
الليل نزل ببطء… وكأن الدنيا كلها واقفة على أطراف صوابعها تنتظر الصبح اللي هيجيب الحقيقة من بابه.
الأباجورة كانت منورة نور دافي، والستارة نازلة سايبة لليل فرصة يدخل بحنية.
سارة كانت واقفة عند السرير، قميص نوم بسيط، مش مستعرض، بس أنوثة هادية تعرف قيمتها. وشها تعبان، لكن عينيها كلها حياة.
قربت لياسر، مدت إيدها على كتفه، وصوتها واطي جدًا، زي رجاء ناعم :
ما تسيبنيش أحارب كل حاجة لوحدي يا ياسر. عايزاك تاخدني في حضنك، قبل ما أي حاجة في الدنيا تاخدني منك.
ياسر اتخض من الكلام ومن اللمعة اللى في عنيها. حاول يقول كلمة… لسانه اتعقّد :
سارة… إنتِ تعبانة. خلّينا...
قاطعته بنظرة كلها صدق، مش رغبة، حاجة شبه بحث عن روحها فيه :
التعب الحقيقي إنك تحس إنك مش موجود، خلّيني أحس إني لسه هنا… لسه الست بتاعتك … لسه زوجتك.
قربت وشها عليه، وهو اتنفّس نفَس تقيل. أي راجل مكانه يتشد بين خوفه عليها وحبه ليها.
حط إيده على خدها، وبصوت مهزوز شوية :
أنا خايف عليكِ.
ردّت بهدوء يخوّف من قوته :
وأنا خايفة.. بس مش منك. خايفة من اللي جوايا. خلّيني أختار الحياة الليلة معاك.
كانت كلمة كفاية.
حضنها… مش حضن شهوة، حضن حد بيتمسّك بروحه قبل ما تضيع.
نسرين بلعجيلي
البداية كانت هادية…
نفسهم قريب، إيدها في إيده، قربهم طبيعي زي أنفاسهم، زي اى إتنين بيخافوا يخسروا بعض.
ودقيقة… بس دقيقة والقرب بقى أعمق، هو حاسس نبضها يرتفع، وهي بتحاول تثبت نفسها في حضنه كأنها بتتنفس منه.
فجأة…
نفسها اتقطع. إيدها ارتخت، وراسها مالت على كتفه بطريقة مش طبيعية.
– سارة؟
ماردّتش.
– سارة! إنتِ سامعاني؟!
جسمها هدي فجأة، مش إستسلام حب، إستسلام ضعف.
ياسر اتجمّد لحظة، وبعدين حضنها بقوة كأنه بيشدها من حافة هاوية :
سارة… بالله عليكِ إفتحي عينيكِ، مش الوقت.. مش دلوقتي!!
صوته اتكسر، مش صرخة رجل، صرخة قلب.
وشها هادي، لكن نفسها واطي جدا، وهو بيهز كتفها، صوته يرتعش :
أنا هنا.. إسمعيني. ما تسيبينيش وأنا ماسكك.
ثواني…
ودمعة وقعت من عنيها رغم إنها شبه غايبة.
همست بكلمة بالكاد تتسمع :
موجودة…
ياسر حط جبهته على جبهتها، النَفَس اللي خرج منه كان دعاء قبل ما يكون خوف :
يا رب.. تحمّيها مني ومن الدنيا.
دى قلبي.. مش بشر.
لفّها في حضنه زي طفل صغير، قميصها بين إديه، مشهد ما كانش شهوة، كان نجاة وكسرة ورجاء.
والليل..
وقف يتفرج.
يارب بيّن اللطف، قبل الوجع.
Nisrine Bellaajili
الليل خلص، بس هو ما نامش. قعد طول الليل ماسك إيدها، خايف يرمش تروح منه. كانت نايمة على كتفه، أنفاسها مستقرة شوية، مش زي الأول، لكن كفاية تخليه يتنفس.
كل شوية يرفع أصابعه ويلمس نبضها، ولو تباطأ ثانية، قلبه يقع من مكانه.
ماكنش راجل الليلة دي، كان طفل كبير ماسك فرحته بإيد ودموعه بإيد.
لما الفجر أذن، هو ما قالش حاجة، بس بص في السقف وقال من غير صوت :
"يا رب.. ما تاخدهاش، أنا لسه ما شبعتش منها."
سارة صحيت على ريحة قهوة خفيفة ووشه اللي منهك بس مصمم يكون قوي :
ياسر.. إنت ما نمتش؟
ياسر :
لو نمت… أنام على إيه؟
حاول يضحك، بس صوته اتشرخ.
هي مدت إيدها ولمست وشه :
أنا كويسة، بس تعبت شوية امبارح.
ياسر :
سارة.. إحنا هنروح المستشفى دلوقتي. مش هستنى ولا ثانية.
حركت راسها ببطء، ما اعترضتش. الليلة علمتها إن الجسم مش دايم، ولا الوقت. لبست ببطء، قميص واسع، طرحتها على كتفها، وهي بتمسك الحيطة أكثر من العادي.
ملك طلعت من أوضتها، نعسانة، شعرها منكوش، بس أول ما شافت أمها، جريت عليها وحضنتها بقوة :
ماما إنتِ تعبانة؟ ما تروحيش بعيد.
سارة مسكتها في حضنها وغمضت عينيها في شعرها :
حتى وأنا بعيد… حضني حواليكِ.
ياسر نزل ملك للحضانة وهو شايلها كأنها أثمن حاجة بعد سارة، والبنت ماسكاه بقلق طفل صغير بدأ يفهم يعني إيه خوف.
في الطريق للمستشفى...
العربية ماكانش فيها طبلة ولا صوت قرآن، كانت صامتة زي حد بيقرأ دعاء بقلبه.
ياسر كل شوية يبص عليها من زاوية عينه، ويسأل نفسه :
"لو اتأخرت؟ لو ما لحقتهاش؟"
هي كانت مسندة راسها على الزجاج، تتأمل السما، وعينيها فيها سؤال واحد بس :
"يا رب… أنا جاهزة؟ ولا دي بداية معركة جديدة؟"
المستشفى...
قعدوا في مكتب الدكتور. الساعة عدّت 9…
وبقوا 9:10
و9:20
كل دقيقة كأنها سنة.
الدكتور دخل وقعد ادامهم. كان ماسك ورق كثير. وده لوحده يخوف.
إبتسم ابتسامة مهنية مش بتوصل للعين :
أستاذة سارة، إحنا عرفنا نوع الاضطراب اللي ظهر عندك.
ياسر مسك إيدها، وكأنه بيربط روحهم ببعض.
الدكتور كمل :
اسم الحالة: Ehlers-Danlos Syndrome
نوع شديد، نادر، يؤثر على النسيج الضام للأعصاب والأوعية.
سارة رمشت، مش مستوعبة قوي، الكلمة نفسها كبيرة أطول من نفسها.
ياسر حاول يفهم :
يعني إيه الكلام ده؟
الدكتور بص في الورق وقال ببساطة مُرة :
الجسم ما بيقدرش يمسك نفسه كويس. الأنسجة بتضعف، الأعصاب بتتأثر، والأعضاء كمان.
لحظة سكون، صوت جهاز تنفس بعيد، عربية إسعاف بتعدّي والدنيا كلها بقت أبطأ.
سارة بصوت واطي :
يعني… بيتعالج؟
الدكتور هز رأسه بهدوء رحيم، مش قاسي :
مش علاج نهائي. لكن نقدر نخفّف، نبطّأ، نحمي ونعيش بأفضل شكل ممكن.
ياسر حس بإيده بتتجمد في كفه. هو سمع "مزمن" وسمع "تدريجي"
وسمع حاجة جوّه كسرت.
سارة ما بكيتش ولا صرخت ولا وقعت.
قالت بحروف بطيئة :
هو ده اللي كتبه ربنا، يبقى خير.
الدكتور كمل :
أهم حاجة دلوقتي الراحة، المتابعة، ودعم نفسي قوي جدًا. وأي مجهود ممنوع.
نسرين بلعجيلي
الجملة الأخيرة...
زي شمعة اتطفت في قلبها.
الدكتور :
أستاذة سارة، لازم أقولكوا حاجة مهمة جدًا عن أسلوب حياتكم من دلوقتي.
ياسر اتوتر :
خير يا دكتور؟
الدكتور بصوت واثق :
كل حاجة تعتمد على الهدوء. أي مجهود زايد.. جسدي، نفسي، عصبي، لازم يتجنب قدر الإمكان.
سارة هزّت راسها بهدوء، بتحاول تستوعب.
الدكتور كمل :
حتى العلاقة الزوجية.. مش ممنوعة، لكن لازم تكون بمنتهى الرفق والبطء. مافيش ضغط، مافيش مجهود، مافيش تعب. الجسم ده دلوقتي لازم نتعامل معاه زي ورقة حرير.
الكلمة وقعت في المكان زي حجر في مايه هادية.
سارة حسّت قلبها بينقبض، وياسر لمّس كفها كأنه بيثبتها.
سارة بصوت منخفض :
يعني حياتنا كلها هتتغير؟
الدكتور :
مش حياتكم، طريقة تعاملكم مع الحياة بس اللي هتتغير. وكل ما كنتوا فريق، كل ما المرض هيضعف مش إنتِ.
رفعت راسها، نظرتها قوية رغم الوجع. الدكتور إبتسم ابتسامة دافية جدًا :
إنتِ مش مريضة بس.. إنتِ مقاتلة. وأي مقاتل محتاج سنده.
ياسر بص لسارة بعين فيها وعد مش بيتقال بالكلام :
“أنا السند.”
سارة كانت طول عمرها سند، تشتغل، تطبخ، تجري، تحب، تحارب.
فجأة تتمنع من الحركة؟
بس ابتسمت ابتسامة من اللي بتطلع لما الروح تجبر الجسد :
حاضر، هحاول أسمع الكلام.
الخروج....
في الطريق للبيت، ياسر سايق من غير صوت. إيده على الدركسيون، وإيده التانية على ركبتها.
سارة بصت له :
ما تبصليش كده. أنا لسه هنا.
صوته خرج مبحوح :
وهفضل أفضّل إنك تفضلي هنا كل يوم.
سارة بصت للشارع.. الناس ماشية، حد بيضحك، حد بيشتري عيش، حد بيجري على شغله..
والحياة مكملة.
نسرين بلعجيلي
همست لروحها :
"لو ربنا اختارني للامتحان، أكيد اختارني كمان للنجاة."
شدت إيده وقالتله بابتسامة ضعيفة لكنها حية :
يلا نروح نحارب سوا.
والعربية اتحركت، بس الرحلة لسه في أول جبلها.
الباب اتقفل وراهم بهدوء. البيت كله كان ساكت، ولا حتى صوت ملاعق أو تليفزيون، كأن الجدران نفسها واقفة تسمع نبضهم.
سارة دخلت على الصالة ببطء، شالت الطرحة، وعلّقتها على الكرسي زي ما تكون بتحط تعبها عليه. قعدت، مش على الكنبة زي العادة، لكن على الأرض، قدّام ترابيزة القهوة، كأنها محتاجة تلمس الأرض، تمسك واقع جديد مش جاهزة له.
ياسر وقف دقيقة بيتفرج عليها كأنه بيحاول يفهم إزاي القدر بيسقط على إنسان بالشكل ده وما بيوقعوش.
راح ناحيتها، نزل على ركبه قدامها.
ياسر بهدوء ناعم :
سارة… بصيلي.
ما رفعتش راسها، بس دمعتين نزلوا من عينيها ونقطوا على إيدها.
سارة بصوت مبحوح :
"ورقة حرير".. أنا كنت دايمًا أفتكر نفسي صلبة، واقفة، شايلة بيت وطفلة وحلم.. دلوقتي الدكتور بيقولّي إن أقل نسمة ممكن تجرحني.
ياسر مدّ إيده، رفع وشها براحة :
ورق الحرير مش ضعيف. ده أنعم خلق ربنا، بس قيمته غالية.
سارة هزت راسها، ضحكة قصيرة، جريحة خرجت :
وأنا بقيت مش لازم يتمسك بيا بالشوَك عشان ما أتقطّعش؟
ياسر :
لا إنتِ تتمسكي بالحب، مش بالشوك.
سكت لحظة، وبعدين قالها بصوت عميق :
وأنا مش حافظلك إنك تعيشي، أنا هعلّمك تعيشي براحة حتى لو كل خطوة بقت خفيفة، المهم إنك معايا.
سارة اتنهدت وبصت له :
وبس؟ مش خايف مني؟ مش خايف من بكرة؟ أنا نفسي بخاف من نفسي.
ياسر شد إيديها بين إيديه :
أنا بخاف من الدنيا من غيرك، مش معاكِ. بكرة دا.. إحنا نشيله سوا، حتى لو بقى ضيق. ولو تعبتِ.. أنا أكون القوة. ولو وقعت.. أنا الأرض. ولو اتكسرتِ.. أنا بإيدي ألمّك.
الصمت وقع تاني، بس كان صمت فيه حب، مش هزيمة.
سارة مالت عليه، حطت راسها على كتفه كأن نفسها تطمن، وكان قلبه بيتنفّس احتياجها.
سارة ببحة صغيرة :
خليك معايا.
ياسر همس :
هنا.. ومابمشيش.
هي قفلت عينيها، مش نوم، لكن راحة، زي اللي أخيرًا سمح لحد يشيل الحمل معاه.
وبرّة الشباك، الشمس كانت بتغيب، بس جوا البيت؟ نور صغير بدأ يضوى..
مش نور شفاء.. نور صبر.. ونور إثنين بيقولوا للدنيا :
"لسه هنحارب… ومش لوحدنا."
وبين كل نفس ونبضة، كانت سارة مش بتمسك في الحياة، كانت بتمسك في ربنا.
والقدر....
فتح الصفحة اللي بعدها، وبخط قلم خفيف، كتب :
"لسه البداية."
*وصيّة حب*
بقلم نسرين بلعجيلي
Nisrine Bellaajili
_الفصل التاسع_
الليل كان ساكن، مش سكون سلام، سكون خوف. زي لما القلب يحس بحاجة قبل العقل، ويبقى واقف مستني حاجة تحصل ومش عارف هي إيه.
سارة كانت نايمة على جنبها، بس النوم ما لمسهاش، عنيها مفتوحة في الظلمة، بتراقب السقف كأنه صفحة مكتوبة بخط خفيف.
كان فيه تعب جديد، مش زي تعب الأيام اللي فاتت. جواها إحساس غريب، إحساس حد واقف على باب مكان مش عارف يدخله ولا يهرب منه.
تنفست بصعوبة، وقامت ببطء، لفت الشال على كتفها كأنها بتحمي جسمها من برد مالوش علاقة بالجو.
بصت لياسر، نايم جنبها، صدره بيطلع وينزل بهدوء. مدت إيدها ولمست شعره بهدوء، لمسة وداع؟ ولا لمسة حياة؟ هي نفسها ما كانتش عارفة.
نسرين بلعجيلي
قامت من السرير كأنها بتنسحب من مكانها بآخر قوة. رجلها رخت ثانية،
مسكت طرف التسريحة واتمسكت بالحافة بإيد بتترعش.
الدوخة بقت صاحبة البيت. وصلت للمكتبة الصغيرة، فتحت الدرج بهدوء، طلعت نوت بوك قديم، اللي كانت بتكتب فيه أول أيام جوازهم أحلامهم اللي جاية، خطط السفر، أسماء أطفال…
كل ده دلوقتي بقى ذكريات بتوجع مش بتفرّح.
رجعت السرير، قعدت، نور الأباجورة خفيف، دافي، لكن في قلبها برد من النوع اللي ما بيتعالجش ببطانية.
فتحت النوت بوك. مسكت القلم بإيد بتتهز. كتبت على الصفحة الأولى بخط ضعيف :
"لو جي يوم وملك كبرت ومقدرتش أكون حواليها، قولولها إن ماما كانت بتحلم تشوفها ست قوية، أقوى من الحياة نفسها."
دمعة وقعت على الورق، مسحتها بعصبية كأنها مش عايزاها تسيب أثر.
قلبت صفحة جديدة… وكتبت لياسر :
"لو تعبك مني زاد، إفتكر إن عمري ما كنت عبء، أنا كنت دايمًا بحاول أكون قوتك، حتى وأنا بنهار."
رجفت أصابعها… وقفت ثانية…
رجعت تكتب :
"ياسر.. إوعى تكره قدرتك لو ضعفت. الحب مش دايمًا قوة، ساعات حبك لحد بيكسّرك لأنك خايف عليه أكتر من نفسك."
سارة رفعت راسها، النفَس بيطلع متقطع، والصدر تقيل كأنه بيحارب الميّة اللي بتغرقه.
كتبت سطر أخير :
"أنا مش بخاف أموت، أنا بخاف أسيبكم تتوجعوا."
حصري روايات نسرين بلعجيلي
وسكتت.
القلم وقع من إيدها على السرير. إديها لفت على بطنها تلقائي، زي أم بتحضن نفسها لما تكون محتاجة حضن حد مش موجود.
عيونها دمعت من غير صوت، مش بكاء نحيب، ده بكاء تسليم.
الحلم رجع قدام عنيها فجأة :
نفس الحلم اللي شافته من أسبوع، نفس الإحساس :
قبر مفتوح… صوت آذان… وملك واقفة تبصّ عليها ودموعها سايلة، وياسر شايلها ومش قادر يتكلم.
الهزة رجعت لجسمها.
_"لا… لسه. مش دلوقتي… مش كده."
حطت النوت بوك على صدرها، كأنها بتدفن قلبها جواه.
سمعت حركة خفيفة، ياسر لف وهو نايم ودور عليها بإيده ملقهاش جنبه.
فتح عينه نص فتحة :
سارة؟ إنتِ فين؟
مسحت دموعها بسرعة :
هنا… كنت بجيب ميّة.
هو ما فهمش التعب اللي في صوتها، لكنه حس بحاجة مش طبيعية.
مدّ لها إيده :
تعالي نامي جنبي، ما تسيبينيش برا دماغي دلوقتي.
ضحكت ضحكة واهية ما طلعتش للهوى :
أنا هنا… جنّبك دايمًا.
رجعت إستخبت في حضنه، مش علشان ترتاح، لكن علشان تحس إنها لسه في الدنيا اللي بتحبها.
حطت النوت بوك تحت المخدة بهدوء وخبط قلبها على قلبه.
– ياسر؟
– نعم؟ (صوته نعسان)
– لو جي يوم ماعرفتش أمسك الدنيا، إمسكني انت.
فتح عينه كويس، بص لها بنص وعي، بنص خوف، بنص وجع ماعرفهوش لسه :
ما فيش يوم زي ده. إنتِ هتفضلي معانا.
سارة بصّت في عينه، عرفت إنه بيصدّق كلامه علشان يعيش، مش لأنه متأكد منه.
همست :
بس لو حصل، لا تسيب ملك، ولا تسيب نفسك.
ياسر :
سارة… بس كفاية الكلام ده. أنا تعبت أسمعه.
لفّها في حضنه، باس راسها وكأنه بيحاول يسكت القدر بإيده.
هي سكّتت، لكن قلبها لسه بيتكلم : "يارب مش دلوقتي، لسه نفسي أشوف فرحة ملك لما تتخرج، لسه نفسي أشوف شيب ياسر، لسه نفسي أضحك وأحط راسي على صدره من غير ما أخاف."
نَفَسها ارتاح شوية، الدنيا هديت، بس جوه صدرها، كان في دقة مختلفة، زي دق ساعة بتعد وقت مش بيوسّع.
قبل ما عينها تقفل، شدّت المخدة عليها، تحس بنوت بوك تحتها، إبتسمت إبتسامة مكسورة وقالت لنفسها بهمس :
كتبتك علشان لو ماقدرتش أكمّل، كلامي يكمل بعدي.
وبعدها غمضت. مش نوم كامل، نصف حياة… نصف خوف… نصف أمل.
والليل؟
فضل قاعد معاهم زي شاهد على أول وصيّة اتكتبت بقلب مش مستسلم، لكن خايف يفوت الوقت.
الصبح جه…
ماكانش نور، كان أكثر شبه ضل رمادي كده. سارة صحيت وهي مش صاحيّة، جسمها تقيل، عينها محمرة من قلة النوم، ووشها شاحب كأن الليل أخذ لونها وسابها فاضية.
ياسر دخل عليها من المطبخ، ماسك كوباية شاي وسندوتش. إبتسم لها ابتسامة باهتة، التعب فيها واضح أكثر من الإبتسامة نفسها :
صباح الخير يا قلب البيت.
سارة ردّت بابتسامة ضعيفة :
صباح الخير يا سندي.
هي عارفة إنه ما نامش، وهو شايف إنها بتنهار شِويّة شِويّة.
ملك دخلت تجري :
ماماااا شوفي رسمي، عملت قلب، ده قلبي ليكِ
سارة حضنتها بقوة، قلبها دعى في اللحظة دي بس :
"يا رب خلّيني أكمّل عمرها كله."
ياسر بص عليهم، مسك شنطته وقال بصوت هادي :
أنا نازل الشغل لو احتجتِ حاجة كلميني.
سارة هزّت راسها:
ما تشيلش هم، أنا كويسة.
كان شكلها بيقول العكس. وكان قلبه بيصرخ : "مش كويسة".
خرج… بس روحه فضلت ورا الباب.
Nisrine Bellaajili
ياسر في الشغل
كان قاعد قدام الكمبيوتر، الشاشة قدامه، شغل كتير، ناس حواليه، بس ودانه مشغولة بدق قلبها مش بدق الماوس.
زميله سأله كده كلمتين عن الشغل، ياسر بصله ومردش، كأنه مش سامع أصلاً.
أول مرة من شهور يمسك تليفونه ويحطّه قدامه، مش علشان شغل، علشان يستنى إتصال، خايف منه ويتمنى يحصل في نفس الوقت.
فجأة…
مسك الموبايل واتصل بروان. هي ردت متفاجئة :
ألو؟ ياسر؟
صوته مكسور، نبرة راجل حاول يكون جبل واتشرخ :
روان… لو تقدري، روحي لسارة.
صمت لحظة…
بعدين قالها بصوت خالي من الكرامة ومن الرجولة اللي بتحب تبان قوية :
هي مش بتقولي كل حاجة، وأنا خايف عليها قوي. أنا عمري ما كنت خايف كده.
روان صوتها لين، مليان تقدير مش شفقة :
ما تقلقش، أنا في الطريق ليها دلوقتي.
هو حاول يتماسك :
شكراً، بالله عليكِ ما تسيبيهاش لوحدها النهارده.
قفل، وغمض عينه على ألم ما عرفهوش قبل كده. مش ألم فقد، ألم إنتظار الفقد.
روان عند سارة..
الباب رن. سارة فتحت، لابسة ترنج واسع، عيون مطفية وتعب مرسوم على جسمها كله :
روان!
إبتسامة صغيرة كسرت وشها التعبان.
روان حضنتها من غير ولا كلمة، والحضن لو كان صوت؟ كان هيكون دعاء.
قعدوا في الصالة، سارة ماسكة كوباية مايّة، إيديها بتترعش شويّة.
روان بصوت حنون :
ياسر كلّمني.
سارة غمضت عنيها، قلبها اتقبض : ما كانش المفروض يشيل همي، أنا اللي كنت دايمًا ظهره.
روان مسكت إيدها :
وإنتِ لسه ظهره، يمكن مش بجسمك بس بقلبك.
سارة إتنهدت… وبصوت واطي، خجلان، متكسّر :
روان.. أنا مش خايفة من الموت. أنا خايفة أكون ست ناقصة.
رفعت عنيها عليها، دمعة حارة نزلت قبل ما تكمل :
أنا طول عمري زوجة، ست كاملة في بيتها. ياسر راجل، راجل بيحب الست اللي معاه، بيحب قربها، لمسها، دفئها..
وقفت لحظة.. صوتها بقى أضعف :
لو جسمي خانني؟ لو ماقدرتش أكون مراته زي الأول؟ هو هيستحمل؟ هيعيش من غير حضن؟ من غير قرب؟ من غير حقه الشرعي؟
روان شهقت، ما كانتش متوقعة الجرح ده.
سارة كملت :
أنا مش بتكلم بضعف، بتكلم من خوف حقيقي، أنا ست يا روان، ست بتحب جوزها وبتخاف تخليه محتاج حاجة وهي مش قادرة تديهاله.
حطت إيدها على قلبها :
مش عايزة أبقى عبء، ولا عايزة أوجعه ولا أخليه يوم يصحى يلاقيني بقيت "حالة" مش "حبيبته".
دموعها نزلت أكثر :
هو يستحق حياة كاملة، مش نص حياة جنبي.
روان قربت، مسكت وشها بين إيديها :
إسمعيني كويس يا سارة، الرجولة مش علاقة وبس. الرجولة قلب يفضل واقف مكانه حتى لو الدنيا كلها وقعت حواليه.
سارة همست ببكاء :
بس الرجالة ليهم احتياجات، وياسر عاش معايا على حب وعلاقة ونفس ودفا. إزاي فجأة أقول له "ما تلمسنيش"؟
روان دمعت هي كمان :
لما إتنين بيحبوا بعض بجد، اللمسة ما بتقلش، بتتغير، بتبقى أصغر.. أحن.. أعمق. مش جسم… روح.
سارة خبّت وشها في صدر روان، وانهارت شوية :
خايفة يا روان، خايفة منه يتعب ويتغيّر، ومن نفسي أتكسّر قدامه.
نسرين بلعجيلي
دعاء مش بصوت...
سارة رفعت راسها، بصت للسقف،
وقالت بـصمت القلب :
"يا رب… لو كتبت الضعف عليا، أكتب الصبر عليه، والرضا لقلبي."
روان مسحت دموعها :
يلا، غيري هدومك وتعالي أقعد معاكِ، ومش هتحسي إنك لوحدك ولا ثانية.
سارة ابتسمت رغم التعب :
وجودك ستر يا روان.
روان ضمتها :
وإنتِ نور يا سارة مش هتطفي.
في نفس اللحظة…
ياسر قاعد في مكتبه، إيده بتمسح في دقنه، عينه مش على أي ورقة بيتمتم :
يا رب… قوتي بقت هي لو وقعت، أنا واقع بعدها. حافظ عليها، وعلّمني أكون ليها رجل وكفّ وقدَر.
النهار كان ماشي ببطء، لكن جوّه البيت كان فيه حب بينزل دموع، ورجولة بتتكتب بصمت، وخوف بيتحوّل لـدعاء.
سارة بدأت أول وصية، بس لسه ما قالتش آخر حب.
الحكاية مكملة، والقلوب لسه صاحية وبتحارب الحياة مع بعض.
الرحلة ما خلصتش، لسه فيه حكاية.. ولسه فيه أمل.. مهما كان ضعيف.