رواية العيلة المجنونة في رمضان الفصل الاول1بقلم نور محمد
الساعة ٣:٣٠ فجراً - معركة السحور
* المنبه (بصوت مزعج جداً، كأنه صافرة إنذار غارة جوية): ويييييييييو ويييييييييو ويييييييييو!
* ميدو (بيتقلب على السرير زي السمكة اللي طالعة من المية، وبيخبط إيده في الكومودينو): آآآآه يا دراعي! مين الغبي اللي ظبط المنبه على نغمة "الحرب العالمية التالتة" دي؟ أنا كنت بحلم إني في مسابقة أكل كشري وكنت كسبان!
زياد (داخل الأوضة ولابس طاقية بابا نويل بالغلط، وبيضرب على طبلة بلاستيك صغيرة): اصحى يا نايم! وحد الدايم! رمضان كريم! السحور يا وحوش!
ميدو (بيرمي عليه المخدة): غور يالا من هنا! سحور إيه وطبلة إيه؟ أنا بطني لسه فيها "مقبرة" البط والمحشي بتاع امبارح.. أنا لو شربت بوق مية هنفجر!
صوت سوسن (من المطبخ، وكأنها بتذيع بيان هام في الراديو): يا قوم! اصحوا! السحور جاهز! الفول بالزيت الحار، والبيض المسلوق، والجبنة القديمة اللي ريحتها تجيب التايه، والعيش السخن! قوموا كلوا عشان تقدروا تصلبوا طولكم بكرة!
* عبد الغفار (خارج من الأوضة، لابس الجلابية بالمقلوب والشبشب كل فردة لون): يا ولية حرام عليكي! فول وزيت حار وجبنة قديمة في السحور؟ إحنا هنصوم ولا داخلين حرب كيماوية؟ أنا معدتي بتقدم استقالتها من دلوقتي!
* سلمى (خارجة من أوضتها شكلها زي "المومياء" من كتر النوم، الطرحة ملفوفة غلط على وشها): ماما.. أنا مش عايزة أتسحر.. أنا عايزة أنام.. أنا حاسة إني لسه نايمة دلوقتي وبحلم إنكم بتصحوني!
* سوسن (بتشدهم يقعدوا على السفرة غصب): مفيش الكلام ده! السحور بركة.. اقعدي يا بت كلي بيضة مسلوقة على الأقل.. دي فيها بروتين عشان تقدري تكملي خناق مع أخوكي بكرة!
* ميدو (بيبص للبيضة بقرف كأنها قنبلة موقوتة): ماما.. البيضة دي بتبصلي نظرة لوم وعتاب.. بتقولي "أنت مش قادر تاكلني، سيبني أعيش، أنا لسه صغيرة".
* زياد (بيخطف البيضة من قدام ميدو وبياكلها في ثانية): هات يا عم.. دي بيضة جبانة.. أنا هاكلها وأريحها من عذابها!
(بعد السحور، الساعة ٤:١٥ فجراً، الكل قاعد قدام التليفزيون بيتفرجوا على برنامج ديني، وعينيهم بتقفل لوحدها زي اللي واخدين مخدر)
* المذيع في التليفزيون: "وعلى المسلم أن يغتنم هذا الشهر الفضيل في الطاعات والعبادات وقراءة القرآن.."
* ميدو (وهو بيتاوب بصوت عالي كأنه أسد): يا شيخنا.. إحنا بنغتنم الفرصة دي عشان ننام.. النوم في رمضان عبادة برضه، مش كدة؟ ده جهاد في سبيل السرير!
* عبد الغفار (وهو بيغفل وراسه بتقع كل شوية): أيوه يا ابني.. النوم سلطان.. بس مش في التراويح زي ما أنت عملت امبارح.. كنت بتشخر والإمام بيقرأ "سورة يوسف"! الناس كانت فاكرة في موتور ميه شغال في الجامع!
* ميدو (بخجل، وبيحاول يفتح عينه): يا بابا.. أنا كنت متأثر بالقصة.. وبعدين الشيخ صوته مريح للأعصاب.. خلاني أسرح في ملكوت الله.. دي خشوع يا بابا خشوع!
الساعة ١٠:٠٠ صباحاً - "موقعة الزبادي"
* سلمى (بتكلم صاحبتها "منة" في التليفون بصوت واطي ومستخبية ورا الستارة): ألو يا منة.. بقولك إيه.. أنتي جبتي طقم العيد؟ أصل أنا شوفت "بلوزة" تجنن في المحل اللي جنبنا، لونها "كشمير" وفيها "كرانيش" من على الكمام، بس خايفة تكون غالية وماما تعملي "محاضرة الترشيد والاقتصاد المنزلي" الشهيرة بتاعتها، وتقولي "إحنا في رمضان مش في عرض أزياء".
* صوت سوسن (من وراها فجأة، ماسكة المقشة): مين دي اللي هتعمل محاضرة يا ست هانم؟ أنتي مش قولتي هتنزلي تجيبي علبتين زبادي عشان أعمل "سلطة زبادي بالخيار" للفطار؟ ولا الخيار هيقطع نفسه والزبادي هينط من السوبر ماركت لوحده؟
* سلمى (قفلت التليفون بسرعة ورمته على الكنبة): إحم.. أيوه يا ماما.. ما أنا كنت نازلة أهو.. بس كنت.. كنت براجع قائمة المشتريات مع منة! بنتأكد إن الأسعار موحدة في جميع الأنحاء!
سوسن: قائمة إيه يا أم قائمة؟ هما علبتين زبادي وكيس عيش! إنجزي يا بت ورانا حاجات كتير! البيت يضرب يقلب، وأبوكي لو جه ولقى الفطار مش جاهز هيعملنا "سلطة" إحنا شخصياً!
(سلمى نزلت تجيب الزبادي، وهي راجعة، قابلت "طنط انشراح" على السلم، اللي واقفة زي الرادار)
طنط انشراح (بابتسامة صفرا وعيون بتفحص الكيسة): إزيك يا سلمى يا حبيبتي.. إيه الكيسة دي؟ زبادي؟ هو أنتوا هتفطروا سلطة زبادي بس ولا إيه؟ الرجيم وصل عندكم ولا إيه؟
* سلمى (بتحاول تمسك أعصابها وتبتسم): لا يا طنط.. دي "مقبلات" بس.. ماما عاملة "صينية رقاق باللحمة المفرومة" و"فرخة مشوية" و"ملوخية" و"شوربة لسان عصفور" و"سلطة خضرا".
* طنط انشراح (عينها بتلمع والحقد بيشر منها): يااااه.. ما شاء الله.. ربنا يزيد ويبارك.. طب بقولك إيه.. ما تنسوش تبعتولنا طبق ملوخية.. أصل الواد "حمادة" ابني نفسه فيها أوي، وبيتوحم عليها من أول رمضان.
* سلمى (في سرها): حمادة ولا أنتي يا بومة؟ ده أنتي لو حامل مش هتتوحمي كدة! (بصوت عالي): حاضر يا طنط.. من عيوني.. هنبعتلك "حلة" بحالها.
(سلمى دخلت البيت وهي بتكلم نفسها): دي ولية فقر.. لازم تعرف إحنا هناكل إيه كل يوم.. دي لو شغالة في المخابرات مش هتعرف المعلومات دي! أنا خايفة في يوم تسألني "أنتوا هتتسحروا كام رغيف؟"!
الساعة 2:00 الظهر (ذروة الصيام والملل)
البيت في حالة سكون تام. كل واحد في ركن بيحاول يحافظ على طاقته. ميدو نايم في البلكونة على البلاط عشان يتهرب من طلبات العيله، وزياد بيتفرج على كرتون بصوت عالي، وسلمى في المطبخ بتبدأ رحلة العذاب اليومية.
سلمى (بتكلم البصلة وهي بتقطعها): يعني أنتي لازم تحرقيني في عيني؟ أنا صايمة ومش ناقصة ذنوب.. يارب الطبخة دي تطلع حلوة عشان ماما متعملش مني كفتة.
جرس الباب رن. سلمى اتخضت، بصت في المراية الصغيرة اللي حطاها في المطبخ، لقت عينيها حمرة دم من البصل، ومناخيرها حمراء.
سلمى: يادي النيلة.. أكيد عمر جاي تاني.. أنا ليه حظي كدة؟ كل ما يجي أكون شبه مدمني المخدرات في مرحلة التعافي!
فتحت الباب ببطء. كان فعلاً عمر، وفي إيده طبق قطايف.
عمر (بابتسامة ساحرة): صباح الخير يا آنسة سلمى.. أو مساء الخير.. ماما بتقولكم دي قطايف لسه معمولة حالا.
سلمى (بتحاول تفتح عينها المقفولة من البصل): ميرسي يا أستاذ عمر.. تعبتوا نفسكم.. (دمعة نزلت من عينها غصب عنها بسبب البصل).
عمر (بقلق): إيه ده؟ أنتي بتعيطي؟ في حاجة حصلت؟ حد مزعلك؟
سلمى (بصوت مخنوق): لا أبداً.. دي البصلة.. أصلها كانت مؤثرة أوي.. قصة كفاح بصلة يتيمة.
عمر ضحك بصوت عالي، وسلمى حست إنها عايزة تدفن نفسها مكان البصلة.
عمر: طب خدي بالك من نفسك.. و.. على فكرة، ريحة التقلية طالعة لحد عندنا فوق وتجنن.
سلمى قفلت الباب وسندت عليه، وقلبها بيدق زي الطبل البلدي.
سلمى: قالي ريحة التقلية تجنن! ده غزل صريح ده ولا إيه؟ الواد بيحبني يا جدعان! بس لازم يشوفني مرة وأنا بني آدمة طبيعية مش بصلة!
وبعد ساعه في المطبخ:
* سوسن (واقفة في المطبخ زي القائد العسكري، ماسكة مغرفة شوربة وبتشاور بيها): سلمى! قطعي الخيار للسلطة! ميدو! انزل هات بقدونس وشبت عشان المحشي (اللي لسه باقي من امبارح وهنعمل جنبه شوية لسان عصفور)! زياد! بطل لعب بالكبريت في البلكونة وإلا هخليك أنت "الفرخة المشوية" النهاردة!
ميدو (بيدخل المطبخ وهو مرهق وتعبان): يا ماما.. أنا صايم ومش قادر أمشي خطوتين! أنا طاقتي خلصت في السحور!
سوسن (بتهديد): مش قادر إيه يا راجل أنت؟ ده أنت طولك مترين وعرضك متر! انزل هات البقدونس وإلا هخليك تغسل المواعين النهاردة لوحدك! وهزودلك عليهم حلل الطبيخ كمان!
* ميدو (بخوف مصطنع، وبيرجع لورا): لاااا.. كله إلا المواعين.. دي عقوبة قاسية أوي.. أنا نازل أهو.. بس لو جرالي حاجة، أو جالي ضربة شمس، ذنبي في رقبتكم! واكتبوا على قبري "مات شهيد البقدونس"!
(ميدو نزل، وسلمى بتكمل تقطيع الخيار وهي سرحانة في "عمر"، وبتقطع الخيار طرنشات تخينة جداً)
سلمى (بتنهيدة طويلة، وعينها بتبص للسقف): يا ترى عمر بيعمل إيه دلوقتي؟ أكيد بيساعد مامته في المطبخ.. يا بختها بيه.. مؤدب، وشيك، وبيعرف يقول كلام حلو.. مش زي أخويا "الطور" ده اللي مبيعرفش غير "أنا جعان" و "أنا عايز أنام"..
سوسن (لاحظت سلمى سرحانة، والخيار بيتقطع غلط): أنتي يا بت! الخيارة بقيت "كوسة" من كتر ما أنتي مقطعاها تخين! ركزي في شغلك! إيه السرحان ده؟
سلمى (بخضة، والسكينة بتقع من إيدها): حاضر يا ماما.. حاضر.. أنا بس كنت.. كنت بفكر في.. في.. في فضل الصيام وأجر الصائمين!
سوسن (بغمزة): فضل الصيام ولا فضل ابن الجيران اللي ساكن فوقينا؟ أنا عارفاكي وعارفة حركاتك دي! عينك هتطلع عليه! ركزي في الخيار بدل ما تقطعي صباعك ونفطر عليه!
الساعة ٥:٠٠ قبل المغرب - "مهرجان العطش والجوع"
عبد الغفار (راجع من الشغل، وشه أصفر من التعب، وبيمشي وهو بيسند على الحيطة): السلام عليكم.. فين يا ولية العصير؟ أنا حاسس إن ريقي بقى عامل زي الصحراء الغربية! لو حد ولع عود كبريت جنبي هولع!
سوسن (من المطبخ، وصوتها كله نشاط): العصير في التلاجة يا حاج.. "الخروب" و"السوبيا" و"التمر هندي" و"قمر الدين".. اختار اللي يعجبك.
عبد الغفار (بيفتح التلاجة وبيبص ازايز العصير بحسرة، كأنه بيبص لكنز مش قادر يوصله): يااااه.. إمتى بقى يأذن المغرب.. أنا حاسس إن الساعة واقفة من الصبح! عقارب الساعة دي بتعاندني!
* زياد (بيدخل الصالة وهو ماسك ريموت التليفزيون، وبيبص لباباه ببراءة): يا بابا.. أنا جعان أوي.. ممكن أكل "حتة" رقاق صغيرة بس؟ حتة قد عقلة الصباع؟
عبد الغفار (بعصبية، وعروقه بتنفر): حتة رقاق في عينك يا بعيد! أنت مش صايم؟ عايز تفطر قبل الأذان؟ أنت عايز تضيع صيامنا كلنا؟
زياد (بدموع التماسيح): لا يا بابا.. أنا كنت بس عايز "أدوق" عشان أتأكد إنه استوى! دي مهمة قومية عشان نتأكد من جودة الطعام!
عبد الغفار (بيرفع الشبشب): امشي يالا من قدامي.. وإلا هخليك "تدوق" الشبشب! وهتعرف ساعتها استوى ولا لأ!
ميدو (نايم على الكنبة زي الميت، بيبص للسقف وبيكلم نفسه بصوت واطي): يا رب.. الأذان.. الأذان.. أنا سامع صوت الشيخ "محمد رفعت" في وداني.. بس ده تهيؤات من الجوع.. أنا شايف الفرخة المشوية بتطير قدامي في الصالة.. بتناديني.. بتقولي "تعالى يا ميدو.. تعالى كلني"..
الساعة ٦:١٠ المغرب - "لحظة الفرج"
"الله أكبر... الله أكبر"
عبد الغفار (بصوت عالي، وبينط من على الكرسي): الله أكبر! الحمد لله! يلا يا ولاد! الفطار! الهجوم!
الكل بيجري على السفرة كأنهم في سباق ماراثون.. سلمى شايلة صينية الرقاق وبتجري بيها وهي بتصرخ "سخن! سخن!"، وميدو شايل الفرخة كأنه شايل كأس العالم، وزياد ماسك طبق الملوخية وبيدلق نصه على الأرض من السرعة.
سوسن (بتوزع العصير والتمر بسرعة، وبتلحق الملوخية قبل ما تغرق السجادة): اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت.. ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله. سموا الله وكلوا بالراحة!
ميدو (وهو بيشرب كوباية العصير مرة واحدة، وبيعمل صوت شفط عالي): آآآآه.. الحمد لله.. أنا كنت حاسس إن روحي بتطلع.. العصير ده "إكسير الحياة"! أنا رجعت للحياة تاني!
زياد (وهو بياكل الرقاق بنهم، ووشه كله ملوخية): الله يا ماما.. الرقاق تحفة! أنا ممكن أكل الصينية كلها لوحدي! دي أحلى حاجة دقتها في حياتي!
سلمى (بتاكل وهي بتبص لميدو بغيظ، وبتضربه في رجله من تحت الترابيزة): بالراحة يا مفجوع.. أنت مش هتطير! الفرخة مش هتهرب منك! سيبلي ورك!
ميدو (وهو ماسك ورك الفرخة بأسطوانة وبياكل فيه بشراسة): أنتي مالك أنتي؟ أنا بعوض حرماني طول اليوم! ده حقي الطبيعي! ده تعويض عن ساعات الصيام الطويلة!
(بعد الفطار، الكل قاعد مش قادر يتحرك، كأنهم واخدين بنج كلي، وميدو ماسك بطنه وبيئن)
ميدو (نايم على ضهره على الأرض): آآآآه.. أنا أكلت كتير أوي.. أنا حاسس إن بطني هتنفجر.. أنا مش قادر أتنفس! حد يطلبلي الإسعاف! أنا محتاج عملية توسيع معدة!
عبد الغفار (وهو بيشرب الشاي وبيحاول يهضم): تستاهل.. مش قولتلك كل بالراحة؟ أنت بتاكل كأنك في سباق! معدتك دي مش خلاط خرسانة!
سوسن (بتبص للمواعين في المطبخ بيأس، كأنها بتبص لجبل إفرست): يا ساتر يا رب.. إيه المواعين دي كلها؟ مين اللي هيغسلها النهاردة؟ دي محتاجة كتيبة إعدام!
الكل (في نفس واحد، وبسرعة البرق): مش أنا!
(ميدو بيحاول يتسحب ناحية الباب وهو بيزحف على بطنه، بس سلمى بتمسكه من قفاه)
سلمى (بابتسامة شريرة): رايح فين يا حلو؟ أنت نسيت؟ النهاردة دورك في المواعين! الجدول بيقول كدة!
ميدو (بتمثيل، وبيمسك قلبه): يا بنتي حرام عليكي.. أنا مريض.. أنا عندي "تخمة حادة" و"انتفاخ مزمن".. أنا لو وقفت على الحوض، ممكن يغمى عليا وأقع في الحلة! ارحموا عزيز قوم ذل!
سلمى (بتشده من قفاه): ولا يهمك.. هفوقك بكوباية مية ساقعة! ادخل يا بطل! المواعين بتناديك!
(ميدو دخل المطبخ وهو بيجر رجليه وبيعيط، وسلمى دخلت أوضتها عشان تكلم "منة" وتحكيلها على كل التفاصيل وتخطط لمؤامرة بكرة، وعبد الغفار نزل يصلي التراويح وهو بيدعي ربنا يعدي الشهر ده على خير، وزياد نزل يلعب مع العيال في الشارع بالصواريخ والبومب، وصوت انفجارات صغيرة بتهز الشارع).
