رواية وصية حب الفصل العشرون20 والحادي والعشرون21 بقلم نسرين العجيلي

رواية وصية حب الفصل العشرون20 والحادي والعشرون21 بقلم نسرين العجيلي
الممر كان ساكت بطريقة تخوّف، صمت يشبه الصمت اللي قبل العاصفة، مش صمت مرض في سرير.
ياسر كان واقف قصاد باب العناية، إيده على راسه، نفسُه يطلع ويتقطع، ينزل ويتقطع، زي واحد بيغرق ومش لاقي حتة هوا.

روان واقفة جنبه، مش قادرة تسيبه، مش قادرة تقرب منه زيادة. واقفة بس بتسند وجوده.

الممرضين رايحين جايين، صوت الأجهزة جوّا، وهو مش سامع غير كلمة واحدة، الكلمة اللي اتقطعت :

"ملك… ورو… را…"

روان قربت خطوة، بصوت هادي : 
– ياسر، أقعد، إنت شكلك مش طبيعي.

ما ردش، ولا حتى بَصّ. هو كان في دنيا تانية، الدنيا اللي فيها مراته محبوسة ورا باب، ومش عارف هتتنفس ولا لأ.

بعد عشر دقايق من الجحيم.. طلع الدكتور.

ياسر جري عليه : 
– طمّني يا دكتور، بالله عليك طمّني.

الدكتور مسك ورق الأشعة وهو بيقول : 
– هي لسه في حالة حرجة جدًا، التنفس مش ثابت، وفي إنهيار مناعي واضح. هنحاول نثبت الأكسجين والأدوية على أعلى جرعة، وبعدين نبقى نشوف.

ياسر حاسس الأرض بتتهز تحته.

روان : 
– يعني فيه أمل؟

الدكتور بص لثواني، وقال : 
– إحنا عملنا اللي نقدر عليه، والباقي عند ربنا.

الجملة دي ما بتطمنش، جملة بتتقسم نصين :
نص أمل… ونص وداع.

سكت الدكتور ومشي. ياسر قعد على الكرسي اللي في الممر، جسمه كله وقع. روان قربت منه ببطء :
– ياسر، لازم تاكل لقمة، تشرب حاجة.

هزّ راسه بلا : 
– مش قادر، مش هتتبلع.

كانت لحظة صدق زيادة عن اللزوم. روان قعدت جنبه، مسكت صباع المسبحة اللي كان بيقلّبها، قالت بصوت واطي :
– سارة  قوية، كانت بتدعي ربنا يسهّلك طريقك. مش معقول ربنا هيسيبك دلوقتي.

بس هو ما كانش سامع، ولا شايف، ولا قادر يفهم.
نسرين بلعجيلي 

وفجأة…
رفع عينه عليها، وقال بصوت مبحوح :
– روان… هي كانت بتقول إيه؟ كانت بتوصّيني بإيه؟ كانت هتقول إيه بعد “رو”؟

روان اتجمدت، هي نفسها اتصدمت من السؤال.
قالت بحذر :
– يمكن كانت هتقول “روحي”، “روحك”، أي حاجة. ما تفسّرش الكلمة، ماتعلّقش قلبك بحاجة مش أكيد.

لكن هو قال بكسرة :
– كانت بتقول “ملك… ورو…” ورفع راسه، عينه ثابتة على نقطة مش موجودة :
– سارة عمرها ما بدأت كلمة وما كملتهاش، إلا لو اللي بعدها أهم من حياتها.

روان قلبها وقع. عارفة إن سارة طول عمرها صريحة، ولو كانت هتنطق إسم حد، كانت هتنطقه كامل. لكن دي مش لحظة نفتح فيها باب جديد.

فردّت بسرعة : 
– سارة دلوقتي محتاجة دعاء، مش تحليل لكلامها. ركّز في حياتها، مش في اللي اتقطع منها.

هو بَصّ لها، وعينه لأول مرة من ساعات ترفّ دمعة فيها رجاء مش ذنب :
– إدعيلي.. إدعيلي أصبر.

روان قربت منه، حطّت إيدها على كتفه : 
– ربنا كبير يا ياسر. وربنا مش هياخذ حد بيحبه بالطريقة دي.

وبين الكلمتين، باب العناية اتفتح.

الممرضة قالت : 
– المريضة صحيت دقيقة، وطلبت تشوف “جوزها بس”.

ياسر وقف بسرعة، رجله بتتهزّ.
روان قامت وراه، لكن الممرضة رفعت إيدها :
– المريضة قالت “جوزها بس”.

ياسر دخل وروان وقفت مكانها، قلبها واقع، مش عارفة ليه دمعتها نزلت فجأة.

الظلمة ناعمة، الجهاز بيعلى ويقع، والنبض بيعد بالدقيقة.

سارة كانت نايمة، مش نايمة، لا.. متعلقة بخيط تنفّس. لما سمعت خطواته فتحت عينيها بصعوبة.

إبتسامة خفيفة، كسيفة، لكن كاملة.
مدت إيدها، عارفة إنه هيقرب.

قرب، وقعد، ومسكت إيده، حطّتها على صدرها، على نبضها الضعيف.

همست : 
– ياسر…

– أيوة يا روحي، أنا هنا.

عينيها دمعت، بس ابتسامتها ما راحتش :
– هتسمعني؟ لما… لما أقولك؟

– أسمعك، ولو بنفسي.

أخذت نفس، نفس صعب، وقالت بأبطأ صوت في الدنيا :
– لو… جرالي حاجة… ملك… لازم…
حد… يحبّها… زي ما إنت… بتحبّني.

قلبه وقع. دمعته نزلت على إيدها.

هي كملت :
– أمّك… هتجوزك… سلوى…
بس… أنا… مش… هاسمح.

نفسها قطعها، بس مسكت إيده بقوة :
– روان… روان بنت… قلبها... نظيف… و… بتحب ملك… وخايفة… عليك.

هو اتصدم، إتصلّب، عينه اتسعت.

هي قالت آخر كلمة قبل ما الأكسچين يقطع خيط صوتها :

– جوزها... جوز… روان…

الجهاز صرخ. والدكاترة دخلوا يجَروا. وهو اتسحب برّه، عينه متسمّرة عليها، وقلبه بيقع. مش فاهم لسه، بس فاهم إن آخر كلمة نطقتها :
كانت “روان”.

الصوت العالي بتاع الجهاز رجّ المستشفى كلها، والدكاترة جريوا جوّه كأنهم في سباق مع الموت.

ياسر إتسحب برا الغرفة، رجله بتهوّش، وعينه مش شايفة غير صورة سارة وهي بتلفظ الكلمة الأخيرة :

“روان…”

مش "روحِك"
مش "روّحي"
مش "روح"
لأ…
إسم واضح زي طلقة.

إتسند على الحيطة، إيده على صدره، نَفَسه بيتقطع زيها.

روان كانت واقفة في نص الممر، وأول ما شافته اتسحب من جوّه،
جريت عليه :
– ياسر! قلّي، إيه اللي حصل؟

هو مش بينطق، عينيه ثابتة، مش على روان، لأ، على الأرض، على الفراغ.

قال كلمة واحدة، بصوت مشوّه :
– قالت… إسمِك.

روان اتجمّدت، دمها برد، وشّها بقى أبيض كأنها اللي جالها انهيار :
– إسمي؟! ليه؟ قالت إيه؟!

ياسر رفع عينه عليها لأول مرة، عين راجل اتشقلبت حياته في لحظة :
– بتوصّيني إنك تبقي مراتي.
Nisrine Bellaajili 

روان رجعت خطوة ورا، إتخبطت في الكرسي اللي وراها، مش مصدّقة، مش مستوعبة، مش قادرة حتى تتنفس :
– إنت… إنت بتقول إيه؟! سارة؟ سارة تقول كده؟!

هو مسك دماغه، وزعق بصوت واطي كأن نفسه خانه :
– قالت «ملك… وروان» وقالت إن أمي هتجوزّني سلوى وهي مش راضية ومش هتسامح، ومش عايزة بنتي تتربّى في بيت مش بيتي.

دموعه نزلت، وأول مرة ينهار قدّام روان بالشكل ده.
روان، رغم صدمتها، رغم رجليها اللي مش شايلينها، حطّت إيدها على بقها وهمست :
– يا رب.. يا رب دي بتموت وبتفكر في بنتها، وفيك، وفيّ أنا؟

ياسر هزّ راسه وهو بيبكي :
– قالت “اتجوزها” قبل ما صوتها يقطع. كانت بتكلّمك، بتكلّم القدَر، بتكلّم الدنيا كلها.

روان قعدت على الأرض، مش قادرة توقف من صدمتها. عيونها مفتوحة، دموعها نازلة من غير صوت :

– لأ.. دي سارة مش ممكن تقول كده، مش ممكن!

ياسر قرب منها خطوة، صوته مرّ، مكسور، مخنوق :
– أنا مش فاهم ولا عارف أعيش اللحظة. بس اللي متأكد منه إنها قالت إسمِك وهي بتموت.

روان ضربت صدرها بإيدها، مش قادرة تتحمل الشعور :
– أنا ما ينفعش، أنا ما اقدرش، أنا بحبّها زي أختي، أتجوز جوزها؟! ده جنان. سارة كانت في حالة بين الحياة والموت، يمكن كانت بتقول أي كلام، يمكن كانت بتخرف.

ياسر قرب أكثر، وصوته اتحوّل لضحكة باكية :
– سارة؟ تخرف؟.دي آخر واحدة تخرف. دي لو هتموت، هتموت وهي راكّزة ومسمعاني الكلمة اللي تقتلني بعد موتها.

روان صرخت :
– طب وبعدين؟ عايزني أعمل إيه دلوقتي؟ أدخل أشوفها؟ ولا أهرب؟ ولا أقول لملك إيه لو ماتت؟ إن ماما قالت لبابا يتجوز روان؟! ده خراب بيوت يا ياسر.

ياسر مسك دماغه، وقال بصوت مهزوم :
– أنا… أنا تايه. مش قادر أتنفس، مش قادر أفكّر، مش قادر أصدّق.

روان قربت منه، وحطّت إيدها على كتفه، وقالت بصوت من جوّا قلبها :
– ياسر، لو ده حصل، لو دي وصيّتها، يبقى القرار مش بتاعك،
ولا بتاعي، ده قدَر.

سكتت ثواني، وبعدين قالت الجملة اللي قصمتها :
– بس لو هي عايشة، ما تفتحش الكلام ده. لو قامت، هتتكسر منّنا إحنا الاثنين.

ضحكة ياسر خرجت مكسورة :
– تقوم؟ دي دلوقتي بين الحياة والموت.

روان دمعتها وقعت على الأرض :
– ومافيش مستحيل على ربنا. ما ندفنش سارة وهي عايشة.

سكتوا…
نسرين بلعجيلي 

والممر كان بيترعش من الصمت. وبعدين، باب العناية اتفتح فجأة.

والممرضة قالت بصوت عالي :
– المريضة محتاجة نقل دم بسرعة، الضغط بينهار.

صرخوا الاثنين في نفس اللحظة :

– يااااارب.

ياسر جري، وروَان جريت وراه، والممر كله جري.
والقدَر كان واقف في النص، مجهز سيفه، ومستني ياخذ أول إسم. صوت العجلات اللي بتتزق على الأرض كان بيخبط في قلب ياسر قبل ودانه. الممرضة بتجري، والدكتور وراها، ووراهم جهاز الضغط بيتحرّك بسرعة.

روان واقفة على جنب الممر، صدرها بيعلى وينزل بسرعة، مش عارفة تمدّ إيدها ولا تتراجع، واقفة بين خوفين :
خوف على سارة، وخوف من الكلمة اللي قلبت حياتها : “روان… جوزها.”

أما ياسر، فكان ماشي ورا النقالة زي شبح. عينيه على وشّ سارة اللي باين منه نصه بس، شفتين باهتين، وجهاز الأكسجين بيطلع بخار خفيف حوالين الماسك.

دخلوا غرفة الطوارئ الخاصة بالعناية، والممرض قفل الباب في وشّه :
– إستنى برا يا أستاذ من فضلك.

الباب اتقفل بقسوة، والحياة اتقفلت معاه.

ياسر اتكعبل وهو بيرجع خطوة، مسك الحيطة بإيده، وحسّ إن الدنيا لفت.

روان قربت بسرعة، مسكت دراعه قبل ما يقع :
– ياسر، بالله عليك إوعى تقع. خليك واقف، هي محتاجاك واقف.

ما بصّش ليها، صوته طلع واطي جدًا، زي حد بيتكلم مع نفسه :
– لو… لو جرالها حاجة، أنا خلصت، أنا مش هاعرف أربي ملك، ولا هاعرف أعيش. هي كانت روحي، كانت السبب إني راجل. أنا… أنا هضيع.

دمعة نزلت من روان، ومدّت إيديها ومسكت وشّه بين كفيها لأول مرة من يوم ما عرفته :
– لأ. إسمعني كويس، سارة عايشة لأنك جنبها. وربنا كبير. واللي بيحبّك بالشكل ده، مش هيسيبك لوحدك.

رفع عينه لها، ولأول مرة من أول الليلة، عينيه استقرت على وشّها بجد. كانت لحظة صدق، ولحظة وجع، ولحظة إعتراف بين سطور مكسورة.

لكن الباب اتفتح فجأة. ممرضة خرجت بسرعة وقالت :
– مين منكم فصيلة دمه O- ؟

ياسر قال بسرعة :
– أنا، أنا فصيلتي O-.

الممرضة هزّت راسها بسرعة :
– تمام، إلحقني محتاجين أكياس دم فوري.

جري معاها، وروَان رجعت خطوتين لورا، قلبها بيتقطع وهي شايفة الراجل اللي بتحبه سارة، واللي عمرها ما سمحت لقلبها ينظر له نظرة زيادة، داخل يديها حياته.

سندت ظهرها على الحيطة وشهقت شهقة مكتومة.

همست لنفسها وهي بتبكي :
– يا رب.. يا رب.. ما تاخذهاش.. ما تاخدهاش يا رب.

بعد نص ساعة…
ياسر خرج من غرفة التبرع، وشّه شاحب، إيده فيها قطن، بس قلبه مش في جسمه.

روان جريت نحوه :
– عملت التبرع؟ إدّيت الدم؟

ياسر هزّ راسه، واتكعبل في كرسي وقعد.
روان قعدت جنبه، وبصوت كله خوف قالت :
– طيب، قالولك حاجة؟ الدكتور قال إيه؟

هو لفّ وشه ناحيتها، عينه حمرا، وقال بصوت ضعيف :
– قالوا إن الدم لحقها قبل ما الضغط يختفي خالص. بس لسه،
لسه حياتها على السطر.

روان حطّت إيديها على وشها وبكت بدموع ساخنة :
– سارة قوية، سارة هترجع، سارة مش هتسيب ملك ولا هتسيبك،
ولا هتسيبني.

ياسر لفّ لها ببطء كأنه أول مرة ياخذ باله إنها مكسورة :
– إنتِ … إنتِ بتحبيها قدّي؟

روان ببكاء مكتوم :
– أكثر .. أكتر من نفسي.

الاتنين سكتوا…
ودقيقة ورا دقيقة الباب اتفتح.

الدكتور خرج وشه مرهق وفيه نظرة ما يعلمهاش غير اللي اتعامل مع الموت مليون مرة.

ياسر وقف بسرعة :
– يا دكتور!! سارة عاملة إيه؟!

الدكتور أخذ نفس طويل وبعدين قال :
– المريضة فاقت.

روان شهقت :
– فاقت؟! بجد؟!

الدكتور رفع إيده يهدّيهم :
– فاقت، لكن وعيها مش كامل. هتدخل حالة تشتت وهتقول كلام من اللاوعي. ممنوع نضغط عليها. وممنوع أي حد يسألها أسئلة مؤذية أو متعبة.

بَصّ لياسر تحديدًا :
– لو دخلت، خليك ثابت. وما تجيبش سيرة وصايا ولا خوف ولا موت.

ياسر بلع ريقه، وقلبه وقع.

الدكتور بصّ على روان :
– وإنتِ، مش هينفع تدخلي دلوقتي. هي محتاجة تشوف جوزها بس..ده الطبيعي في حالات الصدمة.

روان حسّت إن كلمة "جوزها"
لسعت قلبها زي نار. هزّت راسها وقالت :
– حاضر.
نسرين بلعجيلي 

ياسر قرب من الباب، إيده بترتعش، ورجليه تقيلة، لكن قبل ما يدخل، روان نادته بصوت واطي، صوت بيترعش :
– ياسر…

لفّ لها.

روان قالت بخوف حقيقي :

– لو.. لو قالت حاجة ثانية، لو قالت إسمي ثاني، لو اتكلمت عن اللي قالته قبل ما تقع...

بصّت له بعمق :
– ما تصدّقش،فما تاخذش قرار وهي بين الموت والحياة. إستنى لحد ما تبقى سارة، مش ظلّ سارة.

ياسر إتنفس وشّه في تراب الدنيا وقال :
– أنا مش داخل أدور على وصية،
أنا داخل أدور على مراتي.

ودخل. وروَان، أول ما الباب اتقفل، حطّت إيديها على قلبها وقالت:
– يا رب إقبض الوجع من قلبي، بس ما تقبضش روحها.

*وصيّة حب*

الفصل الحادي والعشرون

بقلم نسرين بلعجيلي
Nisrine Bellaajili 

الهدوء جوّه العناية كان غريب، صوت الأجهزة بيعدّ نبض، والضوء خافت، والهواء فيه ريحة دوا وتعقيم وخوف.
ياسر دخل بهدوء، قلبه بيخبط في صدره. قرب من السرير، لقاها فاتحة عينيها، أهدى شوية من المرة اللي فاتت، بس التعب لسه ساكن ملامحها.

إبتسمت إبتسامة صغيرة :
– إتأخرت ليه؟

صوته اتكسر وهو بيحاول يضحك :
– كنت برّه بادعي.
قرب، مسك إيدها بحنان :
– حمد الله على سلامتك يا سارة.

بصّت له بجدية غريبة، مش شبه سارة اللي بتضحك وتهزر :
– ياسر… أنا فايقة.
قالتها كأنها بتأكد له وللدنيا كلها :
– مش بخرف، ولا بقول كلام هري. أنا عارفة كل كلمة قلتها من شوية، وعارفة اللي ناوية أقوله دلوقتي.

إتشد من جوّه :
– يا سارة، الدكتور قال إنك تعبانة، وممكن تقولي كلام من اللاوعي يعني...

قطعت كلامه :
– لأ.
نطقتها بهدوء، بس فيها قَطع :
– أنا مش مهلوسة. أنا في آخر امتحان في حياتي، ومش عايزة أغلط فيه.

سكت، قلبه بيخبط.

هي كملت، وهي بتزيح الماسك شوية عشان تقدر تتكلم :
– ناديلها.

رمش :
– مين؟

– روان.
إسمها نزل تقيل في الهوا :
– عايزاها تدخل ولو خمس دقايق.

ياسر اتلخبط :
– الدكتور قال زيارة شخص واحد بس.

سارة ابتسمت ابتسامة متعبة :
– طيب قول للدكتور إني عايزة أشوف "أختي"، مش هيمانع.
نسرين بلعجيلي 

خرج ياسر، وبعد شوية رجع ومعاه الممرضة، ووراها روان، دخلت بحذر، قلبها في رجلها، عينيها مليانة خوف ودمع منحبس.

روان بصوت واطي :
– يا روح قلبي، خوفتينا.

سارة لمست هوا إيديها بإيدها الضعيفة :
– تعالوا جنبي.. إنتم الاثنين.
أشارت ليهم يقربوا.

ياسر وقف ناحية اليمين، روان ناحية الشمال، وهي في النص، نقلة قدر.

سارة بصّت ليهم واحد واحد، وبعدين قالت بهدوء غريب :
– أنا مش هلف ولا أدور… ولا عندي وقت أضيّعه. يا ياسر… يا روان… أنا عايزاكم تتجوزوا.

روان اتجمّدت في مكانها :
– إيه؟!
كلمة واحدة خرجت، بس كانت مليانة صدمة وقهر وخوف.

ياسر فتح بُقّه ومش عارف حتى يعترض :
– سارة.. إحنا اتفقنا ما نفتحش الكلام ده..

– لأ، أنا اللي باتفق.
ردّت بسرعة رغم تعب نفسها :
– دي حياتي… وملك… ومستقبلك إنت وهي.

روان هزّت راسها بعنف، دمعتها نزلت :
– إنتِ تعبانة، الكلام ده حرام يتقال وإنتِ في الحالة دي. أنا أتجوز جوزك؟! إزاي؟! إزاي أبص في عينيك بعد كده؟!

سارة ابتسمت ابتسامة موجوعة :
– عشان تبصي في عينين بنتي وتطمني إنها في بيت أمان. بصي يا روان… سلوى وأم ياسر مش هيسيبوه في حاله. سلوى واقفة من زمان، ومستنية الباب يتفتح. وأنا… مش هاقبل إن ملك تكبر في بيت وحدة مش بتحبني… ولا بتحبها… ولا هتشيلهم زيك.

ياسر اتكلم لأول مرة بجدية :
– يا سارة، كفاية.. أنا مش هتجوز حد، لا دلوقتي ولا بعدين. مش قادر أستوعب فكرة إنك… إنك تمشي أصلاً، عايزاني أفكر في جواز؟!

سارة بصّت له، عينها لمعت بدمعة ثقيلة :
– الجواز مش خيانة ليا يا ياسر.. الخيانة إنك تسيب بنتك لناس ما يرحموهاش. أنا مش باطلب منك تحب روان زيّي… ولا إني أسيب مكانها في قلبك. أنا باطلب ستر... وظهر… وبيت ما يتخرّبش.

روان قالت وهي بتبكي :
– بس أنا مقدرش، أنا بحبّك يا سارة، أكتر ست دخلت قلبي بعد أمي. إزاي ألبس فستان جواز على خرابة قلبك؟!

سارة ضحكت ضحكة قصيرة، مكسورة لكنها دافئة :
– والله يا بنتي… لو كنت بغير، ما كنت رشحتِك. أنا مش ست ضعيفة.. ولا واحدة هتسيب جوزها لأي حد. أنا اخترتك إنتِ… عشان أنا مطمنة إنك هتحبيه "ليَّ" قبل ما تحبيه "لنفسِك".

رجعت تبصّ لياسر :
– وانت… فاكر لما قلتلك زمان : "لو جرالي حاجة، ما تسيبش ملك لوحدها"؟ ساعتها ضحكت وقلتلي : "ده كلام مسلسلات". أهو إحنا عايشين في المسلسل دلوقتي… بس من غير مؤلّف… فيه أنا، وانت، وربنا.

سكتت لحظة تاخذ نفس، صدرها بيعلى وينزل بصعوبة. المونيتور جنبها بيعلن كل نبضة.

قالت بصوت أبطأ :
– أنا مش هطلّق… أنا هفضل على ذمّتك لحد آخر نَفَس. بس الشرع محلّل إنك تتجوز… وأنا اللي باطلب… إني أكون موجودة… وأنا باسلّم قلبك بإيدي لحد أمين.

روان شهقت :
– لااا… بالله عليكِ ما تقوليهاش كده، ما تقوليش "أسلّم قلبك"… قلبه ليكِ إنتِ.
Nisrine Bellaajili

سارة مدت إيدها بصعوبة ولمست خدّها :
– قلبه ليّا… وأمانه عندك. فيه فرق.

ثم قالت بجملة قطعت الليلة نصين :
– أنا عايزة المأذون ييجي هنا.. النهارده.

ياسر اتصدم :
– إيه؟! مأذون؟! في المستشفى وإنتِ على السرير كده؟!

– أيوه.
نطقتها بهدوء تام :
– عايزاه يشهد عليّ… وعلى وصيّتي… وعلى جوازكم… قدّامي.

روان قامت من مكانها خطوة لورا، لحد ما خبطت في الحيطة :
– لا… لا يا سارة، ده ظلم لنفسِك،وظلم ليا، وظلم ليه. إزاي يتكتب كتاب وإنتِ على جهاز أكسجين؟!

سارة بصّت لها نظرة ستّ وصلت لمرحلة ما عادش فيها غير الصدق :
– عشان لو نمت… أنام وأنا مطمّنة. مش عايزاكم تتجوزوا بعد ما أموت، عشان ما تقولوش: "استنينا موتها". عايزة كل حاجة تكون نور، ما فيهاش نقطة سواد. جوازكم قدّامي… هو براءتكم قدّام ربنا.. وقدّام نفسي.

ياسر قعد على الكرسي، مسك راسه :
– أنا… مش قادر. مش قادر أتصوّر نفسي واقف قدّام مأذون، وإنتِ نايمة على سرير عناية.

سارة همست :
– عشان كده… لازم تعملها. الحاجات الكبيرة ما بتتعملش وإحنا مرتاحين، بتتعمل وإحنا مرعوبين.. بس قلبنا راضي.

بصّت له بعينين مليانين حب :
– حلفتك بحبك ليا… وحبنا لملك... ما تكسرليش آخر طلب.

سكت…
الدموع نزلت غصب عنه.
روان قربت من السرير، مسكت إيد سارة، حطّتها على قلبها :
– ولو أنا اللي مش راضية؟ لو قلبي مش مستحمل الفكرة؟ لو عمري ما قدرت أبصّ في المراية بعد الجواز ده؟

سارة ردّت عليها بجملة واحدة :
– لو بتحبّيني… هترضيني.

سكتت لحظة، وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة :
– وبعدين… إنتِ أكتر واحدة كنتِ بتقولي "الحب مش بس إحساس.. ده مسؤولية". أهو… مسؤوليتك جت أهي.

الهدوء نزل على الغرفة ثواني. ياسر مسح دموعه بعنف، وكأنه بيحارب نفسه :
– طيب، لو جبت المأذون وجوزني ليها، ووافقت على كلامك، هتسبيهالي "أمانة"؟ مش ذنب؟

سارة أومأت برأسها، بعينين مطمّنين بطريقة غريبة :
– أمانة… مش ذنب. ولو ربنا كتب لي عمر… هتبقى أول مرة في التاريخ واحدة تبقى مبسوطة إنها شريكة قلبها مع صاحبتها.

دمعة ضحك نزلت من روان وسط الدموع :
– يا رب على عقلك، حتى وإنت بتتكسّري، دماغك شغّالة سخرية.

سارة همست :
– حياتنا كانت بين الضحك والوجع… خلي نهايتي كده برضه.

بصّت لياسر ثاني :
– روح… كلم الشيخ اللي في جامعنا. هو مأذون برضه. وقوله : "سارة عايزاك تشهد على جواز، قبل ما تمشي."

ياسر واقف بين أكبر قرارين في حياته. بَصّ لروان… لقاها مرعوبة، بس واقفة ما هربتش.

روان مسحت دموعها، وقالت بصوت مبحوح :
– لو ربنا كتبلك عمر… هتفضلي إنتِ الأولى والأخيرة في قلبه. ولو مشيّتِ، هحاول أكون قدّ الكلام اللي قلتيه. بس ما تطلبيش مني أفرح.

سارة ابتسمت :
– مش عايزاكِ تفرحي… عايزاكِ ترضي.

سكتت لحظة، ثم همست :
– موافقة؟

روان بكت أكثر، بس هزّت راسها بنعم، نص رضا… نص انكسار… كله حب.

ياسر اتنفس نفس طويل جدًا كأنه أخذ أول قرار واعي من ساعة ما دخل المستشفى :
– هروح أكلمه.

خرج من الغرفة، وسارة فضلت لوحدها مع روان.
روان قعدت جنبها، خدها جنب خدها، وهمست :
– يا سارة، لو في يوم حسّيتي إني مش قدّ الأمانة، سامحيني.

سارة قالت بصوت ضعيف قوي، لكنه ثابت :
– أنا اخترتك عشان عمري ما هحتاج أسامحك... أنا اللي هافضل أدعيلك من هنا أو من هناك.

برّه…
صوت خطوات ياسر وهو بيجري في الممر يدور على الشيخ.

وجوّه العناية…
كانت في ستّ بتكتب آخر سطور في حكايتها بإيديها، وبتسلّم قلب راجل وبنت صغيرة، لوَصِيّة حب مش شبه أي حب.

ياسر خرج من غرفة العناية بعينين تايهين، إيده بتعرّق، وصدره بيطلع وينزل بسرعة مش طبعية.

الكلمة لسه بتلف في ودانه :

"جوزها… روان…"

وقف في نص الممر، مسك الموبايل بإيد مرتعشة، ودوّر على إسم الشيخ يحيى، الراجل اللي كتب كتابه على سارة من سنين. المكالمة فتحت بعد ثلاث رنّات.

ياسر بصوت مبحوح :
– يا شيخ يحيى، ماعلش سامحني على الوقت، بس سارة... سارة عايزة تشوفك دلوقتي.

الشيخ يحيى :
– خير يا ابني؟ صوتك مش طبيعي، مالِك؟

ياسر :
– بالله عليك ماتسألنيش دلوقتي، تعالى بس المستشفى، وتعالى بسرعة اوي.

صوت الشيخ اتغيّر فجأة، بقى جد :
– أنا في الطريق،  دقايق وهاكون عندك.

قفل الخط، حط إيده على راسه، وحسّ إن قلبه نزل تحت رجليه.

رجع للممر…
روان كانت واقفة مستنياه، وشها شاحب وعينيها حمراء من كتر البكا.

روان :
– كلّمت مين؟

ياسر :
– الشيخ يحيى، سارة عايزاه.

روان شهقت :
– دلوقتي؟!

هزّ راسه، وملامحه مكسورة بطريقة تخوّف :
– آه، قالت إسمه وقالت لازم ييجي.

روان حسّت رجليها بتتشلّ، عارفة معنى طلب زي ده، ده مش طلب حياة… ده طلب نهاية.

قعدوا هما الاثنين على الكراسي، وكل ثانية كانت أبطأ من اللي قبلها.

بعد دقايق قليلة…
ظهر الشيخ يحيى من آخر الممر. جاي بخطوات سريعة، ملامحه جد،
ورحمة في عينه.

قرب منهم :
– خير يا ياسر؟ إيه اللي حصل؟ سارة فين؟

ياسر ما عرفش يرد غير بجملة :
– هي… هي اللي طلبتك بنفسها.

الشيخ فهم من غير شرح، من غير تفاصيل.

هزّ راسه، وقال بهدوء :
– دخلني ليها.

داخل غرفة العناية، سارة كانت فايقة، مش فايقة بمعنى صحي، فايقة بمعنى الروح مسنودة في آخرها. عينها وقعت على الشيخ، إبتسامة ضعيفة طلعت، إبتسامة واحدة من اللي بيقولوا :
"كنت مستنياك…"

الشيخ قرب :
– الحمد لله إنك واعية يا بنتي، قوليلي.. وصّيتك إيه؟

ياسر واقف على يمينها، روان واقفة على شمال السرير، غصةفي حلقها.

سارة مدت إيدها المرتعشة، لمست دراع ياسر، وبعدين لمست صوابع روان، ولمست الهوا اللي بينهم. وقالت بصوت مكسور، لكن ثابت :
– يا شيخ يحيى… أنا بطلب…
تشهد… على جواز… روان…
من… من جوزي… ياسر.

الكلمة نزلت في الغرفة زي الصاعقة. روان شهقت، وشها اتفتح من الصدمة :
– لا… لا يا سارة، بلاش الكلام ده، إنتِ تعبانة.

سارة هزّت راسها بصعوبة :
– أنا… مش… بخرف. أنا… أمّ… قبل ما أكون زوجة. وملك… محتاجة قلب نظيف… يدخل بيتها… مش قلب غريب.

الشيخ قرب أكتر، وقال بصوت رسمي :
– قبل ما نبتدي، هاسألك يا سارة :
هل إنتِ موافقة بإرادتك؟ وبعقلك؟ ومش مكرهة، ولا مضغوطة؟

سارة أخذت نفس طويل، وطردته زي زفرة عمرها كله :
– موافقة… وعلى يقين… وبحب…  وروحي راضية.

روان حطت إيدها على بؤها تبكي :
– أنا… أنا مش قد الأمانة دي… أنا مش قدّ قلبك يا سارة…

سارة مدت لها إيدها، روان مسكتها وهي بتنهار :
– إنتِ... أكتر وحدة… كنتِ بتخافي على ملك… وأكتر وحدة… كنتِ بتدعيلي أنا وياسر. إنتِ… مش غريبة.. إنتِ… من قلبي.

ياسر كان واقف زي الحجر، دموعه بتنزل، وصوته مش طالع.

الشيخ قال :

– يا ياسر… إنت موافق؟ موافق تنفيذًا لوصيّتها؟ ولا شايف غير كده؟

ياسر رفع عينه لسارة، هي بصلته نظرة فيها قلبها كله :
– لو بتحبّني… سيبني أرتاح ونفّذ... آخر طلب ليا.

دموعه نزلت غصب عنه، وقال بصوت واطي :
– أقبل، عشانك إنتِ، مش عشان الدنيا.

الشيخ لف لروان :
– وإنتِ؟ موافقة؟ ومستعدة تشيلي أمانة بالحجم ده؟

روان رفعت راسها، دموع في كل اتجاه، وقالت :
– أقبل… عشانها. سارة أكبر منّنا كلنا.

الشيخ فتح الدفتر، وقال بصوت رسمي :
– باسم الله نبتدي…

“ولما الشيخ قال : «بارك الله لكما…»، سارة قفلت عينيها بهدوء، كأن القلب أخيرًا لقى السكينة اللي كان بيدوّر عليها. إتسندت روحها بين صوت الدعاء… وصمت النهاية.
وفي اللحظة دي… عرف ياسر إن الفصل ده مش ختام حكاية، ده بداية إمتحان … هيغيّر مصير ثلاثة قلوب إلى الأبد.”

وروح سارة ارتاحت… عينيها دمعت… وشفايفها ابتسمت إبتسامة صغيرة… إبتسامة وداع…
مش فراق.

تعليقات



<>