رواية ملك بلا مملكة الفصل الرابع عشر14بقلم اسماعيل موسي

رواية ملك بلا مملكة الفصل الرابع عشر14بقلم اسماعيل موسي

حين نودي على جود كانت الحلبة قد تبدلت ملامحها، لم تعد ساحة نزال عادية، بل أرض اختبار حقيقي، لأن الاسم الذي أُعلن بعدها لم يكن ذئبًا من العشائر المعتادة، بل واحدًا من عماليق الذئاب، أولئك الذين لا يُستدعَون إلا حين يُراد كسر شيء أمام الجميع، جسده كان أضخم من أن يُقاس بالمقاتلين السابقين، صدره عريض كصخرة، ذراعاه كجذوع أشجار، وكل خطوة منه كانت تهز الأرض تحت النار

تقدمت جود بصمتها المعهود، رأسها منخفض، ملامحها مخفية، تعرف منذ اللحظة الأولى أن هذا النزال ليس عن الفوز السريع، بل عن البقاء، العملاق لم يهاجم فورًا، بل اقترب ببطء متعمد، يبتسم وكأنه أمام فريسة مؤجلة، ثم انقض فجأة، ضربة واحدة فقط كادت تخلع كتفها من مكانه، ارتد جسدها في الهواء وسقط بعنف، وتعالت صيحات الجمهور
نهضت بسرعة، قبل أن يسمح الألم لنفسه بالكلام، تحركت حوله، ضربت المفاصل، الفخذ، خلف الركبة، نقاط تعرفها جيدًا، لكن الجسد العملاق امتص الضربات كما يمتص الجبل المطر، لم يتراجع، بل ضحك، ضحكة ثقيلة مزعجة، ثم باغتها بقبضة أمسكتها من منتصفها وقذفتها أرضًا مرة أخرى، هذه المرة لم تنهض فورًا، الهواء خرج من صدرها، والنار انعكست على عينيها المرتجفتين.

حاولت القتال بأسلوبها، كسر الإيقاع، الحركة قبل القوة، لكن الفارق كان قاسيًا، العملاق تعلم، أغلق المسافات، حاصرها، ضربة بعد أخرى، حتى بدأ جسدها يخونها، ركبتها انحنت، ذراعها لم تعد تطيع، وسقطت أخيرًا على التراب، خائرة القوة، والدم يمتزج بالغبار

تقدم العملاق ببطء، لم يكن مستعجلًا، مد يده نحو رأسها، ليس لينهي النزال، بل ليكشفها، ليُسقط القناع أمام الحلبة كلها، أصابعه أمسكت بغطاء وجهها، والجمهور شهق، لحظة واحدة فقط فصلت السر عن العلن
وفي تلك اللحظة انكسر الصمت
قفز يامان إلى الحلبة قبل أن يُعلن القاضي أي شيء، حركته لم تكن هجومًا، كانت منعًا خالصًا، قبض على ذراع العملاق وأوقفها في منتصف الطريق، نظرة واحدة كافية لتجميد المشهد، العملاق استدار غاضبًا، لكن يامان لم يمنحه قتالًا، دفعه للخلف بقوة مضبوطة أجبرته على التراجع خطوتين، ثم وقف بينه وبين جود بلا كلمة واحدة
ارتفعت الأصوات، احتج القضاة، لكن النار نفسها بدت مترددة، انحنى يامان وحمل جود قبل أن تستعيد وعيها، لفها بمعطفه، وأدار ظهره للحلبة، لم ينتظر حكمًا ولا تفسيرًا، شق طريقه خارج الساحة بينما الهتاف تحول إلى ضجيج مرتبك لا يعرف إن كان ما حدث إنقاذًا أم تحديًا صريحًا لكل القوانين.

في الغابة، كان الليل قد بدأ يتمدد، يامان أسرع الخطى نحو كوخه، جود بين ذراعيه خفيفة على غير ما يجب، أنفاسها متقطعة، وجراحها مفتوحة، لم يكن يفكر في العقاب ولا في العيون التي تلاحقه، كان يعرف شيئًا واحدًا فقط، أن هذا النزال لم يكن يجب أن يُكمل، وأن الذاكرة أحيانًا تحتاج إلى كسر ١القواعد كي لا تتحول إلى قبر
وعندما أغلق باب كوخه خلفهما، ترك الحلبة خلفه تغلي بالأسئلة، وترك المملكة كلها على يقين أن ما حدث لم يكن مجرد تدخل، بل نقطة انكسار، وأن الذئب الراقص لم يعد مجرد متخفٍ، وأن الأميرة التي كادت تموت اليوم لن تعود إلى الساحة كما خرجت منها.

مع امتداد النهار الأخير بدت الحلبة كأنها ضاقت على من فيها، لا لأن المساحة تغيّرت، بل لأن الأسماء التي بقيت كانت أثقل من أن تحتملها النار وحدها، سُجّل وصول آدم أولًا، لم يحتج إلى نزال إضافي ولا إلى إعلان، اسمه كان حاضرًا منذ البداية، انتصاراته السريعة تركت خلفها خصومًا بلا وقت للاعتراض، فوقف بين المتأهلين بوقفة واثقة، كتفاه للخلف وذقنه مرفوعة، كمن يرى النهاية حقًا مكتسبًا لا احتمالًا.

ثم جاء هشمير، وصوله لم يكن خبرًا بل نتيجة منطقية، لم يسقط في طريقه أحد فحسب، بل سقطت فكرة أن الكثرة تصنع فرصة، كل من واجهه خرج من الحلبة وهو يعلم أن ما صدمه لم يكن القوة وحدها، بل الصمت الذي لا يخطئ، فاستقر اسمه في قائمة المصارعين كحقيقة لا تُناقش.

الهنطاع تبعه، وصوله كان مختلفًا، مرّ عبر النزالات كما يمر الجرح في جسد لا يصرخ، خصومه لم يُنهوا بضربة واحدة، بل خرجوا مكسورين من الداخل قبل العظم، تركهم يعرفون كيف خسروا، ولذلك حين أُعلن تأهله ساد هدوء حذر، لأن من يقاتل بهذه الطريقة لا يطلب التصفيق، بل يحصد الحساب كاملًا.

أما العملاق، فقد وصل رغم كل شيء، جسده حمل آثار معارك عنيفة، لكنه بقي واقفًا، قوته الخام شقّت له الطريق، وسمعته لم تتضرر حتى بعد ما جرى مع جود، لأنه في منطق المملكة ما زال يمثل الرهان القديم، رهان الحجم الذي لا يُسأل عن الثمن

وتقدمت ذئبتان رماديتان برأس واحد، ليس تشبيهًا بل حقيقة معروفة في أرض أوفرون، تقاتلان كجسد واحد بعقلين متصلين، واحدة تهاجم والأخرى تُغلق المسار، لا تسبق إحداهما الأخرى ولا تتأخر، وحين وصلتا إلى مرحلة الحسم لم يكن ذلك بسبب القوة، بل بسبب انسجام لا يُكسر، فتم تسجيل اسميهما معًا كمتأهل واحد.

ومن الشمال جاء المصارع العتيق، وجهه يحمل خطوط البرد والقتال الطويل، أسلوبه خشن وواضح، لا خداع فيه ولا زينة، يدخل ويضغط ويُسقط، هكذا فعل في نزاله الأخير، فانتزع مكانه بجهد صريح لا لبس فيه.

وتسلل الذئب الهجين أخيرًا إلى القائمة، مزيج من دمين لا يرضى عنهما أحد، لكنه قاتل كما لو أن كل نزال هو إثبات وجود، لم يملك دعم عشيرة ولا هتاف جمهور، ومع ذلك بقي، تجاوز خصومه بالمرونة حين احتاج، وبالوحشية حين أُجبر، حتى صار اسمه حاضرًا رغم كراهية كثيرين له

وهكذا اكتملت الأسماء، سبعة واقفين تحت النار، وكل واحد منهم يحمل طريقًا مختلفًا إلى هذه اللحظة، ولم يبقَ سوى مقعد واحد، فراغ ثقيل يتوسط القائمة كجرح مفتوح
ذلك المقعد كان ينتظر يامان.

الجماهير فهمت قبل أن يُعلن القاضي، هذا النزال ليس إضافة عددية، بل تحديد لميزان القوى كله، لأن الذئب المتخفي لم يُختبر بعد في معركة تُجبره على الكشف الكامل، ولم يُعرف إن كان ما يملكه حيلة جميلة أم قوة تكفي للبقاء بين هذه الأسماء.

ساد الصمت، ثم بدأ الهمس، ثم عاد الصمت أثقل، لأن الجميع أدرك أن المصارع الأخير لن يُحسم بسهولة، وأن النزال القادم لن يحدد اسمًا فقط، بل سيحدد إن كانت الأسطورة حكرًا على الماضي… أم أن لها وجهًا جديدًا لم يُعلن بعد.

في كوخه الصامت كان قلق يامان أعلى صوتًا من النار التي لم يُشعلها، جود ممددة على الفراش الحجري، أنفاسها متقطعة، وجسدها ما زال يحمل صدى قبضة العملاق، لم يسمح لنفسه بلحظة ذعر كاملة، لكنه لم ينجُ من اللهفة، تلك العجلة الخفية التي تُفسد دقة اليد حين يكون الألم قريبًا جدًا
فتح حزم الأعشاب واحدة تلو الأخرى كما لو كان يفتح خرائط نجاة.

سحق أوراق السِّلفان أولًا، أخضرها الكثيف حين لامس الجرح أوقف النزيف وأغلق الجلد دون أن يترك حافة بارزة، ثم خرج بجذور الهِربان المر، كسرها براحته وخلطها بقليل من الماء الدافئ، دسها بين شفتيها لتسكن الألم وتكبح الالتهاب قبل أن يشتعل، وبعدها جاء بزهر الليرما الزرقاء، فركه برفق فوق العضلات المرتجفة ليعيد المرونة إلى ما شدّه الرضّ، وأخيرًا نثر طحلب الظل مطحونًا، داكن اللون، خفيف الرائحة، ليمنع الحمى التي تتسلل بعد مثل تلك الضربات.

كانت يداه ثابتتين، لكن صدره لم يكن كذلك، يقترب ثم يتراجع، يراقب ملامحها كأنه ينتظر إشارة سماح من جسد يعرف كيف يقاتل وحده، قال لها دون أن ينظر مباشرة إن عليها أن تبقى ساكنة حتى يغيب الألم ويهدأ الإيقاع، وإن الكوخ سيحفظها كما حفظ غيرها قبلاً، ترك عند جانبها الماء والأعشاب، وضبط الباب بحيث لا يصرّ، ثم توقف لحظة أطول مما ينبغي، لحظة رجل يعرف أن ما يتركه ليس آمنًا بقدر ما يتمناه.

خرج إلى الحلبة وقد حسم أمره، لم يحمل القلق معه، تركه خلف الباب، خصمه تقدّم بثقة المتأخرين، جمهور ينتظر عرضًا أخيرًا قبل اكتمال القائمة، لكن يامان لم يأتِ ليُرضي أحدًا، لم يرقص، لم يدُر، لم يمنح الوقت فرصة أن تتباهى بنفسها، خطوة واحدة، زاوية دقيقة، وضربة واحدة خرجت كأنها نهاية جملة طويلة، سقط الخصم قبل أن يُفهم السؤال
ساد صمت خاطف، ثم ارتفعت الأصوات، أعلن القاضي النتيجة، وأُغلق المقعد الأخير باسم بلا عشيرة، بلا تاريخ معلن، آخر المتأهلين الثمانية.

لم يرفع يامان رأسه، لم يبحث عن هتاف، استدار وغادر كما دخل، لأن ذهنه لم يكن في القائمة ولا في النار، كان في كوخٍ بين الصخور، حيث جسدٌ عنيد يتعلم أن يلتئم، وحكايةٌ تعرف الآن أن عدد الثمانية اكتمل، وأن ما هو آتٍ لن يُقاس بالضربة وحدها، بل بما يُترك خلف الأبواب قبل النزول إلى الساحة.

تعليقات



<>