رواية هوس من اول نظرة الجزء الثاني2 الفصل الثامن عشر18بقلم ياسمين عزيز
لم تكن الايام الماضية بالهينة أبدا على سيلين
التي باتت تعض أصابعها ندما و خوفا بسبب
كذبتها البريئة التي جعلت سيف يبتعد عنها اميالا
رغم وجودهما في مكان واحد...كانت تشعر بالضياع
و التشتت فحياتها أصبحت عبارة عن فوضى عارمة
رغم فراغها القاتل...فكل ماتفعله هو الجلوس
في الفيلا صحبة والدتها طوال النهار و إنتظار مجيئ
زوجها مساء و الذي أصبح يتأخر و لايعود إلا بعد منتصف الليل و مع ذلك تنتظره ليأتي و يغير ملابسه ثم يغادر الجناح و ينام في غرفة أخرى ....
حتى أنها حاولت طلب الصفح منه عدة مرات لكن جهودها ذهبت هباء فهو يرفض حتى التحدث معها أو إعطاءها فرصة لتشرح له...
رفعت عيناها للمرة العاشرة لتراقب عقارب
الساعة المعلقة في أحد حوائط الغرفة فوجدتها تشير
إلى الثانية عشر ليلا...تأففت باستياء مما آلت إليه الأمور فغيابه كل هذا الوقت يعني أنه لايزال غاضبا منها لكن لما يغضب و هي لم تفعل سوى واجبها...
كما تفعل اي زوجة مخلصة و محبة لرجلها هل أخطأت لأنها تريد أن تعيش حياة طبيعية معه؟
في بداية علاقتهما كانت سعيدة جدا بحبه و إهتمامه
بها و كيف لا و هي التي رأت كيف كان عالمه يدور حولها، يعاملها و كأنها ملكة متوجة على عرشه... عبارات العشق و الهيام التي يلقيها على مسامعها ليلا و نهارا و التي تجعلها تلامس الغيوم ...الهدايا الباهضة التي كان يفاجأها بها بلا حساب... رحلات لأحلى و أجمل البلدان
حياتها كانت مثالية لدرجة أنها كانت تحسد نفسها...
لكن مع مرور الايام أصبح هوسه بها غير طبيعي و تحول دلاله إلى سجن يخنقها...و ما كان يخيفها
اكثر أن الأمر كان يزداد تعقيدا مع مرور الايام
حتى أصبحت أشبه بعصفورة مسجونة في قفص
ذهبي...
فتحت باب غرفة الملابس التي كانت تعج بآلاف
الفساتين و الحقائب المقتناة من أشهر الماركات العالمية بالإضافة إلى الساعات الغالية المرصعة بفصوص من الألماس...أحذية عطورات و أدوات
تجميل أصلية...تجزم أن هذه الغرفة تساوي
ميزانية إحدى الدول الأفريقية....
رفعت يدها لتفتح أحد الأبواب الزجاجية
و تخرج منه حقيبتها المفضلة من ماركة هيرميس
المصنوعة من جلد تمساح الالبينو تلك الحقيبة
التي فاق سعرها المليون دولار...إنفلتت منها ضحكة ساخرة عندما تذكرت زوجة خالها إلهام التي
كادت تموت من شدة صدمتها عندما شاهدتها
عندها...
نظرت إلى الحقيبة باشمئزاز ثم رمتها على الأرض و نزلت على ركبتيها لتجلس أمامها تنظر إليها بنفور
و كأنها عدوتها فما فائدة كل هذه الرفاهيات
و هي في السجن ....
شعور التشتت و العجز إستحوذا على كيانها
و لاتدري مالذي ستفعله حتى تسيطر على
حياتها من جديد...سمعت خطواته و هو يدلف
الغرفة لكنها لم تلتفت إليه بل ظلت قابعة
في مكانها و كأنها صنم تجاهد حتى لا يفضحها
قلبها الذي تسارعت دقاته ما إن إشتنشقت
رائحة عطره التي إنتشرت في أرجاء المكان.
تنهد سيف بارتياح حالما وجدها أمامه سليمة
معافاة بعد أن إستنفذ عقله كل الأفكار السيئة
عندما لم يجدها تنتظره في غرفة النوم كما
تعود كل ليلة.
تقدم نحوها و نزل إلى مستواها حتى يتفقدها
جيدا خاصة بعد أن لمح تلك الحقيقة أمامها قائلا
بصوت رجولي أطاح بباقي مقاومتها :
- إنت كويسة؟؟
طأطت رأسها ثم حركته يمينا و يسارا و هي تضغط بقوة على شفتيها حتى لاتصرخ بصوت عال
معلنة عن جميع الاوجاع التي كانت تنهش روحها
من الداخل...والدها الذي تركها و هي مازالت طفلة
لتضطر إلى تحمل مسؤولية أمها المريضة...وحيدة
بدون سند في بلاد غريبة لم تعرف مشاعر الحب
أو الصداقة يوما فكل من كانوا حولها كانوا مجرد معارف عابرة لا أحد يهتم لها و عندما عادت
إلى وطنها بحثا عن عائلتها لم تجدهم بل وجدت
مكانهم مجموعة من الوحوش الضارية تتصارع من أجل الثروة و المال يتربصون بها و ينتظرون اللحظة المناسبة للقضاء عليها لولا وجود حاميها الذي
وقف في وجوههم كالسد المنيع يحميها بحياته
فهو الوحيد من بينهم الذي إهتم لأمرها منحها من الحب و الاهتمام مافاق طاقتها حتى إنطبقت عليها
مقولة إذا زاد الشيئ عن الحد إنقلب إلى الضد...تعبت نفسها و بدأت قواها تخبو و لم تعد قادرة على الصمود أكثر لتعلن إستسلامها في الاخير عندما وصلت إلى آخر الطريق و كم كانت بلهاء ساذحة عندما ظنت أنها سوف تنجح في تغييره..
إلتفتت نحوه ترمقه بنظرات متعبة و تسأله برجاء:
- سيف عشان خاطري...بلاش تعاملني بالطريقة
دي أنا خلاص تعبت و معتش قادرة أستحمل
أكثر من كده ...
أخفى ببراعة أجادها بسهولة نظرته المشفقة
نحوها و هو يستقيم من مكانه نحو خزانة ملابسه
ليخرج منها بعض الثياب البيتية الخاصة به
مردفا بجفاء :
- مش دي كانت رغبتك إني أحررك مني ...أديني حققتهالك... عاوزة إيه ثاني؟؟
صرخت دون وعي منها لتجيبه بما يعتري داخلها :
- لاااا خلاص أنا مبقتش عاوزة حاجة غيرك...
مسحت دموعها بسرعة ثم وقفت من مكانها
مضيفة : خلينا ننسى الأسبوعين اللي فاتو و نعتبر إننا النهاردة رجعنا من الجزيرة... طب لو عاوز نروح
الجزيرة و نقعد هناك شهر أنا موافقة ".
همهم بتفكير موهما إياها بأن عرضها قد أعجبه
قبل أن ينبس :
- مش فاضي بعد بكرة مسافر دبي".
ألقى عليها نظرة أخيرة ليجدها تنظر له بحزن
ظاهر في عينيها الجميلتين...نقطة ضعفه..
سحق أسنانه بغضب من نفسه عندما وجد نفسه يشرد في هيئتها الفاتنة...لكن كيف يمكنها أن تكون بهذا السحر حتى و هي في أسوأ حالاتها
اللعنة على قلبه الخائن الذي يحثه على
أخذها في عناق حار حتى يسحق عظامها
و تعويض ليال الحرمان التي قضاها بعيدا عنها....
رمش بأهدابه عدة مرات حتى يستيقظ
من شروده و هو يتمتم :
- تصبحي على خير....
أسرع خارج الغرفة بخطوات مترددة متجها
نحو باب الجناح حتى يقضي ليلته في
الغرفة المجاورة كما تعود...أمسك بمقبض
الباب حتى يفتحه لكنه لم يستطع شيئ ما
يشده إلى الخلف و يذكره بأن
تلك التي تركها في الداخل تبكي ليست زوجته فقط بل قطعة من روحه ...
تنهد بقوة مقررا العودة أدراجه حتى يراضيها و ينهي ألمها الذي لا يمثل نقطة في بحر عذابه
لكن رنين هاتفه منعه من ذلك و إنتهى به المطاف
في الغرفة المجاورة... .
في قصر عزالدين.....
إبتسم آدم بانتصار و هو يترشف كأس مشروبه
بتأن رغم سماعه لصوت طرقات خافتة على باب
غرفته...نقل بصره نحو ساعة يده ليجدها
تطابق الساعة الواحدة تماما...
وضع الكأس فوق الطاولة ثم وقف ليفتح
الباب الذي ظهرت من وراءه فاطمة... كانت
ملامحها متوترة للغاية و هي تنظر حولها يمينا
و يسارا تتفقد المكان مخافة أن يراها أحد...
همس لها آدم متلاعبا بأعصابها أكثر :
- في معادك بالضبط...أدخلي ".
غمزها و هو ينطق بآخر كلمة لتدلف فاطمة مسرعة
و هي تتفرس الغرفة برهبة شديدة...خاصة بعد أن لمحت قوارير المشروب ...
أشار لها أن تتبعه ثم سار ليعود إلى مكانه السابق
و يرفع قدميه ليضعها فوق الطاولة أمامه
بجانب الزجاجات...رفع كأسه نحو شفتيه لكن
قبل أن يرتشفه تحدث :
- مالك متنحة كده ليه؟ اول مرة تشوفي حد بيشرب؟؟
تساءل باستهزاء ثم تجرع محتوى كأسه
كاملة تحت أنظار فاطمة التي قالت :
- لا ياباشا بس...أنا مستغربة عشان يعني صالح
بيه مانع الحاجات دي هنا في القصر و لو عرف
هيزعل و ".
قاطعها و هو يفلت الكأس الفارغ من يده ليقع على السجاد :
- لو عرف... و هيزعل...إنت بتتكلمي عن العجوز اللي مرمي تحت بين الحياة و الموت مش كده..
إنفجر ضاحكا و كأنه سمع نكتة للتو قبل أن يتوقف
فجأة مضيفا بصوت خائب بسبب تأثير المشروب :
- بقالي كم سنة مستنيه عشان يموت...بس هو مش راضي داه ماسك في الدنيا بإيديه و أسنانه و أنا
مش عاوز أقتله عشان هو جدي...لكن أنا عشان
ارضي ضميري هديه مهلة اسبوعين لو مماتش
هقتله....
إرتجف جسد فاطمة بخوف و هي تستمع لهذيانه
الذي يصرح فيه إستعداده التام لقتل جده
هي كانت على يقين من سكان هذا القصر أغبلهم
مجانين لكن يبدو أن من يقف أمامها الان هو
اكثرهم جنونا ووحشية...
لاحظ آدم وقع كلماته عليها ليبتسم بخبث
و قد عاد إليه رشده قائلا :
-شفتي بقى أنا مستعد أعمل إيه مقابل إني
اوصل للي أنا عاوزه...مش جدي بس لا... أي حد
هيقف قدامي أنا هنسفه... فاهمة ".
هزت رأسها بالموافقة بعد أن فهمت تهديده
الغير مباشر لها ليضيف آدم مربتا على كتفها
-" برافو... شاطرة ".
إستنفرت كل ذرة من كيانها و هي تشعر بلمساته
تزداد جرأة على ظهرها لتنكمش على نفسها
و تنتفض منحنية إلى الأمام حتى تبتعد عنه
قائلة بتلعثم :
- آدم بيه...حضرتك الوقت متأخر و أنا لازم
أمشي عشان لو حد شافني هنا هتبقى مشكلة...
إلتفتت نحوه و هي ترسم على شفتيها إبتسامة
مزيفة حتى لاتثير حنقه فهي آخر ماتريده هو إثارة
غضبه في الوقت الحالي.. تحتاج لبعض الوقت فقط حتى تجد حلا لهذه الورطة التي وقعت فيها بسبب تلك الغبية هانيا فلولاها لما إستطاع آدم إكتشاف
ماتخطط له و لكانت الان في غرفتها تنعم بدفئ
سريرها و تحلم بمالك قلبها الذي لاتريد سواه....
لفت إنتباهها نظرات آدم القذرة التي تجوب جسدها
قبل أن يقبض على معصمها و يقربها نحوه حتى إصطدم جسدها بصدره قائلا
بهدوء محاولا إستمالتها :
- محدش هيعرف داه هيكون سرنا الصغير...
أوعدك إنك هتتبسطي أوي و كمان هديكي
شيك تكتبي فيه المبلغ اللي إنت عاوزاه
داه غير إني هساعدك عشان توصلي ل.. صالح ".
غمزها و هو يبتسم لها مستغلا تأثير وسامته
الفائقة كما يفعل دائما عندما يرغب في الإيقاع
بإحدى الفتيات.... خاصة و أن فاطمة ليست سوى خادمة و ستكون محظوظة إن حضيت ببعض إهتمام رجل مثله... هذا ماكان يجول في خاطره و لم ينتبه
لنظراتها المشمئزة نحوه التي سرعان ما أخفتها
بعد أن سيطرت ببراعة على صدمتها فهي طبعا
فهمت إيحاءاته الوقحة التي يدعوها فيها أن
تستسلم له...المسكين هل يعتقد انها مراهقة ساذجة او مجنونة حتى تقع في تلك الهاوية التي لارجوع منها...
تعترف بأنها كتلة من المساوئ تسير على قدمين... شريرة، حقودة، تأذي من حولها.. قاتلة... و لكنها لم تكن يوما ما ساقطة بلاشرف مستعدة لمنح جسدها
لرجل سكير مقابل حفنة من الأموال...فلتخرج
من هنا هذه الليلة سالمة و سوف تجعله يندم لأنه
تجرأ على العبث معها هي صحيح فقيرة لا تمتلك من
أمواله و نفوذه شيئا لكن كان لديها عقلا يجعل
الشيطان ينحني لها....
همهمت مدعية التفكير وهي تتراجع ببطئ
إلى الوراء بينما تسللت يدها لتفك قبضته
من حول معصمها حتى لا يتفطن لها قبل أن تبتسم
له بعبث قائلة :
- أنا من وجهة نظري شايفة إنه... لسه بدري على الحاجات دي لازم الأول نوصل لللي إحنا عاوزينه و بعدين نستمتع...مش عاوزين حاجة تشغلنا عن هدفنا ..
تقدم آدم بخطواته نحوها حتى أصبحت
فاطمة محاصرة بينه و بين الباب.. رفع أنامله
لتعبث بإحدى خصلات شعرها مردفا بكلمات
منمقة و جمل مختارة بعناية مصرا
على إيقاعها و إلحاقها بقائمة حريمه :
- أنا إزاي مخدتش بالي منك قبل كده...إنت
قدرتي تخبي الجمال داه كله إزاي؟؟
لوهلة كادت أن تقع في شباكه فهي في الأخير
مجرد أنثى تتوق لسماع كلمات الإعجاب و الحب
حتى و لو كانت مزيفة لكنها أدركت نفسها في اللحظة الأخيرة و عادت إلى رشدها من جديد
و هي تحاول إستحضار ملامح صالح أمامها حبها الأول و الأخرى... أو بالأحرى هدفها الذي تصبو
إلى الوصول إليه بكافة الطرق....
وضعت كفها على صدره لتدفعه بعد أن شعرت أنه يكاد يغمى عليها من رائحة المشروب المقرفة التي كانت تفوح منه و قبل أن تنبس بأي كلمة إهتز
رواق الطابق من وراء الباب الذي كانت تستند عليه بصوت صراخ مألوف جعلها تنتفض برعب....
أزاحها آدم من أمامها ثم فتح الباب و هو يوصيها
بنبرة محذرة :
- أدخلي جوا و إوعي تفتحي الباب..هطلع أشوف فيه إيه؟؟
في فيلا سيف....
كان سيف يجوب أرضية الغرفة و هو يصرخ بين الحين و الاخر محاولا السيطرة على غضبه الذي
كان يتصاعد بسبب تلك الأخبار التي يستمع
إليها عبر هاتفه....فتح باب النافذة ليستنشق
الهواء البارد الذي لفح بشرته الساخنة هادرا
بعنف :
- يعني إيه جدي حالته مش بتتحسن و الغبية
اللي أنا جايبها عشان تاخذ بالها منه ملاحظتش
داه إلا بعد شهر...الصبح تمشيها إنت فاهم
مش عاوز أشوف خلقتها هناك و انا هبقى أكلم هشام ينقله المستشفى عنده..... أيوا نفذ اللي بقلك عليه...
ما أنا عارف إن الزفت هشام هو اللي باعثها أيوا
خلص في مصيبة ثانية....
ضرب الحائط بغضب أمامه ثم صرخ من جديد
بعد أن سمع الخبر الثاني :
- إيه ؟؟ إمتى حصل داه داه...
سلسلة من الأخبار السيئة وقعت على رأسه
دفعة واحدة و كأن هذا ماكان ينقصه
صحة جده التي كانت تتدهور و مشاكل إبن عمه صالح التي طفت إلى السطح من جديد بعد أن ظن أنه قد هدأ اخيرا لكنه كان مخطئا...ذلك المجنون يعلم أنه لن يهدأ أبدا حتى يقتل تلك المسكينة زوجته او تهرب منه...
اغلق الهاتف ثم حشره داخل جيب معطفه
الذي لم ينزعه حتى الآن و هو يفك أزرار
قميصه بسبب شعوره بالاختناق و التعب
الذي تمكن من جسده و عقله....
في قصر عزالدين......
دلف صالح جناحه في وقت متأخر من الليل
بعد أن أضطر إلى المكوث في الشركة حتى
وقت متأخر بسبب تراكم الأعمال...فهو يستعد
لفتح فرع جديد في الولايات المتحدة الأمريكية
عن قريب لذلك مؤخرا أصبح يقضي كامل يومه
في مكتبه حتى يارا توقف عن إيصالها إلى المطعم صباحا بسبب ذهابه باكرا جدا...
غير ملابسه بسرعة ثم أسرع نحو الفراش
ليجدها نائمة ترتدي تلك البيجاما الصفراء المضحكة
المرسوم عليها شخصية سبونج بوب ...
إنحنى ليقبل بطنها بعد أن أزاح الغطاء عنها
متعمدا مشاكستها لتتململ يارا بانزعاج مغمغمة
بتذمر بعد أن لفح جسدها برودة الغرفة :
- سيب الغطا... الجو بارد ".
ضحك صالح ثم ادخل يده الباردة تحت قميص
البيجاما ووضعها فوق بطنها لتنتفض يارا من نومها
بفزع تعاتبه على مزاحه الثقيل الذي حرمها
من نومها الهنيئ:
- بطل غلاسة بقى سيبني انام ...
صالح ببراءة :
- هو انا جيت جنبك انا كنت بسلم على إبني".
نفخت يارا الهواء بضيق و تجلست على الفراش ثم مدت يدها حتى تجذب
الغطاء لكن صالح رماه بعيدا مما جعلها تهدل
كتفيها باستياء...نظرت نحوه لتجده يرمقها
بنظرات ماكرة قبل أن يهتف :
- مش كفاية حرماني منك...عاوزة تبعدي عني إبني كمان".
يارا باستياء :
-صالح عشان خاطري هات الغطا الاوضة
ساقعة اوي و أنا عاوزة أنام و لو على إبنك
خلاص ياسيدي أهو....
إقتربت منه و إحتضنته واضعة رأسها على كتفه
رغم أنها لم تكن تطيق الإقتراب منه لكن مضطرة
لمجاراته في ألعابه التافهة... تثاءبت قبل أن
تضيف بصوت ناعس :
- إبنك عاوز ينام..يلا خذه في حضنك و نيمه...
لف صالح ذراعه حول خصرها ثم مال بجسده
نحو الكومودينو ليتناول جهاز التحكم الخاص
بجهاز التدفئة ليرفع حرارته فيارا دائما ماكانت
تنسى تشغيله...رمى بجهاز التحكم ثم حاوط
بيده الأخرى رأسها من الخلف و مال
بجسدهما ليستقرا على الفراش و هو يهمس
لها بصوت ناعم :
-وحشتيني...لحد إمتى هنفضل كده بنمثل على
بعض...قريب جدا إبننا هييجي مش عاوزينه
يلاقي باباه و مامته علاقتهم متوترة كده
خلينا ننسى اللي فات و نبدأ من جديد و أنا
أوعدك هجيبلك الدنيا كلها تحت رجليكي
إنت شاوري بس...إديني فرصة و اوعدك
إنك مش هتندمي....
تحدثت بصعوبة بصوت خافت :
- صالح إحنا تكلمنا كثير في الموضوع داه و إتفقنا
إني....هتنازلك عنه و إنت.. تقدر تتجوز واحدة ثانية هي هتهتم بيه و تربيه...
بملامح لينة و صوت مستعطف حاول إقناعها من جديد :
- بس أنا عاوزك إنت ...إنت أول حب في حياتي
و أنا مقدرش أعيش من غيرك صدقيني..أنا عارف إني أذنبت في حقك بس أنا كنت زعلان منك أوي و مجروح عشان كسرتي قلبي...أنا حبيتك بجد و كنت شايفك كل حاجة بالنسبالي بس لما عرفت الحقيقة إتصدمت جدا، عشت سنين طويلة و انا براقبك من بعيد كنتي عايشة حياتك و ناسياني...حتى لما خطفتك و جبتك الفيلا المهجورة اي حاجة كانت بتحصلك أنا كنت بعاقب نفسي أضعاف كنت بحاول أقسى قلبي عليكي و أخليه يكرهك عشان أحقق إنتقام بس في الأخر مقدرتش عشان إكتشفت إني بحبك بس كنت بعاند...كنت عارف إنك مستحيل
هتسامحيني بعد اللي عملته فيكي عشان كده أحبرتك تتجوزيني....
قطع إعترافه ليأخذ أنفاسه و يسيطر على عبراته
التي كادت تفضحه ثم أضاف...
-"بصي إنت إديني فرصة و أنا هصلح كل حاجة و أول حاجة هعملها هشتريلك بيت جديد صغير على قدنا و فيه جنينة كبيرة و هنزرع فيها كل أنواع الورد اللي بتحبيه....و هنجيب كلب و قطة بس هنخليهم
في الجنينة عشان أنا مش بحب الحيوانات ...
و إيه كمان...أه و سليم أنا هجيبله مربية و
هاخده معايا الشركة كل يوم عشان ميعطلكيش عن شغلك...و كل شهر هناخد اسبوع اجازة و نروح اي حتة إنت تختاريها ....و لو حابة نجيب بيبي ثاني اوكي و لو مش عاوزة يبقى خلاص كفاية علينا سليم
المهم إنك تبقي معايا و متسيبنيش...أرجوكي
يايارا أنا هعمل كل اللي إنت عاوزاه بس إديني فرصة
نبدأ من جديد...قلتي إيه ".
طفق يعدد لها الامتيازات التي سيمنحها إياها
إذا وافقت يجزم أنه في تلك اللحظة لو طلبت
روحه لما كان سيتردد في منحها إياها..لكنها
ظلت تحدق فيه بجمود قبل أن تدير رأسها إلى الجانب الاخر و قد تحشرجت
أنفاسها رافضة حتى أن تجيبه هل يظن أن
بضعة كلمات منمقة و وعود فارغة أتت بعد فوات الأوان ستجعلها تنسى اشهرا من العذاب المميت... لما لايفهم أنها لم تعد تطيق رؤية وجهه خاصة أنه لا يتوقف عن فرض نفسه عليها...فقط لو يمنحها الخيار
مرة واحدة لكان الأمر إختلف كثيرا...
علامات الرفض و النفور كانت واضحة على وجهها بشدة و لاتحتاج لكلمات تخبره أنه حتى لو أمضى
بقية حياته يعتذر لن تسامحه و هذا ما جعل قلبه القاسي ينصهر من شدة الألم ..
أفلت يده من تحت رأسها ثم جذب الغطاء
ووضعه على جسدها مهمها بصوت منخفض:
- تصبحي على خير....
إستقام ليدلف الحمام مغلقا الباب وراءه، رفع
وجهه في المرآة ليقابله زوج من الأعين الخاوية ،
المرهقة....
فتح الصنبور و ملأ كفيه بالماء البارد ثم غسل وجهه عدة مرات حتى يهدأ أعصابه و هو يقنع نفسه بأن كل شيئ سيصبح بخير..
فتح درج المناشف ليلتقط منشفة نظيفة حتى ينشف
وجهه ليلفت إنتباهه وجود علبة دواء غريبة لم يرها من قبل.... فصالح منذ مجيئ يارا للسكن معه هنا
أمر الخدم بأن لايتركوا اي أدوية في الجناح
خوفا من تهورها...
فتح العلبة و هو يقطب حاجبيه باستغراب
ثم بدأ في قراءة الإرشادات و التي كانت
مكتوبة باللغة الإنجليزية...مع كل كلمة كان يقرأها
كان جنونه يتصاعد أكثر...
رمى المنشفة من يده ثم نزل على ركبتيه ليبحث
في بقية الادراج عن المزيد... بدأ يقلب كل شيئ
و الغضب يأكل وجهه حتى صارت جميع الارفف فارغة بعد أن القى بجميع محتواياتها على الأرض
إلتف حول نفسه عدة مرات يتفرس أنحاء المكان
الذي أصبح عن عبارة عن فوضى عارمة....
إعتصر زجاجة الدواء في قبضته ثم خرج من المكان كالإعصار المدمر ليجدها تجلس على حافة الفراش
تنظر أمامها بشرود...و كأن شيطانا تلبسه هرع
نحوها ليقبض على خصلات شعرها الطويل
و يوقفها من مكانها غير مبال بصرختها المتألمة...
وجهها نحوه ثم رفع الزجاجة أمام عينيها و هو يسألها بسخط :
- إيه داه ؟؟
لم تستطع يارا فهم مايحصل و كيف تغير
فجأة لتصرخ غير مبالية بشعرها الذي كان يتقطع
كلما حركت رأسها :
- سيبني ياحيوان... إنت إتجننت...
دفعها نحو الحائط و هو يرمقها بنظرات مميتة
قبل أن يهمس بنبرة كالفحيح :
- كنتي عاوزة تقتلي إبني...
إصفر وجه يارا و إزرق و بنظرات مصعوقة بقيت
تحدق فيه غير مستوعبة لما يتفوه به من ترهات
ثم صرخت :
- إنت بتتكلم عن إيه؟ إبعد عني....
رفع من جديد زجاجة الدواء ليريها إياها
و هو يهدر بحدة بعد أن طفح كيله من رؤيتها
تنكر بكل بساطة :
- مش عارفة إيه داه؟؟ داه دواء إجهاض لقيته في الحمام...جبتيه عشان تقتلي إبني مش كده...أنا هوريكي يايارا هعمل فيكي إيه...أقسم بالله لندمك
على اليوم اللي فكرتي تأذي فيه إبني....
هزها بعنف لتقاومه يارا و هي تصرخ بقوة
رغم أنها لم تفهم مايجري حولها لكن كل مايهمها
الان هو إنقاذ نفسها من هذا الوحش...
- سيبني بقلك أنا معرفش حاجَة عن اللي بتتكلم
عليها... اااااه إلحقوني....
إستنجدت لعل أحدا ما ينقذها من بين براثنه
لكن أسكتها بصفعة من ظهر يده خدرت كامل
وجهها من قوتها...بينما دوى صوته في كامل أنحاء
الغرفة و هو يصيح بجنون :
- إخرسي يا ***** بقى أنا صالح عزالدين واحدة
حقيرة زيك تستغفلني...بقى بعد كل اللي عملته عشانك بردو مصرة على ال****....أنا الغلطان عشان عاملتك كويس بس طلعتي حيوانة مش بتيجي غير بالضرب و الإهانة...أقسم بالله لو مكنتيش حامل بإبني أنا كنت قتلتك بإيدي...
صفعها بقوة حتى سألت الدماء من أنفها و جانب شفتيها تاركا أثار أصابعه على بشرة خدها الصافية
و رغم شعورها بالالم الشديد إلا أنها لم تبال
فهي تقريبا قد تعودت على مزاجه المتقلب فهذه ليست أول مرة تجرب فيها عنفه...حاولت أخذ أنفاسها بصعوبة و هي تضع يديها على بطنها بحماية
محاولة الصمود أمامه بكل قوتها حتى لا يتأذى صغيرها....
كان صالح يصارع شياطينه التي تملكته رغم رغبته العارمة في طحن عظامها فهاهي من جديد تعاود خداعه مستغلة حبه لها كما فعلت منذ سنوات...كيف أمكنها أن تكون بهذه القسوة و الدناءة رغم ما فعله من أجلها في الأيام الأخيرة...
جذبها من شعرها لتسير خلفه و خرج بها من الجناح بينما كانت يارا لاتتوقف عن مقاومته
دون فائدة فقوتها الضئيلة لاتكفي حتى لتحريك ذراعه الضخمة...
صراخها ملأ أرجاء القصر لتهرع أروى و فريد
ثم تلاهم هشام و إنجي و آدم و بقية سكان
القصر الذين إجتمعوا كلهم حتى يمنعوه عما يفعله
لكن صالح لم يدع أحدا يقترب منه...بل و إستدعى
حرسه الخاص و أمرهم بإبعاد أي شخص يقترب منه خاصة فريد و هشام الذين اصرا على إنقاذ يارا منه...
داخل غرفة آدم كانت فاطمة تقف وراء الباب تراقب ما يحصل بأعين جاحظة أطرافها كانت ترتجف بشدة و هي تلمح صالح من وراء الباب يجر يارا وراءه من شعرها كالجزار الذي يجر شاة ليذبحها...ومحاولات الجميع الفاشلة في إنقاذها منه دون فائدة فقد كان اشبه بإعصار هائج لا أحد يستطيع الوقوف في وجهه...
دفع الباب فجأة ودلف آدم ثم أغلقه وراءه
و هو يقهقه بصوت عال و يشير نحو فاطمة قائلا :
شفتي وشي حلو عليكي إزاي... أهو صالح
هيقتل مراته و الساحة هتفضالك ياجميل....
نفت فاطمة برأسها و هي تحاول التركيز في خطتها التالية قائلة :
- لا..صالح مستحيل يقتل مراته...إنت ناسي إنها حامل في إبنه؟؟
تجهمت ملامح آدم فجأة بعد أن تذكر تلك المعلومة
- قصدك إيه؟ إنت مشفتيشه عامل إزاي...
فاطمة بدهاء : أنا متأكدة أنه هيسجنها في أي حتة أو يمكن ياخذها على الفيلا المهجورة بتاعته لكن مستحيل يقتلها...أصلا هو عامل الهيصة دي كلها عشان الطفل ".
آدم بحقد :
- بس الطفل داه مش لازم يعيش...داه الوريث الوحيد لثروة لصالح...
فاطمة : طب ماهو فريد بيه كمان عنده بنت؟
آدم بسخرية :
- فريد محلتوش غير مرتبه اللي بياخده من شغله و كمان أجار العمارتين بتوع ليلي مراته ...بيحوشهم
كل شهر عشان لوجي... فريد تنازل عن كل ورثه في شركات جدي بعد ما سيف رجع نصيبه....حتى فلوسه في البنك خذ بيهم فيلا صغيرة في ال****
عشان ناوي سيب القصر ".
فاطمة بصدمة :
- طب و هنعمل إيه دلوقتي... إحنا لازم نتصرف
أنا عاوزاها تطلع من حياته خالص ؟؟
ضيق آدم عينيه و هو ينظر لها ثم همس :
- عندك حق لازم نتحرك و بسرعة قبل الصبح مايجي عشان لو سيف عرف مش هيسكت أنا سمعته مرة و هو بيزعق لصالح عشان ضرب مراته...
آدم طبعا لم يخبر فاطمة أن غايته ليس فقط التخلص من طفل صالح بل هو يريد التخلص منهم جميعا كما خطط سابقا مع والدته و التي أصبحت مشغولة مؤخرا في ملاحقة والدتها بعد أن إكتشفت علاقته السرية مع ميرفت والدة يارا و لذلك وجب عليه إستغلال هذه الفرصة حتى يلفت إنتباه إلهام لتعود لمساعدته كما كانت تفعل من قبل فهو بقتله ليارا سوف يقدم لها فرصة لتستطيع إزاحة غريمتها من طريقها بسهولة و التي سوف تكون مشغولة بما أصاب إبنتها....
عاد لواقعه ليستل هاتفه بسرعة ثم إتصل بأحد القتلة المأجورين اللذين يعرفهم و أمره بفعل شيئ ما
في الحال ليوافق الاخر بعد أن عرض عليه مبلغا كبيرا من المال...
في الطابق السفلي....
توقف صالح أمام أحدى الغرف و هو لايزال محاطا
بحرسه الذين شكلوا جدارا حوله حتى لايستطيع
أحد الوصول إليه..الوضع كان
كارثيا للغاية و الفوضى ملأت ارجاء القصر....حتى
فريد توقف عن محاولة انقاذ يارا و إنشغل بتهدأة
زوجته التي يبدو أنها نسيت بأنها حامل فهي كانت تصرخ و تشتم و تتحرك بعنف و عشوائية و تضرب الحرس بكل قوتها..
جذبها بصعوبة نحوه ثم حملها بخفة و صعد بها
الدرج رغم مقاومتها و صراخها :
- سيبنيييي بقلك سيبني... .إنت رايح بيا فين؟
ضربته على ظهره بقبضتها عدة مرات و رغم
ذلك لم يتوقف حتى وصل لجناحه... أنزلها على قدميها و هو يلهث بتعب ثم أردف بتذمر :
- إهدي يامجنونة فرهدتيني...
إندفعت أروى كشرارة اللهب نحو الباب لكن
فريد منعها لتصرخ فيه بغضب :
- سيبني خليني أنزل للحيوان اخوك أربيه...
فريد بصرامة :
- إهدي و بلاش تتحركي بعشوائية إنت ناسية إنك حامل...كده هتأذي البيبي.
قاطعته أروى بوجه متجهم : لا منسيتش و متعملش نفسك إنك مهتم بإبني أكثر مني...و دلوقتي ابعد من قدامي عاوزة أخرج..
أسرع فريد ليستند بظهره على الباب ليسد الطريق أمامها قائلا :
- مفيش خروج من الأوضة...
تخصرت و هي تجادله : قلتلك إبعد من قدامي
أنا لازم أنزل قبل ما أخوك يقتلها ".
فريد منبها : متقلقيش أنا هتصرف...بس متطلعيش من الأوضة و إلا اقلك ".
أخرج مفاتيح الجناح من جيبه ثم خرج و أغلق
الباب لتشهق يارا بغضب من فعلته و أسرعت
نحو الباب لتضربه بعنف و تنادي عليه :
- فريد إفتح الباب....فريييييد إفتح الزفت داه
بقلك تعالى هنا .
ظلت تضرب الباب بيديها و قدميها دون فائدة
لتعلم أنه قد غادر..فكرت بسرعة و لم تجد حلا سوى
الخروج من الباب الثاني أي عبر غرفة لجين.
مظهر يارا المسكينة الغارقة في دماءها جعلها تفقد صوابها و تصر اكثر على مساعدتها.
