
الصبح كان غريب… الشمس طالعة، بس نورها باهت، كأنها خجولة من الشباك.
ياسر صحي على صوت خفيف، كان صوت سارة وهي بتحاول تقوم من السرير. قام بسرعة، مدّ إيده يساعدها، بس وشها كان شاحب بطريقة خضّته.
– إستني يا سارة، كنتِ رايحة فين؟
إبتسمت بخفة، رغم التعب :
– كنت عايزة أعملك فطار، مش كل مرة تبقى إنت اللي شايل البيت كله.
مسك إيديها بسرعة وقال :
– لا، ما تتعبيش نفسك.
– هو أنا عملت إيه؟ قُمت بس.
ضحكت ضحكة صغيرة، لكنها كانت متقطعة، زي نفسها بالظبط.
حاولت تمشي للمطبخ، بس فجأة رجليها خذلتها. وقعت على الأرض بهدوء كأنها مش قادرة حتى تصرخ.
ياسر جري ناحيتها، صوته مبحوح :
– سارة!!
حط إيده تحت راسها، وشه اتغيّر، الدم راح من ملامحه :
– حبيبتي، إفتحي عينِك… سارة.
عينيها اتفتحت بشق الأنفاس، وصوتها طالع ضعيف جدًا :
– أنا كويسة بس يمكن تعبت شوية.
حطّها على السرير، ولما لمس وشها حسّه سخن قوي، نَفَسها سريع، وإيدها بتترعش. جري يجيب الترمومتر، والحرارة كانت عالية بشكل يخوّف.
إتصل بالدكتور، صوته بيترعش :
– دكتور، هي مش قادرة تقوم، نفسها بيتقطع، وحرارتها عالية.
الدكتور ردّ بسرعة :
– أنا جاي فورًا، بس لو لسه عندك جهاز أكسچين، شغّله دلوقتي.
قفل التليفون والذنب بدأ يعضّ قلبه. الكلمة اللي قالتها امبارح رجعت ترنّ في ودنه :
"نفسي مرة واحدة أحسّ إني أنثى مش مريضة."
نسرين بلعجيلي
إتكلم مع نفسه بصوت مبحوح :
– أنا السبب، كنت المفروض أتمسّك برأيي، كنت عارف إنها مش مستعدة. أنا اللي كسرتها، أنا اللي كان المفروض أخاف أكتر.
دخل الدكتور، شخص الحالة بسرعة، وبعد ما خلص، قال بصوت هادي بس فيه ثقل الحقيقة :
– واضح إنها بذلت مجهود فوق طاقتها، والجسم ردّ بعنف. ممكن يكون مجهود عضلي أو انفعال قوي.
وقف ياسر في مكانه، مش قادر يبصّ في وشّه. الكلمة “مجهود” كانت كأنها طلقة. عرف إن اللي حصل بينهم هو السبب.
الدكتور كمل :
– لازم تفضل على جهاز الأكسچين فترة، ونراقب التنفس بدقة. بس من النهارده، أي إجهاد ممنوع… تمام؟
ياسر ما نطقش. كل اللي عمله إنه أومأ برأسه. ولما الدكتور مشي، قعد على الكرسي جنب السرير، شاله بإيده، بصّ عليها كأنها جزء من روحه بيتكسر قدّامه.
سارة فتحت عينيها بهدوء وشافته بيبصّ لها بنظرة وجع ما شافتهاش قبل كده. قالت بصوت متقطّع :
– كنت عارفة.. إنك هتلوم نفسك.
هزّ راسه بعصبية :
– سارة، ليه ما سمعتيش؟ ليه؟
أنا السبب في اللي حصل، أنا اللي كان لازم أوقفك.
مسكت إيده بإيديها الضعيفة، قالت بابتسامة شبه حلم :
– ما تندمش… أنا كنت محتاجة أحسّ إني لسه عايشة، حتى لو الثمن وجع، اللحظة دي كانت حياة… حياة تكفّي العمر كله.
إتنهد، دموعه نازلة من غير صوت. وقال بصوت مكسور :
– لأ، مش كفاية… أنا مش عايز لحظة، أنا عايزك العمر كله.
سارة لمست وشه بإيدها المرتجفة :
– العمر مش بالسنين يا ياسر، العمر هو اللي نحسه في قلبنا، وانا حسيته كله امبارح.
سكت، وفضل ماسك إيدها، وبين كل نَفَس والثاني، قلبه بيحارب، مش ضد المرض، لكن ضد الذنب اللي جوّاه.
في الليل..
قعد في الصالة، الوشوش بقت غايبة، بس صدى صوتها لسه في ودنه :
“أنا كنت محتاجة أعيش، حتى لو لحظة.”
قال في سره وهو بيبص للسقف :
– هي عاشت لحظة، وأنا هعيش ذنبها العمر كله.
البيت كان ساكت بطريقة تخوّف. سارة نايمة على جهاز الأكسيچين، صوت التنفس الإصطناعي هو اللي مالي المكان. هالة البنت الي بتساعدهم كانت قاعدة في المطبخ ساكتة… خايفة تتنفس غلط.
روان دخلت البيت بسرعة، صوت خطواتها كان مستعجل، ولما شافت سارة ووشّها باهت أكثر من أي يوم فات، دمعتها نزلت من غير ما تاخذ بالها.
قامت تبصّ حواليها، تشوف فين ياسر، لقته واقف في الصالة، ظهره للباب، إيديه في شعره، كأن الدنيا واقفة عليه.
دخلت عليه بخطوات سريعة، وقالت بصوت مليان غضب مكتوم :
– ياسر… في إيه؟ إيه اللي حصل لسارة؟ كانت أحسن امبارح.
ما ردش ولا لفّ، ولا حتى أخَذ نَفَس.
قربت أكثر، بصوت أعلى :
– بتسمعني؟ إيه اللي حصل؟ هي كانت كويسة، إزاي صحيت دلوقتي مش قادرة تتنفس؟!
لفّ ببطء، وشه كان باين عليه الذنب، عينيه حمرة وكأنه ما نامش ولا دقيقة.
قال بصوت مبحوح :
– حصل… غلط.
روان قربت أكتر، ولما شافت النظرة اللي في عينه، فهمت.
سكتت ثانيتين… وبعدين إنفجرت :
– إنت عملت علاقة معاها؟!
ياسر عضّ شفايفه، ما عرفش ينكر.
وهنا… روان انفجرت فعلًا :
– إنت مجنون؟! إنت أكثر واحد عارف إنه جسمها مش مستحمل، والدكتور وصّى مليون مرة ممنوع أي مجهود.
قربت خطوة لحد ما كانت واقفة قصاده مباشرة، عينها فيها دموع غضب :
– هو إنت… راجل ولا طفل؟! هو انت ما عملتش حساب غير لشهوتك؟ نَفذتها على حساب صحتها؟!
ياسر رفع راسه فجأة، صوته طلع عالي :
– أنا ما كنتش بفكر في نفسي، هي اللي قالت.. هي اللي طلبت.. كانت محتاجاني.
روان صرخت فيه :
لأ!! هي كانت محتاجة تحس إنها لسه عايشة، مش لسه مرغوبة، فرق كبير يا ياسر.
سكت، لكن صمته كان اعتراف. روان كملت، كلامها زي السكاكين :
– هي حست إنها بقت عبء عليك، فكانت مستعدة تجرّح جسمها، تخاطر بحياتها، بس علشان ما تخسركش، وإنت… بدل ما تحميها، سِبتها تكسر نفسها بإيدها.
ياسر اتكلم بصوت متقطع، كأنه طفل اتحشر في زنق :
– أنا… أنا ضعفت. شُفت دموعها، سمعت كلامها وماكنتش قادر أكسرها تاني.
روان مسحت دمعتها وهي تقول :
– تكسرها؟ إنت كان لازم تحميها حتى منها هي. يا ياسر، الست لما تحب، بتنكر روحها، بس الراجل لما يحب، لازم ينقذها حتى من وجعها.
سكتت لحظة…
وبعدين قالت الجملة اللي كسرت ظهره :
– إنت قتلت جزء منها امبارح، مش علشان الوجع، لأ، علشان خذلتها.
ياسر ساب راسه تنزل لتحت، نفسه خرج زي واحد اتطعن.
روان كملت، نبرتها مش غضب، بس دي كانت وجع على سارة :
– من امبارح لساعات، كانت بتحارب عشان تتنفس، وأقولك الحاجة اللي وجعتني؟ وهي بتتكلم، بتدافع عنك. كانت بتقول: “ما تلوميهوش، هو حبني…” رغم إنك السبب في الوجع ده كله.
ياسر وقع على الكنبة، زي اللي رجله مش شايلاه :
– أنا… أنا ما كانش قصدي أوجعها.
– بس وجعتها.
سكتت لحظة، وبصوت هادي لكنه قاسي قالت :
– لو بتحبها بجد، صلّح اللي اتكسر. مش بجسمك، بقلبك.
ولما رجعت تبصّ عليه، كان ماسك راسه بإيديه، وصوته بيطلع متكسر :
– أنا خسرتها يا روان؟
– لأ… بس لو ما فُوقتش، هتخسروا بعض قبل الموت ما يخسرها.
وسابت الصالة وراحت عند سارة، وباب الأوضة اتقفل وراهُم، وسابت ياسر قاعد في الصالة، شايل أكبر ذنب شافه في حياته.
المشهد كان تقيل…
تقيل لدرجة إن الهوا نفسه بقى واقف.
روان خرجت من الصالة، ودموعها لسه على خدّها. دخلت أوضة سارة، لقتها نايمة على جنبها، جهاز الأكسچين بيطلع صوت هادي، بس ريحة الوجع مالية المكان.
روان قعدت على طرف السرير، مسكت إيد سارة بحنان وقالت بصوت واطي جدًا :
– يا حبيبة قلبي… اصحّي شوية.
سارة حرّكت رمشها وكأنها بتحارب علشان تفتح عينها. ولما فتحتها، لقت روان جنبها، وشها كله خوف وزعل وحب.
سارة حاولت تتكلّم و شالت الاكسجين :
– إنتِ.. كنتِ بتعيطي؟
روان هزّت راسها وقالت بابتسامة حزينة :
– مين يقدر يشوفك كده وما يعيّطش؟
سكتوا لحظة. سكون مكسور بقلبين بيوجعهم نفس الشخص.
سارة بصوت فيه بحّة :
– هو ياسر… زعلان؟
روان اتصدمت، ده أول سؤال؟
مش “أنا تعبانة”، مش “إيه اللي حصل؟”
لأ…
سؤال عن الراجل اللي كسّرها ووجّعها.
روان قالت بحذر :
– مش زعلان… مكسور. هو حاسس إنه غلط فيكِ.
سارة نزلت دمعتها، وقالت بصوت مهزوز :
– ما غلطش… أنا اللي قلت له… أنا اللي كنت ضعيفة… أنا اللي أخذت الخطوة…
روان مسكت إيدها بقوة :
– لأ. ما تلوميش نفسك إنتِ كمان. إنتِ ستّ… قلبك مجروح، وبتدوري على أي حاجة تفكّرك إنك لسه عايشة. هو اللي كان لازم يحميكِ حتى من نفسك.
سارة بصّت لها بعمق، وكان واضح إنها بتفكّر في كل كلمة.
وبصوت ضعيف سألت :
– هو… اتخانق معاكِ؟
روان سكتت.
المشهد رجع في دماغها بكل صوته وناره. هي تصرخ… وهو بيتكسّر... والبيت يترعش.
قالت ببطء :
– آه… إتخانقنا، ويمكن… جرحته. بس كنت خايفة عليكِ.
سارة غمضت عينيها، دمعة نزلت على خدّها :
– كان لازم أكون أقوى… ما كانش لازم أضغط عليه… هو دايمًا شايلني، وأنا كنت شايفة وجعه ومطنشاه…
روان اتنهدت :
– سارة، إسمعيني كويس، إنتِ مش غلطانة، وهو مش غلطان. إنتوا الاثنين موجوعين. ووجع الحُب ساعات بيخلي الناس تعمل حاجات مش محسوبة.
سارة مسحت دموعها بإيدها المرتعشة وقالت :
– هو فين دلوقتي؟
روان بصّت ناحية الباب :
– قاعد برّة، مش قادر يدخل. شايف نفسه مجرم، بالرغم إن اللي حصل بينكم… كان حب.
سارة حاولت تبتسم، وابتسامتها كانت منكسّرة :
– طب قوليله يدخل.. لو لسه موجود.
روان قامت، وبمجرد ما فتحت باب الأوضة، لقت ياسر واقف. مش قاعد، واقف من غير نفس، مسنود على الحيطة، عايز يدخل، وخايف يدخل.
عينيه أول ما شافوا روان، كانت فيها نظرة بني آدم تايه.
روان قالت له بهدوء :
– عايزاك.
ما فكرش، دخل فورًا كأنه داخل قاعة محكمة، مش أوضة مراته.
وقف عند طرف السرير، مش عارف يقرب، ولا عارف يرفع عينه فيها.
سارة قالت بصوت واهي :
– ياسر… أقعد جنبي.
قرب بخوف، قعد على الكرسي، ومدّ إيده ببطء كأنه مستأذن من الهواء نفسه.
هي مدّت إيدها ولمست أصابعه. وبصوت هادي جدًا قالتة:
– ما تلومش نفسك.
هزّ راسه، دموعه نزلت، وملامحه إنكسرت قدّامها :
– أنا… دمّرتِك. أنا اللي وقعتك في الحالة دي. كنت عارف، وبرضه…
برضه ما قدرتش أقول لأ.
سارة ابتسمت بحنان غريب :
– الحب مش جريمة يا ياسر. وإحنا… كنا محتاجين بعض. حتى لو لحظة واحدة.
هزّ راسه :
– بس إنتِ تعبتِ، وأنا السبب.
سارة قالت جملة كسرت البيت كله :
– التعب مش منك… التعب من المرض. اللي بيننا… ده كان حياة. وانا اللي طلبت… مش إنت.
ياسر مسك إيدها وباسها بخوف، وقال بصوت اتكسر :
– أنا وعدتك أحميكِ، وأنا اللي وجّعتك.
سارة هزّت راسها وقالت :
– لأ… إنت رجعتلي روحي. حتى لو بكرة هضعف، اللحظة دي كانت نور.
وإنت مش أناني ولا ظالم. إنت راجل بيحب مراته لآخر نفس.
روان، اللي كانت واقفة عند الباب، دمعتها نزلت، وشافت حاجة محدش شافها قبل كده :
حُب بيموت… بس لسه حيّ. حبّ كبير، أكبر من المرض، وأقوى من العتاب.
نسرين بلعجيلي
سارة قالت لياسر بصوت هادي جدًا :
– أقعد جنبي، بس من غير خوف. أنا مش هكسرك، وإنت مش هتكسرني.
وهنا…
ولأول مرة من أيام…
ياسر ساب دماغه ترتاح على كتفها، وسارة مسكت شعره بإيديها الضعيفة…
وروحها قالت :
“لسه فيه عمر… ولو حتى في لحظة.”
هل ياسر غلط؟؟؟
قولولي انتم شايفين ايه ؟
الفصل التاسع عشر
الليل نزل بدري اليوم ده.. والبرد كان قاسي بطريقة غريبة، كأن الدنيا بتحاول تقول حاجة ومش قادرة تنطق.
البيت ساكن…
سكون مش طبيعي، سكون يخوّف.
سارة كانت نايمة في سريرها، جسمها خفيف، خفيف جدًا بطريقة ما كانتش طبيعية حتى لياسر اللي اتعود على تعبها.
كان قاعد جنبها، عينه عليها مش بتفارقها لحظة. من امبارح، بعد اللي حصل بينهم وهو مش قادر ينام، مش قادر حتى يرمش.
كان شايف نفسها بيطلع بصعوبة، كأن صدرها بيتخانق مع كل شهيق.
مدّ إيده على جبينها.. نار، مش سخونة، لأ.. نار.
سحب إيده بسرعة، قلبه وقع في رجله :
– سارة؟
صوته كان مبحوح.. وخايف.
فتحت عينيها نص فتحة، نظرة تايهة، مش مركّزة.
– ياسر…
صوتها ما كانش صوتها، كان واهي، بعيد، كأنها بتتكلم من آخر الدنيا.
_ إنتِ سخنة قوي، مستحيل ده يكون طبيعي.
حاولت تتحرك.. رجليها ما شالتهاش. إيدها اترعشت، وجسمها كله كان بيترجّف.
نسرين بلعجيلي
– بردانة…
همست الكلمة، بس رعشة صوتها فضحت الوجع.
غطّاها ببطانية تانية، بس جسمها كان بيترعش رغم كل الهدوم اللي فوقها.
– أنا هكلم الدكتور دلوقتي.
مسك التليفون بسرعة، لكن قبل ما يتصل سمع صوتها.
– ياسر…
لفّ ليها بسرعة. كانت بصّة في السقف، مافيش تركيز، مافيش وعي كامل.
– نفسي…
وهي بتحاول تاخذ نفس.. الصوت خرج متقطع.
– نفسي… بيقطع.
الجملة دي كسرت قلبه. إتسمر مكانه ثانيتين وبعدين جري عليها.
– إستني.. إستني، خذي نفسك معايا، يلا، واحد… إثنين…
هي بتحاول، بس مفيش هوا، كأن صدرها مقفول. عينيها بدأت تزوّغ. وشها بقى أبيض مخيف.
– ياسر…
قالتها بنبرة فيها ذعر.. ذعر عمره ما سمعه منها قبل كده.
في اللحظة دي، رجع يشغّل جهاز الأكسچين بسرعة، ركّب لها الماسك بإيده المرتجّفة.
– يلا… إتنفّسي، بالله عليكِ خذي النفس، كده… آه… كده…
لكن جسمها كان بينهار. دي مش نوبة تعب، دي بداية انهيار.
جري على التليفون، إتصل بالدكتور بصوت متقطع :
– دكتور، حالتها مش طبيعية، بتنهار قدامي، نفسها بيقف، الحرارة فوق الأربعين، جسمها بيرتعش كله.
الدكتور رد بسرعة :
– لازم الإسعاف فورًا. دي مش مجرد سخونية، ده انهيار مناعي. ممكن يحصل هبوط في الأكسچين. إلحقها قبل ما تدخل صدمة.
كلمة صدمة خبطت في دماغه زي طلقة. جرى عليها، ركّب جهاز الضغط، لما قاس.. الرقم كان كارثة.
ضغطها هابط، قلبها بيجري. نفسها بطيييء.
– سارة!!
قالها بصوت عالي، كأنه بيحاول يصحي روحها مش جسمها.
فتحت عينيها تاني، بصّت له نظرة واحدة.. نظرة كلها خوف وكأنها بتسلّمه بنتها.
– ياسر… خذ بالك من ملك.
الجملة قطعت روحه نصّين :
– ماتقولييش كده. مافيش حاجة هتحصل، إنتِ سامعاني؟؟
دمعة نزلت من عينها، مش دمعة وجع، دمعة وداع.
الكلمة دي فجّرت الدنيا كلها. ياسر حسّ الأرض بتتهزّ تحت رجليه، مد إيده يدور على الموبايل، كل ثانية كانت عاملة زي سنة.
الضغط 112.
صوته وهو بيكلمهم مش صوته :
– مراتي مش قادرة تتنفس، لو سمحتوا بسرعة… العنوان…
قفل وبصّ لها، لقاها بتتلوّى، إيدها بتتشنج.
– لا لا لا… سارة بصّي لي، بصي لي أنا.
دمعة وقعت منه غصب عنه.
خلال 4 دقايق، الشارع تحتهم اتملّا صوت سرينة الإسعاف.
الإسعاف دخلت الشقة بسرعة، 2 مسعفين، واحدة ستّ وواحد راجل.
المسعفة قربت وقالت :
– هي بتسمعني؟
سارة حاولت تفتح عينها، لكن عينها كانت بتتقلب.
المسعف قال :
– أوكسچين فورًا.
ركبّولها الجهاز، وياسر ماسك إيدها، مش قادر يبعد ولا لحظة :
– يا جماعة بالله عليكم إلحقوها.
دي مش… دي سارة… دي كل حاجة ليا.
المسعفة قالت له بهدوء :
– هننقلها دلوقتي. حضرتك تركب ورا.
الهوا اتملّى صراخ داخلي مش مسموع.
المسعف
– تنفسها ضعيف جدًا. لازم تتحجز فورًا في العناية.
ياسر وقف زي المجنون :
– لأ… لأ… حطّوا الجهاز كويس، هي بتتنفس، بتسمعني.
لكن واحد منهم بصّ له وقال :
– لو اتأخرنا دقيقة تانية، ممكن نفقدها.
اتحطّت على النقالة، جسمها كان خفيف بطريقة تخوّف. وهما نازلين السلم، سارة فجأة فتحت عينها نص فتحة، وبصوت شبه معدوم همست :
– ياسر… ملك… خلي بالك… عليها…
وصوتها إختفى.
ياسر صرخ :
– سارة... لا لا.. ما تسكتيش يا سارة.
المسعف قال له :
– ماتتكلمش معاها، خليها ترتاح.
ركبوا الإسعاف، الباب اتقفل، والسيرينة ولّعت الشارع كله. ياسر قاعد جنبها، إيده ماسكة إيدها بكل قوته، وعينه مش شايفة غير وشّها اللي بيبعد عنه شبر بشبر.
قال بصوت مكسور :
– يا رب.. ما تاخذهاش، يا رب لا.
المسعفة بصّت له وقالت :
– ركّز معاها، كلمها، صوتك مهم.
قرب منها وهمس :
– أنا هنا، مش هسيبك، إفتحي عينيكِ. سارة لو سمعتيني، حلفتك بحبك ماتسيبينيش.
دمعة نزلت من عينها، نقطة واحدة بس.
المسعفة قالت بسرعة :
– كويس، ده معناه إنها لسه سامعة.
وصلت عربية الإسعاف باب المستشفى، دخلوها على نقالة تانية، والممر كله اتفتح.
ياسر حاول يدخل معاها، بس الممرض وقّفه :
– آسف يا فندم، لازم تستنى برا.
وقف وملامحه بتنهار. مسك في الحيطة، ونزل على الأرض وهو بيقول :
– يا رب… يا رب سترك.
باب العناية اتقفل على سارة، والممر كله اتحوّل لظلّ طويل يضرب في قلب ياسر. قعد على الأرض، ظهره للحيطة، وصوته طالع من صدره مكسور :
– يا رب.. يا رب سترك.
ماكانش شايف غير صور : ضحكتها، نفسها اللي كان بيعدّه، ولحظة انهيارها على إيده.. إيده لسه فيها ريحة بشرتها.
الوقت بقى تقيل جدًا، مافيش صوت غير الأجهزة جوّا العناية، وصوت خطوات ممرض رايح جاي من بعيد.
وبين دقيقة والتانية… كان بيطلع تليفونه، يبص فيه، مش عارف يتصل بحد، ومش عارف يستنى لوحده.
وفجأة…
سمع صوت خطوات سريعة في الممر.. روان.. كانت داخلة وهي بتلهث، وشعرها مفكوك، وشكلها مرعوب كأنها لسه طالعة من حلم وحش.
أول ما شافته على الأرض، صرخت :
– ياسر!! مالك؟! سارة فين؟!
هو رفع راسه ببطء، عينيه حمرا، ووشّه باين عليه إنه مش نايم من أيام.
قال بصوت واطي جدًا :
– جوا، مش قادرة تتنفس. سارة بتضيع يا روان.
جريت عليه وقعدت جنبه على الأرض، مسكت إيده بقوة :
– لأ… لأ… ماتقولش كده. هي قوية، ودايمًا بترجع. قولّي، حصل إيه؟
ما ردش.
دمعة نزلت من عينه رغمًا عنه. هو مش من النوع اللي يبكي، بس النهارده مافيش رجولة ولا كبرياء، فيه راجل مكسور على امرأة روحه فيها.
إتنهد وقال بصعوبة :
– أنا السبب.
روان شدّت إيده :
– بطل الكلام ده، سارة محتاجاك قوي دلوقتي.
– لأ… اسمعيني، لو مش أنا اللي…
لو ما كنتش… لو ما ضعفتش... ما كانتش هتوصل للّحظة دي.
روان سكتت، الكلام اللي قالته في البيت امبارح رجع يقطع قلبها. بس دلوقتي، ده مش وقت الحساب.
حطّت إيدها على كتفه وقالت :
– ياسر، سارة عمرها ما كانت تشوفك سبب وجعها،.ولو رجعت دلوقتي وشافتك كده هتزعل. قوم.. قوم وقف، إرجع تبقى سندها زي ما كنت دايمًا.
وقفوه سوا، وهي ماسكة إيده كأنها بتسنده من سقوط مش من تعب.
قدّام باب العناية، الاثنين واقفين، والخوف بينهم ساكت.
روان بصوت واطي قالت :
– ياسر، مهما حصل سارة بتحبك حب ماحدش في الدنيا يقدر يلمسه.
هو بَصّ لها بنظرة فيها شكر وندم، وحزن. ونظرة تانية جديدة، مالهاش إسم.
هو محتاجها. بس مش بالشكل اللي يخوّف. محتاج وجود، مش حب. محتاج ظهر، مش علاقة.
هي فهمت ده من غير ما يقول. مافيش كلام، بس فيه خطوة، لما قرب منها وقال :
– مش قادر، أنا مش قادر أعيش اللحظة اللي ممكن تتاخذ مني فيها.
روان اتمدت على كتفه، وقالت بهدوء :
– كلنا مش قادرين، بس هنعدّي، حتى لو بألف دمعة.
الحمدالله اني اخدت ملك امبارح معايا
قعدوا على الكراسي جنب باب العناية، روان سندت راسها على الحيطة، وياسر كان ماسك المسبحة اللي جابتهاله سارة زمان وقالت له :
"دي هتربط قلبك لو يوم اتوه."
وقلبه تاه وبيدور عليها.
مرت الساعات…
وكل دقيقة كان فيها خوف جديد. لحد ما الباب اتفتح، وخرج الدكتور.
ياسر وقف بسرعة، كأن رجليه مش لامسه الأرض.
– دكتور!! سارة عاملة إيه؟
الدكتور ماسك ورق، وشه جد، مالوش ملامح، لكن صوته هزّ الكوريدور :
– الحالة لسه غير مستقرة. بس عملنا اللازم. هي بين الحياة والموت، والساعات اللي جاية هي اللي هتحدد.
روان حطت إيدها على صدرها. ياسر حسّ إنه وقع من 100 دور.
الدكتور كمل :
– المريضة بتسأل عليكم بس وعيها ضبابي. لو تحب يدخل واحد دقيقة بس، لأنها تعبانة جدًا.
بصّ ياسر لروان وعنيه بتسأل :
أدخل؟ ولا أخاف أشوفها كده؟
روان هزّت راسها له :
أدخل، هي مستنياك.
دخل.
الغرفة كانت ظلمة ما فيهاش نور غير الجهاز اللي بيقيس نبضها.
وسارة مرمية بين الأجهزة وماسكة الماسك على وشها بإيد ضعيفة جدًا.
لما شافته رفعت رمشها، إبتسامة صغيرة طلعت رغم الألم. مدّت إيدها بصعوبة، ولما مسكها همست :
– ياسر…
– أنا هنا، أنا معاك ما تخافيش.
دمعة نزلت منها، وقالت :
– لو… لو جرالي حاجة… و... وملك… ملك…
قاطعها بسرعة :
– لأ. ما تجيبيش سيرة الكلام ده، إنتِ هترجعي، إنتِ أقوى من أي وجع.
بس هي ابتسمت ابتسامة الوداع، إبتسامة الست اللي فهمت قدَرها.
وشاورت بإيدهت، وقالت بصوت متقطع :
– عايزا… أوصّيك… بحاجة…
قرب منها، قلبه بيصرخ :
– قولي، أنا سامعك.
همست :
– ياسر… ملك… ورو… را…
لكن النفس قطعها، الجهاز صرخ. والممر كلّه جري.
وياسر اتسحب من الأوضة وصوته بيصرخ :
– سارة!!! سارة!!! إفتحوا الباب!!! سيبوني معاها!!!!
روان جريت من بعيد لما شافته كده، صرخت :
– ياسر، قولّي.. هي حصل لها إيه؟!
وهو واقع على باب العناية، إيده على قلبه وعينه مش شايفة غير سارة جوّا. قال بصوت مكسور :
– كانت بتوصّيني بس نفسها خذلها.
غمض عينه ونزلت دمعة منها، كانت بداية النهاية، ونقطة التحوّل. والباب اللي هيفتح على الوصية اللي هتغيّر كل حاجة.
"وفي اللحظة اللي اتقفل فيها باب العناية، فهم ياسر إن اللي بيحصُل مش نهايتها، ده ابتداء حسابه هو، حساب الحب، وحساب الوصية اللي اتقطعت قبل ما تكمل، ولسه معلّقة بين الحياة والموت، مستنياه."