكنتش قد وعودك معايا.
أردف وليد بتبرير وغضب:
- لا أنا كنت قد وعدي ليكِ يا حبيبة!! أنا وعدتك بحاجات كتير ونفذت أنا مهربتش من أول مطب! أنا كنت تعبان يا حبيبة! وصدقيني محدش من أهلى يعرف إحنا سيبنا بعض ليه وبعدين......
- إنت اللي سيبتني يا وليد!
- عموماً يا حبيبة أياً يكن اللي حصل! أنا وانتِ وقعنا في فخ!
- وقعنا في فخ فعلاً ونجح اللي عمل كده وعامة كويس إن الموقف ده حصل عشان مفضلش عايشة مع واحد بيحكم بالظاهر ومش بيفكر من كذا إتجاه! أنا آسفة إني جيت هنا وكملت معاكم الرحلة دي، بس يمكن لقاءنا ده قدر عشان أقدر أطلع اللي مكتوم جوايا من عشر سنين! واللي أثره كان معلم عليا لحد دلوقتي ..*تنهدت بارتياح وهي تقوم بمسح عبراتها* يمكن ده موقف يعلمك إن لما يحصل حاجة زي كده تاني قدامك فكر كويس.
كادت أن ترحل ولكنه أوقفها مرة أخرى وأردف بصعوبة وهو يحاول التحكم في عبراته:
- حبيبة .. أنا ... أنا لسه بحبك .. أنا لحد دلوقتي متجوزتش لإني لسه بحبك وعايش على اللي كان بينا!
أردفت بصوت مهزوز وهي تلتفت إليه:
- كرامتي فوق أي شيء رجوعنا لبعض هيكون غلط في غلط أنا وانت مش مناسبين لبعض! لإني مش هعرف أعيش مطمنة معاك! أنا آسفة بس إنت مش الشخص اللي بتمناه يكون في يوم أب لأولادي.
ثم تركته وغادرت مدينة الألعاب وهي تبكي وتلك المرة لم يوقفها بل كان ينظر في أثرها يحاول فهم كل ما يحدث .. هي حقاً مُحقة .. هو لم يركز .. لم ينتبه! .. لم يُعاتب حتى! .. ولكن لا، كيف يُعاتب وهو مصدوم عندما يرى شيئًا كهذا! هي لم تفهم مشاعره! هي لم تفهمه! .. تنهد بحزن ثم تحدث بأعين دامعة:
- بس في النهاية هي عندها حق.
وقفت حبيبة أمام مدينة الألعاب وهي تبكي تنظر خلفها تسأل نفسها سؤال واحد! ألن يأتي للمرة الثانية! لماذا تنتظره؟ لما قلبها مازال ينبض له حتى الآن!! لقد أخرجت ما تكتمه بداخلها لماذا قلبها يؤلمها؟؟؟ إنها مٌحقةٌ تماماً ويجب أن تقوم بالتركيز فيما هو قادم! وأن لا تنظر للوراء أبداً .. انتبهت على رنين هاتفها وعندما نظرت لشاشة الهاتف انهمرت عبراتها كأنها وجدت ملجأها أجابت على الهاتف وتحدثت ببكاء:
- ماما.
أما في الداخل، فقد كان وليد حزيناً تائهاً لا يدري ماذا يفعل حديثها منطقيٌ كثيراً لكنه يحبها! إنه يتذكر جيداً مافعله لأجلها في الماضي! كيف لم ترى ذلك ورأت خذلانه لها فقط في ذلك الأمر!! كان بجانبها دائماً! إن حبيبة ترى الأمر فقط من منظورها الشخصي ولكنها لم تنظر للأمر من وجهة نظره هو! استفاق عندما تحدثت آيات:
- هي فين حبيبة يا مستر؟؟
تحدث وليد بشرود:
- مشيت.
طالعته آيات بهدوءٍ لعدة ثوانٍ ثم أومأت وغادرت خلفها دون أن ينتبه وليد لذلك .. أخذت آيات تبحث عنها في المنطقة القريبة من مدينة الألعاب وتقوم بالإتصال بها ولكنه يعطيها أنه مشغول! ولم تنتبه أن حبيبة جالسه في زاويةٍ ما خارج المدينة تبكي وهي تتحدث مع والدتها بالهاتف! تَقصٌ عليها كل ماحدث .. بعد مرور ساعتين كان الجميع يتجهز للرحيل وكان وليد يتأكد من وجود جميع الفتيات ولكنه انتبه على إختفاء آيات! أخذ يبحث عنها داخل مدينة الألعاب ولكنه لم يجدها .. خرج من مدينة الألعاب وأخذ يبحث حولها ولكنه تفاجأ بوجود حبيبة تجلس شاردة في زاوية وعبراتها على وجنتيها وتشهق شهقات خفيفة .. اقترب نحوها ببطئ حتى أصبح أمامها .. رفعت رأسها عندما انتبهت على وجود أحدٍ ما .. ظل الإثنان يُطالعان بعضهما، وصمتا قليلا، ولكن وليد استقر على ركبتيه أمامها وتحدث بهدوء:
- مشوفتيش آيات؟
تعجبت حبيبة من ذاك السؤال ومسحت عبراتها وتحدثت بعدم فهم:
- مشوفتهاش، المفروض إنها كانت جوا معاكم!
نفى وليد برأسه متحدثاً:
- مع الأسف يا حبيبة مش لاقيينها! آخر مرة كانت خرجت تدور عليكِ ومن بعدها اختفت!
اعتدلت حبيبة بفزع من فكرة أن يُصيبها مكروه ولن تًسامح نفسها إذا حدث لها شيءٌ، اعتدل وليد هو الآخر وأردف:
- متقلقيش أنا هدور عليها وهلاقيها إن شاء الله، إنتِ ممكن تدخلي جوا ترتاحي، مينفعش قعدتك في الشارع دي.
- لا أنا هاجي معاك.
ذلك ماتحدثت به حبيبة بإصرار؛ أما وليد فلم يكن لديه طاقة ليُجادلها أومأ لها وذهبا سوياً يبحثان عنها .. سارا العديد من الشوارع وهما ينادونها بأعلى صوتهما وأخذا يسألان الناس عنها ولكن لم يراها أحد ظلت حبيبة تُهاتفها ولكنها لا تُجيب! ..
- أنا السبب، ياريتني ماكنت مشيت.
ذلك ماتحدثت به حبيبة وهي تبكي أما بالنسبة لوليد فقد كان صامتاً يُفكر في الخطوة القادمة ..
- تعالي نرجع، أنا هتصرف.
التفتت نحوه وأردفت:
- مش هنرجع إلا لما نلاقيها.
- إحنا مش لاقيينها أصلا يا حبيبة.
- برده بتستسلم من أولها!!! إنت دايما كده! مش بتعافر عشان توصل! إنت حتى معملتش معايا كده!
حاول وليد أن يكتم غيظه ولكنه لم يستطع:
- أنا برده اللي بستسلم!!! حبببة إنتِ منتظرة مني في أم العلاقة دي إني أنا اللي أتصرف في كل حاجة؟؟؟ ليه إنتِ ميبقاش ليكِ دور! ليه مُعتمدة إن أنا اللي عليا مسئولية كل حاجة!!
- عشان إنت كده .. أديك أهوه استسلمت ومش حابب تكمل إنك تدور عليها يا وليد.
- البنت مسئوليتي يا حبيبة وأنا متحمل المسئولية كاملة وأنا راجع عشان آخد كل حاجة تخصني وتخصها عشان أقدر أقدم بلاغ في أقرب قِسم! شوفتي إنتِ بتحكمي عليا بصورة وحشة إزاي!!!! إنتِ دايماً كده! إنتِ حتى وضحتي اللي حصلك وبررتي موقفك! لكن أنا ماقبلتيش تسمعيني! مش قادر أعبرلك عن اللي عشته من بعد اللي حصل عايشة في دور الضحية يا حبيبة! حتى لو إنتِ اللي مأذية!؛ فانتِ مش لوحدك اللي إتأذيتي! أنا اتأذيت آكتر منك! لإنك عرضي وشرفي أنا، إحنا كنا داخلين على جواز يا حبيبة!! إنتِ مُتخيلة حجم الكلمة ولا مش مُتخيلة!! تخيلي صدمتي اللي عشتها بسبب الموضوع ده كله، الحمدلله إننا وقتها كنا في اجازة نص السنة! وبصعوبة لحد مارجعت في الترم التاني وخلاص كانوا كمان قربوا على الإمتحانات وذاكرت اللي ذاكرته وعديت السنة الأخيرة بالعافية!، أنا كنت بتعالج عن دكتور نفسي ياحبيبة زي مانتي كنتِ بتتعالجي بالظبط! إحنا الإتنين سيان! وقعنا في نفس البؤرة! ونفس المشكلة! مسألتيش نفسك أنا ليه مجيتش؟، لإني كنت مقهور ماكنتش عارف أتحرك ولا عارف أنطق! كل اللي كان بيدور في بالي هو اللي حصل ده وبس! سنين قعدت بتعافى منك ومعرفتش أتعافى منك لإنك سكنتي جوا قلبي ومعرفتش أخرجك منه! متجوزتش ولا فكرت في غيرك عشان أنا لسه بحبك، إحنا الاتنين غلطنا إننا معرفناش حجم الكارثة اللي احنا فيها وإننا المفروض نساند بعض، إحنا الإتنين كنا صغيرين وخبرتنا في الحياة قليلة!! .. فكرتي في الموضوع من وجهة نظرك بس ولكن مشوفتيهوش من وجهة نظري أنا! وبالنسبة لرحمة وموتها واللي حصل فأنا فهمت اللي حصلها......
عودة للماضي:
كان وليد حبيس غرفته ينظر أمامه بشرودٍ فقط ولكنه استفاق على طرقات على باب غرفته، دخل والده إلى الغرفة:
- إيه يابني؟ هتفضل حابس نفسك في أوضتك كده؟
- أرجوك يابويا سيبني مع نفسي.
- لا لا أنا مش متعود عليك كده يا زميل!
ذلك ماتحدث به مكرم وهو يدخل لغرفته .. تفاجأ وليد بوجود مكرَم بغرفته ..
- مش هترحب بيا ولا إيه؟
ذلك ماقاله مكرم بابتسامة هادئة ..
- الله يكرمك يابني اقعد معاه وشوفله حل أهو من ساعة ما فسخ خطوبته وهو قاعدلي كده بوزه شبرين قدام، ومهما أسأله فشكلت ليه طيب طالما زعلان كده يقولي إختلاف في وجهات النظر! أنا مش فاهم إيه الجيل المهبب ده!
- ياحج متقلقش، هو في إيد أمينة.
ثم خرج والده من الغرفة وهو يستغفر ربه وأغلق الباب خلفة؛ أما بالنسبة لمكرم فقد جلس أمامه وتحدث بتعجب:
- إنت يابني إيه العبط اللي انت عامله في نفسك ده؟
تحدث وليد بتأفف:
- سيبني إنت كمان، أنا مش فايقلك.
- يا عبيط تعمل في نفسك كده عشان واحدة! ده انت اللي المفروض تلففها حوالين نفسها مش العكس! مكنتش أتوقع إنك خِرِع أوي كده، إنت مستِقِل بنفسك ولا إيه؟!
طالعه وليد باستهزاء وظل صامتاً، واستأنف مكرم حديثه:
- إنت المفروض كنت تعمل معاها زي مانا عملت في رحمة الله يرحمها مطرح ماراحت.
عقد وليد حاجبيه بعدم فهم لما يقوله ولكن مكرم تحدث بتأكيد:
- هما مبيجوش غير بكده يا صديقي.
وليد بعدم فهم:
- عملت إيه مش فاهم؟ وليه بتتكلم عنها كده؟ هي رحمة فين؟
كرر مكرم سؤال وليد له ولكن باستهزاء:
- عملت في رحمة إيه؟
قهقه ثم استأنف حديثه بلامبالاة:
- خليتها تتمنى الموت وتخاف تبص حواليها، مش أنا اللي أجري ورا حد، هما اللي بيجروا ورايا واللي تزرجن معايا مسيرها تلين بس بطريقتي! .. وبمناسبة هي فين؟ هي فعلاً طالته وده لما بطنها كبرت معرفتش تعمل إيه راحت قتلت نفسها! ضعيفة أوي رحمة متمسكتش بحياتها لمجرد إني رفضت أعترف باللي في بطنها، بقالها أسبوع ميته وسمعت إن محدش راح عزاها كمان.
كان وليد ينظر له مدهوشاً مما سمع ولكنه لم يشعر بنفسه سوى وهو يُهاجمه ويمسك بتلابيه ويصرخ به بقوة:
- يا ابن ال**** يا ***** .. إنت إزاي تعمل في بني آدمة حبتك كده يا زبالة يا حقير .. يا ن***** يا اب بن ال*****.
أخذ يلكمه بقوة عدة لكمات صرخ مكرم مما جعل والد وليد يدخل الغرفة حينما سمع شجارهم!
- وليد بتعمل إيه!!!
حاول والده أن يُبعد وليد عنه وبالفعل أبعده عنه بصعوبة ..
- إنت بتعمل إيه!!
- سيبني يا بابا أنا لازم أشرب من دمه.
ذلك ماصرخ به وليد بغضب لا يُصدق ما حدث لتلك المسكينة لقد كانت تُحبه من قلبها ولكنه قابل ذلك الحب بأنه دعس على قلبها بل ودعسها هي أيضاً لم يرحمها!
هرب مكرم من أمام وليد وخرج من الشقة وعندما حدث ذلك بكى وليد بسبب ماحدث لتلك الفتاة المسكينة! هي لم تكن تستحق ذلك أبداً لقد آذاها من جميع الجهات! فقد كان ذنبها الوحيد أنها أحبت الشخص الخاطئ!.
في الوقت الحالي:
كانت حبيبة تحاول التحكم في عبراتها ولكنها لم تستطع:
- رحمة هي اللي عملت فيا كل ده، هي اللي أخدت صوري .. كل اللي فاكراه وبيتردد جوا عقلي إنها بتعمل فيا كده عشان أدوق جزء من اللي هي عاشته .. طب ليه؟ أنا ذنبي إيه؟
كان وليد يُطالعها بصدمة كيف لرحمة أن تفعل ذلك! ولكن الآن لا حاجة لتلك الأسئلة فالماضي يبقى في الماضي.
- الله يرحمها ويسامحها البنت كانت بتعاني ومحدش حاسس بيها، أنا آسف يا حبيبة لو ده هيريحك.
ظلت تُطالعه وهي تبكي ..
- أسفك مش كفاية يا وليد، أذاها طالني ودمر حياتي فمش هي اللي وحدها كانت بتعاني.
- عندك حق وعشان كده يا حبيبة أنا بعتذرلك لو أنا سببتلك أي أذى.
ثم تركها وغادر وعاد ليذهب إلى مدينة الألعاب وهي تبعته بهدوء ظل الإثنان يسيران سوياً حتى توقفها عندما وجدا آيات تجلس بأحد زوايا مدينة الألعاب تنظر إليهما بهدوء، اعتدلت واقتربت نحوهما وقامت حبيبة بضمها بقوة ..
- روحتي فين! أنا قلقت عليكِ! أنا آسفة متزعليش مني عشان مشيت.
بكت حبيبة بقهرٍ ولكن ليس بسبب اختفاء آيات ولكن بسبب ألم قلبها الذي تجدد مرة أخرى .. ابتعدت آيات عنها ثم تحدثت بصعوبة:
- أنا اللي آسفة بسبب اللي حصلكم!
عقد وليد وحبيبة حاجبيهما باستفسار بسبب ما تحدثت آيات للتو!
- بتعتذري ليه إنتِ مالكيش أي ذنب!
ذلك ماتحدثت به حبيبة بهدوء، ولكن آيات هزت رأسها نافية وحاولت التحكم في عبراتها..
- مش كده، أنا مقصدش ده! أنا أقصد بسبب اللي حصلكم من عشر سنين!! رحمة اللي عملت فيكم كده .. رحمة أختي أذتكم من غير ماتقصد هي بس كانت موجوعة.
تحدثت بآخر كلمة بانهيار وهي تنظر إليهما ..
- سامحوها أرجوكم، رحمة كانت منهارة بسبب اللي الولد ده عمله فيها .. هي مكانتش شايفة قدامها .. صدقيني يا حبيبة رحمة كانت بتحبك أوي وكانت بتعتبرك شخص كبير في حياتها .. هي بس كانت تعبانة .. كانت محتاجة حد ياخد بإيديها ... أنا وقتها مكنتش فاهمة كان عندي 7 سنين .. بس اللي كان بيعلق في دماغي دايما هو إني كنت بشوف رحمة دايما منهارة من العياط! لحد ماشوفتها فاتحة صور تخصك وبتعمل عليها حاجات غريبة.
وعلى تلك الكلمة إنهارت حبيبة وآيات سوياً وحاول وليد أن يهدأ يبدو أن مايحدث جنوني بالنسبة إليه لأنه لايصدق مايحدث:
- شوفت صورك وهي بتفبركها، شكلك اتحفر في دماغي وقتها يا حبيبة وأنا لسه عيلة صغيرة .. كنت بشوفها وهي بتحاول تداري بطنها مننا وأنا مش فاهمة ليه بطنها منفوخة.... فهمت كل حاجة لما ماتت! ... أنا مش فاهمة ليه كل ده حصلنا! منه لله اللي كان السبب.
كانا يُطالعانها بشفقة وصدمة في آنٍ واحد فهي كانت ضحية مثلهم فقد خسرت أختها هي الأخرى، استأنفت آيات حديثها:
- وطبعا أنا ماصدقت إن حضرتك المُدَّرِس بتاعي، وكمان فضلت أدور على حبيبة على الفيس لحد مالقيتها .. حاولت أعوضكم عن اللي أختي عملته فيكم من غير قصد .. وكان أقصى حاجة أقدر أعملها هي إني أرجعكم لبعض! .. وخليت زمايلي ينسقوا مع حضرتك موضوع الرحلة وكلمتك يا حبيبة وقولتلك لازم نتقابل، وكل ده عشان انتوا الإتنين تتقابلوا.
تقابلت نظراتهما ثم عادا ينظران لآيات التي استأنفت:
- رجوعكم لبعض هيريحني نفسياً وهيريح أختي في تُربِتها وأول طلب بطلبه منكم هو إنكم تسامحوها .. هي مسكينة وطيبة مكنش لينا غير بعض .. بس كل حاجة راحت من وقت ماهي راحت .. ماما اللي مستحملتش وماتت وبابا اللي مات بعدها بكام يوم .. بقينا لوحدنا أنا واخواتي الصبيان لحد ما خالي الله يكرمه أخدنا عنده وربانا وكبرنا هو ومراته.
كانا يُطالعانها بهدوء ولم يتحدثا صمتهما جعلها قلقة تحدثت بصعوبة:
- هو انتوا مش هتتصالحوا؟
تحدثت حبيبة بحزن:
- الماضي انتهى في الماضي يا آيات مش لازم نبص ليه أبدا طالما هو بقى من الماضي.
طالعها وليد بحزن وأكمل بَعدها:
- وحتى لو بصينا للماضي فاحنا بنرجع لورا مش بنتقدم .. كل حاجة بتبقى واقفة.
أغمضت حبيبة عينيها عندما تحدث وليد بتلك الجملة؛ فذلك يعني أنها النهاية فعلا.
كادت آيات أن تتحدث ولكن قاطعها صوت أحد المُدرسين..
- إيه ياوليد؟ مش يلا عشان إتأخرنا؟؟
أومأ وليد له واقترب نحو آيات:
- يلا نمشي، أنا هحصلك خمس دقايق وتيجي.
أومأت آيات بحزن وتركها وليد ثم التفتت نحو حبيبة التي كانت تنظر في أثره بشرود:
- إنتِ بجد مش حاسة إن حياتك وقفت دلوقتي؟؟مش هتقوليله إنك لسه بتحبيه؟!
انهمرت عبرات حبيبة وتحدثت بحُرقة:
- حتى لو عملت كده، لسه في حاجة مكسورة جوايا ناحيته، روحي يا آيات ماتتعبيش نفسك مع ناس زينا، إحنا الإتنين صح إحنا الإتنين إتأذينا وكل واحد فينا ليه وجهة نظرُه الخاصة بيه.
انهمرت عبرات آيات ثم رحلت وصعدت الحافلة وبعدها أغلقت الحافلة بابها .. كان وليد يجلس بجانب السائق وينظر صوب حبيبة بشرود وانتبه عندما اقتربت سيارة نحو حبيبة وفي تلك اللحظة خرجت والدتها من السيارة:
- حبيبة.
التفتت حبيبة لوالدتها وانهارت بين ذراعيها وفي تلك اللحظة التقت عيني مشيرة مع عيني وليد الحزينه .. أومأت له مشيرة بهدوء كتحية له وهو أومأ لها يرد لها التحية وتحركت الحافلة لتعود إلى الإسكندرية.
نوفيلا/ جرحٌ قابلٌ للتجديد .. بقلم/ سارة بركات
منذ ذلك اليوم وظلت حبيبة حبيسة غرفتها تبكي فقط تشعر أنها تعيش خذلان من نوعٍ آخر ليس مثل السابق بالطبع ولكن تلك المرة الجرح أعمق، ولم تذهب لمدرستها ولم تُجب على مكالمات زملائها .. لم تتعجب من عدم مراسلة آيات لها فقد أُغلق كل شيء .. كان وليد يُدَّرٍس للفتيات بالمدرسة ولكنه في أغلب الأوقات يكون شارداً في حبيبة التي تؤرق أحلامه وبالطبع إن آيات لا تتحدث معه فهي حزينة بسببهما كثيراً .. وفي يومٍ ما كانت حبيبة شاردة ولكنها استفاقت عندما انتبهت على رنين هاتفها طالعت الهاتف قليلاً وهي ترى رقم زميلتها خديجة أمامها .. تنهدت باستسلام وقررت أن تعيش حياتها فما مر قد مر.
كانت تقف أمام مُشيرة التي تُمسك بهاتفها تتصفح وسائل التواصل الإجتماعي:
- واقفة على دماغي ليه يا حبيبة؟
- في عريس محتاج يزورنا ياماما، هو جايلي تبع واحدة زميلتي في المدرسة، ممكن تحددي ميعاد.
عقدت مشيرة حاجبيها قليلاً ثم تحدثت:
- برحتك شوفي اللي يناسبك.. أنا عموما فاضية في أي وقت مانا قعدت على المعاش من بدري.
أومأت حبيبة دون أن تتحدث ثم عادت لغرفتها وهزت مشيرة رأسها ..
- ربنا يصلحلك الحال يابنتي.
حددت حبيبة الموعد مع زميلتها وحدثت الزيارة بحضور زميلتها وزوجها أيضا وحصل قبولٌ بينهما أو من جهة العريس والذي يُدعى ساهر فقط أما العروس فقد كانت تريد أن تنسى ألم قلبها بأي شكل، قاموا بتحديد موعد للخطبة وستكون في منزل حبيبة.
كان وليد جالساً يفكر كثيراً لا يعلم ماذا يفعل كل يومٍ يمر عليه يجعله يشتاق لها أكثر .. يشعر أنه قد عاد مراهقاً من جديد بل وأكثر .. يريد أن يراها .. انتبه على مرور آيات في الممر باتجاه غرفة المُعلمين .. وقام بمناداتها:
- آيات.
التفتت آيات حيث سمعت الصوت وحركت رأسها باستفسار وأشار لها بالقدوم، اقتربت نحوه بهدوء وتساءلت:
- حضرتك عايز مني حاجة يا مستر؟؟
- أقعدي يا آيات واقفة ليه؟
أشار بأن تجلس على كرسي أمام مكتبه جلست ثم نظرت إليه ...
- ليه مش بتكلميني؟
عقدت آيات حاجبيها ثم تحدثت بهدوء:
- حضرتك المستر بتاعي .. هكلمك في إيه؟
تنهد باستسلام:
- آيات .. الماضي انتهى واتمسح بأستيكة ليه بتحاولي تفتحيه تاني.
- أنا حاولت وفشلت والموضوع اتقفل من بدري.
- يعني إنتِ مش زعلانة مني عشان الموضوع ده؟
- لا طبعا دي حياة حضرتك وحضرتك حر.
همهم ثم تحدث:
- بس يا حبيبة أنا....
- أنا إسمي آيات يا مستر مش حبيبة.
تحدثت آيات بتلك الكلمة وهي تبتسم له بهدوء .. ارتبك وليد للحظات ثم تحدث:
- أنا آسف اتلغبطت.
- شوفت بقا يامستر؟ مش أنا اللي بحاول أرجع الماضي .. حضرتك لسه محبوس جواه.
- آيات إنتِ لسه صغيرة على الكلام ده وبعدين .. الموضوع ده قديم.
- حضرتك جيلنا غير جيلكم إحنا عارفين وفاهمين كل حاجة، وبعدين اه هو الموضوع قديم بس حضرتك لسه قلبك متحاوط بيه.
فرك وجهه بيده وكاد أن يتحدث:
- حضرتك بتضحك عليا ولا بتضحك على نفسك؟ مستر حضرتك لسه بتحب حبيبة ... وأنا مقدرة اللي حصل وآسفة إن أختي عملت كل ده، وأنا حاولت أرجعكم لبعض وانتوا رافضين، حرام الحب البريء ده ينتهي كده!
صمت وليد قليلاً ولكنه تحدث بشرود:
- صعب يا آيات حتى لو أنا عايز أرجع هي مش هتسمح بده، الثقة اللي مابينا انتهت.
- وإيه يعني؟ ترجع تاني، المواقف هترجعها من تاني .. كل حاجة هترجع تتبني بينكم من تاني .. الزمن قادر إنه ينسيكم .. مرور الأيام في وجودكم جنب بعض هتعمل مواقف كتير هينسيكم كل اللي فات .. ماتحبسوش نفسكم في بؤرة بايخة! .. المفروض تكونوا أقوياء وتتخطوا كل حاجة .. أنا مش بلوم على موقفك ولا بلوم على موقفها طبيعي يحصل بين أي اتنين بيحبوا بعض خناقات وسوء تفاهم بس العلاقة القوية هي اللي حبها بيفضل موجود في قلب أصحابه مهما عدت السنين ... مش معقول هنعلق لنفسنا حبل المشنقة على حاجة حصلت من سنين بينكم .. والحمدلله إن الموضوع متنشرش ده بينك وبينها وبين أختي الله يرحمها فليه كده؟
ظل وليد ينظر لها بهدوء يقكر بكلماتها ...
- تفتكري هتسامحني.
أردفت آيات بابتسامة:
- اللي أنا واثقة منه إن حبيبة اللي أنا عرفتها في الفترة الأخيرة هي نفسها حبيبة اللي إنت حبيتها من عشر سنين هي نفس الإنسانة الحساسة اللي بتحب بجد واللي عمرها مانسيت حبيبها بغض النظر عن إني زعلانة منها ومش بكلمها.
صمت قليلاً متردداً يريد الذهاب إليها الآن! تحدثت آيات بابتسامة وكأنها قد قرأت أفكاره:
- تحب أديك عنوانها في القاهرة؟
.......................................
داخل شقة حبيبة كان الجميع جالسين يحتفلون بخطبتها وبجانبها زميلتها في العمل تقوم بتصويرها ومن الجهة الأخرى بجانبها خطيبها الذي كان مبتسماً للحضور وفي الجهة المقابلة كانت والدتها جالسة تُطالعها بهدوء .. حتى تقابلت نظراتهما .. نظرات حبيبة الشاردة الحزينة ونظرت والدتها المُشفقة عليها.
- هو أنا ليه حاسك مش مبسوطة؟
التفتت لخطيبها ساهر والذي استأنف بهدوء:
- لو مش مبسوطة قولي إنتِ مش مُجبرة.
نظرت أمامها ولم تُجِبه ..
- حبيبة أنا بديلك فرصة! استغليها كويس، لإن بعد كده مفيش رجوع، لو مش مبسوطة قولي، وأنا هعمل اللي إنتِ عايزاه يابنت الناس أنا مبرتبطش ببنت غصب عنها.
كانت تشعر بالتوتر من كلماته تلك ها هو إنه يُعطيها فرصتها .. وتشعر بالفعل أن قلبها يسبقها لكي تركض! وبالفعل اعتدلت ورفعت ثوبها قليلاً لكي تَهرُب مُعلنة عن رفضها لتلك الخطبة ولكنها تفاجأت به وبدخوله للشقة وهو ينظر إليها بذهول! لقد تأخر! حقا لقد تأخر .. إنها الآن أصبحت مُلكاً لغيره .. ظل الإثنان يُطالعان بعضهما كثيراً .. لم تشعر حبيبة بإنهمار عبراتها وهي تُطالعه وهو أيضاً كان مُتأثراً بما يحدث .. اقتربت منه حبيبة بهدوء حتى قللت المسافة بينهما وذلك أمام الجميع:
- إتأخرت.
ذلك ماتحدثت به ببكاء وهي تنظر في عُمق عينيه وتحدث وليد بصعوبة:
- أن تأتي مُتأخراً خيراً من أن لا تأتي أبدا.
ابتسمت بين عبراتها .. كانت مشيرة تبتسهم لحديثهما سوياً وتنهدت بارتياح، ثم انتبهت عندما قام ساهر بخلع محبسه الذي بيده وحينها أطلقت زغرودة عالية تبث من خلالها فرحتها ببداية جديدة وصفحة جديدة تعبر عن التسامح والحب وعودة العلاقات أيضاً.
استفاق الإثنان من شرودهما ببعضها على صوت وصول رسالة على هاتف حبيبة والتي كانت من آيات:
" أنا كده الحمدلله قدرت أجمعكم مرة تانية، وحاولت أصلح ماتم إفساده، هستناكِ تكلميني يا حبيبة عشان تحكيلي كل حاجة"
ابتسم الإثنان عندما قرآ تلك الرسالة ثم عادا ينظران لبعضهما بسعادة ينويان أن يعيشا حياة قادمة خالية من أي تعقيدات فقط التفاهم والثقة ستكون بينهما وسيفعلا المستحيل لكي لا يتخللها أي شيء
تمت بحمد الله