
رواية هيبة الجزء الثاني2 ثمن العشق الفصل الرابع4 بقلم مريم محمد غريب
له صدى _ :
استيقظت "راندا" على صوتٍ ينساب إلى وعيها المتثاقل، صوت عمتها يناديها بإلحاحٍ، تقلّبت على الفراش بعينين نصف مغمضتين، قبل أن تشعر بظلٍّ يقف إلى جوارها، ورائحةٍ باردةٍ ناعمةٍ تتسلّل إلى أنفاسها ..
فتحت عينيها أخيرًا، فاتّسعتا بدهشةٍ خالصة!
كانت باقةٌ ضخمة من زهور البنفسج بين يديّ عمتها، بنفسجية كثيفة تمامًا كما تفضّلها
-عمتو! .. تمتمت "راندا" مذهولة بصوتها الناعس
فاتن بابتسامتها العذبة:
-أيوة يا ستي.. ناس تصحى على بنفسج
وناس..
وبترت عبارتها في أجواءٍ غامضة..
كررت "راندا" بصوتٍ مبحوح:
-بـ.. بنفسج
مين جابه؟!
اقتربت عمتها منها أكثر، وربّتت على خدها بحنانٍ مشاغب:
-أهو في غيره؟ إللي سرق منك بوسة وطالب السماح دلوقتي..
وإلتقطت الكارت المثبت بقمّة الباقة، قرأته بعينبها فقط وهي تقول بخبثٍ:
-أفضل تقريه انتي بنفسك!
حاولت "راندا" أن تعتدل في جلستها، يدها ترتجف قليلًا وهي تلمس الزهور، كأنها تتأكد من أنها حقيقية، وقبل أن تسأل من جديد كانت عمتها تسبقها بنظرةٍ ذات مغزى، ثم غمزةٍ سريعة لا تخطئها العين وهي تضيف:
-اقري الكارت.. وبلاش تمثيل البراءة ده عليا..
تناولت "راندا" البطاقة الصغيرة المثبّتة بين الأغصان، وبأنفاسٍ متسارعة قرأت العبارة القصيرة، ثم توقّفت عند الاسم في الأسفل..
"ما أردتُ أن أجرح المسافة بيننا؛ لكن الشوق تعثّر على شفتيكِ
سامحيني!"
-عمر البدري
ساد صمتٌ قصير، خيّل إليها بأنها قد ارتفعت فجأة عن الأرض، ولم تعد هناك جاذبية..
قاطعت عمتها أفكارها وهي تتراجع للخلف:
-أنا بقى هسيبك تصحي على مهلك.. وبعدين لينا حديث طويل أوي مع بعض.
ثم خرجت من الغرفة وهي تضحك ضحكةً خافتة، تاركة الباب مواربًا، وتركَت خلفها أيضًا قلب "راندا" يخفق بعنف
لم تنتظر "راندا" ثانيةً واحدة..
أمسكت هاتفها فورًا، وأجرت الاتصال قبل أن تفكّر، رنّ الهاتف مرة.. مرتين.. ثم جاء صوته الرجولي المميز:
-راندا؟
ردّت بسرعة، ونبرة الدهشة لا تزال عالقة بصوتها:
-إيه إللي انت عامله ده يا عمر؟
تنفّس من الطرف الآخر، وكأنّه كان ينتظر السؤال:
-محاولة أخيرة عشان تسامحيني. يمكن تنجح
بما إنك مش بتردي على مكالماتي من آخر مرة!
-وبتعتذر على إيه بالظبط؟
على كلامك.. ولا على إنك بوستني!!
ران الصمت بينهما للحظاتٍ حتى ظنّت بأنه أغلق الخط، لكنه ما لبث ان ردّ بثباتٍ:
-لا ده ولا ده يا راندا. كلامي في الأول كان قاسي
بس ماتنكريش إنه حقيقي.. وبالنسبة لموضوع إني بوستك
أنا مش ممكن أعتذر عن حاجة زي دي.. لأنها كانت لحظة حقيقية جدًا بالنسبة لي.
ضرب قلبها بعنفٍ وهي تواصل سؤاله:
-أومال بتعتذر لي على إيه؟
-على الطريقة.. على إني ماكنتش مقدّر وضعك
أو حتى مهتم إذا كنتي هاتقبلي التصرف ده ولا لأ
أنا من بدري مستني ردّك.. لو قولتيلي دلوقتي إنك مش حابة يكون في أي تواصل بينّا
أنا هاحترم قرارك. وهابعد فورًا وعمري ما هحاول أضايقك تاني.. أوعدك.
سكتت لحظة، نظرت خلالها إلى الباقة، ثم قالت بصوتٍ أخفّ:
-انت عرفت منين إني بحب البنفسج؟
ضحك بخفوتٍ بغتةً وكأنه تفاجأ من ردّها، ثم قال بلطفٍ:
-كنت معزوم في حفلة تخرجك إللي عملها لك باباكي في فيلتكم
وفاكر إن حد علّق على الديكوريشن. وباباكي قال إنك بتعشقي زهور البنفسج
عشان كده هي الحاجة الوحيدة بعد الإضاءة إللي كانت مالية البيت في اليوم ده
من يومها مش ناسي.. إن راندا بتحب البنفسج.
أغمضت عينيها بعد سماعه، واستندت برأسها إلى الوسادة، مشاعرها متضاربة بين الغضب واللين، بين القلب والعقل ...
-عمر! .. همست بأسمه
انتظرها بصمتٍ، فأردفت وهي تفتح عيناها دفعة واحدة:
-انت جريئ أوي. وقح كمان
أنا طول عمري مافيش راجل اتجرأ عليا وباسني غصب عني
حتى نديم نفسه ماعملهاش قبل جوازنا.. ولا بعده!
عمر بحدة: أنا مش نديم يا راندا
ومش بكلمك عشان أسمع منك مقارنة بيني وبينه
أسمعي. انتي ردّك وصل خلاص. ومرة تانية بعتذر
وأوعدك مش هضايـ..
-أنا مش بقارنك بيه يا عمر! .. قاطعته منفعلة
وظلّ الخط مفتوحًا، ومعه ظلّ احتمالٍ جديد، لا تعرف "راندا" بعد إن كانت مستعدّة له..
أم إنها تتوق هذه المرة للسقوط الحتميّ!
___________________________________________
-أنا مش هاتجوز حفيدك.. ده عشم إبليس في الجنة!
تبادل كلٌ من "رياض نصر الدين" وابن أخيه "دياب نصر الدين" نظرات الحيرة فيما بينهم ..
ثم تطلّع الجد لحفيدته قائلًا بلطفٍ نادر:
-يا بتّي. أنا ما عاوزش إلا مصلحتك
زين ده زين الرجال. وابن خالك وستر وغطى عليكي..
ليلى بحدة: مصلحتي أنا عرفاها كويس
وحتى لو ماعرفش مصلحتي. لكن إنكم تجبروني على أي حاجة دي مسألة مافيهاش نقاش أصلًا.
تدخل "دياب" بدبلوماسيته المعهودة:
-طيب يا ليلى ممكن بس بهدوء أقولك حاجة؟
مبدئيًا محدش فينا يقدر يجبرك على أي حاجة. زي ما جدك قال مصلحتك فوق كل حاجة
وأنا وهو متفقين على ده من أول لحظة.. بس..
-مابسش بقى! .. هتفت منفعلة وهي تهب واقفة بغتةً
فسقط شالها السميك عن كتفيها فوق كرسي الصالون الوثير، بينما أجفل "رياض" وهو يراقبها مشدوهًا وعاجزًا في آنٍ عن توبيخها أو تقريعها، لو إنها لم تكن هي، حتمًا لكان ردّه أقسى ما يكون
لكنه ضعيفٌ.. ضعيفٌ للغاية أمام فتاة من دمه لم يرها ولم يعش معها سوى قليلًا!
يقف "دياب" بدوره مقتربًا منها خطوة وهو يقول بذات اللهجة الهادئة:
-إهدي يا ليلى. صدقيني محدش هايغصبك تتجوزي زين
وأنا بوعدك شخصيًا إن بعد كلامي ده لو قولتي لأ ف هي لأ خلاص.. بس أسمعيني وحطي العناد على جنب
إحنا بنقرر مصيرك ومستقبلك دلوقتي. قريب هانعلنك للكل إنك بنتنا. واتفقتي أو اختلفتي معايا
الناس بتشوف الصورة بس. ولازم صورتك تكون Perfect
انتي بنت دياب نصر الدين دلوقتي. مش هاقبل ليكي بأقل من ده فاهماني؟
نظرت له بصمت لبرهةٍ، ثم تنهدت بضيقٍ وعاودت الجلوس ثانيةً، رمقها "دياب" بنظرة رضا وجلس قبالتها من جديد قائلًا:
-تمام. بصي يا ستي
دلوقتي ظروفك إحنا كعيلتك عارفينها كويس
لكن عشان نكون سابقين بخطوة. لحظة ما هانعلنك للمجتمع زي ما قلت لك لازم تكوني جاهزة وفي أكمل صورة
أسمعيني بالمنطق مش العواطف.. جوازك من زين هايكون حماية
مش هانقول ليكي شخصيًا لو ده هايضايقك. ولكن حماية لأسمك
حماية لكرامتك. حماية حياتك الخاصة على إللي ممكن أي حد يتطفل عليها أو يخرج عنها إشاعات
احنا بنبص لبعيد. مش تحت رجلينا يا ليلى. زين مش سجّان ولا انتي معتقلة هنا
خليكي واثقة إن في ناس بيحبوكي من قلبهم في البيت ده. وعندهم إستعداد يبذلوا كتير اوي عشان يحموكي وعشان تعيشي مرتاحة ومرفوعة الراس
جدك أولهم. وبعده أنا.. كل إللي طالبه منك شوية ثقة فيا بس!
كانت تستمع إليه بصمتٍ واجمٍ حتى انتهى، سحبت نفسًا عميقًا وقالت بصوتٍ جاف:
-أوكي.. لو هاوافق يبقى ليا شروط.
دياب بثقة: موافق من قبل ما أسمع. انتي طلباتك أوامر بالنسبة لي.
ليلى بعنادٍ: لأ هاتسمع.. جوازي من زين هايفضل على الورق بس
أنا مستحيل أقبل أكون مراته بجد. وده أول شرط ليا..
-كيف يعني الكلام دِ.. صاح "رياض" باعتراضٍ شديد
-عمي من فضلك! .. قاطعه "دياب" بلطفٍ صارمٍ
ثم نظر إليها وقال بهدوءٍ:
-هانفذلك إللي انتي عاوزاه..
ونظر إلى عمه مكملًا بأسلوبه المقنع:
-كده كده زين هايتجوز شهد يا عمي. أصلًا دي جوازته الحقيقية من الأول
هو ماخترش ولا كان يعرف ليلى أصلًا. وأنا متأكد إني لما أتكلم معاه هايوافق على شرطها ده..
بدا "رياض" مترددًا لهذا القرار، لكنه تقبّله بالنهاية، بينما تستطرد "ليلى" بحزمٍ:
-شرطي التاني.. تعليمي لازم أكمله.
أومأ لها "دياب" مؤيدًا بشدة:
-طبعًا. ده شيء مفروغ منه
هاتكملي تعليمك ولو حبّيتي تأسسي بزنس كمان جنب الدراسة أو بعدها أنا هادعمك ماديًا.
-مش محتاجة دعم مادي منك يا..
-بابا ! .. قاطعها آمرًا بلهجة لطيفة
عبست: نعم؟
كرر مبتسمًا وقد رقّت نظرته كثيرًا:
-بابا.. عابزك تقوليلي بابا من هنا ورايح
انتي خلاص بقيتي بنتي رسمي. وكمان كام يوم بطاقتك الجديدة هاتطلع عليها اسمي جنب اسمك
قصاد الناس هاتكوني بنتي إللي كانت عايشة في أمريكا. وقررتي تيجي تستقري معايا
الخبر ده هاينزل في مجلات المجتمع خلال 24 ساعة.
ليلى بذهولٍ: بس أنا معروفة إني ليلى مهران الراعي. إزاي في يوم وليلة أبقى بنتك؟!
ابتسم "دياب" باستخفافٍ قائلًا:
-مين إللي يعرفك يا ليلى؟
صاحبتك نوران؟ عيلة الراعي؟
ماتستغربيش. أنا طول الفترة إللي فاتت كنت بدرسك بس
وعرفت عن حياتك إللي عدّت كل حاجة تقريبًا
دايرتك كانت محدودة أوي. وده كان بسبب نديم الراعي
كان قافل عليكي. ونتيجة ده ماكنتيش تعرفي ناس كتير
دي ميزة أنا شخصيًا ممكن أشكره عليها. لأنه سهّل عليا حاجات كتير
أهم الحاجات دي إني هاعلنك للناس كـ بنتي من صلبي. ومحدش ممكن يشك في ده
حتى لو حد حاول يتكلم.. أنا هاقطع له لسانه قبل ما يفكر.
لم تنفك ترمقه بنظرات الدهشة وهو يتكلم بتلك الأريحية أمامها، لم ترى في حياتها رجلٌ واثق وهادئ بهذا القدر سوى مرةً واحدة، هذا الرجل هو "نديم".. الرجل الذي تحبه وتكرهه في آنٍ واحد ..
ولكنها لا تدري أيّ شعور سوف يتغلّب على الآخر في نهاية ذلك النِزال؟
أهو الحب.. أم الكراهية!!
-السلام عليكم!
انتبه ثلاثتهم للصوت الأنثوي المنبعث من الخلف ..
هتف "رياض" من مكانه مرحبًا:
-جنينة.. أهلًا يا بتّي
حمدلله على السلامة تعالي..
اقتربت فتاة يافعة من المجلس الصغير، مقبولة الشكل، سيئة الهيئة
ثيابها ليست متناسقة البتّة، مؤلفة من جلباب مزركش، تعلوه عباءة مفتوحة مرصّعة بأردأ أنواع اكسسوارات الأزياء!
أشاحت "ليلى" ناظريها عن الفتاة ناظرة إلى جدّها الذي عرفهما ببعضٍ ما أن صارت الأخيرة قريبة كفايةً:
-ليلى بت دهب بتّي يا جنينة.. ليلى
دي جنينة. مرت كرم ولد غنيمة.
موجة من الغضب المستعر اندلعت بقلبها فجأة فور نطقه لأسم تلك المرأة اللعينة ..
تمالكت "ليلى" إنفعالاتها وعاودت النظر إلى الفتاة الماثلة أمامها مرددة بثباتٍ:
-أهلًا!
أومأت الأخيرة لها مبتسمة ببشاشة، وسارت نحو "رياض" تنحني على يده لتقبّلها بينما يسألها:
-إوعك تكوني جاية لحالك!
-لاه يا جدي. كرم جه جابني من بيت أبوي لحد هنا
بس طلع جال وراه مشوار مهم.. أومال فين أما غنيمة؟
-تلاجيها في أوضتها. شوية وتطلعي تشوفيها
أجعدي بس أرتاحي من السكة.. أجعدي عشان العيّل إللي في بطنك ده.
استمعت "ليلى" جيدًا لعبارة جدّها الأخيرة، وراقبت الفتاة وهي تجلس بجوار "رياض" ممسكة أسفل بطنها والتعب يبدو على محيّاها.. إذن
حبلى!
زوجة ابن "غنيمة".. "غنيمة" التي قتلت جنينها..
حبلى!!!
-أنسة ليلى!
تطلّعت "ليلى" نحو إحدى المستخدمات وردّت:
-نعم يا عفاف؟
-في واحدة برا بتقول إنها صاحبتك وعاوزة تشوفك.. أسمها نوران.
وثبت "ليلى" واقفة من فورها وهي تهتف بجذل:
-نوران. دخليها
دخليها حالًا..
ونظرت إلى "دياب" كأنما تطلب الإذن:
-نوران دي صاحبتي إللي لسا كنت بتتكلم عنها..
دياب مبتسمًا: تنور
حبايبك كلهم بيتنا مفتوح لهم في أي وقت.
جاملته "ليلى" بابتسامة وقالت:
-هاطلع أقابلها في الجنينة. عن إذنكوا!
وهرولت مسرعة إلى الخارج ..
تقاطع طريقها بطريق صديقتها المقرّبة وسط باحة المنزل، قفزت "ليلى" عليها ما إن رأتها وعانقتها بقوة مغمغمة:
-نونووووو
وحشتيني يا دبدوبة..
وضحكت بمرحٍ كبير
لكنها تلاحظ عدم تعاطي الخيرة معها، فترتد عنها معقّبة بمزاحٍ:
-أنا بهزر وبنكشك على فكرة. انتي لسا بتضايقي من كلمة دبدوبة؟
طيب ياستي ماتزعليش. انتي حتى خسيتي شوية..
واستغفرت لكذبتها في سرّها ..
لكن "نوران" لا تزال على صمتها وتجهمها، لتقول "ليلى" وقد تلاشت ابتسامتها تمامًا:
-في إيه يا نوران؟ مالك؟
وصحيح انتي عرفتي إزاي مكاني؟
يابنتي.. أنا بكلّمك!!
بزغت دمعة بعينها اليُسرى حين خرج صوتها أخيرًا مهزوزًا مكسورًا:
-ليلى.. ليلى انتي لازم تنقذيني أنا وبابا من نديم
نديم مصمم يدمرنا. وده كله بسببك!!!