رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الخامس عشر15بقلم اسماعيل موسي
كان البيت ساكنًا على نحو يوجع الصدر، سكون لا يشبه الراحة بل يشبه الفراغ حين يتمدد ويبتلع التفاصيل الصغيرة.
بدر كان يتحرك فيه بلا هدف واضح، يمر بالغرف كما لو أنها أماكن مستعارة، ينظر إلى الأثاث دون أن يراه، ويصغي إلى صدى خطواته كأنه صوت شخص آخر يسكن هنا منذ زمن.
خيبة ثقيلة كانت تستقر في صدره بلا اسم، لم تكن حزنًا مكتمل المعالم ولا غضبًا يصلح للمواجهة، بل ذلك الشعور الرمادي الذي يأتي حين لا يحدث شيء، وحين لا يعود أحد.
خرج إلى الحقول مع أول خيط ضوء، هربًا من الجدران أكثر منه شغفًا بالطبيعة.
الأرض كانت رطبة، والهواء مشبعًا برائحة العشب، والضباب الخفيف يلامس أطراف الأشجار كأنه يحاول طمسها.
كان يمشي في شرود، عيناه مفتوحتان لكن ذهنه بعيد، يعد الخطوات دون وعي، يتوقف ثم يكمل، كأن الحركة وحدها تمنحه سببًا للاستمرار.
إلى جواره كان كيمو واكا يسير بهدوئه المعتاد، لا يسبقه ولا يتأخر عنه، يلتفت أحيانًا ثم يعود للنظر أمامه، ذيله يتحرك ببطء محسوب.
الهر لم يكن يحتاج إلى تفسير، كان يعرف الإيقاع، يعرف متى يصمت ومتى يقترب، ومتى يكتفي بالمرافقة دون طلب.
حين توقف بدر عند حافة المجرى الصغير وحدق في الماء، جلس كيمو واكا إلى جواره، مراقبًا السطح المتحرك، وكأنهما يشتركان في التفكير نفسه دون اتفاق.
الطبيعة حوله كانت كاملة على نحو مستفز، الحقول ممتدة، الأشجار ثابتة، النهر لا يتردد في سيره، لا شيء ينتظر أحدًا
شعر بدر أن الخيبة ليست في رحيل سادين وحده، بل في ذلك الإدراك البارد أن العالم لا يختل حين يغيب شخص واحد، مهما كان حضوره كثيفًا.
ظل واقفًا هناك طويلًا، يده في جيب معطفه، أنفاسه مستقرة على غير ما في صدره، والهر إلى جواره شاهدًا صامتًا على خيبة لا تحتاج إلى كلمات.
توقف كيمو واكا أمامه فجأة، جلس على صخرة ملساء، رفع رأسه ونظر إلى بدر كما لو كان ينظر إليه منذ زمن طويل ولم يجد اللحظة المناسبة للكلام، ثم قال بصوت هادئ خالٍ من الدهشة، كأن الحديث بين القطط والبشر أمر يحدث كل صباح.
أنت تمشي كثيرًا يا بدر، لكنك لا تصل إلى مكان، وهذا طبيعي، لأن بعض الطرق لا تؤدي إلى أماكن بل تعيدك إلى نفسك، ومع ذلك تصر على العد، خطوة بعد خطوة، وكأن للأرض ذنبًا فيما تشعر به.
كنت أراقبك من فوق الخزانة، ومن حافة السطح، ومن ظهر الأريكة، أنت لا تجلس حقًا، حتى حين تجلس، شيء فيك يظل واقفًا ينتظر، لا أعرف من بالضبط، لكن الانتظار له رائحة، وأنا أعرف الروائح جيدًا.
الخيبة ليست ثقبًا كما تظن، إنها غرفة مغلقة، وأنت تجلس فيها منذ رحيلها دون أن تفتح النوافذ، الهواء فاسد يا بدر، حتى القطط تختنق لو طال بقاؤها في مكان واحد.
أنت ترسم أجسادًا بلا وجوه لأن الوجه يطالب بالكثير، يطالب بالاعتراف، بالتسمية، بالذاكرة، أما الجسد فيكفيه أن يقف، أن يتوتر، أن يستعد، وهذا يشبهك أكثر مما تظن.
لا تقل إنك لم تكن تنتظر عودتها، أنا أعرف الفرق بين من لا ينتظر ومن يعد الزمن بطريقة مختلفة، أنت لم تعد تحسب الأيام، بل تحسب المسافة بينها وبين هذا البيت، وكلما طالت، صار البيت أثقل.
أنا لا أملك نصيحة كبيرة، القطط لا تعطي نصائح، نحن نختار الأماكن الدافئة ونبقى فيها حتى يبرد العالم، لكن إن كنت تسألني، فالغياب لا يُشفى باللوحات وحدها، ولا بالحقول، ولا بالمشي الطويل، أحيانًا يحتاج الإنسان إلى أن يعترف بأنه كان يحتاج، وهذا لا يجعلك ضعيفًا، فقط يجعلك حاضرًا.
ثم صمت كيمو واكا، قفز من على الصخرة، مر بجوار ساق بدر ببطء، وحرّك ذيله مرة واحدة، كما لو أنه قال كل ما يلزم قوله، وترك لبدر مهمة الفهم، لأن بعض الجمل، حتى لو قيلت بوضوح، لا تُفهم إلا بعد وقت طويل.
عاد بدر إلى السطح مع اقتراب المساء، ذلك التوقيت الذي لا يحمل وعدًا ولا خيبة، فقط ضوء مائل يصلح لاتخاذ قرارات لا تُقال.
وقف أمام اللوحة التي تركها أيامًا على حالها، الجسد ذاته بلا وجه، منتظرًا، كأنه يعرف أن اللحظة ستأتي وحدها.
حمل الفرشاة ببطء، لم يتعجل، لم يتردد، كأن اليد سبقت العقل هذه المرة، وبدأ يرسم وفق خياله لا وفق الذاكرة، لا ينقل ملامح محفوظة، بل يصنع حضورًا.
رسم الوجه أخيرًا، لا كما كانت، بل كما كان يشعر بها، انحناءة خفيفة في النظرة، شفاه لا تبتسم تمامًا ولا تعبس، ملامح قادرة على الصمت، وعلى الكلام في آن واحد.
أضاف ظلًا دافئًا تحت العينين، لمسة ضوء على الجبهة، تفاصيل صغيرة لا ينتبه لها أحد إلا من جلس طويلًا قبالة شخص يحاول أن يفهمه دون أن يسأله.
حين انتهى، تراجع خطوة، ثم خطوة أخرى، لم يشعر بنشوة، بل براحة غريبة، كأن شيئًا استقر أخيرًا في مكانه الصحيح.
حمل اللوحة بنفسه وعلقها في الرواق، في منتصف الجدار تمامًا، حيث يمر كل يوم، حيث لا يمكن تجاهلها ولا التوقف أمامها طويلًا.
كانت هناك كأنها تتنفس، لا تلاحقه ولا تختفي، حضور صامت، متوازن، لا يطالبه بشيء.
في تلك اللحظة فقط شعر بدر أن الصدر أصبح أخف، وأن البيت لم يعد يراقبه، وأن الفراغ تراجع خطوة إلى الخلف.
جلس على المقعد الخشبي المقابل للرواق، أشعل سيجارة، نظر إلى اللوحة دون أن يحللها، تركها تكون.
عندها ظهر كيمو واكا، قفز بخفة إلى الطاولة، نظر إلى اللوحة، ثم إلى بدر، ثم حرك ذيله بحركة بطيئة ساخرة
قال بصوت هادئ كعادته،
رائع يا بدر، علقتها هنا كأنك تخاف أن تهرب مرة أخرى، أو كأنك تحاول أن تطمئن نفسك بأن من لا يعود يمكن تعليقه على الحائط دون مقاومة.
سكت لحظة، ثم أضاف وهو يستدير ليغادر،
لا تقلق، البشر يفعلون ذلك كثيرًا، نحن القطط نكتفي بصندوق وكوب لبن، أنتم تحتاجون إلى رواق كامل ولوحة تتنفس
ثم اختفى كيمو واكا عند زاوية السلم، وبقي بدر وحده، ينفث دخان سيجارته ببطء، وللمرة الأولى منذ زمن، لم يشعر بحاجة إلى أن يمشي.
مر شهر كامل وبدر لم يرد على رسالة لورين، لم يفتحها مرة ثانية، لم يحذفها، تركها في الهاتف كما تُترك الأشياء التي نعرف أننا لا نريدها لكن لا نملك الشجاعة لدفنها.
كان يعرف أن الرد سيفتح بابًا، وأن أي باب يأتي من جهة سادين لن يكون بريئًا، حتى لو بدا مريحًا، حتى لو حمل حلًا عمليًا لوحدته.
اختار الرفض بصمت، رفض أن يدخل أحد بيته عبر اسمها، رفض أن يستبدل الغياب بنسخة أخرى، ورفض قبل كل شيء أن يسمح لنفسه براحة تشبه الخيانة لمزاجه الذي بالكاد أعاد ترتيبه.
عاد إلى لوحاته، إلى مواعيده الصارمة مع الصباح والعصر، إلى الصمت الذي يعرفه جيدًا، وكأن شهراً آخر بلا رسائل أقل خطورة من خطوة واحدة خاطئة.
في الجهة الأخرى من العالم، أو هكذا بدا له، بدأت الشكوك تنمو داخل سادين ببطء مؤذٍ.
لم تكن شكوكًا فجائية أو درامية، بل ملاحظات صغيرة تتراكم دون صوت، تأخير مكالمة، رسالة تُغلق بسرعة، نظرة تهرب في اللحظة الخطأ.
حازم كان يبذل جهدًا واضحًا لإسعادها، حريصًا، حاضرًا، كريمًا في وعوده، لكن ذلك بالذات هو ما أقلقها، الإفراط أحيانًا علامة خوف لا إخلاص.
لم تشك لأنه قصر، بل لأنه بدا كاملًا أكثر من اللازم، وكأن هناك شيئًا يُخفى خلف هذا الحرص الدائم.
قبل موعد الزواج بأسبوع، لم تعد قادرة على تجاهل ذلك الشعور الخافت في صدرها، ذلك الصوت الذي اعتادت قديمًا أن تخونه ثم تدفع الثمن.
بدأت تراقبه دون أن تعلن، تسأل الأسئلة التي لا تُطرح، تنصت للصمت بين كلماته، وتجمع التفاصيل كما تجمع الطبيبة الأعراض قبل التشخيص.
بحثت خلفه لا بدافع الغيرة، بل بدافع النجاة، أرادت أن تعرف قبل أن تُغلق الباب على نفسها مرة أخرى، قبل أن تكرر الخطأ ذاته باسم الأمان.
كانت تعرف أن الحقيقة، أيًا كانت، أقل قسوة من الشك، وأن أسبوعًا واحدًا كفيل بأن ينقذ عمرًا كاملًا أو يدمّره، لذلك مضت في البحث بهدوء، بقلب متيقظ، وعين لا تريد أن تُخدع مرة أخرى.
قفز كيمو واكا إلى حافة الطاولة ونظر إلى بدر نظرة طويلة غير معتادة، ثم قال بنبرة رسمية على نحو يثير الريبة،
قبل أي حديث يا بدر، أريد طبق تونة حقيقية، ليس تلك التي تشتريها على عجل، وأريد اللبن دافئًا قليلًا، لأن الموضوع مهم، ولا يليق أن يُناقش بمعدة فارغة.
نظر إليه بدر دون تعليق، وكأن طلبًا كهذا لا يفاجئه بعد الآن، أعد الطبق ووضعه أمامه، فبدأ كيمو واكا يأكل ببطء مقصود، يترك فواصل بين كل قضمة وأخرى، ثم رفع رأسه فجأة وقال،
حسنًا، الآن يمكننا التحدث.
أنت تعرف أنني أراك أكثر مما تظن، وأرى ما لا تريد أنت أن تراه، وأعرف أنك لم تر سادين يومًا كما هي، لا لأنك لم ترد، بل لأنها اختارت ألا تُرى.
كنت منتقبة طوال الوقت، متوارية خلف قماش سميك، أما أنا، ولأنني مجرد حيوان غبي كما كانت تعتقد، لم تكلف نفسها العناء أمامي.
وهنا تكمن المأساة يا بدر، اللئيم الوحيد في هذه القصة ليس البشر، بل القط الذي رأى ولم يُصدق.
سادين لم تكن مجرد حضور صامت أو صوت يتحرك في البيت، كانت شيئًا آخر تمامًا، عيونها خضراء، خضرة لا تشبه الحقول، بل تشبه أوراق شجرة حين تمطر للمرة الأولى، لون يُربك حتى القطط.
شعرها مائل إلى الصفرة، ليس ذهبيًا صارخًا، بل ذلك اللون الهادئ الذي يلتقط الضوء دون أن يطلبه، ووجهها أبيض، ليس شاحبًا، بل ناعم الملامح، كأنه يعرف كيف يبتسم حتى وهو صامت.
أما جسدها، فممشوق بطريقة غير مستعرضة، حركة مدروسة، توازن واضح، حتى بالنسبة لقط بائس مثلي، يمكنني القول بثقة إنه جسد يُلتفت إليه دون جهد.
توقف كيمو واكا عن الكلام لحظة، لعق شاربه، ثم أضاف بتهكم خفيف،
وأنا، رغم تواضع شكلي ومكانتي، رغبت بها، لا تقلق، رغبة قط، لا أكثر، أما أنت، فرسمتها دون أن تراها، وهذا أكثر عبثًا مما فعلت أنا.
نظر إلى بدر نظرة جانبية وقال،
كنت ستعرف كل هذا لو سألت، لكنكم أنتم البشر تفضلون التخمين على السؤال، ثم نهض بهدوء، ترك الطبق فارغًا، وكأن مهمته انتهت، تاركًا بدر وحده مع صورة ذهنية لم يطلبها، لكنها جاءت متأخرة، وواضحة أكثر مما ينبغي.
