رواية وصية حب الفصل العاشر10 والحادي عشر11 بقلم نسرين العجيلي

رواية وصية حب الفصل العاشر10 والحادي عشر11 بقلم نسرين العجيلي
الصبح ما طلعش.. 
الصبح اتجرّ على نفسه وجا متأخر، كأنه هو كمان خايف يواجه اليوم.
نور خفيف دخل من الشباك، مش زي الأيام اللي فاتت، ولا حتى زي امبارح، نور باهت، زي الحياة لما تفضل واقفة على باب حزن كبير وبتتنفّس بالعافية.

سارة صحيت، مش من نوم، من تعب. دماغها تقيلة، عنيها كأن حد حاطط عليها رمل، وبطنها بتوجعها، وجسمها بيتخانق مع نفسه. حاولت تقوم من السرير، رجليها خانتها ثانيتين واتمسكت في طرف الدولاب. نَفَسها اتقطع وقالت لنفسها بصوت جوّاها :
"إديني يوم جديد يا رب، يوم واحد بس من غير خوف.

دخلت الحمام تغسل وشها، بس لما قربت من المراية، إتخضت من نفسها. لونها باهت، شفايفها فاتحة، وتحت عنيها سواد عامل زي ليلة نايمة فيها حرب.
فتحت المية، غسلت وشها، وبعدين وقفت ثانية مكانها ما اتحركتش. كإنها خايفة لو قامت تقع.
نسرين بلعجيلي 

في الصالة، ملك كانت قاعدة لابسة الشنطة، بتلعب في ساندويتشتها.
ياسر كان بيحط مفاتيحه في جيبه، بس أول ما شاف سارة خارجة من الأوضة.. وقف. مشي ناحيتها بسرعة كأن قلبه سبق عقله :
سارة؟ وشّك ليه كده؟ إنتِ تعبانة قوي النهاردة.

سارة ابتسمت ابتسامة صغيرة، إبتسامة من النوع اللي بتتعمل بالعافية :
عادي… يمكن اتحركت بسرعة.

مال على وشها، إيده على جبينها :
سخنة، وجسمك تعبان، وصوتك مش صوتك.

ملك قربت، مسكت إيد أمها بخوف طفولي :
ماما؟ إنتِ مش شبهك انت مابقيتش زي زمان .

الجملة ضربت صدر سارة زي سهم صغير. ركعت أدام بنتها، مسكت خدّها وبصت في عنيها :
أنا كويسة، بس جسمي بيقول محتاج راحة شوية.

ملك ضمت رقبتها فجأة، وكأن قلب الأطفال بيعرف الخطر من غير تفسير :
ما تروحيش، أنا مش عايزاكِ تروحي بعيد.

سارة حضنتها، حضن طويل، أطول من العادي. كان فيه خوف، وذعر، وتمسّك بالحياة.
ياسر حس إن حاجة مش طبيعية بتتحرك في البيت النهاردة. مد إيده على شعر سارة ومسحه براحة :

لو تعبانة، النهارده إرتاحي وأنا هبعتلك أكل من بره.

هزت راسها بخفة، بس عنيها قالت اللي لسانها رفض يقوله :

"أنا خايفة."

ملك خرجت للمدرسة، وياسر وقف عند الباب قبل ما يمشي، رجع ناحيتها، مسك وِشها من خدودها :
ما تسيبيش نفسك لوحدك، لو حسّيتِ بأي حاجة كلّميني فورًا.
فهماني؟

سارة ابتسمت، وهزّت راسها : 
حاضر… روح شغلك.

ما كانش عايز يمشي، بس مشي.
ولما الباب اتقفل، الصمت وقع تقيل على الحيطان.

ساعتين بعد خروجه، سارة حاولت تعمل شاي، فطور بسيط، حاجة عادية. بس الإيد اللي كانت بتمسك الكوباية اترعشت، والكوباية وقعت على الرخامة واتكسّرت.
وقفت تتفرج على الإزاز، كأنه بيحكي شكل قلبها. حطت إيدها على جنبها، حسّت نبضها بيتسرع فجأة، وظهرها وجعها، وركبتها تخلّت عنها للحظة. إتمسكت بالرخامة، وهمست لنفسها :
مش دلوقتي يا رب، مش دلوقتي.

عينها دمعت مش من الألم، من الخوف. قعدت على الأرض، دقّات قلبها مش مظبوطة، نفسها مش ثابت.
وموبايلها رن.. إسم "ياسر" بينوّر الشاشة.

ردّت بأسرع ما يمكن قبل ما دموعها تلحق تقع :
ألو!

صوته كان مضطرب، مش صوت رجل في شغله، صوت راجل قلبه مشغول برا البيت :

إنتِ كويسة؟ حاسس في صوتك حاجة غريبة.

هي حاولت تضحك :
لا… ولا حاجة… يمكن برد.

سكت…
وبعد لحظة قال بصوت خالي من القوة :
أنا مش مرتاح. لو فيك حاجة قوليلي بالله عليكِ.

سارة قفلت عنيها، الخوف خرج مع نَفَسها :
ياسر… أنا بتعب بسرعة… جسمي مش بيطاوعني زي الأول.

صوته اتكسر خفيف :
أنا جاي.

سارة :
لا… ما تجيش. كمل شغلك.

ياسر :
شغلي إيه؟ لو فيكِ حاجة أنا مالي بالدنيا كلها؟

قلبها وقع من مكانه. حاولت تجيب قوة من آخر مكان جواها بيخبيها :
أنا مش عايزاك تتعب عشاني.

رد بسرعة من غير ما يفكر :
وأنا مش هعيش من غيرك.

الكلمة كانت أحلى من الحب، وأقسى من الوجع.

Nisrine Bellaajili 
بعد ما قفل، دموع سارة خرجت بحرارة. ما عيطتش بصوت، كانت بتتنفس دموعها. قامت على مهل، جابت النوت بوك تاني، لكن المرة دي رجليها كانت بتسحبها مش هي اللي بتمشي.
فتحت صفحة جديدة :
"لو الدنيا قست عليّا، خلّيكم مكملين، ماحدش يكمّل الحزن لوحده."

وكتبت تحتها :
"يارب، قوّيني لسه أكمل يوم بس يوم."

حطّت القلم…
وبكت بهدوء شديد، زي اللي بيقول وداع صغير قبل وداع كبير وموبايلها رن تاني :
إسم روان.

سارة مسحت دموعها وردّت :

– ألو!

روان ضحكت : 
صباح الخيرات يا روح صاحبتها، عملتِ إيه؟ إحكيلي.

سارة حاولت تخبي ارتعاشة صوتها :
الحمد لله، أنا كويسة.

روان اتغير صوتها فورًا، كأن إحساسها سبق الكلام :
لا… إنتِ مش كويسة، إنتِ صوتك مش صوتك. أنا جاية.

سارة : 
لاااا، إرجعي لشغلك.

روان بحزم ناعم : 
وجودي مش تضحية، وجودي واجب.

سارة صوتها اتشرخ ضعيف جدًا :
أنا خايفة يا روان.

روان ردت بسرعة، بثقة، بحنان، بإيمان :
وأنا جاية، نخاف سوا. ومش هنقع.

الليلة جاية تقيلة، والأحداث هتجرّ على بعض، وخوف سارة هيبقى واضح في كل نفس.
وهنا.. يبدأ العد التنازلي الحقيقي.

الهواء في الشقة كان ساكن، بس مش سكون طبيعي، سكون زي اللي بييجي بعد صرخة ماحدش سمعها.
سارة كانت على الأرض، جنب الكنبة، ونص جسمها متكوّر كأنها بتحضن وجعها.
النوت بوك مفتوح على الصفحة الأخيرة، والكلمات باينة بخطها المائل :
"وصيّة حب"
عنوان كبير، مكتوب بالقلم الأسود،
والسطر اللي بعده ناقص.
القلم لسه واقع جنبها.

في نفس الوقت، روان كانت سايقة عربيتها بسرعة غير عادية، والمطر بدأ ينزل خفيف، كأن السما نفسها بتبكي معاهم من غير ما تعرف ليه.

موبايلها في الإيد التانية، بتحاول تكلم سارة، بس التليفون بيرن ومافيش رد. قلبها بينزل درجة مع كل نغمة.
على الناحية التانية، ياسر كان سايق العربية برعشة خوف واضحة، مش قادر يكمّل شغله لما الإحساس جواه قال له : "إرجع البيت فورًا".
كل إشارة كانت بالنسبة له دقيقة ضايعة من عمرها.
موبايله رن، رقم روان.

ردّ بصوت مضطرب : 
ألو؟

روان : 
أنا قربت  عند البيت، سارة مش بترد.

ياسر صرخ :
إستنيني هناك، أنا جاي دلوقتي.

قفل السكة، وضرب البنزين كأنه بيجري ينقذ آخر نفس من عمره.

وصلوا في نفس اللحظة تقريبًا. روان طلعت على السلم تجري، والخوف في رجليها سبقها. ياسر فتح الباب بمفتاحه بسرعة، الهواء اللي خرج من الشقة كان تقيل، خانق.

ياسر :
– سارة!!
صوته رجّ الشقة كلها.

روان دخلت وراه، عينيها وقعت على الأرض، على النوت بوك المفتوح وعلى سارة.

صرخت بصوت جاي من آخر الروح :
يااااسرررر!!

جرى ناحيتها، ركع على الأرض، شالها بين إيديه بسرعة، إيده ورا راسها وإيده التانية تحت ضهرها،
وصوته بيترعش :
سارة! حبيبتي، فوقي. إسمعيني، أنا هنا.

وشها باهت، نَفَسها بطيء جدًا، وجسمها سايب بين ذراعيه.

روان بتعيط وبتحاول تساعده :
إتصل بالإسعاف بسرعة يا ياسر.

ياسر :
لأ، مش هستنى، أنا هاخذها بنفسي.

نزل السلم بيها شايلها كأنها طفلة، والعالم حواليه إختفى. صوت الخطوات، صوت دقات قلبه، وصوت المطر فوقهم، كلهم بقوا سيمفونية رعب.
روان جريت وراه، فتح باب العربية، وحطّها على الكرسي الامامي ، غطاها بجاكيتته وهو بيقول بصوت مبحوح :
إستحملي يا سارة، بس دقيقة كمان، ونوصل.

روان ركبت عربيتها وراهم، بتبكي وهي بتشوف المنظر قدامها :
ياسر ماسك إيدها، بيمسح على وشها كل شوية، وبيتكلم بكلام مايتسمعش، كأنه بيحكي لربنا مش ليها.
"ما تاخدهاش يا رب، أنا لسه ما شبعتش منها."

الشارع كان فاضي، لكن جواه دويّ قلب راجل بيحارب القدر.
روان بتبص من المراية الأمامية، وشايفة ياسر بيحط راسها على صدره، وبيكلمها بخوف راجل مش عارف يعيش من غيرها :
إنتِ سامعاني يا حبيبتي؟ قولي إنك سامعاني، إفتحي عينيكي بس ثانية، قوليلي "ياسر"، زي ما بتقوليها دايمًا.

صوته اتحشر، عينه دمعت، بس ماوقفش، كمل السواقة كأنه بيهرب من الموت نفسه.

روان بتعيط وهي سايقة وراهم،
بتقول بين دموعها :
يا رب قوّيه، ده راجل مش عادي، ده بيحبها بصدق نادر. خلّيها ترجعله يا رب، ما تحرمهمش من بعض.

وصلوا المستشفى.
ياسر نزل جري، شايلها على كتفه وهو بيصرخ :
دكتور!! حد يلحقها!!

الممرضين جريوا، روان وراهم، والنوت بوك في إيدها، مفتوح على الصفحة اللي مكتوب فيها بخط كبير :
"وصيّة حب."

قلبها اتقبض وهي بتقراها، دمعتها وقعت على الورق.
دخلوا سارة غرفة الطوارئ، والباب اتقفل وراهم.

روان وقفت برا، ووشها بين إيديها،
بتسمع صوت ياسر بيكلم الممرضين من جوّه، صوته متكسر، بيحاول يفهم، بيسأل عن النبض، عن النفس، وبيصرّخ لما يسمع كلمة “ضعيف”.

قعد على الكرسي برا، دماغه بين إيديه، وشه غرقان في دموع عمره ما نزلها حتى وهو بيخسر الدنيا كلها.
روان قربت منه، حطت إيدها على كتفه وقالت بصوت مرتعش :
هي قوية يا ياسر، وسبحان اللي خلق الحب جوّه قلبك بالشكل ده.
هتقوم تاني، صدقني.

رفع راسه ببطء، عينيه حمرا، صوته مبحوح:
لو جرالها حاجة.. أنا اللي هموت. أنا نصّي فيها يا روان. والنص التاني من غيرها مالوش صوت ولا معنى.

بكت هي كمان، وكل اللي قدرت تقوله :
الحب اللي بالشكل ده مش ممكن يخلص بالخسارة. أكيد ربنا كاتب له نجاة.

بعد عشر دقايق…

باب الطوارئ إتفتح، الدكتور خرج بوش متعب، بس ما قالش حاجة.
ياسر قام بسرعة، قلبه بيدق في ودانه، وصوته خرج ضعيف جدًا :
هي… كويسة؟

الدكتور بصله، وبنبرة فيها رحمة وقلق قال :
نقدر نقول مستقرة مؤقتًا. بس لازم تبقى تحت الملاحظة 24 ساعة. هي فقدت وعيها من هبوط مفاجئ وضغط منخفض جدًا.

ياسر حط إيده على وشه، نَفَس طالع من عمق القلب :

الحمد لله… الحمد لله يا رب.

روان مسحت دموعها وقالت في سرّها :
"النهارده شُفت يعني إيه راجل يحب مراته بجد ويخاف عليها كأنها قلبه فعلاً."

نسرين بلعجيلي 

بصت على النوت بوك اللي في إيدها، والصفحة اللي مكتوب فيها "وصيّة حب"
اتبلّت من دموعها.

همست لنفسها :
شكل الوصية دي لسه بدأت تتكتب، بس ربنا لسه ما ختمهاش.

*وصيّة حب*

بقلم نسرين بلعجيلي
Nisrine Bellaajili 

_الفصل الحادي عشر_

الليل خلص في المستشفى، بس ما خلّاش الوجع يخلَص. صوت الأجهزة في الغرفة كان شبه أنفاس حد بين الحياة والموت.
“بيب… بيب…”
كل نغمة كانت زي نبضة قلب ياسر، اللي قاعد على الكرسي جنب سريرها، إيده ماسكة إيدها كأنه ماسك خيط روحه.

سارة نايمة، وشها شاحب، وشعرها واقع على خدها، والكلمة اللي مكتوبة على جهازها “مستقرة”، لكن قلب ياسر مش مصدّق كلمة في الدنيا.
من وقت ما وصلوا ما اتحركش، ولا شرب مية، ولا نطق إلا بدعاء بينه وبين نفسه.

روان كانت واقفة عند الباب، بتبصّ عليهم من بعيد. وشها فيه دموع مكسوفة، دموع واحدة بتحبّهم الاتنين كأنهم جزء من قلبها.
الساعة كانت خمسة الفجر. هدوء تام، بس هدوء مش مريح، هدوء اللي يخليك تسمع دقات قلبك بوضوح وتخاف منها.

أول حركة...
إيد سارة اتحركت حركة خفيفة. ياسر رفع راسه بسرعة، صوته طالع بين رجفة وفرحة :
سارة؟ حبيبتي؟ إنتِ سامعاني؟

رمشت بعينيها ببطء، كأنها راجعة من سكة طويلة. نظرتها وقعت على وشه، إبتسامة صغيرة كسرت التعب :
ياسر… (صوتها ضعيف قوي)، كنت هنا طول الليل؟

ضحك بمرارة تعب وحب :
أنا لو بعدت ثانية كنت أموت من  الخوف.

سارة حاولت ترفع إيدها تمسح على وشه، بس السلك المتصل بجهازها شدّها، بصّت له بعيون حزينة :
مش عايزاك تشوفني كده. أنا اللي دايمًا كنت بحضنك، مش اللي تبصّ عليا وأنا نايمة على سرير.

ياسر مسك إيدها بإيده التانية وقال بهدوء :
إنتِ دايمًا حضني، سواء واقفة، نايمة، أو حتى ساكته .
نسرين بلعجيلي
عينها دمعت، مش من وجع، من امتنان. كانت بتشوفه جوا عينه خوف راجل، بس كمان حب مايتقاسش.

دخلت روان بهدوء، شايلة معاها كوباية عصير وابتسامة دافية :
صباح الخير يا أميرة الشجاعة.

سارة حاولت تضحك :
شكلي عامل كده فعلاً؟ 
قالت وهي بتبص في المراية الصغيرة اللي في الحيطة.

روان قربت منها، لمست شعرها بلطف :
شكلك واحدة حاربت كتير ولسه واقفة.

ياسر وقف جنبهُم،.وقال بصوت مش قادر يخبي رعشته :
الدكتور قال محتاجين نعمل تحاليل تاني النهارده، وتفضل تحت الملاحظة 48 ساعة كمان.

سارة أومأت برأسها :
أنا موافقة.. بس بشرط.

ياسر :
– شرط إيه؟
قالها وهو خايف من الجواب.

سارة :
ما تبعدوش عني لحظة. وجودكم بيطمن قلبي أكتر من أي دوا.

روان بصتلها بعين فيها دموع :
وعد مش هسيبك.

لحظة وحدة
بعد ما خرج ياسر يكلم الدكتور، روان قعدت على الكرسي جنبها. سارة بصتلها نظرة مختلفة فيها هدوء غريب. مش خوف المريض، هدوء اللي بيستعدّ من جوّا، وقالت :

– روان…

روان :
– نعم يا حبيبتي؟

سارة :
إنتِ عمرك فكّرتِ لو ربنا أخدك فجأة، إيه اللي ممكن يسيبك مطمنة؟

روان اتفاجئت، إتنهدت وقالت بخوف بسيط :
ليه بتسألي كده؟

سارة ابتسمت :
يمكن علشان الحلم اللي رجع لي تاني امبارح. شايفاه بيقرب كل يوم أكتر.

روان لمست إيدها بسرعة :
بُصيلي.. إنتِ هتعيشي، ومش هتتكلمي بالنغمة دي تاني. الحلم مجرد كابوس، والواقع في إيد ربنا مش في حلم.

سارة ضحكت، بس دموعها نزلت رغم عنها :
عارفة، بس ساعات القلب بيحس بحاجة قبل ما تحصل. أنا مش بخاف من النهاية يا روان، أنا بخاف أسيب اللي ورايا لوحدهم.

روان حطت إيدها على خدها :
اللي بتحبيهم مش هيفضلوا لوحدهم، لأنك زرعتِ فيهم حبّك، وهو عمره ما بيموت.

سارة بصت في عنيها، وفي لحظة سكون طويلة قالت كلمة واحدة، همستها كأنها وعد :
لو حصل.. إوعي تسيبيهم.

روان ابتسمت رغم رعشة جواها :
إنتِ بتتكلمي كأنك رايحة مشوار وترجعي. هتروحي وتيجي، بس مش هتروحي منهم.

سارة هزّت راسها وغمضت عنيها، وهمست بدعاء بسيط :
"يا رب، لو كتبت الوجع.. أكتب معاه رحمة. ولو كتبت النهاية.. أكتب فيها طمأنينة للي بحبّهم."

بعد ساعات...
الدكتور دخل الغرفة، بصّ في الورق، ثم قال لياسر اللي واقف جنبه :
الحالة مستقرة مؤقتًا. لكن الجسم مرهق جدًا، محتاج راحة تامة ورقابة دقيقة.

ياسر قال بهدوء :
يعني هتفضل هنا؟

الدكتور :
على الأقل أسبوع. وأي ضغط نفسي لازم نتجنبوا تمامًا.

سارة ابتسمت :
يعني خلاص، حبس انفرادي برعاية طبية؟

الدكتور ابتسم :
بلغة المرضى الشُطار.. بالظبط كده.

خرج الدكتور، وبقي ياسر واقف يبص لها من بعيد، كأن عينه بتحاول تحفظ ملامحها. قرب منها، مدّ إيده ومسح على شعرها :
إرتاحي.. أنا مش رايح الشغل غير لما أسمع ضحكتك.

قالتها وهي بتغمض عنيها :
طيب لو اتأخرت؟

ضحك :
مش هتتأخري، لأنك وعدتيني نحارب سوا.

الساعة عدّت تسعة بالليل. المستشفى هادية، والممرات شبه حلم طويل. سارة نايمة ووشها رايق رغم التعب. روان قاعدة جنبها، بتكتب في مفكرة صغير ملاحظات للدكتور. لكن لما رفعت عينها على وش سارة.. شافت نظرة شبه ابتسامة، نظرة اللي بدأ يفكر في البُعد.. من غير ما يقول.

روان همست لنفسها وهي تمسك إيدها :
يا رب، ما تكونش دي بداية الوداع. لسه بدري على النهاية.. بدري أوي.

وسارة، حتى وهي نايمة، دمعة صغيرة نزلت من طرف عينها. كأن قلبها سامع الكلام من غير ما يصحى.

النهار كان بيغرب، والشمس بتسيب لونها على الحيطان البيضاء في غرفة سارة. روان كانت قاعدة جنبها، عينها مش على الساعة ولا على التليفون اللي في الجيب، كانت مركّزة في وش سارة اللي بدأ يهدأ شوية بعد الإغماء.
صوت خافت طلع من الباب، الممرضة دخلت بهدوء :
فيه مكالمة ليك يا أستاذة روان، على تليفون الاستقبال، من ست إسمها "منى".

روان قامت بسرعة، خرجت برا الغرفة وهي تمسح على شعرها علشان ما تصحيش سارة.
مسكت السماعة في ركن الاستقبال :
ألو! ماما؟

صوت والدتها جاي فيه قلق ووراه صوت بنت صغيرة بتتكلم :
يا بنتي، البنت مش عايزة تنام، بتعيط وبتسأل على مامتها.

روان قالت بسرعة :
هاتيها، خليني أكلمها شوية.

جاء صوت ملك من الطرف التاني، متردد وطفولي :
خالتي روان.. ماما كويسة؟ بابا بيقول بتنام كتير. هي مش عايزاني أشوفها؟ زعلت مني؟

روان بلعت ريقها بالعافية وقالت بحنان :
لا يا حبيبتي، ماما بتحبك قوي، بس تعبانة شوية وبتاخذ دوا. هي قالت لي تبقي ترسمي لها رسم حلو زي كل مرة، علشان تفرح بيه.

ملك بصوت صغير :
طيب قوليها إن قلبي وحشها.

الكلمة وجعت روان من جوّا :
هقولها، يا حبيبتي، دلوقتي حالًا. خليكي شجاعة زي ماما، ماشي؟

ملك :
ماشي.

حطت روان السماعة وهي تمسح دمعتها بإيدها، ورجعت الغرفة بخطوات بطيئة.

سارة كانت فايقة نص فايقة، بصت لها بابتسامة واهية :
كانت ملك؟

روان قربت منها، جلست جنب السرير وقالت :
آه، كانت بتسأل عليكِ، وقالتلي أقولك إن قلبها وحشك.

سارة دمعت وهي تبتسم :
عشان كده مش عايزة أشوفها دلوقتي، مش عايزاها تشوفني كده، ووشي شاحب وأنا على السرير. ملك شايفاني بطلة، والبطلة ما تقعش قدام بنتها.
Nisrine Bellaajili

روان مسكت إيدها وقالت بلطف :
الأبطال بيتعبوا برضو، بس الفرق إنهم بيقوموا تاني، وإنتِ هترجعي تقومي، علشانها.

سارة غمضت عنيها وقالت بخفوت :
نفسي أشوفها وهي بتضحك من غير ما تشوف الدموع في عيني.

في الدور التحتاني من المستشفى، ياسر كان قاعد في الكافيتيريا، تعبان ومش قادر يبلع لقمة، ولما الموبايل رنّ وشاف الإسم … إتنهد :

“أمي”

ردّ :
أيوه يا أمي.

صوت قدريه عالي ومتحفّز كعادته :
سمعت إن مراتك في المستشفى، إيه اللي حصل يا ابني؟

ياسر :
تعب بسيط، يا أمي، ومش محتاج قلق.

قدرية :
تعب بسيط وإنت قاعد هناك من امبارح؟ ما تضحكش عليا، قول الحقيقة.

ياسر :
  يا أمي، والله الدكتور قال ترتاح شوية بس.

قدريه قالت بسرعة :
خلاص، أنا وسلوى جايين نزورها.

ياسر :
لأ يا أمي، بلاش تيجوا دلوقتي، سارة محتاجة هدوء.

قدرية : 
وأنا غريبة عنها؟ أنا حماتها، وجاية أطمن بعيني.

وقبل ما يكمّل، كانت قافلة المكالمة. ياسر ضرب بكفه علي جبينه وقال :
اللهم ألطف، بس.

بعد ساعتين تقريبًا، الباب اتفتح فجأة، قدريه داخلة بعبايتها الغامقة، وسلوى بنت خالته، لابسة فستان ضيق وريحتها عطر نفاذ.

روان وقفت بسرعة :
يا طنط، سارة لسه فايقة من الإغماء، خلي الصوت واطي شوية، لو سمحتِ.

قدريه رفعت حاجبها :
ما أنا جاية أطمن مش أزعق.

بصت على سارة وقالت بصوت شبه رسمي :
الحمد لله على السلامة يا سارة.

سارة :
الله يسلمك يا طنط.

سلوى قربت، إبتسامة خفيفة على وشها :
يا ريت تطمنينا، الناس بتقول كلام كتير. ها، هو المرض الوحش؟

الصمت خيّم. سارة عضت على  شفايفها من الإحراج. روان وقفت فورًا وقالت بصوت واضح :
ممكن تطلعي برّه الغرفة، يا سلوى.

سلوى اتفاجئت :
نعم؟ أنا بس بسأل.

روان :
بس سؤالك وجّعها. إطلعي لو سمحتِ قبل ما أحرجكك وسط الناس.

قدريه اتدخلت بسرعة :
إيه الكلام ده؟ بتكلمي بنت أختي كده ليه؟

روان بصوت ثابت :
لما تزوري مريضة، المفروض تقوليلها “حمدالله على السلامه ؟” مش “هو ده المرض الوحش؟”.

سارة حاولت تهدي الموقف بصوت متعب :
خلاص يا روان، سيبيهم، مش عايزة دوشة.

الباب اتفتح، دخل ياسر، وشه متوتر وملامحه شديدة. بصّ على المشهد كله.

قدريه قالت بسرعة :
إحنا جينا نطمن عليها، وهي بتتعامل معانا كده، بنت خالتك بس سألت لو هو المرض الوحش 

ياسر بهدوء مريب :
يا أمي، أنا قلتلك سارة محتاجة راحة. إطمنّي عليها دلوقتي وروحي البيت، خليكِ مع ملك.

قدرية :
– يعني أطّلع؟

ياسر :
أيوه، مع سلوى. روان وأنا هنفضل هنا، لو احتاجت حاجة نبلّغكم.

قدريه سكتت، وسحبت سلوى بإيدها وهي بتقول بنبرة زعلانة :
ماشي يا إبني، لما تتجوز على  مراتك خلّيني أعرف،

الكل اتصدم، بس ساره فضلت فاتحه بؤها من الكلام اللي سمعته.
روايه حصري بس في 
روايات نسرين بلعجيلي 

خرجوا، والباب اتقفل وراهم. الغرفة سكتت. سارة بصت لياسر ودموعها في عينيها :
ليه اتكلمت كده معاهم؟

قالها وهو بيقرب منها :
علشان ماحدش يوجعك تاني. أنا مش هسيب حد يأذيكِ، لا بكلمة ولا بنظرة.

سارة مسكت إيده وقالت بخفوت :
ربنا يخليك ليهم يا ياسر، علشان لو جي يوم… تفضل السند.

هو بصّ فيها وقال :
مافيش “لو”. فيه عمر مكمل، بس معانا كلنا.

روان بصت لهم من بعيد، قلبها بينقبض وإيدها على صدرها. تمتمت في سرّها :
"يا رب، خلّي حبهم ده دايم.. وما يتحوّلوش لذكرى."

تعليقات



<>