رواية في قبضة العاصم الفصل السابع عشر17بقلم سيليا البحيري

رواية في قبضة العاصم الفصل السابع عشر17بقلم سيليا البحيري


في  المشفى، أمام غرفة العمليات

الممر بارد، الإضاءة بيضاء قاسية، ورائحة المطهّرات تخنق الأعصاب.
باب غرفة العمليات مغلق بإحكام، والضوء الأحمر فوقه يزداد توهجًا… كأنه يحبس أنفاس الجميع.

حور تجلس على الأرض، ظهرها ملتصق بالحائط، وجهها غارق في الدموع، وكتفاها يرتجفان بلا توقف.
تدفن وجهها في صدر شقيقها التوأم مازن الذي يحتضنها بقوة، ويده ترتجف فوق شعرها.

حور (باكية، صوتها مكسور):
مازن… مش قادره… مش قادرة أستحمل تاني…
زياد… زياد جوّه… بيحارب لوحده…
وأنا… بنتي… ليل… سبعة شهور ومش لاقيينها…
سبعة شهور يا مازن…

مازن (بصوت مخنوق وهو يمسح دموعها):
هششش… اهدي يا حور… ربنا معاه…
زياد أقوى من إنه يروح… وليل هنلاقيها…
اسمعيني… إحنا لسه ما خسرناش حد… ولا هنخسر… فاهمة؟

لكن صوته يخون قوته، ويرتجف رغمًا عنه.

ملك – زوجة مازن وشقيقة زياد الصغرى – تقف بجوار الباب، يدها على فمها، ودموعها تسيل بلا توقف.

ملك (بحشرجة):
أخويا… جوّه بينزف…
يا رب… يا رب احفظه…
زياد ما يستاهلش ده… ما يستاهلش!

تسند رأسها على كتف زوجها لحظة، ثم تبتعد لتقترب من حور وتجلس بجوارها على الأرض.

ملك (تضم حور بقوة):
اثبتي… عشانه… زياد بيحبك… مش هيسيبك… ولا هيسيب ليل.
هو بيحارب دلوقتي علشان يرجع لكم.

حور تنهار أكثر وتشهق بقسوة:

حور:
لو مات… لو زياد مات…
أنا اللي هكون قتلته…
أنا اللي ودّيته للجحيم ده…
كل ده حصل عشاني… عشان بنتي… عشان… عشان—

آدم  يقترب بخطوات ثابتة رغم الغضب الذي يشتعل في عينيه.
يرتدي بدلته الرسمية، كتفيه مشدودان، وجهه كالسيف.

يجثو أمام حور ويضع يده على كتفها.

آدم (بصوت هادئ لكنه حاد):
ولا كلمة من اللي قلتيه تتقال تاني…
اللي وصل زياد للمرحلة دي… مش ذنبه… ولا ذنبك…
الذنب على شخص واحد بس…
مراد الشرقاوي.

نادين  تقف خلفه، تحاول السيطرة على ارتجاف يديها.

نادين (بصوت منخفض لكنه قوي):
زياد هيرجع… هو مش من النوع اللي بيستسلم.
شفناه في أسوأ الحالات… ونجى.
المرة دي كمان هينجو… لازم.

حور (ترفع رأسها بصعوبة، الدموع تبلل خدّيها):
آدم… وعدني…
لو جراله حاجة… لو… لو مات…
هتجيب ليل؟
هتجيبها مهما حصل؟!

آدم ينظر مباشرة في عينيها، ولمعة غاضبة قاتلة تشتعل فيه.

آدم:
بوعدك…
ولو زياد طلع من جوه وهو متأذي…
ولو طلع…
(صوته ينخفض لكنه يتحول لسكين)
مراد مش هيشوف الشمس تاني.

ملك تمسح دموعها وتقول بخوف:
بس… مسكوه خلاص… مش كده؟ قالوا إنه اتحبس؟

نادين:
اتقبض عليه…
لكن مش ده اللي يهم دلوقتي.
القضية دي أكبر من مجرد حادث…
وزياد الوحيد اللي كان قرب يوصل للحقيقة.

مازن (بغضب مكتوم):
لو مراد قال كلمة واحدة زيادة…
لو قال إن زياد مات…
أنا… أقسم بالله… كنت هقتله بإيدي.

باب العمليات يهتز قليلًا… ثم يفتح جزء صغير.
يخرج الطبيب، وجهه متوتر وملامحه مرهقة.

فيقف الجميع دفعة واحدة، أنفاسهم محبوسة.

الطبيب:
إحنا… لسه شغالين.
الحالة… خطيرة جدًا.
الخبطة كانت قريبة من شريان أساسي…
وفي نزيف كبير.

حور (تصرخ، تنهض وتكاد تسقط):
يا رب… لاااا…
سيبوني أشوفه! سيبوني أدخل!

تحاول الجري للداخل، لكن ملك ومازن يمسكان بها.

مازن (يهمس وهو يحضنها):
حور… بالله عليكي… استني…
هو جوّه… بيقاوم علشانك…
ما تنهاريش… مش دلوقتي…

آدم يضغط على قبضته بقوة حتى تحمر أطراف أصابعه.

آدم (بصوت قاتم):
لو خرج… لو خرج حيّ…
أقسم… أن اللي خان… واللي شارك… واللي خبّى…
كلهم هيتحاسبوا.
ومراد…
مراد هيدفع تمن كل نقطة دم سالت منه.

نادين تنظر إليه بخوف من شدة غضبه… لكنها لا تعارضه.

نادين:
بالراحة يا آدم…
خلينا الأول ننقذه…

آدم (لا ينظر إليها):
أنا هادي…
لكن جوّه…
في نار هتحرق البلد لو واحد فيهم فكر يضيّع الدليل تاني.

يسود الصمت للحظة…
صمت ثقيل، خانق، يلتفت فيه الجميع إلى باب العمليات المغلق…
ينتظرون… يرتجفون…
لكن ما يزال الضوء الأحمر مشتعلًا.

حور تنحني رأسها وتهمس بصوت يكاد لا يُسمع:

حور:
زياد…
ما تسيبنيش…
ولا تسيب بنتك…
أرجوك… ارجع…

*******************
 المستشفى، أمام غرفة العناية المركّزة

ضوءٌ خافت ينساب من خلف باب العناية المركزة، وصفير الأجهزة يتسلل من الأعماق. ريــما تجلس على الكرسي المعدني، يداها ترتجفان حول كوب ماء بارد لم تشرب منه شيئاً. عيناها حمراوان من البكاء.
سليم يقف أمام الزجاج ينظر إلى سرير الجد عبد الرحمن، ملامحه جامدة… لكن عينيه ممتلئتان بالدمع المكبوت.

ريما (بصوت واهن):
سليــم… شايفه؟… شايفه جدو؟
ما يستاهلش اللي حصل له… ولا يستاهل يعرف الحقيقة بالشكل ده…

سليم لا يرد. يزفر بقوة، يضغط قبضة يده حتى تبيضّ مفاصله.

سليم:
مش قادر أصدق… بابا وصل للدرجة دي.
جدو لو حصله حاجة… لو حصلّه أي حاجة بسبب اللي عمله مراد… عمري ما هسامحه. ولا ثانية.

ترتجف ريما، تحاول كتم شهقة.

ريما:
بس… ده بابانا يا سليم…
يا رب… يا رب إزاي نكره أبوّنا؟
أنا… مش قادرة أفهم… ولا قادرة أصدّق.

يلتفت إليها سليم لأول مرة، بعينين دامعتين لكنه يحاول أن يبدو قويًا.

سليم:
بابا اللي عرفناه… كان صورة بس. صورة مزيّفة.
الحقيقة… الحقيقة ظهرت.
ناس اتأذت… وناس ماتت… وليل اتخطفت بسبب إنسان زيّه ما يعرفش يعني إيه رحمة.

تهبط دموع ريما على وجنتيها.

ريما:
ليل…
ياااه يا سليم…
وحشتني… وحشتني جدًا.
فاكرة لما كانت تيجي البيت وتضحك معانا؟
كانت أختنا… أكتر من أختنا.

يسند سليم ظهره إلى الحائط ويغطي وجهه بكفيه.

سليم:
أنا مش قادر…
أنا اتربّيت في حضن زياد… مش مراد.
زياد اللي ربّاني… واللي كان بيخاف عليّ…
وده… ده اللي بابا حاول يدمّره!
زياد دلوقتي بين الحياة والموت… وجدو جوّا في العناية… وليل مش لاقيين لها أثر.
وكل ده… كل ده بسبب جرائم أبوّنا!

تغطي ريما فمها لتكتم بكاءها.

ريما (بهمس محطّم):
سليم… أنا خايفة…
خايفة جوزي يسمع اللي حصل…
خايفة يطلّقني…
خايفة يقول إنّي بنت مجرم…
أنا حتى ما قلتّلوش إني جيت مصر… هربت… هربت من الصدمة!

يجلس سليم بجوارها، ويضع يده على يدها لأول مرة منذ بداية الكارثة.

سليم:
بصي لي يا ريما.
إنتِ مالكيش ذنب.
لا إنتِ… ولا أنا… ولا جدو.
إحنا ضحايا زيه بالضبط.

تهز رأسها، والدموع تنهمر.

سليم (بحزم):
ولو جوزِك راجل… هيعرف إنّك مش مسؤولة عن اللي بابا عمله.
وحتى لو… لو بعد الشرّ عنك حصل اللي إنتِ خايفاه…
إنتِ مش لوحدِك.
أنا معاكي.
أنا وإنتِ… هنعدّي ده مع بعض.

تشهق ريما وتبكي في كتفه، وهي التي كانت تحاول التماسك منذ وصولها.

بعد لحظات، يرفع سليم رأسه وينظر عبر الزجاج نحو جده، ثم يغمض عينيه بقهر.

سليم (بصوت منخفض لكنه مليء بالنار):
مراد…
بابا…
أقسم بالله…
لو جدو حصله حاجة…
لو زياد جراله حاجة…
هخليه يتعفّن… يتعفّن في السجن لبقية عمره.
ده وعد.
وعد يا ريما… ومش هرجع فيه.

ترفع ريما رأسها وتحدّق في أخيها، والخوف يرتجف في عينيها… لكنه أول مرة تشعر أنّه ليس أخاها الأصغر… بل سندها الوحيد الآن.

ريما:
سليم…
ما تسيبنيش لوحدي.
إحنا… إحنا بقينا لوحدنا.

يمسك بيدها بقوة.

سليم:
ولا ثانية.
أنا معاكي… لحد آخر نفس.

وتعود نظراتهما إلى داخل غرفة العناية… حيث يرقد الجد الطيب، ضحية جديدة لخطيئة الابن.
*********************

باب الممرّ يُفتح فجأة… تدخل نرمين بخطوات مرتبكة، وجهها شاحب، شعرها منفلت، وعيناها متورمتان من البكاء. كانت تركض تقريبًا… تبحث عن أولادها، وعن عبد الرحمن.

ما إن وقعت عينا ريما عليها… حتى وقفت فجأة من على الكرسي كأن نيرانًا اشتعلت فيها.

ريما (بصرخة حادّة تمزّق الممر):
إنتِ!!!
إنتِ جاية تعملِي إيه هنا؟!

ترتعش نرمين، تتجمد في مكانها، وصوتها يتهدج:
نرمين:
ريما… بنتي… اسمعيني… أنا—

ريما (تصرخ وهي تتقدم نحوها):
متقوليش بنتي!!!
أنا مش بنتك… ومش عايزة أكون!
إنتِ… إنتِ كنتي واقفة تتفرجي!
تعرفي كل جرايمه… كل اللي عمله… وساكته؟!
ساكته… وبتبتسمي؟!
كنتِ بتشوفي حور بتتقطع كل يوم على بنتها وتطلعي معها تعيطي… وإنتِ عارفة إن اللي خطف ليل مش عاصم…
ده جــوزِك!!!
إنتي كنتي بتضحكي علينا كلنا؟!

تغطي نرمين وجهها بيديها وتبكي، تنهار.

نرمين (منهارة، ترتجف):
كنت خايفة… كنت بخاف عليكم…
خايفة يخرب حياتكم… يخرب سمعتكم…
كنت بحاول أحميكم، والله العظيم كنت بحميكم!

ريما (صرخت بسخرية موجوعة):
مـــين قالك إن حماية حياتنا تبقى على جثث الناس؟!
مين قال إن السكوت على الجريمة يحمي؟!
ده خراب… ده ظُلم… ده موت!
وإنتي اخترتي تقعدي جنبه…
اخترتي تسكتي…
اخترتي تبقي زيه!

يحاول سليم إمساك بذراع أخته لتخفيف حدتها، لكنها تنفض يدَه.

يتقدم سليم خطوة، وجهه جامد، صوته بارد كالجليد… أقسى من صراخ ريما بكثير.

سليم:
ماما…
لو كنتي فاكرة إن سكوتِك كان تضحية… فهو كان جبن.
وقاحة كمان.
وقاحة إنكِ كنتي بتتعاملي كإنك أمّ صالحة وانتي بتخبّي ظُلم أبويا.
وقاحة إنكِ كنتي تعرفي مين اللي خطف أختي وفضلتي ساكتة.

جسد نرمين يهتز من شدة الصدمة، كأن كلمات ابنها تضربها بقسوة لا تتحملها.

نرمين (بصوت مخنوق):
سليم… ما تقولش كده…
أنا… أنا أمّكم…

سليم (بحقد واضح):
أمّ؟
الأم تحمي… مش تتواطى.
الأم تقاتل… مش تسكت.
إنتي مش أم.
إنتي كنتي جزء من كل اللي حصل.

تنفجر ريما ببكاء غاضب، ثم ترفع رأسها وتصرخ:

ريما:
أنا…
من اللحظة دي…
أنا معنديش أم!
ولا أب!
إنتو الاتنين… ماتوا بالنسبة لي.
سمعاني؟
أنا يتيمة…
يتيمة لأنكم اخترتوا الجُبن… والشرّ… والسكوت!

تطلق نرمين شهقة عالية، كأن قلبها توقف. تضع يدها على صدرها وتترنح للخلف، تبكي بصوت يقطع القلب.

نرمين:
ريما… بالله عليكي…
ما تقطعينيش كده…
أنا… أنا كنت بضيع… كنت بعيش في خوف كل يوم…
أنا غلطت…
بس كنت بحافظ عليكم… صدقيني.

ترفع ريما يدها في وجهها بقرف ورفض كامل.

ريما:
متقربيش…
لو سمحتي…
متقربيش مني.
مبقاش ليا علاقة بيكي…
ولا عايزة أعرفك.

تجثو نرمين على ركبتيها فجأة، تبكي بطريقة مفزعة… الناس في الممر ينظرون بدهشة.

نرمين (تبكي وهي تنظر لهما):
سامحوني…
أرجوكم…
أنا ضيّعت كل حاجة…
بس أنتوا ولادي…
ولادي يا سليم…
ولادي يا ريما…

يتجمد سليم للحظة… لكنه يستعيد قسوته بسرعة.

سليم:
لآخر مرة…
إحنا مش ولادك.
ولادك الحقيقي… هما خوفك… وسكوتك… وجريمة أبويا.

ثم يمسك ريما من ذراعها.

سليم:
يلا يا ريما… تعالي.
ما تستاهلش كلمة زيادة.

تمرّ ريما بجانب أمها دون أن تلتفت… كأنها تمرّ فوق أطلال ماضيها.

أما نرمين… فتظل على الأرض، تبكي بكاء امرأة فقدت كل شيء دفعة واحدة…
زوجها في السجن، أبو أولادها مجرم…
أبو زوجها في العناية…
أولادها تبرأوا منها…
والخوف الذي كانت تهرب منه… انفجر عليها دفعة واحدة.

تضع رأسها على يديها… وتهمس منهارة:
نرمين:
سامحوني…
يا رب… سامحوني…

ويستمر صدى بكائها في الممرّ… بينما يبتعد سليم وريما بلا رجعة.
********************
 أمام غرفة العمليات، بعد دقائق من خروج نرمين من عند ريما وسليم

الممرّ مشحون بالألم.
حور تقف في حضن أخيها التوأم مازن، تبكي بصمت مرير… وملك تمسح على ظهرها.
نادين واقفة مثل جبل، ملامحها صلبة.
آدم يقف جانبًا وذراعاه متشابكتان، عيناه زائغتان بين باب العمليات ووجوه من حوله، الغضب والقلق يشتعلان فيه.

وفي منتصف هذا الجو الخانق… تظهر نرمين.

خطواتها ثقيلة. وجهها مبلل بالدموع، وأنفاسها متقطعة بعد المواجهة مع ولديها.
مجرد أن ظهرت… تغيّر الجو بالكامل.

حور رفعت رأسها، ورأت نرمين.

تجمّد جسدها… ثم فجأة، مثل انفجار بركان مدفون منذ سبع سنوات، صرخت:

حور (بأعلى صوتها، صرخة موجوعة تُخرج كل قهرها):
إنتـــــــي؟؟؟؟
إنتي جاية هنا تعملــــي إيه؟؟

ترتجف نرمين، تتوقف مكانها.

نرمين (تحاول الاقتراب):
حــور… أرجوكي… اسمعيني بس لحظة—

تهوي عليها نظرات الجميع مثل سكاكين.
مازن يشدّ حور من كتفها محاولًا تهدئتها… لكنها تزيحه وتقترب خطوة.

حور (بغضب مرعب):
تبعدي!
ماتقربيش مني ولا من المكان ده!
إنتي آخر إنسانة ليكي وش!
آخر واحدة تتكلمي!

تنزل دموع نرمين دون توقف.

نرمين:
أنا غلطت… بعترف… بس—

حور (تقاطـعها بصوت مزلزل):
غلطـــتي؟؟
ده اللي عندك؟
“غلطت”؟
ده اسمه غلط؟ ولا اسمه خيانة؟
خيانة يا نرمين!
خيانة مش بس لزياد…
ولا لليل بس…
خيانة ليا أنا!
أنا!
أنا اللي كنت بحسبك أختي!

تتجمد نرمين من شدّة الكلمات.

حور (بصوت يرتجف من القهر):
كنتِ بتدخلي بيتي…
كنتِ بتحضني بنتي…
وانتي عارفة مين اللي خطفها!
عارفة مين اللي ضيعها!
عارفة إن جوزك ونديم هما اللي لعبوا في دماغ عاصم!!!
وانتي ساكتــــة!
ساكتة وبتبصي في وشي كل يوم!

تصدر شهقة من ملك، التي تضع يدها على فمها… بينما يُخفض مازن عينيه بصدمة، والغضب يحرق وجه آدم.

نرمين تنهار تمامًا، وتخطو خطوة إلى الأمام كأنها تستجدي الرحمة.

نرمين (تبكي بانهيار مفزع):
حور… بالله عليكي…
كنت بخاف… كنت بخاف من مراد…
كان بيهددني…
ماقدرتش… ماقدرتش أتكلم!

ترفع حور يدها في وجهها بقرف شديد.

حور:
أنا كنت بقول عليكي أختي.
أختي اللي عمري ما اتخيّل إنها تجرحني.
لكن طلعتي…
أسوأ من مراد نفسه.

تشهق نرمين، وكلمات حور تكسرها تمامًا.

يحاول مازن التدخل:
مازن:
حور… كفاية…

لكن حور تزيحه مرة أخرى، والدمع ينهمر على خدّيها كالنار.

حور:
إنتي كنتي شايفة زياد بيتدمّر قدامك… شايفة ليل بتتخطف…
وكنتي بتطبطبي عليّ وأنا بعيّط…
وانتي… الـنـيّـة جواكي سودا!
ليه؟
ليه يا نرمين؟
ليه عملتي كده؟
ليه خنتيني؟!

تغطي نرمين وجهها بيديها وتصرخ باكية:

نرمين:
سامحيني… بالله عليكِ سامحيني…
أنا… أنا كنت بضيع…
ماكنتش عارفة أعمل إيه!

آدم (ببرود قاتل):
لا.
إنتي كنتي عارفة… ومختاراه.
المجرم مش بس اللي بيعمل…
المجرم كمان اللي بيسكُت.

تنظر إليه نرمين بانكسار.

نادين تهز رأسها بازدراء واضح:
نادين:
أنا عمري ما هنسى إنكِ كنتي ساكتة على اللي اتعمل في بنت زياد…
وعارفة إننا بندور في الهوا.
سكوتك… قتلها زي اللي خطفها.

يبتعد الجميع خطوة عنها… وكأنها أصبحت شيئًا ملوثًا دون قيمة.

تحاول نرمين الاقتراب من حور، لكن حور تصرخ:

حور:
تبعدي!!!
لو سمحتي… تبعدي.
أنا… مش عايزة أشوفك.
ولا هسامحك.
ولا حتى هترحمي من نظرة واحدة مني.

تتوقف نرمين… ثم تتراجع خطوة للخلف… ثم خطوة أخرى…
عيناها تبحثان عن أي أحد قد يرحمها.

لكن جميعهم ينظرون لها باحتقار.
مازن… ملك… آدم… نادين… حتى الممرضات اللاتي شهدن الكلام يشيحن بوجوههن.

لا أحد يقترب.
لا أحد يواسي.
لا أحد يشفق.

فتسقط نرمين على ركبتيها في وسط الممر، تبكي بصوت يقطع القلب… دون أن يتحرك أحد اتجاهها.

نرمين (بصوت متكسر):
سامحوني…
يا رب سامحوني…
أنا… أنا مش قادرة…
مش قادرة أشيل ده لوحدي…

ولا أحد يرد.
ولا أحد ينظر.

تظل منهارة على الأرض…
بينما يقف الجميع حول باب العمليات… ينتظرون مصير زياد…
ويتركون نرمين خلفهم، كأنها لم تكن يومًا جزءًا من حياتهم.
********************

الكل واقف… الأنفاس محبوسة… صمت ثقيل يخنق الممر.

باب العمليات يُفتح ببطء.

يظهر الطبيب الجرّاح، ملامحه مرهقة لكن ثابتة.

ما إن رأته حور حتى شهقت ووضعت يدها على قلبها، ومازن شدّ ذراعها بخوف، وملك أمسكت يديه الاثنين، آدم ونادين تقدّما خطوتين إلى الأمام.

الطبيب:
أهل المريض… زياد الزهراوي؟

يجيب مازن بسرعة:
مازن:
إحنا… إحنا هنا يا دكتور.
زياد عامل إيه؟!

الطبيب يزفر ببطء… يزيل الكمامة… ثم ينظر إليهم.

الطبيب (بهدوء مطمئن):
الحمد لله…
زياد تجاوز مرحلة الخطر.

تسقط حور على الكرسي خلفها وهي تبكي بصوت عالٍ، وانحنى مازن فوقها يحتضنها بقوة، أما ملك فانهارت من البكاء ووضعت وجهها بين يديها.

آدم أغمض عينيه لحظة طويلة… ثم قال بصوت مرتجف:
آدم:
الحمد لله… يا رب ألف حمد وشكر ليك.

نادين تمسح دموعها خلسة رغم صلابتها، وتغمغم:
نادين:
كنت عارفة… كنت عارفة إنه هيقاوم.

الطبيب يكمل:
الطبيب:
الحادث كان خطير جدًا… نزيف داخلي، وكدمات في الصدر، وشرخ في الضلوع.
لكن… جسمه استجاب بسرعة بشكل ما شاء الله.
هيفضل في العناية المركزة كام يوم تحت المراقبة… وبعدها نقرر باقي الخطوات.

الدموع صارت تنزل من عيون الجميع بلا توقف.

حور تقف بصعوبة… تتشبث بذراع مازن… ثم تقترب من الطبيب.

حور (بصوت منهار لكنه ممتن):
أنا… أقدر أشوفه؟
أرجوك يا دكتور… لو حتى دقيقة…
لو حتى من ورا الزجاج… بس أشوفه… أتأكد إنه عايش… أرجوك.

ينظر الطبيب إلى حالتها… ثم يلين صوته.

الطبيب:
مسموح لحد واحد بس يشوفه من ورا الزجاج…
هو لسه تحت تأثير المهدئات ومش هيفوق قريب.
بس… أيوه، تقدري تشوفيه.

تنفجر حور ببكاء مرتفع… لكنها هذه المرة دموع حياة… دموع عودة الروح.

مازن (بابتسامة باكية):
روّحي له يا حور…
روّحي… ده مستنيك حتى وهو مش واعي.

تضع ملك يدها على كتف حور وتشجعها:
ملك:
روّحي…
قولي له إننا هنا… وإنه رجع لينا.

يتقدّم آدم خطوة نحو الطبيب:
آدم:
دكتور، زياد هيقدر يسترجع وعيه امتى تقريبًا؟

الطبيب:
ماقدرش أحدد… ممكن ساعات… وممكن يوم أو يومين.
لكن المهم… إنه في أمان دلوقتي.

يهز آدم رأسه بامتنان شديد.

آدم (بصوت خافت لكنه يحمل قسمًا):
الحمد لله…
وحقه… مش هيضيع.
اللي عمل الحادث ده… هيدفع تمنه.

يلتفت إلى نادين، فتومئ برأسها:
نادين:
لحد آخر خيط… هنوصله…
ومش هنسمح لحد يلمس زياد تاني.

… تتقدّم حور وحدها نحو غرفة العناية، خطواتها ترتجف… قلبها يسبقها…
وتضع يدها على الزجاج… وتنظر إلى زياد الراقد وسط الأجهزة.

تنهار مرة أخرى… لكن هذه المرة…
لأن الحياة رجعت لها.

ألمانيا / فيلا رامي السيوفي – الصبح

البرد داخل من الشبابيك، نور خفيف بيعدّي من ورا ستاير غامقة تقيلة.

ليل بتفوق فجأة من نومها، متنفضة، نفسها عالي وعرق على جبينها. عنيها تايهة… بتدور على وشّ واحد بس: عاصم. بتحاول تستوعب هي فين… وساعتها تفتكر الكابوس: عربية مقلوبة، صريخ… ودم على الأسفلت.

صدرها طالع نازل بسرعة. تبص على الكنبة اللي قصاد السرير، اللي دايمًا عاصم بينام عليها… تلاقيها فاضية.

سكون تام. بس قلبها… كان بيخبط.

ليل (بصوت واطي مرتبك): "عاصم…؟"

تبص حواليها كويس. مافيش أي أثر له. تقوم واقفة، تفرك دراعيها كإن برد ضربها فجأة. تقرّب بخطوات مترددة ناحية الكنبة، تلمس المخدة كأنها بتتأكد من حاجة مش فاهمة هي إيه.

ليل (بغضب مكبوت، تكلم نفسها): "خرج… من غير ما يقول كلمة؟! يمكن أصلاً مش في الفيلا…"

تلف وشها بسرعة، كأنها اتفضحت قدام نفسها. تمشي للمرآة، تبص في عنيها اللي منفّخة من أثر كابوس… يمكن ماكانش مجرد كابوس، يمكن خوف بيطاردها.

ليل (تخبط أديها على التسريحة بعصبية): "هو ليه يهمّني راح فين؟! ده خطفني! بوّظ حياتي! كنت هرتاح شوية لو الكوابيس اللي جتلي مش منه أصلاً!"

تروح رايحة جاية في الأوضة، تتذكّر إيده امبارح لما صحيّها وهي مفزوعة… طريقته الهادية وهو بيهديها، رغم دموعها اللي كانت بتكره إنها تبان قدّامه.

يطلع صوتها متردد، مكسور:

ليل: "كان… كان ممكن يسيبني أصحى لوحدي… ليه قعد جنبي؟"

تقف مكانها… كأن كلامها صفعة على وشها. تبص للفراغ… وتضحك ضحكة قصيرة مليانة قهر.

ليل (بتكلم نفسها بصوت أعلى): "إيه يا ليل؟! إيه اللي بتفكّري فيه ده؟! انتي ناسيه إنه السبب؟! لو كنتي عند أهلك… عند بابا… ماكنتيش هتعيشي الكابوس ده!"

تروح للستارة، تفتحها بعصبية، ضوء الشمس يلسع عنيها. تحضن نفسها بإيديها، وصوتها يبقى شبه دعاء:

ليل: "يا رب… بس يكون بابا بخير…"

تغمّض عنيها… وفكرة تانية تزحف لعقلها:

"ويا رب… يرجع عاصم؟"

تفوق لنفسها بسرعة، وترفض الفكرة بقسوة:

ليل (رافضة، تهز راسها): "إيه خصّني بيه؟! الله لا يردّه… يروح وما يرجعش! يا رب يختفي من حياتي للأبد!"

تاخد نفس طويل… وبصوت ضعيف قوي، كلمة خرجت غصب عنها:

ليل (همس مكسور): "…بس لو فعلاً مشي… ليه الأوضة فاضية أوي كده؟"

دقّ خفيف على الباب.

صوت نيروز من برّه، هادي ومراقب: "ليل… صحّيتي؟ لو عايزة انزلي نتفطر تحت… و… ماتقلقيش، رامي موجود."

ليل تتجمّد لحظة… كأن الاسم اللي ما اتقالش، هو الاسم اللي مالي تفكيرها.

قبل ما ترد… تبص للكنبة نظرة أخيرة.

ليل (بغيظ دفاعي، تكلم نفسها): "غاب؟ أحسن! أحسن لي وله… يا رب ما أشوف وشّه النهارده!"

تفتح الباب… لكن قلبها كان واقف مستني صوت خطوات حافظاها. ومش عايز يعترف بده.
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍

رائحة العيش اللي لسه خارج من الفرن مع ريحة القهوة مالية الصالة الواسعة.
رامي قاعد على الترابيزة الكبيرة، ماسك ملف أمني وبيقلب فيه من غير ما ينطق.
سليم القيصري بيسكب الشاي لـ نيروز من غير ما يرفع عينه عليها، زَيّ طبعه دايمًا: هادي، قليل كلام.
بيجاد قاعد جنب ربى على كرسيّه المتحرّك، بيقطّع لها فاكهة بهدوء، ويحطّها في الطبق قدّامها بابتسامة دافية كأنها نسمة صبح.

ليل تنزل السلم بخطوات حريصة، ملامحها باينة عليها آثار ليلة مش سهلة.
تتوقف لحظة قبل ما تقرّب من السفرة.

سليم ينتبه لها الأول، يرفع راسه:

سليم: صباح الخير… تعالي يا ليل اقعدي.

نيروز تبتسم ابتسامة خفيفة مليانة لطف:

نيروز: عملتلك شوكولاتة سخنة… زي ما بتحبي.

ليل تقعد، تبصّ للجميع بنظرة سريعة… وفي نظرتها سؤال عن حدّ هي مش عايزة تعترف إنها مستنياه.
بيجاد يلّقط الإحساس ده، بس ما يتكلمش.

رامي يقفل الملف بهدوء خبث مخابراتي متعوّد يقرا العيون:

رامي: شكلك ما نيمتيش كويس.

ليل تردّ بسرعة، بنبرة فيها دفاع عن النفس:

ليل: لو مستنين أعرفكم ليه… فأنا نفسي مش فاهمة.
(تبصّ على الترابيزة) هو… عاصم فين؟

تتبدل النظرات بين الموجودين.
مفيش حدّ عنده إجابة واضحة.

سليم يرفع حاجبه:

سليم: ما شفناهوش من الصبح… يمكن خرج يتمشى شوية. إنتِ عارفة طبعه… دايمًا مزاجه عامل زي الغاز.

بيجاد يحط الشوكة على الترابيزة، ويقول بهدوء:

بيجاد: لو كان طلع لمهمة ولا راح لمكان مهم… كان قال. عاصم مش من النوع اللي يختفي كده من غير ما ينطق.

ليل تلفّ وشها بسرعة، وتتكلم بنبرة شبه باردة:

ليل: ولا يهمّني… يمكن خرج يولّع دماغه شوية… يستاهل.

لكن آخر كلمة خرجت بنبرة مهزوزة… ما فاتتش على نيروز اللي اكتفت تبصلها بنظرة تعاطف.

بعد ثواني، فجأة تقول ليل:

ليل: طيب… وخالي أدهم؟ وجميلة؟ ما شفتهمش النهارده؟

رامي يسكت شوية قبل ما يردّ:

رامي: أدهم وجميلة رجّعوا مصر… سافروا قبل الفجر.

ليل تتجمّد… كأن في حاجة وقعت جواها.

تمسح على ركبتها بإيدها، تحاول تثبّت نفسها:

ليل (بصوت واطي مكسور شوية): رجّعوا…؟ من غير ما أشوفهم؟ أنا… كنت محتاجة أشوف خالي.

ربى تمدّ إيدها وتربّت على يد ليل بحنان.
بيجاد يبتسم لها، داعم:

بيجاد: أكيد كان عندهم ظرف مهم. ومين عارف؟ يمكن يرجعوا في أي وقت.

سليم يميل لقدّام، وصوته يبقى جدّي: ولو عايزة أكلمهم أطمنهم عليكي… أكلمهم دلوقتي.

رمش عين ليل يرتعش… وصوتها يطلع ضعيف عن اللي كانت ناوية تقول:

ليل: لا… بلاش.

تشرب من الكوب ببطء، ثم تهمس:

ليل: كل واحد بيروح… وأنا اللي قاعدة هنا.

رامي يراقبها بنظرة قادرة تشوف اللي ما يتقالش، وبهدوء يقول:

رامي: إنتِ مش لوحدك يا ليل. مهما اختلفنا… إحنا هنا علشان نحميكي. كلّنا.

ليل ترفع عينيها ليه، وبعدين تبصّ لوشوش الباقيين…
وفي الآخر تستقر عينها على الكنبة الفاضية اللي ورا السفرة، كأن ظل واحد كان دايمًا قاعد عليها.

تتنفس ببطء:

ليل (تتمتم): … ربنا يستر.

وماحدّش يعلّق.
بس كلهم… فهموا أكتر مما هي قالت.
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍

في  مصر — المستشفى / قدّام جناح العناية المركّزة

الممر طويل… الجدران بيضا لدرجة الوجع، وريحت المطهّر خانقة.
ورا الزجاج، زياد نايم في العناية… الأجهزة حواليه ترسم الخط اللي بين الحياة… والموت.

برا… العيلة كلها مجتمعة:

حور قاعدة وحاطة راسها بين إيديها.
مازن وملك جنبها، وآدم واقف متجهم، عنيه بتلف في كل مكان وما بتهداش.
نادين في الركن،  زين اللي واقف زي أسد صغير بيغلي غضب.
سليم الشرقاوي جنبه، عضلات فكه ماسكة وقهره باين.
ريما تمسح دموعها في صمت خنّاق.
رؤى حضنة  ادهم و مازن الصغيرين 

وفجأة… تتسمع خطوات جاية من آخر الممر.

الكل يلفّ…

عاصم.

واقف… مرهق، شكله شايل سنين مش شهور.
ورا منه أدهم وجميلة.

لحظة صمت… خانقة.

وفجأة يشتعل الغضب.

زين هو أوّل واحد يهجم، صوته بيشق الممر:

زين: ليل فين؟! هااا؟! فينها يا جبان؟!

قبل ما يوصل له، يكون سليم سبق وضرب عاصم في كتفه بقوة:

 سليم: سبع شهور! سبع شهور وهي تايهة! إزاي عملت كده؟!

زين يدفعه المرة دي ويضربه هو كمان:

 زين: ده كان بيعتبرك ابنه! عمي زياد كان بيحبك أكتر من اسمه! دي مقابلتك؟ تخطف بنته؟!

عاصم ما بيدافعش.
واقف يتلقى الضرب… ما رفعش إيده. في عينه حاجة بين الذنب والانكسار.

أدهم يتدخل بسرعة ويمسك زين:

 أدهم: خلاص! كفاية يا زين!

زين يصرخ وهو بيحاول يفلت:

 زين: سيبني! سيبني أقتله! ليل كانت أختي!

سليم الشرقاوي يلهث من الغضب:

 سليم: لو حصَل لها حاجة… والله يا عاصم لتدفع التمن!

حور تقف… ببطء، لكن بخطوات ثابتة.
تتقدم ناحيته… عينيها مولّعة دموع:

 حور: عمري ما فرّقت بينك وبين ولادي… ربيتك في بيتي… كنت أقول "ده ابن خالد… ابن أخويا".
(ترتعش شفايفها)
حور: ليه؟ جاوبني يا عاصم… ليه؟!

عاصم ينكس راسه، صوته مبحوح:

 عاصم: كنت… أعمى. لعبوا بعقلي… صدقت إن عمي زياد قتل رائد. كنت عايز حق أخويا… كنت فاكر إني بانتقم له.

رؤى تضحك ضحكة موجوعة:

رؤى: حق؟! تخطف أختي وتحبسها شهور؟! دي عدالة؟!

ملك تهمس:

 ملك: يا رب… ارزقنا الصبر.

آدم يتقدّم ببطء… صوته هادي لكنه جارح:

 آدم: عارف أكتر حاجة محرقاني؟
مش خطفك لليل… ولا انهيار أمّها… ولا إن زياد بين الحياة والموت…
القهر إنك كنت ابن خالد… وخالد مات وهو بيقول لنا "بالله عليكم… خلّوا بالكم منه".
(يقرب منه)
آدم: لو رجع دقيقة بس… تفتكر يقولّك إيه؟

عاصم يرمش… صوته مكسور:

 عاصم: عارف… وأستاهل كل كلمة وكل ضربة… بس ليل بخير. حاميتها… وراجعة لكم. بوعدكم.

حور تصرخ:

حور: مش عايزة وعد! عايزة بنتي!
(تكتم شهقة)
حور: قُول… ليل فين؟!

صمت… ثقيل.

يرفع عاصم رأسه:

 عاصم: في أمان… عند ناس تثقوا فيهم.
ومحدش يقرب لها… غير لما نخلص من مراد… للأبد.

آدم يضيّق عينه:

 آدم: مراد موضوع… وحسابك انت موضوع تاني. ولسه ما خلصش.

عاصم بثبات:

 عاصم: عارف. ومستعد.

حور تنهار في بكاء…
مازن يحتضنها…
ريما تبكي في صمت…
سليم يضرب الجدار…
زين ينظر للأرض عشان ما ينهارش.

أدهم يلمس كتف عاصم:

أدهم: الخطوة الجاية… نقفل حساب الوحش الأكبر. مراد ما سبّش غير خراب. ولازم نهايته تجي.

عاصم يردّ بصوت منخفض لكنه حاسم:

 عاصم: المرّة دي… مفيش رحمة.
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍

حور رجِّعت خطوة لورا، نفسها بقى يتسحب كإن shock متأخر ضرب قلبها لسه دلوقتي. بصّت لأدهم… وبعدها لعاصم… ورجعت تبص له تاني.

حور (بصوت مبحوح، مليان وجع قبل الغضب):
أدهم… إنت جيت معاه؟
كنت معاه؟
كنت واقف جنبُه وهو… وهو خاطف بنتي؟!

الصمت وقع على المكان زي حجر تقيل. جميلة بصّت لجوزها بقلق، ورؤى شهقت وحطّت إيدها على بقّها مش مصدقة.

مازن قرب من أخته:
مازن: حور… اهدي شوي–

بس هي رفعت إيدها بحدّة، مانعة أي كلمة.

مشيت ناحيته خطوة بخطوة… خطوات كلها زلزال:
حور: قولّي إنك ما كنتش شريك في وجعي…
قولّي إنك ما كنتش تعرف إن بنتي كانت محبوسة…
قولّي إنك ما وقفتش قدامها… وما شفتش دمعتها!

أدهم بصّ لها بعين مكسورة تعبت من الحقيقة اللي شايلها:
أدهم: شفتها… يا حور.

الكلمة كانت زي صفعة.
حور تراجعت ورفعت إيدها لقلبها كإنّه اتضرب ضربة ما تتصلحش.

حور (صوتها بيتكسر):
شفتها… وواقف هنا؟!
سبع شهور وأنا بموت كل يوم… وانت ساكت؟!

جميلة حاولت تتكلم، صوتها مهزوز:
جميلة: حور… بالله اسمعينا، الموضوع ما كانش–

حور (بتصرخ):
بالله؟! بالله يا جميلة؟
أنا خلص… قلبي ما بقاش يستحمل كلمة "بالله"!
أنا أُم! بنتي اتخطفِت سبع شهور… سبع شهور من روحي!

سليم الشرقاوي بصّ لأدهم بذهول:
سليم: إنت كنت تعرف مكانها كل دا؟!

زين زمّ شفايفه من الغضب:
زين: وإحنا بندوّر في الدنيا… وإنت ساكت؟!

آدم كان واقف ساكت، بيراقب أدهم بعين ضابط مخابرات، يحسب كل كلمة.

أدهم تنفّس بعمق وقال:
أدهم: أيوه… كنت عارف مكانها.
وكنت بزورها… وبسهر جنبها.
وكنت بشوف خوفها… وحزنها… ونارها اللي بتناديكم ومابتلاقوكوش.
وأنا… أنا اتحرقت معاها.

رؤى دمّعت:
رؤى: بابا… ليه ما قلتِش لينا؟ ليه سبت ليل لوحدها؟

أدهم:
عشان لو اتكلمت… مراد كان هيصفي كل دليل.
وكان شايف إن زياد هو صيده الأكبر… وبنته السلاح اللي هيوقعه.
كان لازم أدخل من أوسع باب… وأوقعه بإيده.

مازن (غاضب):
طب! ولو ليل ماتت؟
العدالة تستاهل حياتها؟!

أدهم (بحرقة):
ما كنتش هسيبها يحصل لها حاجة…
ولا كنت لوحدي.
عاصم… رامي… بيجاد… سليم القيصري… كلهم كانوا معايا.
أنا ما خنتكوش… أنا كنت بحارب بطريقتي.

حور تمسح دموعها بإيد مرعوشة:
طب… ليه ما جيتليش؟ أنا أختك!
كنت هاشيل السر معاك… كنت هاقف جنبك…
ولا انت شفتني ضعيفة؟

سكت الكل… وجع تقيل.

أدهم خبط على صدره بقوة:
أدهم: حور… إنتي أقوى مننا كلنا!
بس لو عرفتي… كان قلبِك هيضيع.
وكنتي هتجري لليل… وتقتلي نفسك عشانها.
وأنا… أنا كنت محتاجك تفضلي واقفة!
عشان لو وقعتي… كنت أنا اللي هضيع.

حور انهارت على أقرب كرسي…
جميلة حاولت تمسك إيدها، لكن حور سحبتها ببطء… عتاب موجوع من غير صوت.

آدم يخطو خطوة للأمام:
آدم: قبل ما نحكم… نسمع الخطة كاملة.
مراد مش عدو بسيط… والكلام دا ما يخلصش بسهولة.

سليم الشرقاوي:
بس ليل كانت الضحية… ومش سهل نعدّي دي.

عاصم يتكلم أخيرًا، صوته واطي:
عاصم: وأنا… مستعد أدفع تمن كل دا… للآخر.
بس لازم ليل ترجع.

آدم (بنبرة حادة):
وهتدلّنا على مكانها… مهما كان التمن.

عاصم:
هَدَلّكم… وأول حد يشوفها لازم يكون زياد.
ده وعد.

حور ترفع راسها بصعوبة:
رجّعولي بنتي…
وبعدها… نتحاسب برواقة.

سكت الممر…
مش صمت كراهية بس،
ده صمت حرب جاية.
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍

في زنزانة مراد الشرقاوي – نص الليل

الحيطان الرماديّة بتقرّب عليه كإنها هتبلعه…
بيمشي رايح جاي جوّا الزنزانة زي دِيب اتقفل عليه القفص لأول مرة في عمره.
وشّه شاحب، عينه محمرة، وابتسامة مكسورة مالهاش علاقة بالانتصار…
دي ابتسامة واحد اتسحبت منه آخر خيوط السيطرة.

مراد (بيرزع على باب الحديد):
افتحوووه!
انتو متعرفوش أنا مين!
أنا مراد الشرقاوي! أنا الآمر الناهي!
مش هقعد هنا! مستحييييل!

يمسك القضبان كإنه هيقلعها باسنانه، نفسه بيتلاحق…
وفجأة يضحك ضحكة مجنونة… ملهاش عقل.

مراد (يصرخ):
زياد فين؟! أدهم فين؟! فين الجبنا اللي فضلوا يتفرجوا عليا وأنا بوقع؟!
زياد… ده أنا كنت صاحبه!
إزاي… إزاي تحبسوني؟!
أنا صنعتكم! أنا اللي عملتكم بني آدمين!
كان نقصكم إيه؟! كلكم كنتوا تحت إيدي!

يسيب القضبان، يمسح وشّه بيحاول يصحى من كابوس مالهش آخر…
خطوات تقرّب… الباب بيتفتح…
جواد داخل بنظرة باردة… مافيهاش ذرة رحمة.

دخول جواد – صوته هادي لكن سام

جواد (ساخر بهدوء):
مساء الخير… أستاذ مراد.
آسف لو صحيّتك من نوم السلطة.
آه صحيح… إنت ما بقاش عندك سلطة تنام عليها أصلاً.

مراد يرفع راسه فجأة، يبص له بعدوان باين:

مراد:
إنت… جواد… تلميذ آدم.
مين سمح لك تدخل زنزانتي؟!
اتعلمت تربي لسانك قبل ما أقطّعهولك؟

جواد يقرب منه، ينزل بعينه لعينه من غير ما يرمش:

جواد:
اللطيف إنك لسه فاكر إن في حد بيخاف منك.
صدقني… حتى ظلك سابك ومشي.

يقرب أكتر… صوته يجمد الدم في العروق:

جواد:
حبيت بس أبلّغك بنتيجة التحقيقات الأولانية:
ملفات… اعترافات… غسيل أموال… خطف… شروع في قتل… تحريض… تجارة سلاح…
وقتل و اغتيال ضباط مخابرات وشخصيات مهمة…
القائمة أطول من ملف كدبك اللي عمرك ما خلصته.

يسكت لحظة… وبوضوح زي السكينة يقول:

جواد:
هتتقدّم للمحاكمة…
والعقوبة المتوقعة بعد دا كله… الإعدام.

مراد جسمه يتشدّ، يتراجع كأنه اتخبط في جدار:

مراد (يصرخ بجنون):
إعـدام؟!!
أنا؟!
أنا ما بتعدمش!
أنا اللي بحاكم! أنا اللي بقرر مين يعيش ومين يموت!
رجّالتي… مراتي… الإعلام… رجال الأعمال… كلهم هيجوا يطلعوني!
أنا مش مجرم!
أنا… كنت بلعب اللعبة!

جواد (بارد):
اللعبة خلصت… وانت طلعت أسوأ لاعب فيها.
مراتك نرمين شهدت ضدك.
ولادك ريما وسليم رفضوا حتى يعيّنوا لك محامي.
مافيش حد بيحارب عشانك يا مراد… ولا حد.

مراد يتصدم… يفتح بقه كأنه اتطعن في صدره:

مراد (هامس زي المجنون):
نرمين… خانتني؟
ولادي… سابوني؟
بعد كل اللي عملته؟
بعد كل اللي بنيته لهم؟!

ينفجر ضاحك… ضحكة هستيرية مخنوقة ببكاء.

جواد (قبل ما يقفل الباب):
كل الطغاة بيقولوا نفس الجملة قبل ما يقعوا:
"بعد كل اللي عملته لهم… سابوني."
نام كويس يا مراد…
الدنيا برّه بتتنفس أول نفس حرّ  

يقفل الباب ببطء…
وصوت مراد يتحشرج جوّا الظلام:

مراد:
أنا الإمبراطور… الإمبراطور… أنا… أنا… الإمبـ...

وتسود الصورة على راجل خسر كل حاجة…
وباقي له بس صدى اسمه… في زنزانة محدش بيعترف بيه فيها.


تعليقات



<>