رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم) الفصل الخامس والعشرون25 بقلم ليله عادل



رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني2(عناق الدم) الفصل الخامس والعشرون25 بقلم ليله عادل


             [ بعنوان: ذبح بلا ذنب ]

سقط الهاتف من يده دون أن يشعر، وظل جلسا مذهولا، كأن الصدمة قتلته وهو على قيد الحياة، صوته خرج مبحوحا، مكسورا، كأنه ينتزع من بين أضلاعه: ماسة…!

كان مكي جلسا أمامه، ينظر إليه بقلق وحيرة لا يفهم ما أصابه، قال ببحه: سليم في إيه؟ الرسائل دي فيها إيه؟

مد مكي يديه والتقط الهاتف الذي سقط فوق المكتب ونظر إلى المحادثة، فاتسعت عيناه بصدمة جارحة وهو يقرأ ما بين السطور، تحرك إصبعه بتردد خانع وكأنه يخشى الحقيقة، حتى وقعت عيناه على تلك الصورة اللعينة، فأغمض عينيه بقسوة وخجل خانق ووجع فاض عن احتماله.

أغلق الهاتف بسرعة، كأن مجرد لمح المنظر أصابه هو الآخر بالذعر.

رفع نظره إلى سليم، الذي كان لا يزال شاردا، غائبا عن العالم، وحاول أن يهون الأمر: أكيد في حاجة غلط يا سليم، ماسة مستحيل تعمل كده، احنا لازم نكلم عشري ونفهم في إيه.

لكن سليم لم يكن يستمع له، كأن أذنيه قد أُغلقتا عن العالم كله، فلا شيء يصل إليه، كأنه في عالم آخر .. عالم اختنق فيه الهواء، وتسارع فيه نبض قلبه حتى كاد يخرج من بين أضلاعه.

أنّ بألم خافت، لا لأنه صدق ذلك على ماسته بل لأنه صدم بالصور التى رأها، والتي اخذت تعاد أمام عينيه مرارا وتكرارا بلا رحمة.

أمسك رأسه بين كفيه وأخذ يضرب على جبينه، وصوته الداخلي يصرخ في إنكار موجع: مستحيل، ماسة متعملش كده، في حاجة غلط، اوعى تخلي صدمتك تخليك تصدق.

في تلك اللحظة اندفع الباب بعنف، واقتحم عشري المكان وهو يلهث، كأن أحدا كان يطارده.

توقف بالكاد ليستعيد أنفاسه، وعيناه تجولان في الوجوه بقلق ظاهر، لم يمنحهم فرصة للسؤال، وصاح وهو يلهث: مبتردوش عليا ليه؟!

وفي تلك اللحظة، عاد سليم من شروده حين اخترق صوت عشري سكونه، كأن عقله انتزع فجأة من غيبوبة ثقيلة، تحركت عيناه ببطء، وكأن الروح عادت إليه في لحظة واحدة. 

نهض فجأة، واقترب من عشري حتى كاد يلتصق به، وتساءل بضعف وهوان ممنيا نفسه بأن يطمئنه عشري عليها وينهي ذلك الكابوس، فخرجت صوته مبحوحا، ممزقا: عشري، ماسة فين، روحتها صح؟

رد عشري بارتباك من بين انفاسه المتلاحقه: لا، شكلها اتخطفت.

اتسعت عينا سليم فور أن استمع إلى تلك الكلمات، وترنح قليلا وكأن قدماه لم تعودا قادرتين على حمله، وخرج صوته واهنا، مبحوحا: أنت بتقول إيه؟!

وفجأة اندفع نحو عشري، وأمسكه من ياقة قميصه بعنف: وأنت كنت فين وهي بتتخطف؟!

ثم قال، وصوته يختنق بالغضب والخوف: هي مش شكلها اتخطفت، هي فعلا اتخطفت، علشان أنا مشغل معايا شوية بهايم وجودهم زى قلتهم.

تدخل مكي سريعا، وأمسك بسليم محاولا جذبه للخلف: اهدي يا سليم بس، خلينا نفهم اللي حصل.

استدار إليه سليم بعينين مشتعلتين: نفهم إيه؟!

نظر مكي إلى عشري بحدة: احكي إيه اللي حصل بالظبط؟

أخذ عشري يلتقط أنفاسه، ثم قال وهو يحاول ترتيب كلماته: من ساعة كده كنا ماشيين بالعربية وراها، وفجأة وقفت، قولت أنزل اشوف مالها، واول ما قربت من العربيه فجأة طارت، طبعا طرت وراها بس فيه عربيه قطعت علينا الطريق وخلتها تاهت مني، كلمتها افهم هي فين لقيتها منهاره ومفهمتش منها حاجه غير إن سليم في المستشفي، بس لما سألت صبحي قالى إنك لسه في الاجتماع، ساعتها فهمت إن الموضوع مش صدفه وفيه حاجه غلط، حاولت اكلمك انت ومكي كتير محدش رد، فاتصرفت وشوفت الكاميرات لحد ما وصلت للمستشفي، بس ملقتش ليها اي أثر هناك، ولما سألت على الكاميرات قالولي عطلانة بس حسيت إن الموضوع شمال، وفضلت ادور حوالين المستشفي يمكن اوصل لحاجه بس كل الكاميرات متعطله، فجيت بسرعه علشان أبلغكم ونشوف حل في المصيبه دى.

تابع عشري بنظرة خجل أسفه وهو يتحاشي النظر إلي عينيه، وقال بصدق: والله يا سليم أنا ما قصرت وحاولت على قد ما أقدر، ولو كنت أطول افديها بروحي مكنتش هتردد لحظه، بس الموضوع شكله متخططله صح. 

كان سليم لا يستمع إلى كلمات عشري بقدر ما كان عقله يربط الأحداث ببعضها، الصور القديمة التي أُرسلت إليه، إنسحاب صافيناز من الاجتماع في الوقت التي خُطفت فيه ماسة تقريبا، الصورة التي ظهرت فيها ماسة بين أحضان مصطفى، الرسائل، كل شيء كان يتشابك ليؤكد له أن ما حدث مدبر بإحكام، كان يعلم ذلك لكن الصدمه أوقفت عقله عن العمل للحظه.

فجأة جز على أسنانه، وخرج صوته حادا مشحونا بالغضب: يا ولاد الكااااالب….

وفجأة اندفع إلى الخارج، وملامحه مشدودة، وعيناه تلمعان بخوف وغضب متشابكين، يلتهمانه دفعة واحدة.

تحرك مكي وصوته يرتفع خلفه: رايح فين يا سليم.

لكن سليم لم يجب، وركض بخطوات سريعة، كأن شيئا يطارده أو كأن قلبه سبق جسده إلى مكان لا يعرفه بعد، توجه مباشرة إلى المصعد، ضغط الأزرار بعصبية، كان مكي وعشري يهرولان خلفه يحاولان اللحاق به، فهما يعرفان أنه أصبح الآن خارج نطاق السيطرة وأن عاصفته بدأت تشتعل في الأجواء.

قال مكي وهو يهرول خلفه: يابني فهمني بس هتعمل ايه؟!

عشري وهو يصيح خلفه: سليم.

لحقا به عند باب المصعد، لكن الأبواب أُغلقت في وجههما تماما.

لكم مكي الباب بكفه، وصر على أسنانه بقسوة، لم ينتظر أكثر؛ واندفع نحو الدرج يهبط مسرعا، وخطواته تتردد في الفراغ كطبول إنذار.

أما سليم، فكان في اتجاه آخر داخل  المصعد، عيناه محمرتان من شدة الغضب، وأنفاسه متسارعة كأن صدره يضيق به، وتلك الصور، وذلك الفيديو أخذا يتراقصان أمام عينه، وسؤالا واحدا كان ينهش رأسه بلا رحمة: ماذا فعلوا بها؟!

ظل يتوسل إلي الله في داخله أن يحفظها له، وأن يلحق بها قبل أن يطولها المزيد من الأذي.

خرج من المصعد في اللحظة نفسها التي اندفع فيها مكي وعشري وهما يلهثان من شدة الركض.

صاح مكي متسائلا من بين أنفاسه المتقطعة: سليم، اصبر يا سليم، رايح فين؟!

لكنه لم يلتفت إليه، وتقدم بخطوات واسعة نحو الخارج، فتح سيارته بعنف، وجلس خلف المقود، امسك هاتفه وفتح الرساله لكي يري اللوكيشن المرفق بها.

في نفس اللحظه، صرخ مكي وهو يهم بفتح باب السياره: عشري خليك ورانا.

فتح مكي الباب بسرعة وجلس بجواره، وصوته خرج مضطربا: بالراحه يا سليم وفهمني هتعمل ايه طيب؟!

رفع عينه نحوه بنظرة اقتلاعية، وقال وهو يصيح ببحه رجولته جهور خرجت من قلب رجل يشعر بالقهر: بالراحه ايه؟! أنت مشوفتش الصوره؟! 

قال كلماته تلك واشغل المحرك وضغط بنزين، وبدأ يقود كمن يركض نحو الهاوية، لا يهتم بالسرعة ولا بما يتركه خلفه.

حاول مكي أن يهدوئ من روعه قليلا: قولى طيب رايح على فين نكلم الرجاله يروحوا يأمنوا المكان الأول، ممكن يكون كل دى كمين معمولك، ويكون مرواحك هناك خطر عليك..

رفع سليم عينه نحوه وصرخ بيه: أنا مش هستنى ثانيه واحده، كمين مش كمين مش مهم، مراتي في خطر يا مكي، ماسه معرفش عملوا فيها إيه.. 

نظر له مكي لا يعرف ماذا يقول، فهو محق فأي رجل مكانه من الطبيعي أن يفقد عقله.

كان سليم يقود سيارته بسرعة جنونية، عينيه تتقد شررا، وعقله يركض أسرع من السيارة نفسها، أفكار وسيناريوهات لا حصر لها تتزاحم داخل رأسه، والصور والفيديوهات التي رأها تلاحقه كأشباح، وتدفع قلبه إلى الخفقان، وتجعل أسنانه تصطك ببعضها من شدة القلق والغضب.

لم يفهم كل التفاصيل بعد، ما رآه كانت مجرد مشاهد متقطعة لا تفسر إلا خيانة مزعومة أو فخ محكم، كان في قلبه يقين غريب: ماسة لا يمكن أن تخونه، وهذه الصور لعبة، لكن من وراء هذه اللعبة؟

حاول ربط الخيوط معا، ففي البداية كان يظن أن مصطفى هو الذي يبعث له مثل تلك الصور والرسائل خلال الأيام الماضية، لكن سرعان ما أدرك أن مصطفى وقع في الفخ هو الآخر.

الأسئلة كانت تدور في رأسه كشرارات كهربائية: من وراء كل ذلك؟ فايزة؟ رشدي؟ ولكن لماذا يفعلون هذا؟ هل وصلت بهم الوقاح إلى أن يضعوا زوجته بين أحضان رجل غريب بهذا الشكل؟ أم أنها صافيناز؟ التي خرجت من الاجتماع، أم جميعهم مشتركون؟

فجأة، اسودت عيناه، وكأن فكرة مظلمة سيطرت عليه: ربما فعلت صافيناز ذلك انتقاما لاعتذارها لماسة وتقبيل يديها، فزوجها عماد وله أفكار سوداء، وربما وضعوا لمصطفى شيئا؛ ليسقطوا ماسة ضحية له؟! تماما كما فعلوا به من قبل عندما اعطوه تلك الحبة.

هذه الفكره كانت قاتلة بالنسبه له كسم يسري في عقله، فهو يعرف تلك الحبة جيدا، ويعرف كيف تطفئ الوعي، وتترك الإنسان فريسة بلا إرادة، وربما يفعل مصطفى بماسة مثلما فعل بها من قبل...

فادمعت عيناه من شدة القهر، لا يحتمل فكرة أن تتأذي بسببه مره أخري، فطفرت الدموع من عينيه وهو يسابق الزمن للحاق بها، واقسم داخله أن لن يكفيه حرقهم أحياء إن مسها أي مكروه.

سيطر عليه مزيج من الخوف والغضب، ونبض قلبه بسرعة، وضربت الأفكار رأسه كالصواعق، فقبض على الكلاكس بعنف، وضغط على البنزين أكثر فأكثر، والسيناريوهات تتوالى في ذهنه بلا توقف، وهو عاجز عن إدراك حقيقتها.
❤️_________________بقلمي ليلةعادل

على اتجاه آخر عند مصطفى وماسة.

بدأت خيوط المأساة تنكشف ببطء، وكل ثانية كانت تزيد من حدة التوتر.

بدأ مصطفى يتململ في مكانه، شعر وكأن رأسه مثقل بشدة، غير واعي تماما بما حدث من مأساة.

فتح عينيه وأغلقهما أكثر من مرة، نظر بجانبه ليجد فتاة نائمة على صدره، صدمته ارتسمت على وجهه؛ فانتفضت من مكانه حتى جلس، ومسح على وجهه براحة يده، كان يشعر بالصداع وعيناه محترقتان..

مد يده بتوتر ممزوج بالتردد ليعرف من تلك الفتاة التي بجانبه، رفع شعرها عن وجهها، وهنا كانت الصدمه حينما أدرك أنها ماسة، فتوسعت عيناه بشدة حتى كادتا علي وشك الخروج من محجريهما، وانفتح فمه من هول الصدمة.

ارتجفت شفتيه، ورفع البطانية، ليجد نفسه بملابسه الداخلية فقط!! ازداد توتره، لكنه لم يجرؤ على رفع البطانية أكثر، وأدرك أن هناك كارثة حدثت.

بدأ يتمتم بنبرة مرتجفه مصدومه: يا نهار أسود، يا نهار أسود، إيه اللي حصل؟

اغمض عينيه بشدة وضرب رأسه براحتيه، محاولا تذكر أي شيء، وفجأة ضربت الذاكرة رأسه قبل فقدانه للوعي.

فلاش باااك
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل.

عند المستشفي التى يعمل بها مصطفي.

خرج يحمل حقيبته بهدوء متجها نحو سيارته، وفجأة اقتربت منه سيدة مسنة بسرعه، تتوسله بدموع وخوف: دكتور مصطفى، الحقني، أبوس إيدك!

نظر لها بقلق: في إيه يا حاجه؟ اهدي.

حاولت التحدث من بين شهقاتها المصطنعه: بنتي عيانة وتعبانة أوي، ابوس ايدك تعالي شوفها، أنت مش عارفني؟ أنا ام خلود! والنبي يابني ..

أمسكت يده لتقبلها: ابوس ايدك انجدني.

ربت على كتفها باحترام: اهدي يا امي، معلش اعذريني مش واخد بالي منك، بس أنا هاجي اكشف عليها، وإن شاء الله تكون بسيطه متقلقيش، تعالي معايا.

دخل السيارة وبعد أن فتح الباب بمفتاح الأوتوماتيك صعدت بجواره، وفجأة اقتحم شابين السيارة من الخلف 

انتفض مصطفى بخضه: إيه داا، أنتم مين؟!

لكن قبل أن يكمل كلمته، غرزوا له حقنة في رقبته بسرعه، ولم تمر سوا ثواني، حتي فقد وعيه.

أشار أحد الشابين للسيدة: يلا انزلي!

خرجت السيدة بسرعة، بينما جلس أحد الشابين مكانها، أما الآخر فبدأ يسحب مصطفى بحذر، بمساعدة زميله، حتى وضعوه في المقعد الخلفي ليستلقي على الكنبة.

ثم نزل وجلس على طارة القيادة، وبدأ يقود السيارة بسرعة، بينما بقي الشاب الآخر يراقب مصطفى في الخلف، ليتأكد أنه فقد وعيه تماما.

(في الحاضر)

ضرب مصطفى جبينه، وغمرت دموع الصدمة عينيه.

اقترب من ماسه بتردد، يده تذهب وتعود بخجل وهو يقول: يا ماسة… ماسة

بدأ يخبطها على وجهها، ويصرخ: يا نهار أسود! ايه اللي حصل بس؟!

كانت رأسه تتحرك بسرعة، يفكر ماذا يفعل، وفجأة وقعت عيناه على حقيبته، فركض نحوها مسرعا، فتحها وأخذ منها كحولا، ثم عاد واقترب منها ورش على وجهها، ثم أخذ زجاجه الماء وبلل بها وجهها.

فبدأت تستعيد وعيها قليلا، فتنهد مصطفى: فوقي يا ماسة، فوقي..

رش الكحول مرة أخرى على وجهها: أيوه يا ماسة، فوقي… فوقي
  
بدأت تفتح عينيها بصعوبة، ورأسها ثقيل كأن عليه أحجار.

اجلسها مصطفى على ظهر الفراش، واسندها من كتفها، وأخذ يطرق بكفه على وجهها وهو يحاول رفع الغطاء عليها من أجل سترها: يا ماسه، فتحي عينيكي! ابوس ايدك..

أخذ الماء مرة أخرى ورشه على وجهها، صارخا بتوتر: يا ماسة.

بدأت تستوعب قليلا، فقالت بنبره متكسره تشبه السكاره: مصطفى.... أنت هنا.... أزاي؟... سليم فين؟! 

قال وهو يهز رأسه: مش مهم أنا هنا أزاي، المهم قومي.

نهض من  مكانه، جلب بنطاله وأخذ يقوم بارتداءه بسرعة، لكن ماسة كانت لا تزالت بين الوعي واللاوعي، جسدها غير متزن، ورأسها تترنح وهي تحاول فتح عينيها.

صوتها خرج ثقيل: سليم... المستشفى… إيه اللي حصل… مصطفى… فين سليم؟

كانت عينا مصطفى تتبع كل حركة لها، وهو يضغط على شفتيه الأماميتين بضجر وخوف، لا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله.

كان الغطاء يسقط من عليها بين الحين والآخر، ليظهر صدرها، فأسرع مصطفى وأغلق سوستة بنطاله، ثم عاد إليها وحاول تغطيتها، إلا أن بطء وعيها جعل الغطاء يسقط مرارا.

لفت نظره فستانها الذي كان ملاقي على الأرض، فاندفع نحوه بسرعة، جلبه وعاد إليها، وحاول أن يلبسه لها بعناية، حيث ادخل رقبتها أولا ثم يديها الاثنين فقط.

كانت ماسة مستسلمة له تماما، بلا وعي كافي لتساعد نفسها، فقال مصطفى بحزم وقلق: يلا بقى قومي كملي لبسك، أنا مش هعرف ألبسك  اكتر من كدة.

على اتجاه آخر، في الشارع.

توقفت سيارات الشرطة أسفل المبنى تباعا، وانطلقت صافراتها تشق السكون بعنف، ترجل العساكر منها على عجل، أسلحتهم مشدودة إلى صدورهم، وخطواتهم السريعة ترتطم بالأرض وهم يندفعون نحو العمارة، باندفاع حاد، كأن الزمن يضغطهم من الخلف ولا يسمح لهم بالتباطئ لحظة واحدة.
                        
في الأعلي.

كانت ماسة لا تزال تتأرجح بين اليقظه والهذيان، جسدها مستسلم تماما لمصطفى، غير قادرة على التحكم في نفسها، كان الفستان موضوعا عليها بشكل غير مكتمل، فقط رقبته عند عنقها، واكمامه في منتصف ذراعيها، وهي جالسة في مكانها، تحاول بصعوبة أن تستوعب ما حولها.

كان مصطفى يراقبها بقلق شديد، يحاول أن يضبط وضعها ويحافظ على سترها قدر الإمكان، ومع كل حركة كان الفستان يقع أو يتحرك قليلا، مما زاد من توتره وخوفه عليها.

جز على أسنانه، وأمسك بزجاجة الماء والقها بأكملها على وجهها، وصرخ بها بقله حيله: فوقي بقى.

شهقت فجأة، وأخذت نفسا عميقا، كأنها أخيرا استعادت شيئا من وعيها، وهمست بصوت متقطع وهي تحاول فتح عينيها: في إيه؟

وضعت يديها على رأسها تحاول استيعاب ما حدث: إيه ده ... مصطفى!! أنت ايه اللي جابك هنا، وسليم فين؟

نظرت حولها، غير قادرة على استيعاب ما يحدث، لكن عيناها اتسعتا عندما رأت مصطفى عاري الصدر أمامها، وسرعان ما أدركت بصدمه، أنها لا ترتدي شيئا سوي ملابسها الداخليه هي الأخري.

شهقت وهي ترفع البطانية بسرعة لتغطي جسدها، وبدأت دموعها تتدحرج على وجهها، وقالت برعب: هو في ايه يا مصطفى، أنا مش فاهمة حاجة…

أجابها بسرعة، وهو يعدل قميصه: مش وقته تفهمي، البسي بسرعة، لازم نمشي من هنا، حاولي تقومي بس!

حاولت الاعتدال في جلستها، وهي تتشبث بالبطانية لتداري بها عري جسدها، وهي لا تزال تترنح بعدم اتزان. 

في نفس اللحظة في الخارج.

اقتحمت الشرطة الشقة، وهنا اتضحت الحقارة كاملة، وانكشف الفخ الذي نصب لماسة، كان المشهد صادما رجال وسيدات يجلسون في الصالة في أوضاع مخلة،  وما إن داهمتهم الشرطة حتى عمت الفوضى؛ صرخات متداخلة، محاولات يائسة للتبرير، وأيدي تُسحب بقسوة نحو الخارج.

دوي صوت أحد الضباط: شوفوا اللي في الأوض! بسرعه.

بدأوا يقتحمون الغرف واحدة تلو الأخرى، يسحبون منها رجالا ونساء في أوضاع شنيعه، وحقائق لا تحتاج إلى شرح، لم تكن شقة عادية بل كانت وكر دعارة كاملة الأركان.

في الغرفة.

حاول مصطفى أن يُمسك بيدها ليساعدها على النهوض، وأدار ظهره متعمدا ألا يرى شيئا من جسدها، كأن حياءه كان خط الدفاع الأخير لها وسط هذا الخراب.

قال بصوت متوتر، منخفض لكنه حازم: البسي يلا بسرعة.

انزلقت البطانية عن كتفي ماسة، وتعثرت وهي تحاول أن ترفع فستانها نصف الملبوس، يداها ترتجفان، وأنفاسها متقطعة، وعيناها تائهتان بين الصدمة والخوف والمهانة.

كانت اللحظة أثقل من أن تُحتمل، لحظة انكشاف لا ذنب لها فيه، بينما الزمن يضغط، والخطر يقترب، والفخ يطبق أنيابه بوحشية.

قالت ماسه بخوف وصوت يخرج بصعوبه كالمخدر: أنا سامعه صوت دوشه بره.

رمش مصطفي بعينه، ونظر نحو الباب كأن اذنه هو الآخر التقطت الأصوات، لكن قبل أن يستوعبا شيئا، اقتحمت الشرطة المكان فجأة، وصرخ أحدهم: مكانكم، زي ما أنتم!

ارتفعت أصوات أفراد الشرطة، وهم مصوبون أسلحتهم نحوهم، مضيفين صدمة جديدة وتهديدا واضحا للموقف.

تجمدت عينا مصطفى على الظابط وهو يمسك قميصه بين يديه، وذراع ماسة لا يزال معلقة في قبضته الأخرى، صدره يخفق بقوة، وأنفاسه تخرج متقطعة كمن يسابق لحظة انهيار. 

ظلت ماسة تنظر إليهما بصدمة، لم تفهم من هؤلاء وما الذي يحدث؛ كان قلبها على وشك الانفجار من الخوف، وجسدها يرتجف من هول الموقف حتى كادت تصاب بأزمة قلبية.

هزت رأسها بلا وعي كالمجنونة، والدموع سالت على وجهها، وهي تفتح فمها وتغلقه دون أن يخرج منها كلمه واضحه كأن أصابها البكم أو كأنها نسيت الكلام تماما. 

كانت لحظه فقط لكنها مرت كالدهر..

صرخ الظابط بصوت قاسي: زي ما أنتم، يا امين.. لملي الهدوم دي كلها وحرزها، ويلا انت وهي معايا بالزوق كدة، يلا..

تحدث مصطفى بنبرة متقطعه بصدمه: انتم مين؟!

اجابه الظابظ باستهزاء: بوليس الآداب يا روح أمك؟

اتسعت عينا ماسة، وشهقت شهقه قويه وكادت أنفاسها أن تتوقف..

حاول مصطفى الدفاع عنهما، وتبرير ما يحدث: حضرتك احنا مظلومين، احنا اتخطفنا واللي خطفنا جابنا هنا!

أجاب الظابط بسخرية: يا سلام، وهو كمان اللي قلعكم كده.

ثم تحرك واقترب من مصطفى، ووضع أصابع يديه على رقبته وهو يقول بتهكم: وهو برضو اللي حط الروج ده على رقبتك، وغرق جسمك بريحه حريمي كده يا روح أمك؟

تنفس مصطفى فجأة، وحاول أن يرد بحدة تداري رهبة قلبه: احترم نفسك! وملكش دعوه بأمي.

رد الظابط مهددا، يقرع كلماته بصوت ثقيل: احترم نفسي؟ ده أنا هوريك الاحترام لما نوصل القسم  وحياتك أمك لعلقك يلا، يلا قدامي، وانتِ يا بت، يلا!

لكنها كانت متجمدة مكانها، وتحيط نفسها بكلتا زراعيها بشده، وهي تبكي، وتغمض عينيها بشده علها تستفيق من الكابوس الذي تحياه الآن.

مرر عينه عليها وتسأل وهو يضيق عينه: انتِ ليكي ملف يا بت، ولا جايبك منين؟

لم ترد ماسة، واكتفت بالصمت، وهي تبكي بحرقة، وجسدها يهتز بعنف، ولا تزال عاجزة عن فهم الشيء الذي وقعت فيه، أو كيف تحولت لحظة واحدة إلى هذا الجحيم.

عيناها شاردتان، وعقلها تائه، كأن الصدمة شلت قدرتها على الاستيعاب، وتركتها غارقة في خوف لا اسم له.

صرخ الضابط بها بنبرة فظة، وهو يقترب خطوة منها، وعينيه تمسحان جسدها بوقاحة: ماتنطقي يا بت؟! شغالة مع مين، ولا شغالة مع نفسك؟! جايبك من أنهي داهية؟!

كانت تنظر إليه بعينين متسعتين، وصوتها خرج واهنا، مخنوقا بالبكاء، والدموع تهبط بلا توقف، وجسدها يرتجف من شدة الخوف والذل: أنا… أنا مش فاهمة، حضرتك بتتكلم عن إيه…

قالتها بصعوبة، وكأن الكلمات تُنتزع من صدرها.

فانفجر الضابط ضاحكا، ضحكة خالية من أي إنسانية، وقال بسخرية جارحة: آااه ! شكلك لئيمة وهتتعبينا.

ثم أمال رأسه قليلا، ونبرته صارت أكثر تهديدا: بس وحياة أمك، لأَنفخك لو متعدلتيش!

الأمر تصاعد بسرعة، وقال لأمين بجانبه: يلا يا أمين هاتهم.

وبين هذا الصخب، بقيت يد مصطفى تمسك بالقميص كما لو أنه الخيط الأخير الذي يربطه بالواقع، ودمعة واحدة نزلت من زاوية عينه، تحمل خوفا من القادم.

شد الأمين كتف ماسة بقسوة، لكن عندما سحبها من على فراش، انزلقت الفستان على جسدها، واصبح كأنها ترتدي لكن بطريقه عشوائيه، وسوستتها كانت مفتوحة. 

بينما قام الأمين الآخر بدفع مصطفى للأمام وهو عاري الصدر بقسوة.

لم يتجاوزا الا خطوتين، وانتبه الظابط لارتدائهم ملابسهم رغم عدم تناسقها، فتوقف وصرخ بصوت صارم: بس .. بس وقفهم كده! مش هينفع، دول لابسين، استنى، لو كدة القضية هتبقى فيها ثغرات ومحامي بقرشين هيطلعهم، هات القميص والبنطلون منه ! وقلعلي البت دي الفستان اللي عليها! ولفهملي الاتنين في ملايات يلا.

فور أن استمع مصطفى إلى ذلك، اندفع دون تردد محاولا حمايتها، وصاح بغضب وذعر: شيل إيدك من عليها! اوعي تقربلها.

لكن الأمناء أسرعوا بالإمساك به، فراح يصرخ وهو يحاول الإفلات منهم، وصوته خرج محتجا بقهر: اللي أنت بتعمله ده مش قانوني!

التفت إليه الضابط بحدة، وقال بسخرية تهكمية: قانون إيه يا أبو قانون، دى أحنا جايبنكم من شقة دعارة!

لم يكد مصطفي يستوعب الكلمه، حتي صرخ الظابط فجأة بصوت آمر: مطراوي! ظبطهولي!

وفي لحظة واحدة، انهال عليه الأمناء بالضرب، بأياد قاسية، وصراخ يملأ المكان، بينما سقط مصطفى تحت وطأة العنف، والفوضى تبتلع كل شيء.

اتسعت عينا ماسة بصدمة مرعبة، وانكمشت على نفسها كغزالة محاصرة، جسدها يهتز بعنف، وصرخت من أعماقها: محدش يقرب مني!

زمجر الضابط بصوت خشن يشق المكان: يلا يا أمين!

تقدم الأمين محاولا أن يمسك بالفستان، فانفجرت مقاومة بكل ما تبقى لها من قوة؛ أصابعها تشبثت بالقماش كأنه آخر ما يربطها بالحياة، جسدها يرتجف، والدموع تنهمر على وجهها، وقلبها يخبط بجنون يكاد يمزق صدرها، صرختها خرجت مبحوحة، مكسورة: ابعد عني! حرام عليك..

في نفس اللحظه، على اتجاه آخر 

هبطت سليم من سيارته مسرعا وخلفه مكي وعشري،  وعندما وقعت عينه على سيارات الشرطه المتوقفه، وانتبه إلى العساكر وهم يسحبون الرجال والنساء من العمارة، ملفوفين بالملاءات، وقد ارتسم الرعب في أعينهم، وبين الزحام والوجوه المكدودة، كان الضغط الهائل يثقل الجو، كأن الجدران نفسها توشك أن تنهار فوقهم.

اتسعت عينا سليم بصدمه، وأدرك أخيرا الفخ الذي نصبوه لماسة ومصطفى، فقد كان كل شيء معدا بدقة ليجعله يشاهد الموقف ويقع في رد فعل خاطئ، قد يدفعه لارتكاب جريمة قتل دفاعا عن الشرف، وفي الوقت نفسه يورطه في فضيحة أخلاقية تتحول إلى قضية آداب ضدها.

ركض بسرعة نحو الداخل، وكل خطوة يخطوها كأنها مواجهة مباشرة مع القدر، يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يخرجوا ماسة في ذلك الوضع المروع.

قلبه يرفرف بعنف، الأدرينالين يملأ عروقه، وكل ثانية تمر كانت كأنها ساعة من العذاب، كل لحظة تشعره بالعجز، لكنه لم يتوقف ولم يتراجع، وكانت خطواته حربا ضد الوقت، وضد المصير، وكلما اقترب منها، زاد يقينه أن أي لحظة تأخير قد تكلفه الكثير.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

عند ماسة ومصطفى.

كان الأمين لايزال يحاول نزع فستانها بالقوة، وهي تصرخ وتقاوم بكل ما أوتيت من قوة، صرخاتها تقطع الصمت، وجسدها يرفض الانكسار، في مواجهة الغطرسة والعنف.

حاول مصطفي التملص من بين يدي الرجال الذين قيود يده إلي الخلف بالأغلال الحديديه، فقال متوسلا بصوت مقهور: حرام عليك! أنت معندكش أخوات بنات؟ بقولك مظلومين!

لكنه لم يستطيع الافلات من بيت قبضتهم، فنظر لها بدموع وقلة حيلة وعجز وهو يراها تسحق أمام عينيه.

نظر الضابط إليه بسخرية باردة وقال: أختي محترمة مش شمال زيها !

عاد الظابط يحاول الاقتراب منها، فدفعته بيدين مرتجفتين، وهي تبكي بحرقه، وصوتها خرج ممزوجا بالخوف والضعف: حرام عليك، أنا مظلومة، والله العظيم مظلومة!

صرخ فيها، وغضبه يتفجر: مظلومة مين يا روح أمك؟ ده أنا جايبك من على السرير!

حاول أن يشد الفستان من عليها  فصرخت وهي تدفعه بقوة: قولتك ابعد عني!

اتسعت عيناه بدهشة غاضبة: أنتِ بتزقيني؟!

وفي لحظة خاطفة، اقترب منها وصفعها صفعتين قاسيتين على وجهها، فانفجرت ماسة صراخا، تبكي بحرقة وألم.

امسكها الظابط من شعرها بقسوة: طب وحياة امك لعمل عليكي حفلة النهاردة.

صرخ مصطفى، وهو مقيد بين أيدي الأمناء، يحاول الإفلات والدفاع عنها: متمدش إيدك عليها! ابعد عنها!

التفت الضابط نحوه بابتسامة باردة، ثم دفع ماسة بقسوة حتى ترنحت واتجه نحوه، وفجأة وجّه لمصطفى لكمة عنيفة في وجهه، وقال بسخرية لاذعة:  عاملي فيها حبيب؟ يا روح أمك! أنا هطلع عين أهاليكم أنتم الاتنين.

صرخت ماسة بصوت واهنا مكسورا مختنق بين الدموع: أنا متجوزة يا فندم، والله مظلومين، أنا اتخطفت، حد خطفني وخدرني وجابني هنا، أنا ودكتور مصطفى، والله العظيم إحنا مظلومين، عايز تقلعني هدومي ليه حرام عليك.

في تلك الأثناء، تدخل ضابطٌ آخر بنبرةٍ باردة يغلبها الملل: ما خلاص يا خيرت، لم الدور، وخلينا نمشي، جيبهم باللي عليهم وخلاص.

التفت خيرت إليه بعينين تقدحان عنادا، ورد بحدة فظة: لا والله! لأقلعهم وملط كمان!

ثم صاح بصوت آمر، قاطع: يلا يا مطراوي!

ارتفعت شهقات ماسة كصرخات ضائعة في فراغ مظلم، تراجعت للخلف، تحاول أن تدافع عن نفسها بكل ما أوتيت من قوة، فأخذت تدفعه بكلتا يديها، وقلبها يكاد يتوقف من الرعب، وكل ما حولها بدا قاتما، مهزوما، وهي تصرخ بارتجاف: ابعدوا عني، محدش يقربلي.

وفي قلب مصطفى، كان الوجع يمزق الصدر تمزيقا؛
وجع العجز حين ترى مظلوما يُسحق أمامك
ولا تملك يد مساعدة تمدها له.

كان يراها تهتز، وتبكي، وتتقلص على نفسها كطفلة ضائعة، تحاول أن تقاوم وتصرخ، وهو يراقب المشهد بعينين موجوعتين، وقلب يصرخ دون صوت، لا لأنها تُهان فحسب، بل لأنه وللمرة الأولى شعر بعجز كامل عن حمايتها.

ادمعت عيناه بشده، وخرج صوته مكسورا ومتوسلا بيأس: حرام عليك، طب اعمل فيا اللى أنت عايزه بس سيبها هي..

ولكن الظابط كان جامد القلب أصما، ولم يرؤوف قلبه بحالها، فصاح بخشونة فظة، حينما رأي الأمين لا يستطيع الاقتراب منها بسبب مقاومتها المستميته: إيه يا مطراوي؟! مش عارف تقلعها؟! 

جز الأمين علي اثنانه، وقال: علوي امسكهالى.

تقدم اثنان من الرجال يحاولان السيطرة على حركة يديها قسرا، فامسك أحدهم بيديها المرتجفتين أمام صدرها بينما وضع الآخر بها أغلالا حديدة تعوق حركتها، ليسهل عليهم اتمام مهتهم دون مقاومه، فوقفت ترمقهم بعينان تفيضان رعبا، وهي تقول بتوسل يائس: حرام عليك! أبوس أيدك ارحمني، أنا مظلومة، والله ما عملت حاجة!

كانت تخشى أن تنطق باسمه، وأن تقول إنها زوجة سليم الراوي، خوفا من أن تزج باسمه في هذا الجحيم.

ومع صوت أغلاق القيود خمدت مقاومتها قسرا، لا عن رضا، بل لأن الجسد خذلها بعد أن استُنزفت كل قوتها، سكنت يداها، بينما كانت عيناها ما تزالان تصرخان.

مد الأمين ذراعه وأمسك بطرف فستانها، وكاد أن ينزعه من عليها، وهي تصرخ بلا فائدة، ولكن فجأة توقف كل شيء، حينما اقتحم سليم الغرفة بخطوات سريعة حادة، وعيناه تلمعان بمزيج قاتل من الغضب والرعب على زوجته حينما استمع لصراخها من الخارج.

دخل مكي وعشري خلفه، ووجوههما مشدوهة، كأن عقولهم ترفض تصديق ما تراه أعينهم.

كلمه واحده خرجت من فمه، واهتز صوته وهو يقولها مكسورا رغم قوته: ماسة!

تجمد الزمن لوهلة، وتلاشت الصرخات، وصمتت التهديدات، وكل الأنظار اتجهت نحوه في اللحظة التي انقلب فيها كل شيء.

وفي اللحظة نفسها اتسعت عينا ماسة، ودق قلبها بجنون مؤلم، شعرت بوجع حاد يخترق صدرها، كأن خنجرا غُرس في منتصف قلبها دون رحمة، الخجل سحقها أكثر من الخوف.

فسليم جاء ليراها في الحالة التي كانت تتمنى الموت قبل أن يراها فيها، حاولت أن تحمي جسدها بيديها، وهي تمتمت بصوت مكتوم، ضعيف، يكاد لا يُسمع: سليم… لا… لا… 

تراجعت للخلف بلا وعي، وهي تشد الفستان على صدرها بارتجاف، وتهتز رأسها نافيه كمن أصابها المس، حتى اصطدم ظهرها بزاوية الحائط، محاصرة بينه وبين نظراته، فانفجرت بالبكاء، وشهقت شهقة حارقة خرجت من صدرها، كسرت السكون، وكسرت قلبه معها.

بينما كانت عينا سليم تجولان عليها من أعلى إلى أسفل، غارقتين بدموع حارقة لم يستطع حبسها.

لم يتوقع ولم يتخيل، حتى في أسوأ كوابيسه، أن يرى زوجته بتلك الحالة، كان يظن نفسه مستعدا، ظن أن العقل قد يهيئ القلب لو حدث الأسوأ، لكن الحقيقة حين تواجهك عارية من الرحمة، تسحق كل استعداد.

رؤية ماسة مكسورة، مرتجفة، تحاول أن تحمي نفسها، كانت أقسى عليه مما يحتمل، فاندفع نحوها دون تفكير، كأن الأرض تُسحب من تحته، قلبه يكاد يتوقف من هول المشهد.

وضع يده على كتفها برفق مرتعش، وصوته خرج واهنا، مليئا بالحنان والألم: ماسة… حبيبتي.

هزت رأسها بلا وعي، وتمتمت بجنون وخوف، من بين شهقاتها المتقطعة، وصوت يتكسر: والله العظيم ما عملت حاجة يا سليم ... والله العظيم! معملتش حاجة… هما… هما قالولي… قالولي إنك… إنك في المستشفى… والله ما عملت حاجة!

في اللحظة نفسها، قال مصطفى بصوت مبحوح، مشوش من هول ما يحدث: سليم أقسم بالله العظيم مراتك شريفة، إحنا اتخطفنا، والله ما عارف أنا جيت هنا إزاي ولا ليه.

لكن سليم لم يكن ينتظر دفاعا، ولا شرحا، ثقته بها كانت أعمق من الكلمات، ثقه راسخة حتى النخاع، لا تهزها مشاهد، ولا تصرخ في وجهها الأكاذيب.

كل ما رآه أمامه لم يكن ذنبا بل جريمة ارتُكبت بحقها.

بينما كانت ماسة تبكي بحرقة، رأسها منحني، كتفيها يهتزان، تتمنى لو تختفي من عالم لم يعد آمنا ولا رحيما، فرؤيه سليم لها في ذلك الوضع قاتله بالنسبه لها.

شعر بخجلها ووجعها، قبل أن تنطق بشيء آخر، مد يده ومسح علي شعرها بلطف بالغ، ثم شدها إلى صدره وضمها بقوة حامية، كأن ذراعيه صارتا جدارها الأخير.

خرج صوته ثابتا، عميقا، مغمورا بالطمأنينة: هشش، بس اهدي، أنا فاهم كل حاجة، فاهم كل حاجة، خلاص.

أبعدها قليلا، وضم وجهها بين كفيه، وأجبرها برفق أن تنظر إليه، وعيناه مغروقتان بالوجع لكنهما حازمتان، تحدث وهو ينظر داخل عينيها: ارفعي راسك، متوطيش راسك أبدا، أنتِ معملتش حاجة، أوعي توطي راسك تاني، فاهمة؟

لكنها كانت تبكي بدموع محملة بالوجع والانكسار والقهر، ذلك القهر الذي يكسر شيئا عميقا داخل أي امرأة تُدفع إلى هذا الوضع القاسي.

شدها سليم مرة أخرى إلى أحضانه، وراح يربت على رأسها وظهرها، كأنه يحاول أن ينتشلها من الغرق، ويمنحها نفسا إضافيا للحياة.

وفي المقابل كان الضابط يراقب المشهد، وعيناه تتبعان يدي سليم التى تتحرك على ظهر ماسة بابتسامة باردة تتسلل إلى وجهه، كأن ما يراه مجرد مشهد من فيلم رخيص.

وفجأة قال بنبرة تهكمية ساخرة: وأنت مين بقى ياللي عامل تحسس كده؟ ودخلت هنا أزاى أصلا؟

ما إن وصلت الكلمات إلى أذن سليم، حتى أبعد ماسة قليلا، وثبت جسدها خلفه، ثم استدار ببطء قاتل، ورفع أحد حاجبيه، وعيناه انغرستا في الضابط كحد السكين، وصوته خرج هادئا مخيفا: بحسس؟!

اقترب الضابط حتى توقف امامه، وقال بنبرة ساخرة: اه بتحسس، ايه كنت مستني دورك؟!

امسكه سليم من ياقة قميصه، وصوته خرج جهوريا، قاطعا المكان: احترام نفسك، دي مراتي!

انفجر الضابط ضاحكا بسخرية فجة، وقال وهو يميل برأسه باستهزاء: طب ومالك فخور أوي ليه كده وانت بتقول أنا جوزها؟ إيه؟ فرحان بقرونك؟ ولا كنت بتظبط لها المواعيد؟

انغرس الغضب في صدر سليم كجمر مشتعل، عض على أسنانه، وعيناه احترقتا بغضب أسود، وفي لحظة بلا إنذار اندفع بلكمة قوية خاطفة، كأن كل ما كُتم في صدره انفجر دفعة واحدة.

ترنح الضابط وسقط على الأرض، والصمت انشق كزجاج مكسور، وفي ثانية واحدة، ارتفعت الأسلحة، عساكر وضباط يوجهون فوهاتها نحو سليم.

رفع مكي وعشري سلاحهما فورا، لكن سليم لم يتراجع، ورفع عينيه بهدوء مهيب، نظرة ثابتة، مسيطرة، لا خوف فيها ولا تردد، وأشار لمكي وعشري بيده دون أن يلتفت لهم كي ينزلون أسلحتهم لكنهم لم يستجيبا لأمره.

اقترب أحد الأمناء، بوجهه محتقن، وصوته مليء بالتهديد: بتمد إيدك على الباشا؟! وحياة أمك هتتعلق أنت كمان!

حاول الأمين التدخل وضرب سليم، لكنه التقط يده في لحظة خاطفة بقبضة من حديد أوقفت الضربة قبل أن تكتمل، وعيناه تشعان بوعيد بارد: اتعلق…!!!

ثم اقترب خطوة، ونبرته صارت أخطر: اهو اللي هيتعلق دى هيخليها آخر ليلة ليك أنت واللي معاك في الداخلية،
أنا سليم الراوي يلاا، عارف مين سليم الراوي؟! وأقسم بجلال الله لو الأسلحة دي منزلتش دلوقتي، ساعتين بالكتير وكلكم هتبقوا مرفودين وهتخرجوا بفضيحه!

ساد صمت ثقيل، الأسلحة ترددت في الهواء، والوجوه تغير لونها، فالاسم وحده كان كافيا ليقلب الموازين.

في تلك اللحظة، اندفع الظابط الآخر مسرعا، ونظرة معرفة صاعقة ارتسمت على وجهه، وقال بلهجة مرتبكة: سليم باشا اللى ما يعرفك يجهلك؟!

لم يجيب سليم، وشد ماسة خلفه أكثر، كأن جسده صار درعا، وعيناه لم تفارقا من أهانها، أما هي فأخذت تتشبث بطرف قميصه، وتخبر نفسها أنها لم تعد وحدها وأن وجوده بجانبها كان كافيا لطمئنتها.

رد سليم عليه بعينين تقدحان شررا، وصوته خرج كأمر لا يحتمل نقاشا: قول لرجالتك ينزلوا سلاحهم.

رفع الضابط يده بإشارة سريعة، وفي لحظات انخفضت الأسلحة بالفعل، وتراجع التوتر خطوة، لكن النار لم تنطفئ بعد.

تقدم ضابط آخر محاولا تدارك الموقف قبل أن يتفاقم، وقال بصوت هادئ متصنع يحاول تبرير ما رُسم بعناية: يا سليم باشا أحنا لقينا مرات حضرتك على السرير، وهي عريانة مع الراجل ده في وضع يعني....

قبل أن يكمل الجملة، خرج صوت مصطفى صارخا  بدفاع، يحاول إنقاذ الحقيقة بسرعة: محصلش، والله يا سليم كانت لابسة فستانها زي ما هو كده، ومخدناش من على السرير، أنا كنت واقف مكاني، وهي كانت قاعدة على السرير علشان كانت لسه مش مركزة، إحنا الاتنين كنا لابسين هدومنا.

ارتعش صوت ماسة وهي تتحدث، لكن عينيها كانتا صادقتين حد الألم: والله العظيم بيكدبوا يا سليم،
واللي هناك ده…

وأشارت بعينها نحو الضابط الذي ضربها: هو اللي كان عايز يقلعني الفستان بالعافية، وفضلت أتحايل عليه ومرضيش، وضرب مصطفى، وضربني أنا كمان.

التفت إليها بعيون متسعة، كأن كلماتها هبت عليه كعاصفة قال: نعم ضربك، وعايز يقلعك بالعافيه؟!

وفي تلك اللحظة وقعت عيناه على آثار أصابع واضحة على خدها، لم يكن قد رآها حين دخل، كأن خوفه عليها قد أعماه عن التفاصيل.

انقلبت ملامحه فجأة إلى شيء آخر شيء مخيف، وكأنه تحول إلى إعصار، فاندفع نحو الضابط الذي أشارت عليه، وانهال عليه باللكمات بيديه الاثنتين، يضرب وهو يصرخ بوحشية موجوعة: بتضرب مراتي وعايز تعريها كمان يا قذر يا خسيس؟! أنت اتجننت؟! والله لأقتلك! والله ليكون آخر يوم في عمرك..

حاول الأمين والعساكر التدخل لإبعاده، لكن الضابط الذي يعرفه صرخ فيهم بحدة قاطعة: نزل سلاحك أنت وهو! محدش يعمل حاجة!

كان سليم لا يزال يضربه بغضب أعمي، ووجعه أعمق من أي سيطرة.

وقبل أن يجرؤ أحد على الاقتراب، اندفع مكي، وتوقف أمامهم مباشرة وفوهة مسدس موجه لهم، بعينان ثابتتان، وصوت دوى في أرجاء المكان: محدش يقرب! أنا هوقفه، فاهمين؟ احنا مش لوحدنا ومش عايزينها تبقى مجزرة !

التفت الضابط إليه بتوتر: طب اتصرف!

هز مكي رأسه وقال لعشري: خد بالك!

ثبت  عشري في مكانه سلاحه مرفوع، وعيونه مترقبة، جاهزا لأي لحظة تنفلت فيها الأمور.

التفت مكي ببطء للخلف مترقبا اي غدر، واقترب من سليم الذي كان لا يزال يسدد لكماته للظابط حتى كاد يلاقي حتفه بين يديه، وضع مسدسه في خصره، وقال وهو يحاول سحب سليم من كتفه بقوة: سليم كفاية، خلاص الرجل هيموت في ايدك.

لكن سليم، كان كالمجنون ينهال عليه بالضرب وهو يصرخ بصوت خرج من صدره لا من حنجرته: يمووت، بتقولك ضربها! وحاول يقلعها بالعافية!

حاول مكي أن يسحبه مرة أخرى وهو يقول بتوتر: طب خلاص كفاية!

لكن سليم لم يستمع اليه، وظل يهبط على الضابط بلكمات متتالية بكلتا يديه: لا! مش كفاية! لازم يدفع تمن أيده اللى اتمدت على مراتي واهانها!

عجز مكي عن سحبه بمفرده، فسليم كان في حالة انفلات كامل، اومأ مكي برأسه بإشارة سريعة، فاقترب ضابط آخر وعدد من العساكر، وبقوة محسوبة انتزعوه من فوق الضابط الملقى أرضا.

الضابط بنبرة بها تهديد خفيف وهو يسحبه: سليم بيه كدة مينفعش، انت كدة بتأذي نفسك.

دوى صوت سليم وهو يحاول الإفلات من قبضاتهم،  يتلوى بعنف: اوعى! أنت وهو! سبوني! اوعى! لازم اقتله..

ثم خرج صوته مبحوحا، متفجرا، وعيناه معلقتان بالضابط الذي ينزف على الأرض:  فاكرها مين يا حيوان؟! بتستقوى عليها ببدلتك؟! أقسم بالله لأقلعهالك!

اقترب مكي منه محاولا تهدئته: خلاص يا سليم أهدي، انت ضربته كفاية، أكتر من كده هيموت في إيدك.

التفت له سليم بعينين حمراوين، وصاح فيه بحدة: يموت ولا يغور في ستين داهية! مدام معندوش عقل، وعايز يلبس أي حد أي تهمة القذر!

في تلك اللحظة، أشار أحد الضباط للعساكر بعجلة، فحملوا زميلهم المصاب واندفعوا به خارج المكان، خوفا من أن يعود سليم ويفتك به مرة أخرى.

تابعهم سليم بنظرات متوعدة، وصوته يلاحقهم كالسوط: هتروح مني فين؟! مش هسيبك! والله لأندمك عمرك كله!

ثم نفض يديه بعنف، كأنه يتخلص من أثرهم، وصاح بمن حوله: خلاص بقى! سبني انت وهو!

أشار لهم مكي بيده بإشارة حاسمة أن يبتعدوا، وبالفعل رفعوا أيديهم عن سليم، بينما بقي مكي واقفا أمامه مباشرة، جسده مشدود، يمنع أي اندفاع جديد منه، وصوته خرج ثابت رغم القلق الذي بداخله: خلاص يا سليم… خلاص.

مسح سليم وجهه بكفه بعصبية، وصدره يعلو ويهبط بعنف، أنفاسه متقطعة، والغضب ما زال يغلي في دمه كالنار.

وفي الركن، كانت ماسة تقف وحدها تبكي بصمت موجع، وتضم يديها المقيدتين إلي صدرها، كأنها تحاول حماية روحها قبل جسدها، وكل ارتجاف صغير يخرج من جسدها يعكس الرعب الذي بداخلها.

ما إن وقعت عينا سليم عليها حتى انكسر غضبه فجأة، فتقدم نحوها بخطوتين سريعتين، وجذبها إلى صدره بقوة، وهو يهمس بصوت مبحوح: خلاص يا عشقي، خلاص كابوس وخلص، اهدي أنا جنبك، متخافيش.

ضمها إليه أكثر، كأن العالم كله اختفى، ولم يبقى سواها بين ذراعيه.

تجمدت الأنفاس في الغرفة، والتوتر طغي على كل من بها، بينما سليم وقف بكل قوة ينقل إحساسا بالسيطرة والحماية لماسة، والضباط مشوشون بين الخوف والغضب.

رفع سليم عينه نحو الظابط بحزم، صوته ثابت وواثق: مراتي هتكمل لبس هدومها هي ودكتور مصطفى، وهيجوا معايا لحد القسم.

رد الظابط مترددا، يحاول اقناعه: مش هينفع يا سليم بيه، دول ممسوكين متلبسين، والشقه دي متبلغ عنها، حضرتك عايز تتنازل عن حقك براحتك، انما أنا عندي واقعه واثبات حاله، ده القانون.

ابتسم سليم ابتسامة صارمة، وصوته ملؤه الحزم: أنت عارف كويس إن القانون دى متعملش لينا، قولت مراتي هتلبس باقي هدومها هي ودكتور مصطفى، ومش هيركبوا البوكس، هيجوا معايا في عربيتي معززيين مكرمين لحد القسم، أما بقي بالنسبه لحقي فأنا واثق إن مراتي بريئة، والموضوع ده في لعبه وانا هثبتها، فخليك ذكي، ويلا متأذيش نفسك.

ساد صمت رهيب، والهيبة في نظرة سليم جعلت أي معارضة تبدو مستحيلة، فاستسلم الظابط أخيرا أمام قوة رجل لا يخطئ أبدا في حماية من يحب، فرفع يده قائلا: سيبهم يا أمين، واتحركوا يلا استنوني برا. 

وبالفعل بدأ الرجال في المغادرة، وكاد الظابط أن يتبعهم لكن أوقفه صوت سليم الحازم: استنى، فك الكلبشات دي.

ارتبك الظابط للحظة، ورمش بعينه، لكن سليم كرر بنبرة حاسمة: فكلها الكلبشات، مراتي مش مذنبة علشان تلبس كلبشات، ومتخافش مش هتهرب، لأنها صاحبة حق، وأصحاب الحق مبيهربوش.

أطال الضابط التحديق في سليم، محاولا أن يستشف ملامح اللحظة القادمة، كان يدرك في قرارة نفسه أن أي اعتراض قد يوقعه عاقبة لا تحتمل؛ فالرجل الواقف أمامه ليس شخصا عاديا، بل سليم الراوي، الاسم الذي يعرف الجميع وزنه وحدود وما يستطيع فعله، أما هو، فلم يكن سوى ضابط صغير، ويمكن لسليم أن يمحو مستقبله بإشارة واحده.

ابتلع ريقه وأومأ برأسه ثم اقترب منها وفك قيودها، وما إن انتهي على صوت سليم بجمود: ودكتور مصطفي كمان..

تقدم نحو مصطفي وفك قيوده هو الآخر دون أن ينطق بكلمه، وحينما انتهي قال: أنا هنزل تحت استناكم لحد ما الهانم تلبس.

خرج وقال: استنى هنا معاهم لحد ما يلبسوا، والباقي يلا معايا على تحت.

وبالفعل خرج الجميع من الشقة، ولم يبقي سوي جندي واحد على باب الغرفة من الخارج.

اقترب سليم من مصطفى وقال له بهدوء: مصطفى روح البس هدومك يلا.

اقترب مصطفى من سليم بصوت مرتجف: والله العظيم يا سليم…

رفع يده بإشارة وهو يقول بهدوء حاد ممزوج بثقه: مش محتاج تحلف، أنا فاهم وواثق في ماسة، خلينا نخلص الموضوع دى، وبعدها نقعد سوا ونتكلم، عايز أفهم الفخ ده اتنصب ازاي.

أشار مكي لمصطفى وهو يقول: تعالي معايا يا دكتور علشان تكمل لبس هدومك.

خرج مكي وعشري مع مصطفى بعد أن أخذ ملابسه، تاركا سليم وماسة وحدهما بالغرفة.

كانت ماسة مازالت تتوقف  في الزاوية، تبكي بحرقة، ويدها ترتجف كأن البرد اخترق عظامها. 

اقترب سليم منها بخطوات بطيئة، حتى صار أمامها مباشرة، مد يده ومسح على كتفها بلطف وقال بصوت خافت: هشش…

رفعت وجهها نحوه ببطء، بملامح غارقة بالدموع، وتحدثت بصوت متقطع بين شهقاتها: والله… والله ما عملت حاجة… هما… هما بعتولي رسالة، قالولي إنك في المستشفي، والله ما كنت فاهمة… صحيت لقيت نفسي هنا، والله مظلومة يا سليم…

مد يده يمسح على وجهها وشعرها، ثم جذبها إليه بقوة وضمها إلى صدره، وصوته اختلط بالحنان والطمأنينة وهو يقول: متحلفيش!! تفتكري إني ممكن أشك فيكي أصلا يا ماسة؟! دي أنا اللى مربيكي علي أيدي وعارفك أكتر من نفسي، أهدي يا حببتى أهدي وخدى نفسك بالراحة

ولكن كلماته المطمئنة لم تصل إلي عقلها المرتعب، وظلت شهقاتها تتعالى حتى كادت تخنقها، بينما أخذ هو  يربت على ظهرها، كأنه يحاول أن يطرد عنها كل الخوف الذي يعتريها.

ابعدها قليلا وهو يضم وجهها بكفيه، وقال بصوت خافت وهو يركز النظر داخل عينيها: اهدي بقي، أنا واثق فيكي، وهجيبلك حقك قدام عنيكي، مش بتثقي فيا؟

هزت رأسها إيجابا والدموع ما زالت تسيل على وجهها.

قال بهدوء: خلاص ظبطي هدومك، يلا.

بدأ يساعدها في تعديل فستانها وشعرها، بينما كانت النار تشتعل في داخله ويكاد ينفجر من الغضب، ولكن ملامحه ظلت متماسكة وحازمة، كأنه يخوض صراعا مع نفسه ليبقى ثابتا أمامها. 

كان يعلم أنها ضحية لذلك الفخ الملعون، ولا يدري كيف نصب لها، ولكن في تلك اللحظة لم يكن قادرا على سؤالها أو الغضب منها؛ لا بد عليه أن يكون حنونا ويحتويها فحسب، رغم أنه هو الآخر كان في أمس الحاجة إلى من يحتويه.

بينما هي كانت مسكينة وضعيفة في موقف بالغ الصعوبة، لا تكف عن البكاء، وتعلو شهقاتها على نحو مخيف، حتى بدت على وشك الدخول في نوبة هلع، وأنفاسها تتلاحق بعنف شديد.

أخذها في حضنه مرة أخرى، كأن بذلك الحضن يستطيع أن ينسيها كل ما حدث، ثم همس قرب أذنها: هششش انا جنبك خلاص، متخافيش، يلا نخلص من الليلة دي.

قالت بصوت خافت وهي ترتعش: أنا خايفة…

رد عليها وهو يمسك بيديها: خايفة وأنا معاكي؟

ماسة بضعف وشعور بالعجز والخجل: والله ما عملت حاجة يا سليم…

تبسم وهو ينظر لها: وأنا مصدقك وده اللي يهم، صح؟

هزت رأسها بنعم وهي تمسح دموعها بسرعة، فهز رأسه بابتسامة خفيفة وقال: وهو ده المهم، يلا بينا.

صمت للحظة، ثم أكمل: لو مش عايز، روحي مع مكي وأنا هخلص الموضوع دى واجيلك.

هزت رأسها برفض قاطع، وقالت بنبرة مستهجنه:  لا يا سليم… أنا مش عايزه الموضوع ده ينتهي باسمك، أنا عايزة أتبرأ رسمي ويمشوا بالإجراءات الصح، مش عايزة الناس تقول إني خرجت عشانك، انا مظلومة وهاجي معاك وهات محامي ونعمل كل الإجراءات القانونية اللى تثبت إني بريئة أنا ومصطفي، عايزه كل اللى كانوا موجودين يعرفوا إني بريئة فعلا يا سليم علشان خاطري.

نظر إليها لحظة وشعر بوجعها وبالمهانة التي تعرضت لها، فهم مشاعرها جيدا؛ فهي تريد العدالة، وأن تبرأ قانونيا لا بالمراوغة أو التلاعب، فهي لم تخطئ لكي يقوم بذلك.

مد وجهه بأسف ثم قال بهدوء: حاضر يا عشقي، هعملك كل اللي انتِ عايزاه. يلا نمشي.

ثم خرجا معا، كان مصطفى ومكي بانتظارهما في الممر، هبطوا الدرج معا بهدوء ومعهم الجندى الذي بقي في الخارج.

في الشارع

نظر لهم الظابط قائلا: هتمشوا ورانا بالعربيه تمام.

أومأ سليم برأسه إيجابا، وفتح باب سيارته، وأدخل ماسة برفق، ثم صعد إلى جوارها، وأشار إلى مكي ومصطفى أن يركبا، فتحرك الموكب ببطء نحو القسم، بينما كانت سيارات الشرطة تحيط بهم.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل.

قصر الراوي، 1:30 ظهرا

دخلت هبة وابنتها القصر، بخطوات بسيطة بعد أن فتحت لهما إحدى الخادمات الباب.

توقفت هبة لحظة، ونظرت حولها بعين فاحصة، وتساءلت: فايزة هانم هنا؟

أجابت الخادمة باحترام: لا يا فندم.

هزت هبة رأسها بهدوء: طيب، أنا هطلع نالا أوضتها شوية.

رفعت نالا رأسها فجأة، بعفوية طفولية: مامي، عايزة عصير فراولة.

ابتسمت الخادمة: حاضر.

ثم التفتت إلى هبة: وحضرتك يا هانم تؤمري بأيه؟

اومأت هبة برأسها: لا مش عايزة.

صعدت هبة مع ابنتها إلى الطابق العلوي، فتحت باب الغرفة وأدخلت نالا، التي ما إن لمست قدماها الأرض حتى اندفعت نحو ألعابها، غارقة في عالمها الصغير الآمن البعيد تماما عما يدور في رأس والدتها.

جلست هبة على الأريكة، تقلب في هاتفها، وتجري بعض المكالمات الخاصة بالعمل بنبرة منخفضة ومحسوبة، وعيناها شاردتين في عالم آخر أكثر مما هما على الشاشة.

وبعد وقت قصير، طرقت الخادمة الباب ودخلت، فسألتها هبة وهي ترفع عينيها بهدوء: هو مفيش حد هنا ولا إيه؟

أجابت الخادمة: لا يا هانم، كلهم في الاجتماع.

تمتمت هبة، وكأنها تحدث نفسها: اممم بس برضو حاسة الدنيا هادية أوي، حتى أنتم مختفيين.

ابتسمت الخادمة بخجل: أصلنا ماصدقنا إن الكل يبقى بره، وقولنا نقعد نعمل قعدة شاي، بس والنبي يا هانم متقوليش للهانم الكبيرة.

لوحت هبة بيدها بلا مبالاة: هقول ليه؟ مليش دعوة، عموما براحتكم اتعاملوا كأني مش هنا اتفضلي انتِ.

خرجت الخادمة، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، بينما ظلت هبة جالسة مكانها، والصمت يحيط بها، وعقلها شارد في فكرة واحدة كانت تدور في رأسها بإلحاح "دلوقتي الوقت المناسب"

نهضت ببطء، وقفت عند الباب، راقبت نالا لثواني، تتأكد أنها غارقة في لعبها، آمنة، بعيدة، وقالت بصوت دافئ: نونو أنا هنزل أجيب كتاب من المكتبة وجاية.

ردت نالا المستغرقه في اللعب دون أن ترفع عينيها: ماشي يا مامي.

أغلقت الباب خلفها، ونزلت الدرج ببطء، ومع كل درجه كان يزداد خفقان قلبها مما هي مقدمه عليه.

نزلت لأسفل، وتوقفت أمام مكتب عزت تلك الغرفة مظلمة، ثقيلة الرائحه وكأنها مشبعة بالأسرار، دخلت وأغلقت الباب خلفها وأضاءت النور، ثم بدأت تفتش؛ فتحت الأدراج واحدا تلو الآخر وجدت أوراق عادية، فواتير ملفات بلا معنى.

قلبها بدأ يضرب بعنف، وقالت في نفسها: أكيد في حاجة، مستحيل ميكونش سايب وراه حاجة.

نظرت حولها، إلى أن وقعت عيناها على الخزنة، فاقتربت منها، ووضعت يدها على سطحها البارد، ثم أخذت نفسا عميقا، واخذت تفكر في رقم يمكن أن يضعه عزت رقما سريا لها، جربت أول ما خطر في بالها، "تاريخ ميلاد فايزة"  أدخلته بيد مرتعشة فوجدته خطأ.

شدت على أسنانها: طيب جوازهم.

أدخلت الرقم فوجدته هو الآخر خطأ، فبدأ الغضب يزحف إلى صدرها، وقالت بخفوت: مطلعتش سهل يا عزت.

في اللحظة نفسها.

دخلت فايزة إلى القصر، توقفت عند المدخل، وألقت نظرة سريعة علي المكان من حولها، وقالت للخادمة التى أتت لاستقبالها بلهجة آمرة: اعمليلي قهوة، وهاتيهالى على المكتب

أجابت الخادمة فورا: أمرك يا هانم…

ثم أضافت تخبرها بعفوية: هبة هانم فوق في أوضة نالا.

ارتفع حاجب فايزة ببطء، نظرة جانبية خاطفة مرت في عينيها، قبل أن تقول: طيب روحي أنتِ.

ذهبت الخادمة، وبقيت فايزة وحدها، أخذت نفسا عميقا، وجزت على أسنانها، وتحركت نحو الدرج حتى صعدت غرفة نالا، فتحت الغرفة، فلم تجد بها سوي نالا تلعب بالدمي الخاصه بها.

فاقتربت منها وتساءلت: اومال مامي فين يا نالا؟

رفعت نالا رأسها وأجابت ببراءة طفولية: نزلت تجيب كتاب يا نانا.

هزت رأسها، وابتسمت داخلها بسخرية، فهي ظنت أن هبة خشت أن يراها أحد عند عودتهم، فعادت إلي الاستراحة سريعا، رفعت رأسها بغرور واغلقت الغرفة وتوجهت إلي المكتب.

على اتجاه اخر عند هبه 

كانت لا تزال تحاول فتح الخزنه، حاولت بتاريخ ميلاد عزت نفسه فوجدته خطأ، ضحكت ضحكة قصيرة وقالت: كنت متوقعة.

توقفت لحظة، ثم مر اسم سليم في عقلها بلا استئذان، ترددت ثم أدخلت تاريخ ميلاده ثانية ... ثانيتان… وأيضا وجدته خطأ.

سحبت يدها بعنف، وضربت الخزنة بقبضتها المكتومة، وقالت بغيظ: أومال هيكون ايه، ولا واحد فينا..

ووقفت ثابتة، أنفاسها متسارعة، وقررت أن تذهب الآن قبل أن يعود ويراها أحد، وعزمت على أن تأتي وتحاول في وقت آخر، اغلقت الأنوار واتجهت إلي الباب.

وفي اللحظة نفسها، التي كانت فايزة تمد يدها لتلمس المقبض، فتحت هبة الباب من الداخل، وحين وقعت عينا هبه عليها اتسعتا، وخفق قلبها بعنف، وشعرت بالبروده تزحف إلي أطرافها.

تجمدت لجزء من الثانية، بينما تساءلت فايزة بنبرة جامدة: كنتي بتعملي إيه هنا؟

حاولت هبة أن تلتقط أنفاسها وتبدو ثابتة، فقالت ببرود: كنت بدور على كتاب اقرأه، أصل الباشا عنده كتب كتير ممتعة، بس لأسف ملقتش حاجه تشدنى..

قالت كلمتها وحاولت أن تفر هاربة، ولكن فايزة أعاقت طريقها بخطوة واحدة حاسمة: اعرفي حدودك كويس يا هبة واوعى تتخطيها، حدودك هي الاستراحة وبس فاهمه، ولو بنت حبت تدخل هنا، يبقى أوضتها وبس
أوعى تعدي حدودك تانى.

ابتسمت هبة ابتسامة باردة: تمام عن إذنك.

ثم تحركت بخطوات محسوبة، رأسها مرفوع، بينما ظلت فايزة تتابع آثارها بنظرة ضجر مشوبه بالشك.

صعدت هبة الدرج، ومع كل درجة كانت أنفاسها تعود ببطء، وتحمد الله أن اللحظة مرت بسلام مؤقت.

ورشة الحاج شاهين، 1:30 ظهرا.

كان شاهين يمر بين العمال، يتابع سير العمل بعينه الخبيرة، وسبحته لا تفارق يده، وبعد قليل، دخل محمود الورشة.

رفع شاهين عينيه نحوه وقال بنبرة معتادة: حمد الله على السلامة يا حودة، تعالى.

تحرك محمود خلفه بخطوات بطيئة وثقيلة، ثم جلس أمام المكتب، لا يعرف ماذا يقول، ولا من أين يبدأ، فهو الآن في وضع لا يُحسد عليه.

تساءل شاهين بخبث: أيه يا أبو نسب العروسة فينها؟ لسه مجتش من الأقصر؟

حاول محمود أن يبدو ثابتا: بكرة هروح أجيبها هي وأمي، متقلقش يا حاج، الموضوع خلصان.

هز شاهين رأسه برضا نسبي: ماشي يا حودة، شوف الموضوع وخلصه، صحيح دفعت الفلوس اللي عليك؟

أومأ براسه وهو يبتلع ريقه: أيوه دفعتها، أنا هروح أشوف شغلي بقى.

شاهين بنبرة ذات معني: ماشي يا حودة، ومتنساش تنجز، أنا مش هصبر كتير.

اومأ بارتباك وهو يتحاشي النظر اليه، ثم تحرك مبتعدا، بينما ظل شاهين يراقبه بعينيه، وشعور غامض داخله يخبره أن هناك شيء ليس على ما يرام؟! 

عاد محمود إلى عمله، لكن رأسه لم تكن معه، أفكاره كانت مشتعلة كأن نيرانا تلتهم عقله، لا يعرف ماذا يفعل، يشعر كأنه محبوس داخل صندوق بلا أبواب، يتحرك فيه كالفأر المذعور.

أين آلاء؟ وأين يمكن أن تكون الآن؟ كيف سيحل هذه الورطة بعد زواج مصطفى منها؟

المحضر لم يكن أكثر ما يخيفه، الخطر الحقيقي كان زواج شقيقته، والمشكلة التي وقع بها مع شاهين الآن، عقله كان مشوشا، وأفكاره تتصارع بلا نظام.

أخرج هاتفه، وتردد لحظة قبل أن يضغط زر الإتصال: بقولك إيه، عايز أقابلك على القهوة ضروري، سلام.

أغلق الهاتف، وعاد ينظر أمامه بلا تركيز، بينما القلق ينهش صدره ببطء.

4:30 بتوقيت المالديف.

كان رشدي ممدا على جانبه، يتأمل مي النائمة بجواره، مد يده ببطء، وراح يمرر أنامله على وجهها وشعرها بنعومة حذرة، كأنه يخشى أن يوقظ حلمها، ارتسمت علي شفتيه ابتسامة خفيفة لم يفهم سببها !!

لا يعرف لماذا يشعر بكل هذه السعادة، ولا لماذا هو في هذه الحالة تحديدا، فهو اعتاد العلاقات، واعتاد القرب، لكن هذه المرة مختلفة، فلأول مرة يشعر أن ما يعيشه حلال.

كان يظن أن النساء جميعهن سواء في اللذة، لكنه أدرك الآن أن مشاعره مع مي ليست كذلك، لا يعرف أهو يشعر بذلك لأنها مي؟ أم لأن اقترابه منها بصفته زوجا؟ وليست علاقه محرمه؟! لكن كل ما كان يعرفه أنه سعيد، ويشعر بسعادة صافية لم يختبرها من قبل.

رفع عينيه إلى السقف، كأن فكرة ما بدأت تتشكل في ذهنه، أراد أن يفعل لها شيئا رومانسيا يسعدها، ويليق ببدايتهما معا، لكنه لم يكن بارعا في مثل هذه الأمور، لم يعرف من أين يبدأ، ولا ماذا يفعل..؟!

أمسك هاتفه، وكتب في محرك البحث «كيف أقوم بعمل مفاجأة لزوجتي؟» 

وعلى الفور انهالت عليه الاقتراحات، فأخذ يقرأها واحدا تلو الآخر، يضيق عينيه باستخفاف خفيف أحيانا، واحيان أخري يشعر أنها اقتراحات مبالغ فيها «أوفر» كما اعتاد أن يصفها.

لكن اقتراحا واحدا جذب انتباهه، كان بسيطا، ويمكن تنفيذه، وقريب منه، فابتسم وأجرى اتصالا بخدمة الغرف؛ طلب الإفطار وكل ما أراده من تفاصيل صغيرة شعر أنها تليق بالصباح الأول لهم.

لم يطل الانتظار ووصل الإفطار سريعا، ومعه صندوق كرتوني صغير، أخذه وأخرج منه باقة الورد التي طلبها، ثم عاد ليجلس بجوار مي.

انحنى قليلا، وراح يوقظها بابتسامة هادئة: ميوشي حبيبي، يلا قومي.

تحركت جفونها ببطء، وارتسمت ابتسامة خجولة على وجهها وهي تفرك عينيها، وتقول بخفوت: صباح الخير…

لم تستطع أن ترفع عينيها إليه، وفهم هو خجلها، فانحنى وقبل خدها قبلة سريعة: صباح الخير ايه بقي قولى مساء الخير، يلا قومي علشان تفطري.

ساعدها على النهوض حتي جلست، ووضع صنية الطعام برفق فوق ساقيها، ثم ناولها باقة الورد.

نظرت إليه بدهشة حقيقية، وقالت معلقه: أنا كنت بسمع عن موضوع الفطار على السرير والورد ده، بس متوقعتش إنك تعمل كده.

ابتسم بثقة خفيفة: ليه يعني؟ فكراني عديم الإحساس؟ لا يا ستي، محسوبك بيفهم.

مي ضاحكة: محسوبك؟

أومأ براسه: أيوه، قولي بقى، إيه رأيك في الورد؟

تبسمت وهي تستنشق رائحته: تحفة جميل خالص، ميرسي يا رشدي.

هز رأسه معارضا، واقترب أكثر: لا قوليلي يا حبيبي.

تبسمت بخجل، وصوتها خرج منخفض وناعم: ميرسي يا حبيبي وروحي كمان.

ابتسم وأمسك يدها برفق ووضع قبلة دافئة في باطنها، ثم قال بحماس خفيف: يلا نفطر بقى، علشان نبدأ شهر العسل يا وردتي.

أومأت برأسها فراح يطعمها بيده بدلال واضح، ضحكت بخفة وخجلت، لكنها تركته يفعل ذلك وكأنها استسلمت للحظة، أثناء ذلك نظرت إليه بعينين لامعتين وتسألت بدلال: هو أنت كده علطول؟ ولا ده دلع مخصوص للنهارده؟ أصل كده هتعود وده دلع جامد!

رشدي مازحا: ممكن مخصوص لشهر العسل.

ضحكت بصوت عالي: ييييه! كتير والله ده أنا هحط خرزة زرقا بقى.

ضحك وقال موضحا بنبرة مازحه لكنها مليئه بالحب؛ بصي، أوعدك كل ما اصحي قبلك، أبقى اعاملك الفطار.

تنهدت وكأنها تعرف أن ذلك لن يحدث فرشدي يستيقظ متأخرا: كده يبقى هتعمله كل سنة مرة!

رد عليه معلقا بمزاح: احمدي ربنا إنها مرة غيرك مش لاقي ربعها.

ضحكت، وهزت رأسها باستسلام: عندك حق.

رشدي: طب يلا نكمل أكلنا علشان ننزل.

مي: ماشي بس المرة دي كل معايا.

أومأ برأسه، فأمسكت قطعة خبز وقربتها من فمه، لكنه بدلا من أخذ قطعه الخبز عض أطراف أصابعها بدلال، فشهقت ضاحكة وسحبت يدها بسرعة، ضحكا معا، وواصلا تناول الطعام بهدوء وسط أجواء حب بسيط، ودلع صادق، وصباح بدأ كما يجب أن يكون.

وبعد الانتهاء من الإفطار ارتديا ملابسهما، وأخذها في جولة قصيرة بالجزيرة، صعدا التلفريك وكانت مي متحمسة لكن الخوف لم يفارقها، فتعلقت بذراعه بقوة.

كان ينظر إليها بين الحين والآخر، ويضحك، ويصورها وهي في تلك الحالة.

مي بضجر وهي تتحدث من بين أسنانها: والله يا رشدي أنت معندكش دم!

رد عليها ضاحكا وهو يمسك هاتفه ويقوم بالتقاط صور لها: أنتِ اللي شكلك عسل اوي، وأنتِ خايفة كده.

ضمت شفتيها بتزمر وهي تتشبث في قميصه: بتتريق على خوفي؟

نظر لها وهو يضحك:  لا يا ستي بس لازم آخد صورة للذكرى.  

ثم نظر الى تشبثها بقميصه معلقا: وبعدين يا مي، أنتِ قفشاني كده ليه؟ هو أنا حرامي؟

ضربته على كتفه بخفة: خايفة يا عديم الإحساس!

ضحك قائلا: ما أنا قولتلك بلاش، أنتِ اللي صممتي.

ردت بتزمر طفولي: ما أنا لازم أتحدى خوفي… 

حاول أقنعها: اومال خايفه ليه، أوعي سيبي.

هزت رأسها بلا وهى تتشبث به اكتر: لا افرض وقعنا!

رفع حاجبه معلقا: ده أنتِ بومة! حد يقول كدة

ضربته مرة أخرى، وصاحت وهي تضحك: اتلم اهو أنت! االلي بومة وعرسة وصرصار!

انفجر ضاحكا من قلبه على طريقتها التي كانت تروقه دائما، وقبل خدها، وضمها إلى صدره بحنان واضح: طب يا قلب الصرصار متخافيش أنا معاكي.

لكنها لم تشعر بالراحة تماما، وظلت متشبثة بذراعه طوال الرحلة، وعينيها لا تكفان عن الترقب.

وبعد الهبوط، بدأ يتحركان معا في أرجاء الجزيرة، لم يكن هناك أماكن كثيرة للتنزه؛ فقط ممر مائي ضيق، وجسر صغير، ومطعم واحد، والبحر يمتد صامتا من حولهما لا أكثر، ومع مرور الوقت، وجدا نفسيهما يعودان إلى الكوخ، 

في الكوخ.

جلست مي على الأريكة، تتنفس بملل واضح، وقالت: على فكرة، أنا محبتش المالديف خالص، مفيش خروج، مفيش حاجة، الغردقة أحلى منها.

تابعت بضجر: لو كنت أعرف كده، كنت قولتلك نروح سينا مليانة أماكن؛ طابا، وعيون موسى، ورأس محمد، وأماكن تحفة، إنما هنا؟ جزيرة وخلاص!

اقترب منها، ونظر إليها بنظرة ذات معنى: مهو الجزيرة دي معمولة لشهر العسل بس.

رفعت حاجبيها باستهجان: أيوه يعني إحنا مش هنعمل حاجة غير مطعم وبحر بس؟ ده ملل!

انحنى أكثر، وصوته صار أهدأ ونظراته كانت تحمل شيء من العبث: هو انتِ فاكرة العرسان بيبقوا مشغولين في فسح وخروجات؟ هما لأنهم عارفين إن العرسان بيقوا مشغولين في حاجات تانية مهتموش إنهم يعملوا أماكن للتنزه.

نظرت إليه بفضول ممزوج بالبراءة: مش فاهمه، مشغولين في ايه؟!

خلع ساعته ووضعها جانبا، ونظر لها بإبتسامة خبيثة: حاضر هقولك حالا وعملي.

وفجأة ضمها إليه، وحملها بخفة واتجه بها نحو الفراش، فصرخت وهي تضحك، فضحك معها، وأُغلق الباب ليشهد على حب وعشق من نوع خاص..

سيارة سليم، 2:00 ظهرا.

كانت ماسة متشبثة به كطفلة تتعلق بكتف والدها، تهتز وتبكي بحرقة، فاحتواها سليم بذراعيه، محاولا أن يبث فيها الأمان ويهدئ من روعها.

بينما جلس مصطفى في الأمام، ومكي يقود السيارة خلف سيارة الشرطة، وخلفهم سيارة أخرى، كان جسدها يرتجف بين ذراعيه، ودموعها تهبط بصمت على خدها، فحاول سليم تهدئتها، وهمس لها بحنان: حبيبي قلبي… خلاص كفاية، أهدي أنا معاكي اهو..

لكنها لم تهدأ، بكت، وخوفها يملئ قلبها، كأنه أصبح جزء منها.

أخرج سليم أنفاس ساخنه بضجر، ورفع عينيه نحو مصطفى متسائلا بنبرة حادة: أنا عايز أفهم إيه اللي حصل بالظبط؟

رد مصطفى، موضحا: واحدة وقفتني وقالتلي عايزاك تيجي معايا تشوف بنتي العيانه، وأول ما دخلنا العربيه واحد اداني حقنه وخدرني، وصحيت لقيت نفسي في الشقة.

نظر له مكي: يعني إيه يعني؟ ما تفهمنا بالراحة بالتفاصيل؟

هز مصطفى رأسه بالإيجاب، وبدأ يروي له كل شيء من البداية، وبعد أن انتهى من السرد، رفع سليم نظره نحو مكي الذي كان يراقبه في المرآة، وكأنهما بدأوا يفهمون اللعبة.

ثم عاد ينظر الى ماسه المرتجفه بين يديه بعينين ملئتين بالحنان والحماية والحزن أيضا: يا حبيبتي خلاص متخافيش، أنا جنبك، ومفيش حد هيقرب منك،  إحنا هنروح علطول، والله العظيم كام ساعة وهتبقي في بيتك، ده وعد، اهدي بقي.

لكن انهيارها كان خارج نطاق السيطرة، وظلت تتشبث به، وتبكي بحرقه، غير قادرة على الكلام.

تنفس باختناق، ورفع هاتفه وبدأ يقوم بعمل اتصالات لكل من يعرفهم داخل الشرطة، لكن لم يجيب أحد...!!
بعض الأرقام كانت مغلقة، والأرقام الأخرى لم ترد على أي من اتصالاته، وكأن هناك مؤامرة كونية محكمة مع القدر؛ جعلت الجميع في هذا التوقيت لا يجيبون عليه، وهواتفهم مغلقة، تلك الأرقام نفسها التي، حين كانت ترى اسم سليم، كانت تهتز فورا الآن اختفوا جميعا ؟!

شرد قليلا، وفكرة ما كانت تترسب في عقله، هنا شيء ناقص، شيء لم يكتمل بعد!!

لكن الوقت لم يكن يسمح بالتفكير، رفع هاتفه مسرعا، واتصل بعزت لعله يجد عنده حل، غير أن جميع ارقامه كانت مغلقه أيضا، وكل محاولاته باءت بالفشل !!

مال برأسه في حيرة، ثم تفكيرة اتجه إلى شاكر ذراع عزت الايمن، اتصل به وجاءت الإجابه "بأن عزت في اجتماع الآن مع وزير الطاقه" لكنه يعرف والده جيدا، فهو لا يغلق هاتفه الخاص بالطوارئ!!

أغلق سليم الهاتف، وعيناه تزدادان قتامة وشك، والظنون تعصف به ولكنها لم تتأكد بعد؟! 

أيعقل أن يكون لوالده يد فيما حدث؟! وأن تلك الأرقام التى أغلقت فجأة لم تغلق بمحض الصدفه ولا بمعاندة القدر له، بل اخذوا أوامر ألا يجيبوا عليه، حتى يظل بمفرده، وتتحول القضية إلى فضيحة، من دون يد تمتدّ لمساعدته؟

أدرك سليم أن ما يحدث ليس صدفة، وأن الصمت الذي يحيط به أخطر من أي اتهام، ولكنه لم يفقد الأمل، وظل يتمسك بماسة ويطمئنها.



باقي الفصل الخامس والعشرون (2)👇

5:00 مساءً بتوقيت المالديف.

كانت مي نائمة فوق صدر رشدي، تمرر أطراف أصابعها بكسل رقيق على صدره، بينما كان هو يطوق ظهرها العاري بذراعيه، ويربت عليه بأنامل هادئة تبعث الطمأنينة.

نظر لها، وقال بمزاح خفيف: بقولك إيه، ما تقومي  ترقصيلي؟

رفعت عينيها له بكسل: مبعرفش.

زم شفتيه بأسف، لاحظت تغير ملامحه قليلا، فتسألت بحزن لطيف: أنت زعلت؟

نظر لها من طرف عينه موضحا: لا يا حببتي، بس اتعلمي، لما ننزل مصر هخليكي تشتركي في مدرسه رقص وتتعلمي، أصلي بحب الرقص.

ابتسمت برقه: إمم، أول مره اعرف؟

ضحك بخفة موضحا: كان نفسي في مشهد كده؛ أقعد على الأرض، وقدامي طبق حمام وشيشة، وانتِ بالبدلة وترقصي على شيك شاك شوك.

نظرت له، وعلقت ضاحكة: ودى شوفتها في أنهي فيلم؟

اومأ بنظرة ذات معنى: مشوفتهاش، بس بحب الأجواء دي، بتحركني.

صمت لحظة، ثم قال فجأة بنبرة أكثر جدية: بقولك صح، بتاخدي مانع حمل؟

رفعت حاجبها بدهشة: آخد ليه؟

قال بهدوء: علشان البيبي.

نظرت له بتركيز وقالت وهي تضيق عينيها: أنت مش عايز ولاد؟

صمت لحظة ونظر لها مطولا، لا يعرف من أين يبدأ، ولا كيف يضع كلماته بطريقة تجعلها تفهم دون أن تنكسر.

تنفس بعمق، كأنه يجمع شتات نفسه، ثم قال مفسرا بصوت منخفض: لا عايز، بس لسه بدري، خلينا نستمتع ببعض شوية.

رمشت بعينيها، وقالت بنبرة رقيقه وكأنها تترجاه من بين كلماتها: بس أنا بحب الأولاد، ونفسي أخلف بسرعة.

أطال النظر إليها، لا يعرف ماذا يقول؟! لم يكن رفضه نابعا من عدم الرغبة، بل من خوف قديم يتوارى في أعماقه؛ خوف من أن يعيد أخطاء الماضي، ويُنجب أبناء يحملون في صدورهم ما حمله هو وإخوته من ضغينة لبعضهم البعض، أو أن يصبح صورة أخرى من والديه، ويعجز عن منحهم ما يكفي من الاهتمام، فينشأوا نُسخا مشوهة مثله.

فهمت نظرته، فهي تعلم أن علاقته بالأطفال معقدة بسبب تربيته القاسية، فرفعت جسدها قليلا، ونظرت له بجدية دافئة: بص، أنا فاهمة أسبابك، بس إحنا غير أهلك، أحنا نقدر ناخد بالنا ونربي صح، أنا فعلا نفسي أخلف بدري يا رشدي بليز...

رد موضحا بنبرة متأثرة: وأنا كمان حابب أحققلك أمنيتك، بس بلاش استعجال.

ابتسمت بخفة وهي تمسح على خده: مفيش استعجال، بص أنا مش هاخد حاجة ومش هنروح لدكتور، لو حملت يبقى نصيب وربنا عايز كده، لو محملتش نستنى ست شهور ونكشف.

تأملها طويلا، وعجز عن انتقاء كلمات مناسبة، فشوقها للأمومة كان صادقا وواضحا، ورفضه لن يكون سوي أنانية صريحه منه، ومع ذلك... كان الخوف ينهش قلبه!

لم يشأ أن يعكر صفو أيامهما، فأجبر نفسه على ابتسامه وداعة، وأومأ موافقا دون أن ينطق بكلمه، فابتسمت بسعاده، واقتربت منه، ووضعت قبلة رقيقة على خده، ثم عادت تستلقي بين أحضانه براحه واطمئنان، فجذبها إليه أكثر.

كفر الشيخ، 2:00 ظهرا.

سرايا منصور

كان الصمت يعم المكان كغطاء ثقيل، جلست سعدية إلى جوار مجاهد، تمسك هاتفها وتحدق في شاشته وكأنها تنتظر معجزة.

ملامحها مشدودة، وصدرها يعلو ويهبط بعصبية، قالت بقلق مكتوم: الواد مبيردش عليا، أعمل إيه دلوقت؟ ليكون جري له حاجه؟!

رد مجاهد وهو يحاول التماسك: متقلقيناش يا سعدية، كلمي سلوى، خليها تيجي تكتبله رسالة، وتقول له يرد بدل ما أبوك يقسمك نصين.

تنهدت سعدية وهي تحرك الهاتف بين يديها: استنى بس، هكلمه تاني.

توقفت لحظة ثم تمتمت: ولا أقولك استنى، هكلم مكي الأول سليم خلاه يروح وراه.

رفعت الهاتف واتصلت بمكي، لكنه لم يجيب، فأغلقت المكالمة بقلق أكبر: مبيردش…!!

قال مجاهد بحدة خفيفة: يا وليه، روحي خلي سلوى تبعتله رساله 

هزت رأسها بعصبية: هو أنا لسه هستنى لما يشوف الرسالة.

رفعت الهاتف مرة أخرى، وهذه المرة اتصلت بعمار، رن ثم جاء الصوت أخيرا

عمار: ألو؟

سعدية بسرعة ولهفة: أنت فين يا ابني؟ مبتردش على التليفون ليه؟ حرام عليك نشفت دمنا.

عمار بهدوء مصطنع: كنت في المحاضرة.

مد مجاهد يده وانتزع الهاتف منها: اسمع يا واد أنت، العوج اللي أنت ماشي فيه ده مينفعش، حرام عليك اللي بتعمله فينا دى، احنا ناقصين حرقة قلب.

عمار بنبرة ضيق: بقولك إيه يا بابا، أنا كويس، ومفيش حاجة.

اشتد صوت مجاهد: اسمع يا عمار، أنت هترجع دلوقتي، إحنا مش ناقصين مشاكل أكتر من كده.

عمار بثبات: مشاكل إيه؟ أنا مبعملش مشاكل، ومش هوقف حياتي علشان حد.

تدخلت سعديّة بصوت مرتجف: يا ابني أنت ممكن تكون في خطر…

رد عمار بمرارة واضحة: والله كلنا في خطر طول ما إحنا مع سليم.

شهقت سعدية: يا ابني قلبي قلقان عليك، طب أنت فين؟ بتاكل إيه؟ عايش إزاي؟

عمار بعد صمت قصير: قاعد في فندق كده.

انفجر مجاهد غاضبا: يعني اللي أنت بتاخده من شغلك تضيعه في الفنادق؟!

قال عمار بهدوء قاطع: مش مهم، المهم معملش حاجة أنا مش عايزها، وبعدين متقلقوش أنا كويس.

ارتعش صوت سعدية، وحاولت تبتلع غصتها: طيب يا ابني براحتك.

ثم أضافت بحزن ثقيل: المهم خد بالك من نفسك، واعرف إن أنا مش راضية عنك يا عمار، طول ما أنت ماشي عوج كده، ومزعل أختك منك وكاسر قلبها الله يسامحك يا ابني ويهديك.

لوّح مجاهد بيده في الهواء وهو يتمتم بضيق: سيبك منه، الجحش ده.

رفعت سعدية صوتها محذرة: بس المهم يا ابني تكلمني وتطمني عليك علطول، ولما أرن عليك ترد، بدل ما قسما بالله يا عمار أدعي عليك وأنت عارف دعوتي.

أغلقت الهاتف بعصبية، وساد الصمت لحظة ثقيلة، نظرت سعدية إليه وعيناها تلمعان بالدموع: شوفت يا مجاهد، أنا معرفش العيال دى بقت جاحدة كده ازاي؟

تنهد مجاهد بحدة، وهو يهز رأسه: عيالك اتدلعوا قوي ولازم نشد عليهم، قبل ما يفلتوا من إيدينا خالص.

سعدية بدعاء وحزن: ربنا يهديكم يا ولادي يارب

وساد الصمت من جديد، صمت أثقل من الكلام، وكأن الخطر صار أقرب مما يحتمل القلب.

قهوة شيكو، 2:00 ظهرا.

جلس محمود وتوتو على طاولة جانبية، ودخان الشيشة يلف المكان، وصوت الكوتشينة مختلط بدوشة القهوة. كان محمود شاردا، وعيناه ثابتتان في فراغ بعيد.

صاح توتو بضجر: أنت جايبني علشان تقعد تبحلق في الأرض، ما تقول يا عن ناوى تعمل إيه في المصيبة دي؟

محمود بإنهاك: مش عارف يا توتو، دماغي واقفة.

سحب توتو نفسا طويلا من الشيشة، ثم قال وهو ينفث الدخان: بص، أنا من رأيي تروحله إسكندرية، مش معاك عنوانه هناك..  

هز محمود رأسه بإيجاب، فتابع توتو: خلاص يبقي روحله واتكلم مع أمه وأبوه، واعمله مشكلة هناك.

ضحك محمود بمرارة: يا عم وحتى لو عملت مشكلة وفضيحة، هستفيد إيه؟ ما خلاص اتجوزها !

رد عليه بدهاء: تستفيد إنك تضغط عليه، تخليه يطلقها.

صمت لحظة قبل ما يكمل بنبرة جادة: الحاج مش هيسمي عليك لو عرف، لما تعمل مشكله هناك امه وابوه هيقولوله احنا مش عايزين مشاكل وهيخلوه يطلقها، ومجرد ما يطلقها خلاص.

نظر له طويلا، يفكر فيما يقول، ثم اومأ برأسه قائلا: ماشي نجرب .

ثم ضرب الطاولة بقبضته فجأة: الله يحرقك يا آلاء!

تنفس بعصبية: مش فاهم إيه المشكلة لو كانت اتجوزت الحاج، داهية تاخدها بت وش فقر!

ثم التفت لتوتو بعينين مشتعلتين: بقولك إيه أنت هتيجي معايا.

هز توتو رأسه بلا تردد: ماشي.

صمتا لحظة، والدخان ما زال يعلو، بينما القرار بدأ يتشكل، قرار قد يجر خلفه الكثير..

القسم، 2:30 ظهرا.

خرج سليم أولا من السيارة، ومد يده نحو ماسة التي كانت تنظر إليه بعينين محمرتين من شدة البكاء، مترددة، خائفة من النزول.

قالت بصوت منكسر، رافضة: مش عايزة أنزل…

ابتسم سليم ابتسامة هادئة، مطمئنة:متخافيش أنا معاكي، خايفة وأنا معاكي؟

انهمرت دموعها بحزن، فانحى ودخل بنصف جسدة للداخل ومسح على شعرها بحنان: يلا يا حبيبتي، متخافيش.

تبادلا نظرة طويلة؛ هي ممتلئة بالخوف والتردد،
وهو يمنحها الأمل والقوة والحماية والثقة.

بدأت تمد يدها نحوه ببطء، وضعت كفها في كفه، فاخرج سليم جسده وانتصب في وقفته، وبدأت تترجل هي من السيارة.

أحاطها ظهرها بذراعه الأخرى،  يضمها اليه، كأنه يصنع لها ملجأ من العالم كله، ثم تحرك بها إلى الداخل.

مكتب الضابط

جلس الضابط خلف مكتبه، بينما جلس سليم وماسة متجاورين على المقاعد الأمامية، ومصطفى أمامهما، ومكي واقفا إلى جوارهما.

قال الضابط بهدوء رسمي: إحنا ممكن دلوقتي نسمع لأقوالهم.

ثم نظر إلى سليم مباشرة: أنا عارف يا سليم بيه إن الوضع صعب، وعارف حضرتك كويس، انت مين وابن مين ومكانتك إيه، بس أنا قدامي حالة تلبث، وقضية فيها إثباتات وأدلة.

رد سليم بثبات: وأيه المشكلة؟ حضرتك عارف إن الكلام ده كله ولا أي حاجة بالنسبة لي، أنا ممكن أخرج مراتي بمكالمة تليفون، وأنت عارف ده...

ثم أضاف بنبرة حاسمة: بس أنا مش هخرجها من هنا وهي في نظرك ونظر الناس اللي كانوا موجودين وقت دخول الشقة متهمة.

تنهد بثقه: مش علشان فارق معايا نظراتكم، لكن علشان عارف إن ده هيفرق معاها هي، ولولا إن هي اللي طلبت ده أنا مكنتش دخلتها هنا، وأنا همشي معاك رسمي..

تنفس بعمق، ثم أكمل: أنا بعت الراجل بتاعي يجيب الإثباتات، والمحامي بتاعي جاي في الطريق، فشوف عايز تعمل إيه لحد ما الناس دي توصل.

هز الضابط رأسه بتفهما: تمام، أنا هكمل شغلي، وهاخد أقوال باقي المتهمين اللي كانوا موجودين في الشقة، لحد ما الناس توصل، هسيبلكم المكتب تقعدوا براحتكم، وأنا هكون في المكتب التاني.

نهض الظابط من مكانه وأغلق الباب خلفه..

تنفس مكي بهدوء، ثم اقترب وجلس بجوار مصطفى.

نظر إلى سليم وقال بنبرة منخفضة: ما تكلم أي حد يا سليم.

قلب سليم عينه بحده وهو يقول من بين اسنانه: كلمتهم ومحدش بيرد، وتليفوناتهم مقفولة.

نظرة مكي كانت مليئة بالاستغراب، وهو يضيق عينيه معلقا: غريبة!! ده من إمتى؟

حدق سليم في نقطة ما بشرود عميق؛ فهو يعلم أن لا أحد من أشقائه يملك القدرة على إصدار أوامر من هذا النوع لمثل تلك الشخصيات، أو إلزامهم بعدم الرد وإغلاق هواتفهم. لا بد أن الأوامر صدرت من رأس كبير.

حتى لو كانت فايزة معهم فهي لا تملك تلك السلطة، وحده عزت هو القادر على فعل ذلك !! 

لكن عقله كان يرفض تصديق أن يفعل به والده ذلك، وأن ظنونه تلك ما هي إلا بسبب الضغوط التى يعيشها الآن.

كانت نيران الشك تتقد في عقله، وهو لا يعرف ماذا ينبغي عليه أن يفعل، فهو كل ما أراده أن ينهي الأمر سريعا دون مط أو تطويل، فماسة كانت تريد أن تخرج وهي بريئة في أعين الجميع، ولأجل ذلك فقط وافق على أن تذهب إلى القسم.

كان يستطيع إنهاء الأمر بسهولة، غير أن ما بدا واضحا أن هؤلاء الضبّاط قد تلقوا تعليمات بإحضار ماسة إلى هنا، وعدم الاكتفاء باسم سليم لإنهاء المسألة، ذلك ما جعل الشك يتسلل إلى قلبه بقوة، ويُضفي على كل شيء مزيدا من التعقيد.

نظر إلي ماسة، وسألها: متأكدة إن بابا مكانش بيهددك معاهم؟

هزت رأسها، وقالت بصوت مبحوح: لا.

مكي بقلق: انت شاكك في إيه؟

رفع سليم عينه نحوه، بابتسامة مشوشة: في اللي انت فهمته بس لازم نتاكد، اتصل بعشري شوف اتأخر ليه هو والمحامي الزفت ده.

نظرت ماسة له، وقالت بخوف وبراءة: سليم هو أنا هتحبس؟ وهنزل تحت مع المسجونات؟ يعني أنا كده بقيت شمال زي ما محمد قالي؟

اتسعت عين سليم وقال ببحه رجولية: يعني محمد اللي قالك إنك شمال أهو؟

رمشت بعينيها، وقالت إرهاق: هو دى وقته يا سليم.

مسح وجهه بيديه وقال: لا يا ستي، مش هتتسجني طبعا، أنتِ عبيطه ولا ايه؟ بقي ابقي معاكى واسيبهم يسجنوكي؟ يا عشقي متقلقيش كلها ساعه بالكتير وهنروح بيتنا سوا. 

تابع بنبرة مليئه بالثقه: ولو عايزة تمشي دلوقتي حالا همشيكي.

مسحت دموعها وقالت باهتزاز: لا يا سليم أنا مش همشي من هنا غير لما كل اللى كانوا موجودين يعرفوا إني كنت مظلومة ومخطوفة بجد، مش بقول كده وخلاص.

سليم بابتسامة حنونة: خلاص ما دام انتِ عايزة كده يبقى اصبري.

نظر مصطفى إلى ماسة مطمئنا: متخافيش يا ماسة، ربنا مبيضيعش حق مظلوم، وانتِ مظلومة.

اومات برأسها، لكنها لم تستطع أن تنظر في عينه، كانت تخجل وتتجنب النظر إليه، فالوضع الذي وجدت نفسها فيه عند استيقاظها كان صعبا عليها للغاية.

في نفس الوقت، على اتجاه آخر، في المكتب المجاور

كان خيرت (الضابط الذي تلقى الضرب من سليم) جالسا على الأريكة، يضع قطعة ثلج على وجهه، ملامحه متورمة، وعيناه مشتعلة بالغضب، فيما كان الألم يضغط على فكه بقسوة.

دخل الظابط الآخر (وليد) بعد أن ترك سليم وماسه في المكتب المجازر، وحينما لمحه خيرت قال بغضب: عملت ايه معاه، انا متعصب وحاسس إن عايز اولع فيه بعد اللى عمله معايا في الشقة.

دخل وليد، وهو يجر كرسيا ويجلس قبالته، ثم قال بنبرة محذرة: احمد ربنا إنه مقتلكش، ده سليم الراوي يا خيرت، احمد ربنا إننا واخدين أوامر نقوله «لأ» وإحنا ورانا حماية، وأنت عارف كويس اوي إن اللي قاعد جوه ده لو حب يقلعك البدلة في ثانية هيعملها.

ضرب خيرت المكتب بكفه بعصبية: احنا متفقناش معاهم على كده! والله هتكلم!

اقترب منه وليد قائلا بتهكم ساخر: اتكلم علشان يقتلوك، وتبقي ظابط توفي أثناء تأدية عمله، احنا مش اد الناس دى يا خيرت، خلينا نخلصها زى ما بدأناها بأقل أذي لينا.

ثم تابع بجدية: الموضوع كبر عن اللي اتفقنا عليه، وهو بيقول إن معاه حاجات ممكن تطلعها من الموضوع كله رسمي..

ثم قال وهو يهم بالنهوض: عموما أنا هروح اشوف التحقيقات، وابلغ المأمور باللي بيحصل، واشوف الدنيا هتمشي لفين وأنت اوعى تدخله، خليك هنا، علشان هو لو شافك هيدفنك.

ثم خرج وأغلق الباب خلفه، فزفر خيرت بعصبيه، وركل المقعد الذي أمامه عله يفرغ شحنه الغضب التي بداخله، ولكن شعوره بالإهانة بعد ما فعله سليم معه لم يخمد فرفع هاتفه واجري اتصالا: ألو إيه يا باشا، بقولك إيه؟ إحنا متفقناش على كده!

جاءه صوت عماد هادئا على الطرف الآخر: يا خيرت أنت اتجننت؟! بتكلمنى وهو عندك؟ إيه إللى حصل؟!

أجابه بتأكيد: أنت قولتلي أطول وأراوغ لحد ماييجي ويشوفها كده، ولما جه ضربني وعمل مشكلة كبيرة،
وقال هيقلعني بدلتي! احنا متفقناش على كده!

ضحك عماد ضحكة قصيرة باردة: يا عم ميقلعهالك ماسك لنا فيها كده ليه؟! أنا هلبسك أحسن منها، وهعملك شركة حراسات، وهدفعلك خمسة مليون جنية، لو اشتغلت طول عمرك في الداخلية مكنتش هتجيب ربعهم..

صمت لحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر جدية: المهم خلي بالك، وأي جديد يحصل بلغني بيه.

وقبل أن يغلق تساءل عماد بفضول: بقولك صحيح، الظابط اللي معاك ده اسمه إيه؟

أجابه: وليد.

تساءل عماد: وهو فين دلوقتي؟ مع سليم؟

ضحك خيرت وهو يهز رأسه بخبث: لأ، ده مع المأمور بيسبك التمثيلية.

هز عماد رأسه: ماشي.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل 

على اتجاهٍ آخر، داخل مكتب الضابط وليد.

كانت ماسة تجلس منكمشه داخل أحضان سليم، جسدها يرتجف لا إراديا وهي تنظر إلي الباب وكأنها تنتظر حكما قد يعيدها إلى الحياة من جديد.

كان سليم يجلس إلي جوارها، يربت على ظهرها بيد ثابتة، وفجأة تعالى طرق الباب، ودخل عشري يتبعه المحامي (مازن)

تقدم مازن للداخل، وهو يقول بقلق صريح: ايه يا سليم في إيه؟ إيه اللي حصل بالظبط؟

أشار له سليم بيده: اقعد وأنا هفهمك.

بدأ سليم يروي له ما حدث، واختصر التفاصيل، لم يذكر الرسائل ولا الوضع التى كانت فيه ماسة، واكتفى فقط بالخطف ووضعهم في أحد بيوت الدعارة، وما فعله الظابط معهم، كي يجعل القضيه كاملة الأركان، كان صوته متماسكا، لكنه مشحون.

هز المحامي رأسه باطمئنان:  تمام، دي سهلة نطلب تحليل لدكتور مصطفى،  لأن تحليل مدام ماسة مش هيبان فيه حاجة لانها اتخدرت استنشاق، إنما دكتور مصطفى حقن وهيبان فورا، ومع الفيديوهات الموضوع هيخلص.

ثم أضاف بجدية: أنت شاكك في حد يا سليم نتهمه في الموضوع دى.

رفع سليم عينه بثقل، فبالطبع لا يستطيع أن يقول له الحقيقه المره، فكيف يخبره أن عائلته من فعلوا بزوجته ذلك، وأن غرضهم كان أن يكون الأمر أكثر سوءا.

خرجت كلماته من بين أنفاس عميقه: أنت عارف أعدائي كتير يا مازن، أنا كل اللى عايزه تخرج ماسه بسرعه.

ثم نظر أمامه واستوحشت عيناه: إنما بقي اللى عمل كده، أنا هعرفه، وهدفعه التمن غالى، أهم حاجة عندي دلوقتي إن مراتي تخرج من هنا.

ثم التفت إلى عشري: روح نادي الضابط، وعايزك بعدها تجيبلى دكتور تحاليل بمعرفتك يكون ثقه يعمل تحليل لدكتور مصطفي، علشان يشوف نسبه المخدر في دمه، علشان هما أكيد هيجيبوا دكتور تبعهم ولا يمكن هيطلع النتيجه في صالحنا، فأنا عايزه نتيجتنا قصاد نتيجتهم. 

ثم أشار بيده بنبرة تحذيرية: وهي ربع ساعه بس معاك يا عشري تقب وتغطس ويبقي قدامي هنا.

اومأ عشري سريعا: أمرك يا ملك.

وبالفعل خرج عشري، وعاد بعد دقائق ومعه الضابط، ثم انصرف لينفذ ما أمره به سليم.

جلس وليد في مكانه، فمد مازن يده بالتليفون الذي اخذه من عشري قائلا: يا فندم ده تسجيل للكاميرات على الطريق اللى كانت ماسة هانم سايقه عليه من أول ما ركبت العربية لحد المستشفى، وبعدها اختفت!!!

تدخل سليم بهدوء محسوب: مراتي جالها رسالة بتقول إني في المستشفى، والرسالة دى اتحذفت من تليفونها، واعتقد دي سهلة أنكم ترجعوها.

ثم تابع بهدوء، وهو يشدد ذراعيه حولها بدعم: أعتقد كل دى دلائل كافيه تثبت إن مراتي اتخطفت فعلا، وبالنسبه للدكتور أنا عايز يتعمله تحليل، وأعتقد ظهور مخدر في دمه كافي لإثبات براءته.

اومأ وليد براسه: مفيش مشكله يا سليم بيه، هبعت دلوقتي للمعمل الجنائي، واسحب منه عينه، ونشوف النتيجه.

اومأ سليم بابتسامه ساخرة، وقال متهكما بخبث: تمام، وأنا كمان بعت الراجل بتاعي يجيب دكتور تانى يعمل تحليل لدكتور مصطفي، زيادة تأكيد، أصل أنت عارف شغل التحاليل دى ساعات بيبقي فيه أخطاء وبيخلى الموضوع يطول، وأنا الحقيقه مش فاضي اقعد في الموضوع دى أكتر من كده، وأظن انتم كمان مش فاضيه ووراكم قضايا كتير، بلاوي البلد مبتخلصش الله يعين الدخليه وإحنا برضو في خدمتهم.

نظر إليه وليد من أعلى لأسفل وفهم ما يلمح به، فما كان منه سوي أن اومأ برأسه صامتا، وقال بارتباك: تمام يا سليم بيه، ولحد ما كل دى يحصل أنا عايز أخد أقوالهم.

شدد سليم ذراعيه هو ماسه وقال ببرود: اتفضل.  

فرفع وليد عينيه نحو مصطفي وقال بارتباك حاول جاهدا ألا يظهر عليه: احكيلي يا دكتور اللي حصل بالظبط.

فبدأ مصطفى يروي كل شيء.

ثم نظر وليد إلى ماسة: وأنتِ يا فندم، إيه اللي حصل معاكي؟

فنظر إلي سليم بارتباك وخوف، فاومأ لها مطمئنا وهو يربت على ظهرها بحنان: قولى يا عشقي اللى حصل.

فقالت بصوت مكسور، وهي تنكمش داخل أحضان سليم أكثر وكأن أحضانه درع حمايتها أمام كل ما يحدث لها: جتلي رسالة وأنا مروحه بالعربية بتقول إن سليم في حالة خطر في المستشفى، روحت ودخلت، ولما طلعت الاوضه حد جه من ورايا وخدرني.

سألها وليد مصطنعا التركيز: طب سألتي في الاستقبال قبل ما تطلعي؟

اومأت من بين دموعها: أيوه، زقالولي في أوضة كانت رقمها حاجة وسبعتاشر، مش فاكرة.

قال سليم فورا: أعتقد كده يا حضرة الضابط كل حاجه وضحت، وبان إن فيه حد عايز يلبس مراتي القضيه دي..

هز وليد رأسه وقال بنبرة مختلفة: مش بالظبط يا سليم بيه، لأن للأسف في دليل تاني.

نظر له سليم باستغراب حاد: دليل إيه؟

أشار وليد للعسكري: هات عزيزة.

ثم التفت إليه وتابع مفسرا: عزيزة دي قوادة، والشقه اللى كانوا فيها بتاعتها، مشغلها في الدعارة واعمال مشبوهة، ولأسف في التحقيقات اتعرفت على مدام ماسه ودكتور مصطفي وقالت إنهم مش أول مرة يجوا عندها..

شهقت ماسة: نعم أنا؟!

في تلك اللحظه دخلت عزيزة، والعسكري يمسك بها، فسألها وليد: قولي يا عزيزة، هي دي ماسة اللي بتتكلمي عنها؟

نظرت اليها عزيزة بطرف عينها: أيوه يا باشا، ومش أول مرة تيجي.

ثم اشارت نحو مصطفى: والراجل دي كان بيجي معاها ديما.

صاح مصطفى باستهجان: أنا؟!

عزيزي بتأكيد: أيوه أنت، جيتوا عندى يجي خمس مرات ولا ست مرات.

صرخت ماسة باختناق: إنتِ كذابة! حرام عليكي!
والله العظيم كدابه متصدقهاش يا سليم، والله العظيم ما أعرفها..

شدد سليم على يدها بقوة وهمس: هششش اصبري.. 

ثم نهض من مكانه بهدوء، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة، حتى وقف أمامها مباشرة، ونظر لها من أعلى لأسفل، وقال بابتسامة جانبية باردة: بقى أنتِ شوفتيها قبل كده؟

اومأت برأسها: أيوه يا بيه.

هز رأسه عدة مرات بابتسامة جانبية باردة، وفي لحظة خاطفة دون إنذار، صفعها على وجهها صفعة دوت في أرجاء المكان، وأمسكها من شعرها، قائلا بصوت جهوري مرعب: أنتِ مين حفظك الكلام ده يا بت؟ ها؟ انطقي وإلا قسما بجلال الله لتشوفي سواد عمرك ما شوفتيه في حياتك، مين يا بت قالك تقولي الكلام ده؟ انطقي!

صرخت عزيزة بذعر، وهي تحاول الفكاك: أنا في حماية الحكومة! والله ما عملت حاجة! أنا قولت اللى حصل.

صاح سليم بانفعال: اللى حصل يا قذرة.

وفجأة، انقبضت يده حول رقبتها، وضغط عليها بقوة حتى كاد يقطع أنفاسها، وعيناه تشتعلان بجنون: انطقي وقولى مين باعتك تقولي الكلام ده؟

وفي هذه الأثناء، انكمشت ماسة على نفسها أكثر، وكأنها تحاول الاختباء داخل جسدها، تسلل الخوف إلى عروقها بعنف، فارتجف جسدها، وانفجرت تبكي، بكاءً مكتوما مشبعا بالفزع، وهي تضم نفسها بذراعين مرتعشتين كطفل فقد الأمان.

بينما نهض وليد بسرعة، وأمسك بذراع سليم وهو يصرخ: أهدي يا سليم بيه مينفعش كده!!

ثم صاح في العسكري: خدها واطلع بره فورا!

سحبها العسكري وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، فوقف سليم ينظر إلي الباب التى خرجت منه بعينان متوحشتان، وأنفاس متسارعة. مسح وجهه بيده، ثم التفت إلى مازن، وقال بحدة: مازن إطلع بره أنت واستناني.

نظر إليه مازن بارتباك، ولكنه لم يستطيع الاعتراض أمام عاصفته الغاضبه، فأومأ برأسه وخرج، وبقي في الغرفة مصطفى ووليد وسليم ومكي وماسة فقط.

كانت النيران تشتعل في صدر سليم، وهو يرى محاولاتهم اليائسة لإحكام خيوط القضية حول زوجته، لانتزاع اعتراف كاذب يجعله يصدق الرواية التي تلصق بزوجته، لكن صبره نفد ولم يعد قادرا على التمسك بالهدوء أكثر من ذلك.

انتهي الهدوء، وانتهى المنطق، ولم يعد هناك مجال إلا لظهور وجهه الآخر، ذلك الوجه القديم، الذي لا يخاف، ولا يتفاوض، ويسحق كل من يقف أمامه.

نزع سليم يد وليد من عليه بعنف، ورفع عينيه إليه، بعينان غامقتان، كأن السواد اشتعل فيهما، وقال بصوت منخفض، لكنه حاد كالنصل: أنا فاهم إنك واخد أوامر  وفاهم إن التليفونات اللي مبتردش دي جزء من اللعبة.

ثم اقترب خطوة، حتى صار على بُعد نفس واحد، وتابع بنبرة أخطر: بس صدقني الأوامر دي مش هتنفعك، ولو مخترتنيش دلوقتي، حتى لو واعدينك بفلوس كتير…

توقف لحظة، ثم أكمل ببطء متعمد: أوعدك إنك مش هتلحق تستمع بيهم، وهبقي كابوس حياتك..

وأضاف بنبرة هادئة لكنها حادة: مراتي هتخرج دلوقتي، ومش هتروح نيابة، والقضية دى هتتقفل وكأن مفيش حاجة حصلت.

ثم أضاف بصوت أكثر حدة، والدم يتصاعد في عينيه: لأن الموضوع بقى دمه تقيل اوى، وبدأت أضايق، فانهي الموضوع دلوقتي، واتصل باللي مديك أوامر وفهمه أن الموضوع انتهى بالطريقه اللى هو عايزها.

ثم اقترب منه وقال بخفوت خطر: هتكلمه وهتقوله اللى هبلغهولك، حرف زيادة غير اللى أنا عايزه، صدقني هتندم، فمن مصلحتك تلعب على الناحيتين منها تنول رضا اللى معاك، وفي نفس الوقت متعادنيش، قولت ايه يا وليد...

ثم تحرك ببطء، وجلس على مقعد المكتب، وضع قدما فوق الأخرى، بهيبه وكأنه ملك المكان: فكر بسرعه وشوف هتختاري مين، دقائق لو سمعتش اجابه يبقي أنت اللى جنيت على نفسك، واعتقد إنك لو مش خايف على نفسك، فأكيد عندك أسرة تخاف عليها....

نظر لوليد وتابع بنبرة قاطعه: فكر كويس لأن اللي جاي جحيم فبلاش يطولك.

شعر وليد بالتوتر، وأن الأمر خرج تماما من نطاق سيطرته، فهو يعرف سليم الراوي جيدا، ويعلم أن هذا الرجل لا يهدد، بل ينفذ فورا.

فقد انتهت اللعبه والآن حانت اللحظه الحاسمة: إما أن يختار جانب سليم الآن بعد كشفه للعبة، أو أن يواجه تبعات قراره بنفسه.

بلع ريقه وقال بإبتسامة مرتبكة: يا سليم باشا أنا متأكد إن عزيزة بتحور، وماسة هانم مستحيل تعمل حاجة زي دي، الهانم طبعا فوق مستوى الشبهات، والفيديوهات لوحدها تثبت كل حاجة، وإحنا هنعرف مين اللي لعب اللعبة القذرة دي..

وقبل أن يكمل حديثه، تعالى رنين هاتفه فجأة، فنظر للاسم بتوتر.

رفع سليم عينه وقال بهدوء آمر: رد وقوله إن ماسة خارجة، وإن سليم هو اللي طلب منك تقفل الموضوع بعد طلب شخصي منه، وافتح الإسبيكر عايز أسمع.

هز وليد رأسه متوترا وفتح السماعة، فجاء صوت عماد من الطرف الآخر وهو يضحك بسخرية: إيه الأخبار عندك يا وليد، خيرت قالي إنك بتعمل التحقيقات لسه، قدامك قد ايه؟! اوعى بس يكون جنبك.

فور أن وصل الصوت إلى مسامع سليم، تعرف عليه على الفور، وارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية، مزيج من الفهم واليقين؛ لقد تحولت شكوكه السابقة إلى حقيقة، وأدرك الآن من يقف وراء تلك المؤامرة القذرة.

أما مكي فاتسعت عيناه من الصدمة، رغم أنه كان متوقعا، ولكن عندما ترى الحقيقة تصبح اصعب، جز على أسنانه بضجر، ورفع عينه نحو سليم ليطمئن على حاله، فوجده هادئا على غير عادته، وكأن هدوءه يحمل سرا أكبر من كل كلمات العالم.

قال وليد وهو يراقب سليم بعينه: لا مش جنبي،  الموضوع خلص، سليم الراوي كلمني بنفسه وعرض عليا فلوس علشان نقفل القضية على إنها خطف، مراته قالت إنها اتخطفت، واللي كان معاها قال نفس الكلام..

جاءه الرد مستغربا: وهو صدق؟!

نظر سليم إليه، وحرك شفتيه هامسا: في الأول بس..

أكمل وليد بتمثل: في الأول شوية، بس لما عزيزة جت وقالت اللي اتفقنا عليه، من صدمته ضربها لحد ما كان هيموتها في ايده، وخرجتها بالعافية.

جاء صوت عماد مرددا ببرود: يموتها ميموتهاش مش مهم، المهم عندي إن سليم يمشي وهو مصدق الرواية دي.

ضحك وليد بتمثيل: لا يا باشا من الناحيه دى أطمن، هو شكله مصدق جامد ومصدوم، بس عامل نفسه مصدق مراته قصادنا علشان شكله يعني قدامنا. 

جاءه الرد راضيا عبر الهاتف: تمام يا وليد الخمسة مليون هيوصلولك أول ما الموضوع يكمل، سلام.

أغلق وليد الهاتف بيد مرتجفة، ورفع عينيه إلى سليم.

ابتسم له سليم ابتسامة جانبية، وقال معلقا بسخرية: لا والله يا وليد تنفع ممثل، أنا من رأي سيب الشرطة، أنت ممثل هايل، هيدفعلك خمسة مليون؟ تمام.

ثم أضاف وهو يميل للأمام: عشرة مني فوق الخمسة اللي هتاخدهم، والمسلسل الحلو اللي عملته ده هتعمله تاني قدام صاحبك، لما يدخلك هنا..

صمت لحظة، ثم قال بنبرة باردة تقطع النفس: وقسما بالله اللي حصل بينا ده، لو خرج بره الأوضة دي، لتبقي أنت الجاني على نفسك، اتفقنا يا وليد؟!

ابتلع وليد ريقه وقال بتوتر: اتفاقنا يا سليم بيه، بس اديني الأمان.

رد سليم بثبات، كأنه يمنحه وعدا لا تهديدا:  طول ما أنت معايا فأنت في أمان يا وليد.

ثم أشار بيده: يلا بقى روح ناديلي صاحبك، قبل ما أطلع قدام الناس كلها وأعلن إن ماسة براءة.

اومأ وليد بطاعة: حاضر يا باشا.

ثم تحرك مسرعا للخارج، فنظر مكي ومصطفى إلى سليم، وقال مصطفى بخفوت: الموضوع شكله لعبة كبيرة بس مين اللي وراها؟

رد سليم دون أن يلتفت: مش مهم دلوقتي يا مصطفى، المهم نمشي من هنا.

كانت ماسة تجلس على المقعد، تبكي بصمت، وقالت بصوت مخنوق: هم هيستفيدوا إيه لما يعملوا فيا كده؟

نظر إليها سليم، وعيناه مظلمتان: علشان يخلوني أقتلك بإيدي وفي نفس الوقت أتفضح.

سأل مصطفى بقلق: هم مين دول؟

تدخل مكي سريعا: بعدين يا مصطفى، نتكلم بعدين.

في تلك اللحظة، دخل وليد ومعه خيرت، فنهض سليم وتقدم خطوة، ووقف أمامه: شوفت بقى؟ مراتي طلعت بريئة، وأنت كنت ظالمها.

رد خيرت بنبرة دفاعية حادة: أنا كنت بعمل الصح، كل اللي بنقفشهم في الشقق دى بيقولوا نفس الكلام، وأنا مش هصدق كل البنات يعني.

ثم أضاف بفظاظة: اللي شوفته بعيني واحدة لابسة نص فستانها، والتاني قالع قميصه، وهي على السرير، وفي القضايا دي أي محامي بشلن يطلعهم بالمنظر ده، فاحنا بنحب نطلعهم ملط مش حاجة جديدة عليهم.

اقترب سليم أكثر، وصوته ازداد حدة: واهي طلعت براءة، وكانت متخدرة واتخطفت فعلا، قالتلك وأنت مسمعتش.

ثم ابتسم ابتسامة باردة: عموما أنا خدت حق مراتي، وبكرة الصبح استني تليفون برفدك، وابقي خلي بدلتك ذكري علشان تفرح بيها.

ثم أضاف بتهديد صريح: بس لسه لينا عندك قلمين متاخدوش..

مد يده فجأة وأمسك خيرت من ياقة قميصه، ونظر لماسه وقال بحدة: خدي حقك واديله القلمين اللى ادهاملك.

نظر اليه خيرت مذهولا، وصاح باحتجاج: هي مين دى اللي هتديني قلمين، انا ظابط انت اتجننت 

رد سليم بهدوء مرعب: الظاهر انت اللي نسيت أنا مين، خليها هي تديهملك، بدل ما أديهملك أنا، وساعتها هتزعل قوي.

ثم التفت إلى ماسة: اديله القلمين يا ماسة.

تمسكت ماسة بذراعه، وقالت بصوت مرتجف: أنا عايزة أمشي من هنا وبس...

صاح بها لأول مرة، بنبرة رجولية قاسية: أنا قولت اديله القلمين.

انتفضت بفزع، رفعت يدها تلقائيا وصفعت خيرت بقوة، فنظر لها سليم بفخر قائلا: كده بقى أنتِ مرات سليم الراوي، دول شغالين عندك متخافيش منهم، حتى لو غلطتي، تقفي قدامهم وتقوليلهم أيوه غلطت ولو تعرفوا تعملوا حاجة اعملوها.

كاد خيرت يكاد ينفجر من الغضب، لكن وليد تدخل سريعا، وأمسك به قائلا: خلاص كفاية يا خيرت. 

ثم تابع بتمثيل متقن: نتائج التحليل بتاع الدكتور وصلت وبان إن فيه نسبه مخدر في دمه فعلا.

نظر له سليم بابتسامه مستخفة، فهو حقا بارع بالتمثيل.

تابع وليد وهو ينظر إلى سليم: كده القضيه تعتبر خلصانه يا سليم بيه، وتقدر تتفضل أنت والمدام، وإحنا آسفين يا ماسة هانم على كل اللي حصل حقك علينا، بس كنا بنشوف شغلنا.

نظر اليها سليم بابتسامة هادئة، وعيونه مليئة بالحنان والقوة في الوقت ذاته: عشقي أنتِ كده تمام؟ ولا تحبي أخليهم كلهم يعتذرولك؟!

هزت رأسها وقالت بصوت خافت: لا، أنا عايزة أمشي.

اومأ لها، واقترب منها بخطوات هادئة، ووضع قبله على رأسها، ثم شبك كفها في كفه بابتسامته واثقه تعكس قوته وهيبته، كأنه أسد في مملكته، وكل حركة منه تحمل سلطة لا تقاوم.

وخرجا معا إلي الخارج فوجدوا مازن بانتظارهم، ومعهم عشري والدكتور الذي أمر سليم بإحضاره، وفور أن رأوه، انتصب عشري في وقفته قائلا: جبتلك الدكتور زى ما أمرت يا ملك.

فأشار له سليم بيده: خلاص يا عشري اديله حسابه ومشي، الموضوع خلص خلاص.

سأل مازن بقلق: إيه اللي حصل يا سليم؟

رد سليم وهو يتحرك للأمام دون أن يتوقف: فكرتهم إني سليم الراوي علشان كان شكلهم ناسيين.

تابع وهو ينظر لماسه ويهم بالتحرك: يلا يا عشقي، خلينا نمشي.

لكن مصطفى وقف، متردد: أنا محتاج أفهم حاجه، هو  الموضوع كده خلص فعلا؟

أومأ سليم برأسه بثقة: أيوه خلاص، كله متلفق، بس أنت هتيجي معايا.

تساءل مصطفي باستغراب: ليه؟

رد سليم بهدوء: هقولك لما نوصل.

ثم التفت إلى مازن قائلا: شكرا يا مازن الموضوع خلص، تقدر تمشي أنت.

وبدأ الجميع بالخروج، لكن بدا على ماسة عدم الاتزان، الخوف والهلع مازالا يحاصرها وهي تتشبث بذراع سليم كأنها تخاف أن ينفلت منها، فساعدها سليم بحنان حتى صعدوا إلي السيارة، وتوجهوا إلى الفيلا.

كانت ماسة طوال الطريق تبكي بصمت، وجسدها يرتجف كأن كل عظمة فيها تهتز وهي تتشبث بذراع سليم كطفلة خائفه أن تتوه من ولدها..

نظرة سليم لها لم تفارقها طوال الطريق، عدل جسده في زاويتها، ومسح على وجهها بحنان: بتعيطي ليه عشقي، أنتِ خلاص خرجتي براءة قدامهم كلهم زى ما كنتي عايزة، وأنا أصلا مكنتش محتاج الكلمه دي في حاجه، مش أهم حاجه أنتِ في نظري ايه؟! 

هزت رأسها مرترا، وشفتيها ترتجفان، وعيونها تكاد تنطق بالخوف، لكنها لم تصدر صوتا، فشعورها بالعجز والانكسار من ما مرت به كان واضحا في كل حركة صغيرة لجسدها.

اغرورقت عينه بدموع القهر عليها، وجذبها إلي أحضانه، ضاغطا على كتفيها ليحميها: والله لحرقهم، اقسم بالله لأندمهم على الساعه اللى فكروا يعملوا فيكي كده فيها، مكي وقف على جنب وروح انت مع ماسة.

رمقه مكي بقلق، وتساءل: هتروح فين دلوقتي؟

رد سليم بنظرة حازمة، وعيناه تلمعان بالغضب: هروح أولع فيهم واجيبلها حقها

ارتجفت ماسة وتشبثت به اكثر، وأحاطت كلتا ذراعيها حول خصره بقوة، وهي تقول بخوف: لا متسبنيش لوحدي، علشان خاطري يا سليم متيبنيش، أنا خايفة!

اتسعت عينا سليم بصدمه ممزوجة بالجرح، والعضب اشتعل داخله كالنيران، لكنه لم يستطع تركها فهي بالفعل تحتاجه الآن أكثر من أى وقت مضي، ابتلع غضبه موقنا بأن حنانه هو ما تحتاجه الآن.

ضمها لصدره بحنان شديد، ورفع يده ليربت على ظهرها برفق، وهمس في أذنها بصوت منخفض لكنه حازم: طيب خلاص، أنا جنبك، ومفيش حاجة هتحصللك، وأنا معاكي ومش همشي.

تنهدت أخيرا، شاعرة بلحظة من الراحة الكاذبة، أسندت رأسها على ذراعه، تحاول تهدئة أنفاسها المتقطعة، لكن الرعشة لم تغادر جسدها، فأحاط سليم ظهرها بذراعيه، ضامما إياها إلي صدره، محاولا بث الطمأنينة في قلبها، كلمسة صامتة تقول "أنا هنا، وكل شيء سيكون بخير".

الإسكندرية، 5:00 مساءً

أمام منزل مصطفى.

وقف محمود وتوتو أمام العمارة، وقال محمود وهو يشير نحو العمارة: هي دى العمارة اللى في العنوان يا واد يا توتو.

توتو بحسم: طب اسأل حد وشوف هو ساكن في أنهي شقة

لف محمود بعينه، فوجد رجل يقف بجانب المدخل، فاقترب منه وتساءل: بقولك ايه يا حاج، هو دكتور مصطفى ساكن في انهي شقة؟

الرجل: في الدور التالت، الشقة اللى على اليمين.

سأله توتو: هو فوق دلوقتي؟

رد الرجل: مش عارف والله.

شكره، وصعد الدرج حتى وصلوا أمام الشقة، طرق محمود الباب بعصبية، ففتح الباب وقالت نبيلة بضجر: أيوه؟ مين؟ أنتم مين؟

محمود بابتسامة سمجه: مساء الخير يا حاجة، مصطفى هنا؟

ثم مد رأسه للداخل وهو يتفحص المكان بعينه بوقاحة، فشدت نبيلة الباب بعصبية: أنت رايح فين؟ أنت اتجننت؟ مدخل راسك زي البهيمة كده ليه؟ هو أهلك معلموكش إن البيوت لها حُرمة؟!

توتو، بصوت عالي وخشن: يا حاجة، إحنا بندور على أختنا اللي ابنك خطفها!

نبيلة بدهشة: ابني؟!

رد محمود بسوقية: أيوه ابنك يا حاجة، ينفع كده؟

نبيلة بارتباك واضح: ابني مخطفش حد!

صاح محمود بغلظة: لا خطفها واتجوزها من غير علمنا!

ثم هدأت نبرته قليلا: وأنا مش جاي أعمل مشاكل، أنا جاي آخد أختي وبس، هي فين بقى؟

ثم صاح فجأة: يا آلاء! بت يا آلاء! أنتِ فين يا بت؟!

في اتجاه آخر بالداخل، كان إيهاب جالسا في غرفته، والتقط أذنه الأصوات في الخارج، فعقد حاجبيه ونهض مسرعا ليري ما الذي يحدث.

خرج إيهاب من غرفته وهو يتساءل بقلق: في إيه يا أمي؟ مين دول؟!

رفعت نبيلة كتفيها باضطراب: مش عارفة يا ابني، بلاوي وبتتحدف علينا.

تقدم إيهاب خطوة، ونظر إليهم بنبرة رجولية حادة: أنتم مين؟ وعايزين إيه؟!

أجابه محمود بسوقية: عايز أختي اللي مصطفى خطفها.

حاول هو وتوتو اقتحام المكان، لكن إيهاب دفعهم بخشونة قائلا: أنت رايح فين انت وهو، اطلع بره! أنت عبيط؟!

محمود بغضب: أنا عايز أختي اللي مصطفى خطفها واتجوزها من ورايا! ومش همشي من هنا ولا ههدى غير وهي معايا!

صاح إيهاب بعصبية: بقولك إيه ياض أنت، الشغل ده تروح تعمله عندكم! خد اللي أنت جايبه معاك ده وامشي من هنا، وإلا قسما بالله أبلغ البوليس!

قال محمود ببرود متحدي: بلغ! مفيش مشكلة، وأنا هقول إنه خاطفها.

إيهاب متصنعا عدم الفهم: أخويا مخطفش حد، ومنعرفش أنت بتتكلم عن مين.

رد محمود بشدة: لا أخوك خطفها، وأنت عارف وأمور الاستعباط دي متدخلش علينا!

فجأة أخرج مطواة ولوح بها في وجهه، فابتلعه ايهاب ريقه واهتز لوهله، بينما صرخت نبيلة برعب: يا لهوي يا ناس! الحقونا!

توتو بسوقية: اسكتي يا ست إنتِ!

صرخ يهاب بغضب: اتكلم باحترام يلا! وخلي كلامك معايا!

ثم التفت إلى نبيلة، وسحبها من كتفها للداخل: ادخلي جوه يا أمي!

وفي نفس اللحظة، جاءت عائشة مرتعبة: في إيه يا ماما؟!

وقعت عيناها على المطواة، فصرخت: يا لهوي!

صاح إيهاب بحزم، خائفا أن يفعلوا شيئا بأمه و أخته، وهو بمفرده أمامهم: ادخلوا جوه قولت!

سحبت نبيلة إيهاب من كتفه وهي ترتجف: ادخل جوه يا ابني! 

ثم صاحت: بلغي البوليس يا عائشه!

قلب محمود عينيه وقال ببحة رجولية: لا بوليس ولا دياولوا، اسمعوا الكلمتين دول وبلغوهم لمصطفى، قولوا له محمود بيقولك طلق البت ورجعها وإلا هيندم.

ثم أضاف بتهديد أوضح: وبلغوه إن أنا مش هخاف من المحضر اللي اتعمل ده، ولا إني أباتلي في القسم يوم ولا اثنين ولا حته عشرة، بس أعتقد يا حاجة عندك عيال تخافي عليهم.

تابع توتو بنبرة أخطر: لو خايفة على عيالك يا حاجه، خلي مصطفى يرجع آلاء ويطلقها من سكات، خلصانة يلا يا حودة.

نظر محمود في عيني إيهاب، الذي كان ثابتا أمامه بعينين حادتين مليئتين بالرجولة، وربت بالمطوة على خده كرساله تهديد صامت: أظن الرسالة وصلت.

قال كلماته، ثم تحرك هو وتوتو مبتعدين تاركين خلفهما صمتا ثقيلا، اختنق به المكان، وزرع الخوف في قلوب الجميع.

في تلك اللحظة صاحت نبيلة: يا نهار إسود! أنا واقفة قدام عيال سوابق، ورافعين المطواة على ابني، علشان خاطر الداهية اللي جايباها! اتصليلي بأخوكي!

حاولت عائشة تهدئتها: يا ماما أهدى.  

صاحت نبيلة بغضب: اسمعي الكلام يا بت، محدش يقولي اهدى، اتصلي بأخوكي بقولك، هو أنا لاقياكم في كيس الشيبسي ولا إيه؟! هو يسافر ويسيبلي النصايب دي؟!

نظرت لعائشه وصاحت بغضب: أتصلي بأخوكي يا بت قولت.

أمسكت عائشه هاتفها بيدين مرتجفتيش، وقامت بالإتصال به، لكنها وجدت هاتفه مغلقا بالطبع، كما طلب منه سليم.

نبيلة بضجر: مقفول، ماشي خليه مقفول!

ثم سحبت طرحتها وركضت للخارج، وركض إيهاب وعائشة خلفها: يا أمي! رايحة فين؟

صاحت نبيلة بضجر: سبوني ملكوش دعوة.

صعدت الدرج مسرعه بطاقة مرعبة، فأي أم مثلها بالطبع ستصاب بالجنون حين تشعر أن أبناءها في خطر.

أخذت تضرب على الباب بقوة.

في الداخل، كانت آلاء تجلس تشاهد التلفاز مع والدتها وحين سمعوا طرق الباب، شعروا بالخوف والقلق، وظنت آلاء أنه محمود، فانتفضت بفزع وهي تقول: محمود؟!

حاولت أنهار تهدئتها قائله: وهيعرف مكاننا منين يا بنتي؟ استنى افتح أشوف مين.

نهضت انهار كي تفتح الباب، فأمسكتها آلاء وهي تبكي بخوف: لا يا ماما بالله عليكي متفتحيش!

ربت أنهار على يدها مطمئة: يا بنتي اهدي، متخافيش.

تحركت أنهار، وخلفها آلاء تتشبث بملابسها من الخلف، فتحت أنهار الباب ففوجئت بنبيله أمامها، والغضب يكسو ملامحها، وإيهاب وعائشة بجوارها.

فقالت انهار بابتسامة مرتبكة: ست الحاجة، أهلا وسهلا، اتفضلي، البيت بيتك.

نبيلة بانفجار: ولا أهلا ولا سهلا! بصي يا حاجة، أنتِ عندك بنت وبتخافي عليها، أنا كمان بخاف على عيالي، أنا معنديش غيرهم وحاربت الدنيا عشانهم، وطفحت التراب عشان أخليهم رجالة كويسة، لكن على آخر الزمن ييجي ابنك الشمام يفضحني في العمارة، ويهددني بالعيال؟! كل إلا ده لأ!

ثم تابعت وهي تيشير بيدها بحسم وقسوة: اسمعي يا بنتي، أنتِ تاخدي أمك ومع السلامة من هنا، معلش أنا مش هخسر عيالي عشان خاطرك.

ثم تابعت بتهكم: عندك مشكله روحي يا حببتى للحكومه تحميكي، إحنا مش فاتحينها سبيل هنا

حاول إيهاب تهدئة والدته بحرج: يا أمي ميصحش اللى بتقوليه دى، عيب!

صاحت به نبيلة بغضب: لا، مش عيب! ابنك يا ست جالي دلوقتي، وهددني بالعيال، وكان معاه واحد معرفش جايبه أنهي مصيبة، ورافع مطواة على ابني! وأنا مش هستنى لما يموتلي ابني في مرة، ابني وقف جنب بنتك جدعنة، وأنا مكنتش راضية من الأول ولا راضية النهارده، بس يرضيكي ابني يتقتل بسبب بنتك؟!

أنهار بانكسار: أنا آسفة يا حاجة، حقك على رأسي والله، أنا هاخد بنتي ونمشي دلوقتي.

آلاء باكية: أنا آسفة والله العظيم، أنا معرفش إزاي محمود جه هنا.

صاحت نبيلة بقسوة: اهو، جه يا حبيبتي، أنا مش عايزة حد يعتذرلي، لو فعلا عايزين تصونوا الجميل اللي ابني عمله معاكوا، سيبونا في حالنا وخلي ابني يطلقك، وشوفي بقى هتعملي إيه في حياتك.

قال ايهاب بشده حازمه: بس يا أمي، أيه اللى أنتِ بتقوليه ده، انزلي يا ماما من هنا، وكفاية بقي

صاحت به: اسكت يلا ملكش دعوة!

رد بحزم: وأنا بقولك لو سمحتي انزلي، يا عائشة خدي ماما وانزلي.

سحبت عائشة نبيلة ونزلت بها للأسفل، فيما جلست آلاء تبكي بقهر وعجز، وانهار أيضا كانت تبكي بخجل وانكسار.

إيهاب بحرج: أنا آسف على الكلام اللى ماما قالته، صدقيني والله ماما طيبة جدا، بس طبيعي لما تشوف واحد جاي لحد بيتها بيرفع مطواة على أولادها وبيهددها، هتخاف وتعمل كده.

انهار بقهر: كتر خيركم يا ابنى، وأحنا آسفين على المشاكل اللى عملناهلكم، وحقكم على رأسنا، أنا هاخد بنتي وامشي، ومش هتعرفوا لنا طريق تانى.

رد إيهاب باعتراض: مفيش الكلام ده! مش هيحصل، البيت بيتكم، والحوار خلص خلاص.

آلاء بحسم: لا، أنا هلم هدومي أنا وماما ونمشي من هنا، لا يمكن نقعد هنا دقيقة واحدة تاني. 

إيهاب بحزم: مافيش مشي من هنا، لما ييجي مصطفى اتكلمي معاه وشوفي هتعملوا إيه، لكن دلوقتي أنتِ أمانة في رقبتي لحد ما ييجي مصطفى.

أنهار بخجل: يا ابني، مش هينفع مش عايزين نعملكم مشاكل أكتر من كده.

إيهاب بهدوء: مفيش مشاكل ولا حاجه، أنا دلوقتي هنزل أعمل محضر، وصدقيني ده جبان وهيخاف، أنا عارف الأشكال دي كويس، بس مش هينفع تمشوا.

ثم نظر لآلاء: لو سمحتي يا أستاذة آلاء، ومتحاوليش تمشي، ولما مصطفى ييجي، شوفوا هتعملوا إيه سوا، لكن مش هينفع تمشي من هنا من غير علمه، الله أعلم لو نزلتى من هنا ممكن يحصل ايه، ممكن يبقي مستنيكم تحت والمشكلة تكبر أكتر ما هي كبيرة.

حاولت آلاء التحدث باحتجاج: بس يا أستاذ إيهاب…

قاطعها إيهاب بحزم: بعد إذنك، الموضوع انتهى وأنا آسف على الكلام اللي ماما قالته، أنتِ قاعدة هنا في شقتك، تمام، بعد إذنكم.

خرج إيهاب وأغلق الباب خلفه، تاركا إياهم يبكون، ربتت أنهار على ظهر آلاء وهي تبكي بقهر: قدر يا بنتي، قدر ومكتوب هنعمل إيه؟ حسبي الله ونِعم الوكيل فيك يا محمود يا ابني.

على اتجاه آخر داخل شقة مصطفى

دخل إيهاب الشقة، بينما كانت نبيلة وعائشة تجلسان على الأريكة، وعائشة تحاول تهدئة نبيلة.

نبيلة بعصبية: عملت إيه؟ طردتهم ولا قعدت تطبطب عليهم زى أخوك؟

جلس إيهاب بتعب وقال بعقلانية: يا أمي، اللي أنتِ عملتيه ده مينفعش هما ذنبهم إيه؟ مش شايفة الأشكال اللي جت؟

صاحت به نبيلة بتعب: وأنا ذنبي إيه يا ابني لما أخسركم؟!

قال بهدوء عقلاني: تخسري إيه يا أمي؟ أنا هنزل أعمل محضر، وهشوف واحد صاحبي ظابط كده وأتكلم معاه متخافيش، بس حرام يا أمي، دول ستات غلابة هيروحوا فين ولا هيتعاملوا مع العيال السوابق دي أزاى؟!

نبيلة بانهيار: أنا شحتكم من الدنيا، أعمل إيه يعني لو عمل فيكم حاجة؟! 

رد إيهاب مهدئا إياها: مش هيعمل حاجة متقلقيش، وبعدين أنتِ أكتر واحدة مفروض تحسي بآلاء، علشان إنتِ اتعرضتي لحاجات كتير شبه اللي حصل معاها.

نبيلة بحزن: أنتم مش هتحسوا بيا غير لما تخلفوا، ساعتها هتعرفوا الضنا غالي قد إيه.

إيهاب بهدوء موجوع: أنا فاهم يا أمي كل اللي بتتكلمي فيه بس اللي فوق دول غلابة، وستات لوحدهم وابن الست اللي فوق دي وأخو البنت اللي ابنك اتجوزها، هو اللي عراهم زي بابا بالظبط.

صمت لحظة، ثم أكمل: تصدقي؟ دي مسكينة، يوم ما كان عايز يجوزها كان بيبعها علشان يسد ديونه أنتِ عارفة يعني إيه يبيع لحمه؟ لو مشيت من هنا الله وأعلم هيحصل فيها إيه؟! أنا مش مبسوط إن مصطفى حطنا في حاجة زي دي، بس اتحطينا فيها ولازم نحلها.

تدخلت عائشة باستهجان: وزي ما أنتِ بتبرري للأستاذ محمد كل غلطة وغلطه عملها فينا، وشتيمته لماسة ووقوفه ضد آلاء، واللي قاله لمصطفى.

نبيلة بحدة: وايه دخل الكلام ده دلوقتي؟!

عائشة بصوت أهدى: أنا بس بفهمك، أوعي تعملي زي محمد وتبقي قاسية القلب يا أمي.

نبيلة بعد تنهيدة طويلة: طب اتصلي بأخوكي وشوفيه فين، خليه ياخد باله.

رفع إيهاب هاتفه واتصل بمصطفي، ولكن الهاتف ما زال مغلقا، فزفرت نبيلة بوجع: أستغفر الله العظيم، يا رب هونها علينا، إحنا غلابة والله.

في الشارع..

كان توتو يسير على كورنيش النيل، وخطواته واثقة، وبجواره محمود الذي لم يخف توتره، عيناه تتحركان في كل اتجاه وكأن الخطر يتربص له.

قال محمود وهو يكتم قلقه: بقولك إيه يا ولا توتو، أنت متأكد إن النمرة اللي عملناها فوق دي هتجيب نتيجة؟

ابتسم توتو ابتسامة جانبية خبيثة قائلا: أيوه طبعا هتجيب نتيجة ونص كمان، إحنا كنا عايزين إيه أكتر من كده؟ خلينا الست امه تولع وتخاف على عيالها.

محمود بتردد: طيب أفرض مخافتش؟

وقف توتو فجأة، ونظر له باستخفاف: مخافتش إزاي؟ ده انت أول ما فتحت المطوة على الواد ابنها، الست رقعت بالصوت.

توقف محمود هو الآخر، وحك لحيته بعصبية: مش عارف قلبي مش مطمن.

ضربه توتو على كتفه بقوة: يا ابني اجمد كده، أنت خايف من إيه؟ متبقاش زي معتصم، اسمعني بس أنا متأكد إن الست دي هتعمل مشكلة، وهتمشي البت، وهتقوله وديها في داهية أنا مش ناقصة مصايب.

صمت لحظة، ثم أكمل بنبرة أخطر: ولو معملوش كده، مش مهم إحنا بايتين فيها يومين، ونروح نعمل نفس النمرة عند أخوه، نراقبه ونشوف شغله فين، ونطلع عليه بنفس الأسلوب..

ابتلع محمود ريقه، فتابع توتو بابتسامة باردة: وإن كل ده مجابش نتيجه نخطف اخته، ونخليهم يفهموا إن الموضوع جد، ومش هزار، ومش مجرد نمر...

صاح محمود بحدة وهو يضرب صدره: أنت اتجننت؟! إنت عارف القضايا دي بتاخد كام سنة؟

رد توتو بلا مبالاة: يعم متخافش إحنا مش هنأذيها، هنقعدها معانا مكرمة، وتبقي اختك قصاد اخته، مفيش حاجة وبعدين أنا بقولك، الموضوع مش هيوصل لكده، الناس دي شكلها غلابة ومش بتوع مشاكل.

تنهد محمود باستسلام: ماشي، خلينا نشوف ايه اللى هيحصل الأول بعد اللى عملناه فوق

ثم تحركا معا من جديد، وقال توتو بنبرة حاسمة: طب تعالى نشوف شقة علشان نشوف هنعمل ايه، وانا كلمت كده كام واحد من حبايبنا يجلنا علشان الموضوع ده مش هننفع فيه لوحدنا

وواصلا سيرهما على امتداد الكورنيش، يبتلعهما ضجيج الشارع، تاركين خلفهم صدى مؤامرة دنيئة، لم تولد بعد لكنها كانت تشق طريقها بثبات، وتستعد لأن تنفجر في وجوه الجميع

فيلا سليم وماسة، 6:00 مساءً

دخل سليم الفيلا وهو يسند ماسة إلى جانبه، كانت متشبثة بذراعه بقوة، جسدها يرتجف، رأسها مستندة إلى ذراعه، أنفاسها متلاحقة، وعيناها زائغتان كأن الخوف يطاردها حتى داخل المنزل.

كان مكي ومصطفى يسيران خلفهما بصمت.

توقف سليم فجأة، والتفت إليهما بنبرة حازمة: خليكوا هنا، هطلعها فوق وراجعلكم.

ثم نظر إلى ماسة، صوته خفت قليلا: تعالي يا عشقي، نطلع فوق علشان ترتاحي شوية.

أومأت برأسها بصعوبة، وحاولت أن تصعد الدرج، لكن خطواتها كانت متثاقلة، وكأن قدميها تجبرانها على الحركة رغما عنها.

تعثرت خطوة، فمد سليم يده فورا، ثم دون تردد حملها بين ذراعيه.

شدت على عنقه بذعر، وأخفت وجهها في صدره، وهو يصعد بها الدرج خطوة تلو الأخرى، حتى وصل إلى غرفتهما.

وضعها برفق على الفراش، وعدل الوسادة خلف ظهرها: ارتاحي بقى، أنتِ في بيتك.

هم أن يبتعد خطوة، لكنها أمسكت بذراعه فجأة، أصابعها تنغرز فيه بقوة وقالت بهلع: رايح فين؟!

التفت إليها فورا: هروح أجيبلك لبس.

هزت رأسها بعنف: هاجي معاك.

ابتسم بحنان موجوع: تيجي معايا فين يا ماسة؟
أنا رايح هنا.

لكنها شدت عليه أكثر، وبدأ صوتها يرتعش: لا متسيبنيش يا سليم.

نظر إليها بتأثر وغضب مكبوت، تنفس بعمق، ثم جذبها إليه قليلا: حاضر.

توجه إلى الخزانة وهي ما تزال متشبثة به، لا تتركه لحظة، كأنها تخشى إن أفلتت يده أن يضيع منها إلى الأبد، أخذ الملابس، ثم عاد بها إلى الفراش.

بدأ يبدل لها ملابسها بحنان شديد، حركاته بطيئة، حريصة، كأنها طفلته لا زوجته، يتجنب أي حركة قد تفزعها.

كانت ممسكة به بقوة، أصابعها متشنجة وهي تمسك قميصه، وعيناها تدوران في المكان بذعر طفل يبحث عن الأمان.

انحنى قليلا أمامها، وحاول أن يبتسم، صوته خرج هادئا لكنه مثقل بالوجع: يا روحي خلاص اهدي، في إيه يا ماسة؟! متبقيش كده.

ثم أضاف بنبرة أحن: خليكي قوية، علشان نعرف ناخد حقك.

هزت رأسها بعنف، ودموعها تتساقط بضعف: بس أنا مش قوية، أنا ضعيفه.

أمسك وجهها بين كفيه، وأجبرها برفق أن تنظر إليه، وقال بنبرة حاسمه حنونه: وليه متبقيش قوية؟ أنتِ مراتي يا ماسة، اللي حصل حتى لو كان قاسي هو انتهى، كابوس وانتهى، إنتِ دلوقتي معايا، والمهم عندك أنا شايفك إزاي؟!

ارتعش صوتها، وانهار ما كانت تحاول التمسك به، توقفت امامه وهي تيشير الى نفسها، وقالت بنبرة محشرجه: أنت فاكرني موجوعة كده علشانك او علشان أنت شايفني إزاي بس؟!

زاد ارتعاش صوتها بانكسار: أنت متعرفش أنا صحيت لقيت نفسي إزاي ؟! 

قالتها بصعوبه وكأنها تجبر نفسها على نطق: أنا ... أنا مش عارفة أحط عيني في عين مصطفى، مكسوفة منه اوي، مش عارفه أزاي هتعامل معاه تاني بعد إللي حصل.

وتابعت من بين قهرها: بعدين أنا كل متخيل أن لو كنت اتاخرت شوية كان ممكن يحصل فيا ايه؟! أفرض مكنتش لحقتني؟!

اختنق صوتها، كأنها تغرق بشعور بالعار: أنت متعرفش الإحساس اللي حسيته، إحساس وحش أوى يا سليم، وحش اوووي؟!

انفجرت في بكاء حارقا، فجذها إلى صدره بقوة، جسدها يهتز بين ذراعيه، ويده تربت على رأسها، وصوته خرج مبحوحا لكنه ثابت:  لا لا بصيلي، أنتِ معملتيش حاجة غلط، فاهمة؟ لو الدنيا كلها بصتلك، أنا الوحيد اللي يهمك بصته ليكي.

رفع ذقنها قليلا، جبينه يلامس جبينها، وقال بوعد بعينين تترقرق بالدموع والغضب معا: والله لحرقلك قلبهم، والله لاخليهم يجوا لحد عندك يغسلو رجلك بدموع عينيهم...

نظر داخل عينيها وكأنه يحاول ان يبث فيها القوة: خلاص انسي، انسي اللي حصل وخليه هدف، هدف قصادك عشان تقدري تاخدي حقك وتكملي.

هزت رأسها بقوة، وصوتها خرج مبحوحا منكسرا:  انسى؟! انسي ايه ولا ايه بس؟!

ثم صاحت فجأة، بنبرة هستيرية ممزوجة بوجع حارق: دول قلعوني هدومي، وحطوني على سرير راجل تاني يا سليم! 

شدت على شعرها، ودموعها تنهمر بغزارة: حطوني على سرير راجل غريب، أباحوا شرفي عادي، هما بيعملوا فيا كده ليه؟! بيعملوا فيها كدة ليه يا سليم؟!

اقترب منها أكثر بعينين اغرورقت بدموع الالم من أجلها، حاول أن  يلمس وجهها بين كفيه، لكنها دفعت يديه بعصبية، وكأن اللمس يعيد إليها كل شيء.

صرخت بانكسار بقهر: أنا عملت فيهم إيه؟!  غير إني حبيتك… واتجوزتك؟!

صوتها انهار، وتحول إلى بكاء مرير: أنت عملت فيهم إيه علشان يعملوا فيا كده؟!

ضربت صدرها بيد مرتجفة: مكفاهمش كل ده، كمان بلغوا البوليس علشان يبان إني ست مش كويسة؟!
علشان أبقى إنسانة رخيصة في نظرك، مكفاهمش انهم حاولو يقتلو بابا زمان، وهددوني باهلي، وعيشوني في رعب سنين، كمان يلبسونى قضيه كدة، انا عملت ايه؟! عملت ايه لكل ده، ولا علشان انا خادمة،  انا لو قاتله لهم حد مش هعملوا  فيها كدة، والله حرام مبقتش قادره..

انهارت انهيار تام: تعبت تعبت.

ثم خرجت منها صرخة موجوعة: آااه…

كادت أن تخونها قدماها، وتقع أرضا وهي مازالت تصرخ بوجع قطع نياط قلبها: اااااه

فسحبها سليم بسرعة إلى صدره قبل أن تسقط، لف ذراعيه حولها بقوة، وكأنه يحاول أن يحميها من الذكريات نفسها.

صوته خرج مخنوقا لكنه ثابت، فيه غضب مكبوت ووعد: بصيلي… بصيلي يا ماسة.

رفع وجهها إليه، إبهامه يمسح دموعها بعنف حنون: اللي حصل ده مش ذنبك، ولا عيبك ولا ليه أي علاقة بيكي هو انتقام مني انا فيكي يا ماسة..

ثم همس، وصوته يرتجف لأول مرة: بس اقسملك بالله إن محدش هيلمسك تاني، محدش هيقربلك تاني، وكل اللي فكر يعمل فيكي كده، هخليه يتمنى الموت وميطولوش...

هزت رأسها بجنون، والرعب ينهش ملامحها، وقالت بصوت مكسور متلاحق: أنا مش عايزة أخرج تاني، مش عايزة أروح أي مكان، إنت صح، إنت على طول صح، أنا اللي غلطانة، أنا آسفة.

تشبثت به أكثر، كأنها تحتمي بجسده من العالم: خليني هنا، مش همشي، لبسني أسوار، خلي حراس يمشوا ورايا، ويركبوا العربيه معايا، مش هروح جامعه ولا عند ماما، هفضل هنا، متسبنيش لوحدي تاني، أنا مش عايزة منهم حاجة، أنا خايفة منهم أوي، دول وحشين أوى، وحشين أوي والله يا سليم.

انهارت فجأة، وانفجرت بكاء حارق، خرج من أعماقها، حتى اختنق صوتها، وتقطعت أنفاسها، كأن الهواء لم يعد يكفي صدرها.

وقف سليم أمامها عاجزا ينظر إليها ولا يعرف ماذا يفعل وهو يرى زوجته مكسورة ومشوة بهذا الشكل، الألم كان يعصر قلبه، وفي الوقت نفسه كانت النيران تشتعل داخله غضب أعمى، ورغبة قاتلة في الذهاب إليهم الآن لإحراقهم واحدا واحدا.

لكنه لم يستطع تركها وحدها، لم يستطع الابتعاد، انحنى نحوها، وأمسك وجهها بين يديه وقال بصوت مبحوح، ووعد لا يحتمل التأجيل: والله لأجيبلك حقك، والله ما هسيبهم.

لكنها لم تكن تسمع كلماته، كانت نوبة الهلع قد سيطرت عليها بالكامل.

تسارعت أنفاسها بجنون، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، أصابعها تشنجت في ملابسه، وعيناها فقدتا التركيز، تدوران في الفراغ كمن يغرق ولا يجد سطحا يتشبث به.

همست بصوتٍ مخنوق، بالكاد يُسمع: أنا بردانة، أنا خايفة…

شدت أصابعها في قميصه أكثر، كأن الهواء بدأ ينفد من حولها..

أنفاسها تسارعت، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وعيناها اتسعتا في فراغ مخيف: سليم…مش قادرة اخد نفسي.. مش قادرة اخد نفسي..

خرج اسمه مكسورا، بالكاد مسموع، تجمد جسدها بين ذراعيه، ثم بدأت ترتعش، رعشة غير طبيعية، لاحظ تغيّرها فورا، فشدها عليه أكثر، وقلبه انتفض: ماسة؟  بصيلي… خدي نفس… ماسة!

لكنها لم تكن تسمعه، يدها تشبثت به بعنف، كأنها تغرق، شفتيها ترتجفان، والهواء يخرج من صدرها متقطعا، مؤلما: أنا… مش قادرة… نفسي مقطوع…مش قادرة اتنفس..

ضم كتفيها بكفيه، وانحنى أمامها، وعيناه لا تفارقان وجهها المرتعب، كأنه يحاول أن يضبط أنفاسه قبل أن يضبط أنفاسها، وقال بصوت ثابت قسريا: بصيلي… خدي نفس براحة…اسحبيه واحدة واحدة… وطلعيه بالراحة… يلا؟

لكنها لم تكن تسمع كانت في حالة انهيار كامل، صدرها يعلو ويهبط بعنف، أنفاسها متقطعة، وكأن الهواء يُسحب منها قسرا.

صرخت فجأة بصوت مبحوح: مش قادرة، مش قادرة آخد نفسي!

ارتعب سليم، فرفع صوته وهو ينادي: مكي! مصطفى! مكي !

وفي لحظات، اندفع مكي إلى الغرفة، يتبعه مصطفى.

قال مكي بقلق: في إيه يا سليم؟!

أشار سليم إليها، وصوته مختنق: ماسة… مش عارف مالها! فضلت تعيط وهي منهارة وفجأه قالت إن هي مش قادره تاخد نفسها وبتاخذ نفسها بصعوبه.

اقترب مصطفى فورا، جلس أمامها، يراقب تنفسها، وقال بحسم طبي: دي نوبة هلع وممكن تكون مؤقتة… بس محتاجة تهدئة فورا.

رفع عينه نحو سليم وقال بتعليمات حازمة: خليك معاها، خليها تحاول تاخد نفسها، احضنها وحاول تهمس لها بحاجه تهديها وتطمنها.

رد سليم باعتراض: اهمس ايه؟ دي مش قادره تاخد نفسها، افتح الشباك يا مكي.

مصطفى تدخل بهدوء: مش محتاجة كل الكلام ده صدقني، كلمها وخدها في حضنك يلا، الشعور دى نفسي مش عضوي، تنفسها كويس مفيهوش حاجه.

كانت ماسة تبكي بصمت مخيف، جسدها يهتز، دموعها تنساب بلا توقف، وأنفاسها ما زالت مكتومة، كأن صدرها ضاق فجأة عن الحياة.

لم يفكر أستمع لحديث مصطفي، ضمها إلى صدره، وراح يربت على ظهرها بحنان ثابت، يتمسك بها وكأنه السور الأخير الذي يمنعها من السقوط: ماسة اهدي، انا جنبك، خلاص مش هسيبك، متخافيش.

قال مصطفى بلهجة حاسمة وهو يراقب حالتها: لازم دكتورها ييجي، بس لحد ما يوصل، أكيد هياخد وقت.

التفت إلى سليم بسرعة: كلمه يا سليم، وقوله حالتها بالظبط خليه يكتب لنا أي حقنة مهدئة لحد ماييجي، نديها لها فورا.

قاطعهم مكي وهو يخرج هاتفه من جيبه: لا، سيبها عليا أنا هكلمه.

وبالفعل بدأ يتصل بياسر، صوته منخفض لكن متوتر، يشرح له الحالة بدقة، كان ينظر إلى ماسة بين الحين والآخر، جسدها المرتجف لا يهدأ، ودموعها لا تتوقف، أنهى المكالمة وقال: كتب لنا اسم الإبرة تهديها، هروح أجيبها.

اندفع مكي خارج الغرفة، في تلك الأثناء، جلس مصطفى إلى جوار ماسة، بينما كان سليم يحتضنها، ذراعه مشدودة حولها كأنها آخر ما يربطه بالعالم.

كانت ما زالت في حالة ارتجاف شديد، وبكاء هستيري مكتوم، أنفاسها محبوسة في صدرها، كأن الهواء يرفض الدخول، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وعيناها زائغتان، وكأنها تُصارع نوبة اختناق حقيقية.

قال مصطفى بهدوء مدروس، وهو يشير لسليم: خليك كده… خليك ثابت… حاول تخليها تركز على صوتك.

انحنى سليم عليها، يهمس قرب أذنها:  أنا هنا…اسمعيني… نفس صغير… واحد بس…

حاول سليم أن يكسر حاجز الألم الذي يعتصرها، وهمس بصوت مكتوم لكنه حنون: بقالك كتير… مقولتليش متستصغرنيش… قوليها… قوليها كده.

رفعت عيناها إليه، ضعيفة، مليئة بالدموع والانكسار، لم تستطع حتى النطق.

هزت رأسها بضعف وحزن، والدموع تملأ عينيها بلا توقف.

لم يتحمل سليم رؤيتها هكذا، فضمها بقوة أكبر إلى صدره، كأن حضنه وحده قادر على حمل كل ما يثقل قلبها، ورفع يده ليربت على ظهرها بلطف، يحاول نقل شعور الأمان إليها: هشش… كل حاجة هتعدي… أنا هنا… أنا معاكي… مفيش حاجة هتحصلك انتِ مش لوحدك.

همس لها وهو يضغط على كتفها بخفة، محاولة تهدئتها دون كلمات كبيرة، مسح دموعه عينها بهدوء، ونظراته كانت تقول أكثر مما تستطيع الكلمات: أنا جنبك… ومش هسيبك أبدا.

مرت دقائق ثقيلة كأنها دهر، ثم عاد مكي مسرعا، يلهث، والحقنة في يده، ناولها لمصطفى دون كلام.

أخذ مصطفى الحقنة، بدأ يجهزها بعناية، ثم نظر إلى ماسة وقال بصوت مطمئن: هتحسي بوخزة بسيطة… خلاص… ثواني وتعدي.

أدخل الإبرة في ذراعها برفق، بينما سليم ما زال يحتضنها، يهمس قرب أذنها: عشقي أنا هنا، متخافيش..

وبدأت ماسة تهدأ تدريجيا، أنفاسها انتظمت شيئا فشيئا، ارتجاف جسدها خف، ودموعها هدأت، وبعد دقائق، ثقلت جفونها، واستسلمت للنوم بين ذراعيه.

ظل سليم ممسكا بها، لا يتحرك، عيناه معلقتان بوجهها الشاحب، والنار ما زالت مشتعلة داخله، لكن الآن دوره الأول هو الأمان، والانتقام له وقت آخر

وحين تأكد أنها غرقت في نوم ثقيل، نوم يشبه الهروب أكثر مما يشبه الراحة، أنزلها برفق على الفراش، وسحب الغطاء عليها بحذر وكأن أي حركة خاطئة قد تعيدها إلى جحيمها من جديد.

انحنى عليها، طبع قبلة خفيفة على رأسها، قبلة طويلة، كأنها وعد صامت بالحماية واعتذار عن ما حدث معها بسببه… 

تراجع خطوة، وعيناه لا تفارق ملامحها، امتلأ صدره بدموع حارقة لم يسمح لها بالسقوط، لكنه شعر بها تحرقه من الداخل.

كان يعرف جيدا أنه السبب فيما حدث لها، لو لم يتزوجها، لو لم يدخلها هذا العالم، ما كانت وصلت إلى ما وصلت إليه

شد على أسنانه بعنف، والندم ينهشه، لكن الغضب كان أقوي وأقسى وأخطر.

الآن لم يعد هناك وقت، لا خطط طويلة، ولا ألعاب، ولا انتظار حتى يضربوا بعضهم ببعض، انهيارها ورعشتها وصراخها وما فعلوه بها تجاوز كل شيء.

الغضب اشتعل داخله كحريق بلا سقف.

استدار فجأة، واتجه إلى غرفة الملابس بخطوات ثقيلة، توقف أمام أحد الأرفف، رفعه بعنف، فانكشف خلفه ممر ضيق مظلم، كأنه سر لم يفتح منذ زمن.

دخل، فاشتعلت الأنوار تلقائيا، كانت الغرفة مليئة بالأسلحة الثقيلة.

تجول بنظره بينها لحظة واحدة فقط، ثم امتدت يده دون تردد.

أمسك بالرشاش، فتح الخزنة، ملأها بالرصاصات، صوت المعدن وهو يحتك بالمعدن كان كفيلا بإشعال ما تبقى من عقله.

جز على أسنانه، وعيناه غام عليهما خطر بارد، قاتل، لا رجعة فيه.

 أغلق الخزنة بقسوة وتحرك للخارج، فالانتقام لم يعد خيارا بل ضرورة


باقي الفصل الخامس والعشرون (3)👇

هبط سليم إلى الأسفل، السلاح بين ذراعيه، وعيناه غائمتان بسواد كثيف، سواد لم يكن مجرد غضب بل خطر صافي يكسو ملامحه حتى كاد يخفيها تماما.

خطواته كانت ثابتة، لكنها ثقيلة، كأن الأرض نفسها تشعر بما يحمله داخله.

كان مكي ومصطفى في الأسفل، وما إن وقعت أعينهما عليه، حتى تجمد المكان من حولهما.

التفت مكي نحو الدرج حين استمع إلى خطواته، وسرعان ما اتسعت عيناه بصدمة صريحة لم يستطع إخفاءها؛ فهو يعرف هذا الوجه جيدا، ويعلم أن ظهوره على هذا النحو لا يعني سوى أمر واحد.

أما مصطفى، فاستقام في وقفة مشوبة بالقلق، وتنقلت عيناه سريعا بين السلاح ووجه سليم، كأن عقله يحاول أن يستوعب ما يحدث قبل أن يفلت الأمر تماما عن السيطرة.

اقترب مكي بخطوات حذرة، حتى توقف أمامه مباشرة، ونظر إلى السلاح بين ذراعيه ثم إلى عينيه، وقال بذهول حقيقي: أنت رايح فين يا سليم؟

رفع سليم رأسه ببطء، أنفاسه متسارعة، صدره يعلو ويهبط بعنف، وصوته خرج مبحوحا من الغضب: رايح أجيب حق مراتي.

تحرك خطوة للأمام، لكن مكي اندفع ووقف في طريقه محاولا تهدئته: طب ماشي، هنعمل كل اللي أنت عايزه، بس اللى أنت ناوي تعمله ده مش هيفيدك بحاجة، هتبقي بحر دم يا سليم، هم أكيد مش هيشوفوك رايح تقتلهم ويسكتوا ؟!

اتسعت عينا سليم، واشتعل السواد فيهما أكثر وكان مكي ضغط على جرحه، فصاح به: مش مهم، أنا رايح يا قاتل يا مقتول، وأنا أصلا مش هخلي فيهم حد عايش، ههد القصر علي دماغهم.

كا مكي أن ينطق، فسبقه سليم ورد عليه بغضب عارم: ومتقوليش اصبررررر، اصبر إيه تاني يا مكي؟ أصبر لحد إمتى؟ لحد ما المرة الجاية ينيموها مع واحد؟! ولا يدخلوا عليها واحد يغتصبها؟! 

اقترب منه خطوة، وصوته ارتفع وهو يكاد ينفجر: أنا صبرت كتير، وقت الصبر خلص، مفيش حاجة تانية محتاج أعرفها اللي كنت عايز أعرفه عرفته وانتهى.

رفع السلاح قليلا، ونبرته تحولت لوعد قاتل: هفرغ الرصاص في قلوبهم وهحرقهم، وأي حد هيقف قدامي هيحصل عماد وصافيناز.

كاد سليم أن يتحرك لكن توقف مكي أمامه، وأمسكه من كتفه محاولا تهدئته أو إقناعه بالتراجع: متوسخش إيدك بالدم يا سليم، أنت توبت مترجعش للطريق ده تاني.

لكن سليم لم يستمع إلي حديثه كأنه أصم، وصاح به وهو ينزع يده عن كتفه: ملكش دعوة، وأوعى من وشي، يا مكي بقولك!

قالها مكي بحزم، وهو يثبت قدميه في الأرض: لا هوعي، اللي أنت عايز تعمله ده غلط ومينفعش وأنا مش هسمحلك تأذي نفسك، ماسة دلوقتي كويسة والحمد لله، بلاش ترجع لطريق الدم تاني، وصدقني اللي حصل ده في صالحكم.

ضغط سليم على أسنانه، وصاح: صالحي!!! ينيموا مراتي في حضن واحد تاني وتقولي في صالحي!!! هستني يعملوا في مراتي ايه أكتر من اللي عملوه! ابعد عن وشييي...

حاول أن يندفع، لكن في لحظة خاطفة رفع مكي ذراعه وامسك به بحركه خاطفة، وسدد له روسيه قوية في رأسه، فترنح سليم، واهتز جسده، ثم سقط أرضا، فاقدا الوعي.

صرخ مصطفى بصدمة: أنت عملت إيه؟!

انحنى مكي بسرعة: مفيش وقت، شيله معايا بسرعة.

حملاه معا، ووضعاه على الكرسي بصعوبة، وهو شبه غائب عن الوعي، ثم تحرك مكي للخارج وعاد بعد دقائق قليله ومعه حبل، وقال وهو يلتقط أنفاسه: لازم  اربطه، لو فاق دلوقتي مش هنعرف نوقفه، تعالي ساعدني.

ساعده مصطفى فورا، وبدآ في تقييد يديه بقوة، وكأنهما لا يربطان رجلا بل يحاولان كبح إعصار.

في تلك اللحظة دخل عشري بملامح مثقلة، وما إن وقعت عيناه على سليم المقيد حتى قال بصدمة: أنتم بتعملوا ايه؟!

رد مكي بحدة وهو لايزال واقفا أمام سليم: كنت عايزني أوقفه إزاي يعني؟ كان ماسك الآلي ونازل يقتل كل اللي في القصر!

تنهد عشري بمرارة: بصراحة حقه، أنا لو مكانه كنت أكلت قلوبهم بإيدي وهم صاحيين.

قاطعه مكي بسرعة: متقولوش الكلام ده قدامه، إحنا عايزين نهديه مش نشعلله أكتر! 

هز مصطفى رأسه بأسى: عندك حق، وحتى لو أهله عملوا كل ده، إحساس إنه يقتل اهله بأيده إحساس مش سهل، هيفضل يطارده طول عمره.

لم تمر سوى دقائق حتى بدأ سليم يستعيد وعيه، تأوه بألم، ونظر حوله بارتباك، ثم استوعب الكرسي! القيود!

اشتد غضبه فجأة كإعصار انفجر داخله، وصاح بصوت هز أرجاء المكان: فكني يا مكي!

اقترب مكي خطوة: لا مش هفكك، طول ما أنت مش عايز ترجع عن الجنان اللى في دماغك دى.

صرخ سليم، وعروقه نافرة، ووجهه محتقن بالغضب: اللي عايز أعمله جنان؟ الجنان الحقيقي إني معملتوش من زمان! من أول لحظة شكيت إنهم ورا اللي حصل، ومن أول ما ماسة حكتلي كل اللي عملوه فيها !

شد القيود بعنف وهو يصيح: فكني يا مكي!

رد مكي بحزم بارد: مش هفكك، ومش هسمح لغضبك يرجع تانى لطريق دفعنا كتير علشان نخرج منه!

زمجر سليم، يحاول الإفلات، وصاح من بين أسنانه:  ملكش دعوة، أنت مالك، فكني بقى، متعصبنيش!

رد مكي برفض قاطع: لا مش فاكك

جز سليم على أسنانه بعنف حتى كاد صريرها يُسمع، وصاح بهم بصوت جهوري مبحوح، اهتزت له أرجاء المكان، وهو يشد قيوده بعنف، وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما: هو ايه اللى لا، فكني بقولك..

صاح مكي بحسم: قولت لا مش هفكك، ولو قعدت تزعق من هنا للصبح مش هفكك.

تسارعت أنفاس سليم، وكان الغضب ينهش صدره من الداخل، شد عضلات ذراعيه بعنف، محاولا الإفلات من قيوده قسرا، حتى اهتز المقعد تحته، غير أنه كان مثبتا بإحكام؛ فقد قيده مكي على نحو يستحيل معه أن يتحرك، أو حتى أن يزحزح الكرسي عن موضعه.

خرجت منه صرخة موجوعة، مختنقة بالقهر والرجولة:  آآآآآه!

رفع رأسه ببطء، وعيناه غارقتان في دموع حارقة؛ ليست دموع ضعف، بل دموع رجل انكسر في داخله شيء لا يُجبر.

قال بصوت مبحوح، يتقطع من الوجع: أنت مش حاسس بيا، ولا حاسس بالنار اللي جوايا، فكني يا مكي خليني أشفي غليلي وأخد حق مراتي، يمكن لما أخدلها حقها واوريها إن جوزها بيقدر يجيب حقها متبقاش مكسورة ولا خايفه كده تانى...

ثم أضاف، بنبرة أقسى، كأنها اتهام واعتراف في آن واحد: لو كنت مكاني كنت عملت أكتر مني.

ساد صمت ثقيل لوهله قبل أن يقول مكي بهدوء موجع: صح لو كنت مكانك كنت عملت زيك، بس أنت كمان كنت هوقفني قبل ما اغلط او أأذي نفسي.

خرج صوت سليم مكسورا، بين دموعه وغضبه: لا كنت اكلت كبدهم حي، علشان كنت هبقى مقدر وجعك وهساعدك تجيب حقك وحق مراتك مش هقف امنعك واحميهم، وأنت عارف عملوا إيه في مراتي؟! دول استباحوا عرضي يا مكي.. 

رد مكي بهدوء ثقيل: والله العظيم عارف وحاسس بيك يا سليم، بس معني ليك دلوقتي مش حمايه ليهم، هما مش فارقين معايا، أنا بحميك أنت من غضبك اللى ممكن يحرقك قبل ما يحرقهم.

انفجر سليم، صوته خرج مكسورا وغاضبا في آن واحد وهو يهز راسه معارضا: لا! متعرفش حاجة! ولا حاسس بيا، لو كنت حاسس بيا مكانتش عارضتني، وكنت حطيت ايدك في ايدى وروحت حرقتهم معاياء، مش كل شوية تهديني وتصبرني وتدافع عنهم، وتقولى أهدي! 

اقترب بصدره المشدود رغم قيوده: بتحميهم ليه؟ أنت معايا ولا معاهم؟ 
ثم صاح وقد احمر وجهه: ليه مش عايزني أولع فيهم؟ 

صمت لحظة، ثم خرجت الكلمة كطعنة: وولا تكونش أنت كمان شغال معاهم ومستغفلني...

تجمد مكي في مكانه، وكأن الكلمة أصابته في الصدر: شغال معاهم؟! أنا يا سليم!؟ 

رد باتهام محسوب وصوت قاطع كالنصل دون تردد، وعيناه غارقتان في سواد مخيف: أه أنت.

ثم علا صوته، واختلط بالغضب: أنت اللي أقنعتني أخرجها! ومحدش كان عارف مكانها غيرك أنت وعشري! إللي اكيد هو كمان خاين زيك، وكل حاجة بتحصلي أنت بتبقى عارفها! مفيش حاجة بتوصلهم غير وأنت عارفها! وطول السنين اللى فاتت كنت نايم على ودانك ومفهمني إنك عارف كل حاجه، وأنت ولا هنا، لو مش قد الشغل قولى وأنا أجيب حد مفتح عنك يعرف يشوف شغله.

ثم انكسر صوته فجأة، وخرجت الكلمة ضعيفة قاتلة: إذا كان أمي خانتني، أنت مش هتخني؟!

نظر له مكي بصدمة حقيقية، واتسعت عيناه على نحو بالغ؛ فهو لم يتوقع يوما أن يسمع من سليم مثل تلك الكلمات: أنت بتشك فيا يا سليم؟!

أجابه سليم بجمود: ومشوكش فيك ليه؟! هو أنا بقول حاجه محصلتش؟! كل حاجه حصلت كنت أنت سبب مباشر فيها سواء إنك تخبي عليا اللعب اللى بيلعبوه من ورا ظهري، أو إنك كل شويه تقعد تقولى أهدى... 

لم يُصدم مكي بالكلمات نفسها، بل بالفم الذي خرجت منه تلك الكلمات، وبالفكرة التي استطاعت، ولو للحظة، أن تجد طريقها إلى عقل سليم.

لم يتوقع أبدا أن يُتهم حتى في أسوأ لحظات الانكسار والغضب.

شعر بوخز حاد في قلبه، كطعنة صامتة، غير أنه تماسك، وحاول أن يثبت، وألا يسمح لذلك الوجع أن يتمكن منه؛ فهذه اللحظة لا تحتمل سقوطه هو الآخر.

فتنفس بعمق، وقال: ماشي يا سليم، أنا مش هحاسبك على الكلام اللى بتقوله دى، علشان عارف إنك مش في وعيك وأعصابك مشدوده.

قاطعه سليم باستهجان: مش في وعي ليه شايفني مجنون وبشد في شعري!

انفجر مكي فيه بغضب عارم، وصوته خرج أجشا ممزقا في صدره، وهو يندفع نحوه بعينين تقدحان شررا: أيوه مجنون وبتشد في شعرك، ومش عارف بتقول إيه، أنا إن كنت بمنعك دلوقتي فعلشان بحبك وبحميك أنت من نفسك.

اقترب خطوة، وصوته صار أخفض لكنه أخطر: اللي عملوه في ماسة جريمة متتغفرش، وأنا مقولتش سامح…

توقف لحظة، ثم أكمل بصرامة: بس قولت انتقم بنفس سلاحهم.

ثم تنفس بعمق، وكأن القرار خرج من قلبه بحزن: بس مادام شاكك فيا، يبقى خلاص.

أخرج هاتفه، مفاتيحه، جهازه اللاسلكي، ووضعهم أمامه:  اعتبرني مستقيل من النهارده، وآسف يا سليم بيه، واضح إني معرفتش أحميك بالطريقة الصح.

كان سليم يستمع إليه بعينين تحترقان بدموع لم يعرف متى خرجت ولا كيف سمح لها أن تظهر، لم يعرف كيف استطاع للحظه الشك برفيق عمره، ولا كيف خرجت منه تلك الكلمات، لكنها كانت الخط الفاصل الذي بدأ يُهدئ جنونه.

كان الغضب ينهش صدره، والألم يضغط على روحه، وما زالت الكلمات التي قالها قبل لحظات تتردد في أذنيه كطعنة مرتدة، لم يكن في حال تسمح له بالتفكير أو بالندم؛ لم يكن هناك سوى وجع رجل رأى زوجته تُكسر، واكتشف أن من كسروها هم أناس من دمه.

وقبل أن يغادر مكي نظر لعشري بعينين متصلبتين، ثم قال بحزم: محدش يفكه دلوقتي.

وتبادل نظرات سريعة مع مصطفى، قبل أن يخرج.

وقف عشري ومصطفى بعيدا، يراقبان بصمت ثقيل، مذهولين، لا يجرؤ أي منهما على التدخل.

انحدرت دموع سليم أخيرا، وبدا أن الندم يتسلل إليه بسبب تلك الكلمات التي تفوّه بها؛ غير أنه قالها وسط نار ووجع وغضب مكتوم لرجل مُهان.

نظر لعشري قائلا: فكني يا عشري…

رد عشري بصوت مرتبك: يا ملك…

ارتفع صوت سليم فجأة، مبحوحا، مرعوبا من نفسه: فكني يا عشري! ورحمة بنتي لو ما فكيتني دلوقتي ما هتعرف أنا ممكن أعمل إيه!

تجمد عشري في مكانه لحظه، ثم نظر إلى مصطفى بتوتر، كأنه يستنجد به طالبا العون أو الفرار؛ فكلاهما كان يدرك أن القرار خطير، وأن تركه مقيدا أخطر.

تحرك عشري أخيرا، وبدأ يفك قيوده ببطء، وما إن تحرر سليم، حتى وقف عشري أمامه محذرا: سليم متتهورش.

لم يرد، بل دفعه بعيدا، واندفع خارجا كالإعصار، وقد اسودت الدنيا في عينيه.
خرج إلى الحديقة، وتوقف في منتصفها، ثم صرخ ... صرخة رجل منهار، مطعون، مخذول.

أخرج مسدسه، ورفع ذراعه، وأطلق الرصاص في الهواء مرارا، كأنه يحاول أن يفرغ النار المتقدة في صدره.

في تلك اللحظه، اقترب منه مصطفى بحذر، وقف خلفه وقال بهدوء موجوع: تفتكر لو قتلتهم هترتاح؟

التفت له سليم بعينين حمراوين: محدش حاسس بيا ولا بالنار اللى جوايا، ماسة المرة دي متهددتش يا مصطفى… دي اتكسرت.

أخذ مصطفى خطوة للأمام، وصوته كان صادقا ومكسورا: أنا فاهم إن الموقف صعب ويكسر أي ست، بس الحمد لله عدى وأنت خلصته، وأهم حاجة دلوقتي هي في نظرك إيه… وفي نظري إيه.

صمت لحظة، ثم أكمل: اللي حصل لعبة وسخه وظلم، بس لازم تسأل نفسك سؤال واحد هل قتلهم هيطفي نارك؟  يمكن دلوقتي اه، بس بعد يومين هتقول يا ريتني ما عملت كده.

نظر إليه سليم في صمت، فتابع مصطفى: أنا مش فاهم الخطة اللي كنت ناوي تعملها عليهم، بس اللي حسيته إنكم كنتوا ناويين تعملوا فيهم نفس اللي كانوا بيعملوه فيكم.

تنهد بمرارة وتابع: أنا مش شرير ومبعرفش أفكر فكر انتقامي، بس لأول مرة أحس إن جوايا كره تجاه ناس بالشكل دى، لدرجه حاسس إن قتلهم مش كفاية ولا جلدهم حتي كفاية.

خفض صوته: حاسس إنهم لازم يشوفوا نفس الخوف، ويحسوا بنفس العار ونفس الظلم، ويتحطوا في موقف محدش يصدقهم فيه.

اقترب خطوة أخيرة: مكي كان بيوقفك مش علشان يحميهم، هو كان بيوقف شيطانك ونارك اللى مكانتش هتحرق غيرك.  

خفض سليم رأسه ببطء، وصوته خرج مبحوحا: أنا عارف، ومش عارف قولت الكلام ده أزاي.

تنفس بعمق: بس يمكن اللي قولته كان اللحظة اللي فرقت وخلتني أتراجع عن اللي كنت ناوي أعمله.

تقدم مصطفى بخطوة هادئة، صوته منخفض لكنه ثابت، كأنه يمد له حبل نجاة: يمكن اللي حصل ده كان لازم يحصل، عشان تفوق من الجنان والغضب اللي كانوا مسيطرين عليك، اللي بينك وبين مكي أكبر بكتير من كلام اتقال في لحظة غضب، لو رُحتله وفهمته واعتذرت، كل حاجة ممكن تخلص.

تنفس بعمق قبل أن يكمل بنبرة فلسفية: وقت الغضب الواحد ممكن يقول كلام قاسي من غير ما يقصد، وأنا أصلا ضد جملة إن “الناس بتبان وقت غضبها” ومعاها في نفس الوقت.

نظر إليه وتابع: الكلام وقت العصبية بيطلع غصب عن الواحد وهو مش في وعيه، إنما الأفعال اللي بتيجي بعدها هي دي اللي نتحاسب عليها،  لو مروحتش، أو مكي متفهمش، ساعتها بس الشك يبقى له معنى.

صمتت لحظة، ثم قال بنبرة أخطر: والأهم من كل ده، ماسة، هي محتاجلك دلوقتي أكتر من أي وقت تاني، لو صحيت وملقتكش جمبها الله أعلم ممكن يحصل فيها إيه؟! هي مكسورة وموجوعة ومحتاجة جوزها حبيبها، يقويها، ولو شافت في عينك إن اللي حصل أكبر منها وهزك هتفضل مكسورة.

ابتلع سليم ريقه بصعوبة، وصوته خرج مخنوقا: ما هو ده اللي كاسرني أنا كمان يا مصطفى، ده اللي مخليني عايز أحرق العالم كله، إني معرفتش أحمي مراتي منهم،
كنت فاكر نفسي قوي وجامد، وفاهم كل حاجة، بس طلعت غبي وطيشه، عروسة شطرنج كلهم بيلعبوا بيها.

انخفض صوته وتابعه بنبرة موجوعه: ومش فاهم ليه بيعملوا كده فيا، ليه كل الشر دى متوجه ليا !! أنا عمري ما فكرت أأذي حد فيهم!!

مرر يده على وجهه بعنف: لو كل ده كان فيا أنا، سمعتي، وشغلي، وحياتي كنت أستحمل، إنما ماسة؟
إيه ذنبها تدفع تمن إنها مرات سليم الراوي؟

أضاف بنبرة مليئه بالإنهزام والقهر بعينين تترقرق بدموع ترفض الهبوط: أنت مش هتفهم يعني إيه قهر راجل مش عارف يحمي مراته.

مد مصطفي يده وربت على كتفه بمواساه، وصوته خرج هادئا مليئ بالإحتواء: أنا حاسس بيك والله يا سليم، وفاهم اد ايه حاجه صعبة إن الأذيه تيجى لإنسان من أهله اللى المفروض أقرب ما ليه، بس صدقني الحل مش في قتلهم، القتل هيريحك لحظة وبعدها هتقول يا ريتني..

تابع  بعقلانية: الانتقام الحقيقي إنك تخليهم يعيشوا نفس المأساة خطوة خطوة، مش تقتل نفس، ولا تشيل ذنب ناس ملهاش علاقة، اللي عمل كده هو اللي يدفع التمن وبس.

شد على كتفه بتنبيه: إوعى تحس إنك راجل ضعيف، اللي عملوا كده وخططوا لجريمه بالشكل دى هما اللي عالم خسيسة، مراتك من حقها تعيش وتخرج وتحيا حياة طبيعية.

حاول تهوين الامر عليه، قائلا: وأنت كمان مغلطتش،  أنت بس كنت مش شايف الصورة كاملة، واديك بتصلح.

نظر له سليم طويلا وكأن حديث مصطفى لمس شيء بداخله، تنفس بعمق، ونظر له بتردد وكأنه يريد أن يسال عن شئ، ثم سأل بصوت منخفض: مصطفى… لما صحيت… هي كانت…؟

فهم مصطفي ما يريد قوله، فقاطعه بسرعة وحسم: أقسم بالله العظيم يا سليم عيني ما شافت منها حاجة، كنت مديها ضهري وأنا بساعدها تلبس، مسكت إيديها بس علشان كانت مش متزنة، وغطيتها وسترتها على أد ما أقدر.

رفع سليم عينه إليه بامتنان، وقال بنبرة محشرجه: أنا واثق فيك ومش أول مرة تسترهالي، أنا مديونلك بحياتي مرتين يا مصطفي.

ربت مصطفى على كتفه: ماسة أختي وأنت أخويا، والدكتور النفسي هيساعدها، وإن شاء الله هتعدي.

تنفس سليم بعمق، ثم قال بجدية: مصطفى أنا محتاجك تقعد معانا يومين في حاجة في دماغي، و
مش واثق غير فيك أنت ومكي وعشري، الرجالة اللي شغالين معايا ثقتي فيهم مش كاملة، فمعلش محتاجك تقعد معانا يومين، لازم أخبارك تتقطع شوية، ده جزء من الخطة.

مصطفى بعدم اقتناع: بس أنا لازم أبلغ أهلي هيقلقوا

ابتسم سليم بغموض: وده المطلوب، خليهم يقلقوا، وبعد يومين نقولهم أي حاجة.

هز مصطفى رأسه موافقا، فتابع سليم بجدية: هخلي سحر تجهزلك أوضه.

اومأ مصطفي: تمام.

ابتسم سليم بخفوت، وقال: طب أنا هطلع بقي علشان أطمن عليها، تصبح على خير.

مصطفي: وأنت بخير.

توقف سليم عند الباب، والتفت إليه مرة أخيرة: شكرا يا مصطفى مرة تانية.

ابتسم مصطفي واومأ برأسه دون كلمه، فبادله سليم ابتسامه خافته واستدار لكي يصعد لأعلي.

غرفة النوم

صعد سليم إلى الغرفة بعد أن ترك مصطفى في الاسفل.

كانت ماسة لا تزال غارقة في نوم ثقيل، وأثر الحقنة ما زال يقيد ملامحها بالهدوء القسري.

اقترب منها ببطء، كأن الأرض تحته قد تصبح فخا إن خطا بقسوة، وعيناه تمران على وجهها الشاحب الحزين على غير عادته، كأنهما تحاولان حفظه أو الاعتذار له.

شعر بطعنة حادة في صدره، مد وجهه بأسف غامر، وحزن مكتوم، وبندم يعرفه جيدا، فهو السبب في كل ما حدث لها، ولولا وجوده في حياتها، لما حدث كل هذا، وكأن ذنبها الوحيد في هذه الدنيا أنها أحبته وتزوجته، وعليها أن تدفع الضريبة كاملة.

مد يده المرتجفة، لكنه تردد قبل أن يلمسها كأن الذنب أثقل من أن يحتمل، انحنى قليلا، وانهمرت دموعه أخيرا.

رفع يده إلى فمه يكتم شهقة خرجت رغما عنه، وبكى كرجل مكسور سحقت قوته دفعة واحدة، منكشف الضعف، محطم أمام النهاية التي أوصلهم إليها.

جلس إلى جوارها، يتأملها طويلا، وكأنه يرى جريمته متجسدة في هدوء صدرها.

ربما كل ما فعله طوال عمره يعود الآن دفعة واحدة: تجارة حرام، دماء، استبداد، وها هو الثمن يدفع من أكثر نقطة تؤلمه.

همس لنفسه بصوت مكسور: هفضل لحد إمتى أدفع التمن بيكي؟ يعني الحل إني أبعد؟ أسيبك علشان تعيشي في أمان؟ هو ده الاختيار؟

نظر إليها مرة أخرى، ودموعه تنزلق على خده بلا مقاومة: لو  ده التمن يا ماسة إنك تعيشي مرتاحة، من غير خوف هبعد، وهسيبك، حتى لو هدوس على قلبي مش مهم المهم، المهم إنك تكوني بخير، وهحميكي من بعيد لبعيد، مش هفضل معيشك في الوجع ده أكتر من كده… لازم حل.

اقترب أكثر، وقبل خدها قبلة خفيفة مرتعشة، ومسح على شعرها بحنان موجوع.

أسند جبينه إلى جبينها لحظة، يستنشق أنفاسها كأنه يتشبث بآخر خيط سلام يعرفه.

بقي على وضعه لدقائق، ليضم أوجاع قلبه المنكسر، ودموعه تنهمر بلا وعي، تسقط على وجنتيها كاعتراف متأخر.

تنهد بعمق، ثم طبع قبلة أخرى على كفها الصغير، ونهض بصمت.

توجه إلى خزانة الملابس، أخذ ثيابا عشوائية، ودخل الحمام، اغتسل سريعا، وكأن الماء لن يطهر ما داخله، ثم عاد إليها… وجدها لا تزالت نائمة.

رن هاتفه، نظر إليه، كان عشري: إيه يا عشري؟

جاءه صوت عشري منخفضا: دكتور ياسر جه

ضغط سليم على فكه وخرج صوته خشن غاضبا: لسه فاكر، قوله يمشي، نايمة دلوقتي، خليه يجيلها بكره.

ثم أنهى المكالمة.

وقف في منتصف الغرفة، صدره يعلو ويهبط، وغمغم بغضب مكبوت: انتم اللي صحيتوا الشخصيه دي من تاني، انا بقى هوريكم مين هو سليم الراوي.

التقط اللابتوب، وجلس إلى جوار ماسة، وضع السماعات في أذنيه، وعيناه رغم كل شيء لم تفارقها.

تنفس بعمق، ثم تمتم بمرارة: خلينا نشوف بقى بيقولوا إيه.

بدأ بتشغيل الملفات، تسجيلات صوتية ومرئية لميكروفونات القصر، كل ملف يحمل اسم المكان ورقم الغرفة.

حرك المؤشر بتردد: نبتدي منين… نبتدي منين؟ 

ثم حسم أمره: نبتدي من عند صافيناز وعماد.

ضغط.

الغرفة الآن فارغة.

رفع الفيديو قليلا، تنهد بضيق، ثم قال لنفسه: طب نشغل اللي حصل خلال اليوم.

بدأ الصوت.

المشهد الذي يراه سليم الآن:

كانت صافيناز جالسة بجوار عماد على الأريكة، تمسك سيجارتها، تنفث دخانها بابتسامة ممتلئة بالشماتة. 

صافيناز بضحكة مستمتعة: مش قادرة أقولك يا عماد أنا مبسوطة ازاي، كان نفسي أشوف منظره وهو شايفاها قدام عينيه في حضن مصطفى.

عماد بهدوء حذر: بس كويس برضو إنك قلعتيها، فكرة حلوة، ثبتي عليهم التهمه، مش عارف كانت تايهه عن بالى ازاي؟!

صافيناز وهي تهز كتفها بلا مبالاة: أنا أصلا مبفهمش في حوارات القانون دي، لابسة ولا قالعة، بس حسيت إن دي هتكسر سليم أكتر..

صمتت لحظة، ثم مالت نحوه: بس قولي هو لما عرف؟ عمل إيه؟

عماد بابتسامة خبيثه: دلوقتي في القسم، وشايط على الآخر.

صافيناز بابتسامة مريبة: تفتكر هيقتلها؟

عماد بسخرية: لازم يقتلها اصله لو معملش كدة، يبقي أخوكي ده لمؤخذا..

ثم رفع اصابعه لأعلى كاشارة قرون وقحه وتابع: هيبقى يعني رافعهم!

صافيناز بثقة باردة: لا لا، أنا عارفة أخويا كويس، مبيتفاهمش في الموضوع ده.

كان سليم يستمع وعيناه تغرقان في سواد كثيف، قبض على كفه حتى احمر، وغرست أظافره في جلده، تاركة علامات دامية.

ضغط بقسوة على أسنانه، وكاد الغضب أن يفلت منه، لكنه أخذ نفسا عميقا، وأجبر نفسه على المتابعة.

صافيناز وهي تغير الموضوع: سيبك بقى من الحوار ده الشحنة هتوصل كمان تلات أيام، وأحنا محتاجينها اوي علشان نشتغل هتابعها ..

عماد بتاييد: أيوه، متقلقيش، بس أهم حاجة متنسيش تعمليلي التوكيل، علشان أعرف اشتغل على راحتي.

هزت رأسها بإيجاب: بكرة هروح الشهر العقاري وأعملك توكيل عام

ثم تابعت بتنبيه: بس خد بالك يا عماد، إحنا محتاجين ندخل الشحنه دى بسرعه من الجمارك، كلم الباشا خليه يشوف لك حد، علشان المصنع يشتغل، ونلحق السيزون، وننزل بخط الإنتاج الجديد.

عماد بثقة: متقلقيش.

ثم قال: تعالي نكلم الظابط نشوف عملوا إيه.

تتابعت التسجيلات…

كان سليم يسمع إلي حديث الظابط معهم، الذي كان يعرفه بالفعل، حتى خرجوا من الغرفه، اغلق المشهد وبدأ يفتح جميع الغرف ويبحث إلى أن توقف انتباهه عند مشهد آخر.

رأى هبة تدخل مكتب عزت متسلله تفتش فيه بعجلة، ضيق عينيه وهمس بسخرية قاتلة: بتدوري على إيه يا هبة؟ لو بتدوري على اللي في دماغي، تبقي غبية، مش مستخبي هنا..

صمت لحظة، ثم أكمل ببرود: بس عموما، هتنفعيني اوي يا هبوبة، وأنتِ مش واخدة بالك، بس أنتِ كده محتاجة حماية، شكلك غبية أوي.

تابع التسجيلات، حتى ظهر مقطع آخر لفايزة وهي في الصالون مع عماد وصافيناز في توقيت آخر.

فايزة بلهفة: عملتوا إيه؟

عماد: سليم خرجها، والظابط قالي إنه فضل يتحايل عليه يقفل الموضوع، علشان شكله ميبقاش وحش.

ضحكت فايزة ضحكة باردة: أيوه كده أخيرا..

صافيناز بارتياح: الحمدلله إن سليم صدق، واللعبة بقت في صالحنا..

تنهدت فايزة بسعادة خبيثة، وابتسامة ارتسمت على شفتيها وهي تقول: أخيرا خلصنا من الماسة.

اقتربت صافيناز من الطاولة، وأمسكت بزجاجة الخمر، وصبت الكأس ببطء متعمد، كأنها تستمتع بكل لحظة، ثم رفعت الكأس وقالت باحتفال مريض: خلينا بقى نحتفل، في صحة قتل ماسة، أخيرا خلصنا منها، ومبقيناش خايفين تحكي لسليم اللي عملناه فيها زمان.

ضحكت ضحكة قصيرة، ثم أضافت بتهكم: وحتى لو مقتلهاش اكيد هيوريها العذاب الون لفتره، ولو فكرت تفتح بوقها وتقوله حاجة؟ مش هيصدقها، دي جايبها من على السرير عريانة وهي في حضن واحد تاني.

أومأت فايزة برأسها موافقة، وعيناها تلمعان بالشر: عندك حق.

اقتربت الكؤوس من بعضها، وارتطمت في صوت خافت، كأنهم يعلنون انتصارهم، احتفال قذر بخطة أدنى من الخيانة.

في تلك اللحظة، اشتعل الغضب في عينا سليم، كأنه بركان على وشك الانفجار.

لو كانوا أمامه الآن، لما تردد لحظة، كان سيقتلهم بيديه، ويمزق صدورهم ويقتلع قلوبهم دون رحمة.

قبض على فكه بقوة، وأنفاسه تعلو وتهبط بعنف، يحاول جاهدا أن يتمالك نفسه قبل أن ينفلت.

مسح وجهه بيده الخشنة، وعيناه معلقتان بالشاشة بنظرة ممتلئة بالوعيد، ثم قال بصوت منخفض، ثقيل كالرصاص: والله العظيم لأبكيكم طول عمركم دم.

واصل البحث بعينين زائغتين من الغضب، لم يجد شيء آخر، وفي الوقت الحالي، الجميع كان نائما.

أغلق الحاسوب ببطء، كأنما يُغلق معه باب الرحمة.

التفت إلى ماسة، نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تشعل داخله كل شيء: الندم، الذنب، الغضب، والضجر، كل ما فعلوه معها خلال السنوات الماضية مر أمام عينيه كالسكاكين.

دمروا حياته، دمروا زوجته، عاش مغفلا كالأحمق، يظن نفسه فاهما وهو لم يكن يرى شيئا.

الغضب يتصاعد، والنيران تتكاثر.

نهض من مكانه وبدأ يتحرك ذهابا وإيابا في الغرفة، والنار تزداد اشتعالا داخله، كأن أحدهم يمسك مدقا مليئا بالمسامير ويهوي به على منتصف رأسه بلا رحمة.

الدق يزداد والصداع يفتك به، نيران تكفي لحرق غابات العالم، لتدمير كل شيء وتحويله إلى رماد.

فجأة توقف في المنتصف، وصرخ ضرخة واحدة مدوية، أجشة، خرجت من قلب رجل شعر أن العالم كله تآمر عليه.

أخذ نفسا عميقا، وضرب رأسه بكفيه، يحاول أن يمسك بأي فكرة، لابد أن يفعل شيئا، لابد أن يبدا بالانتقام لزوجته، لابد أن يشعرهم بالانكسار والرعب الذي طالها.

عندها تذكر كلام صافيناز عن الشحنة وأهميتها بالنسبة لها، تبدلت ملامحه ببطء، وتذكر أن أكثر ما يؤلم صافيناز والعائلة ليس الخوف، بل الأموال، والمشاريع، والخراب.

هز رأسه، وكأن الإجابة جاءت أخيرا، كانت الفكرة على مقاس غضبه تماما.

رفع هاتفه، وضغط على اسم واحد، لا يلجأ له سوي في المواقف الطارئة التي لا تقبل بالخطأ " عرفان "

رفع هاتفه وصوته خرج هادئا على غير العادة، هدوء يسبق العاصفة: ايوه يا عرفان، ايه اخبار الجماعة عندك تمام؟!

صمت لحظة يستمع لرده، ثم أكمل بنبرة محسوبة: تمام طب اسمعني كويس، علشان في شغل جاي ومحتاجه يتم بهدوء ومن غير غلط.

توقف قليلا، نظر إلى ماسة النائمة، ثم عاد صوته أثقل: عايزك تجيبلي كام واحد من بتوع الكيمياء وتخليه يجهز ماده تتحط على مواد كميائية للبشرة وتخليها غير صالحه للاستخدام بس ميكونش ليها ريحه ولا لون، ولما تتحط على المواد دي تسبب تشوهات وسرطانات على المدى البعيد.

ثم تابع بنظره انتقاميه ممزوجه بالدهاء والحده: وشوفلي كام واحده في أي مستشفى جلديه وشها خربان نعرف نشتريها بالفلوس وتنفذ اللى هنقولها عليه.  

اتاه الصوت من الاتجاه الاخر: تمام يا باشا.

سليم بنبرة تأكيديه: عايز الناس دى تكون جاهزه في أقرب وقت يا عرفان.

صمت قليلا، ثم ضغط على أسنانه قبل أن يكمل مع بعينين تشتعل غضبا: وفي واحدة كدة إسمها عزيزه معرفش اي حاجه عنها غير الاسم وأنها قواده، هتلاقيها في قسم المعادي، عايزك تدخلي اثنين معاها في الحجز يدوها علقه موت ويظبطوها، ولما تخرج شوفلي اي عيل يرميلي على وشها الحلو ده ميه نار، عايز اي حد يبص في خلقتها يقرف.

ثم أضاف بنبرة معرفة بما سيحدث وقال: ولو لقيت حد قاطرها وقتلها ملكش دعوه سيبهم بس أنت هتبقى ورا اللي عمل ده شوف يمين وحكايته ايه وتيجي تقولي وحاول تمسك عليه دليل يدينه، تمام؟ تعرف تعمل ده ولا ايه؟!

عرفان ببساطه: اه سهله.

تابع سليم بابتسامة خبيثه: وكمان عايزك تزرعلي كاميرات فى شقه هبعتلك عنوانها، اهم حاجه اوضه النوم، عايز التصوير علي السرير فيها يبقى باين وواضح، فاهم، كل الكلام ده بقى يتحضرلي في يومين مش اكتر وانا هديك تفاصيل كل حاجه في وقتها مفهوم.

أجابه: مفهوم.

أغلق سليم الهاتف ببطء، وعيناه معلقتان في الفراغ بابتسامة باردة لا تشبه الفرح في شيء، ابتسامة رجل اتخذ قراره وأخيرا، وبدأ في الانتقام الذي سيشفي غليلة...

اقترب من ماسة حتى توقف أمامها وهو ينظر لها، وصوته خرج هامسا، كأنه قسم لا يتراجع عنه: والله لأجيبلك حقك منهم، واعيشهم نفس الاحساس اللى عشتيه.

أمعن النظر فيها، نظرة مليئة بالوجع والعهد في الوقت ذاته: اوعدك يا ماسة الأسبوع ده مش هيعدي، غير وحقك راجع، وبنفس الطريقه، وهتشوفي سليم هيعمل إيه علشانك.

وضع اللابتوب على الكومودينو، وفوقه هاتفه، ثم تمدد بجوارها، نام على جانبه في زاويتها، وظل يتأملها بصمت، مرر عينيه على ملامحها، مد يده وأزاح خصلة شعر عن وجهها، وبقي ينظر إليها وكأنه يعتذر لها عن كل ما مرت به. 

لم يلبث طويلا حتى غرق هو الآخر في نوم عميق، ساكن

منزل القلج، 10:00 مساءً

غرفة جنة

كانت جنة مستلقية على الفراش، وجهها شاحب كالرماد، وتنفسها ثقيل ومتقطع، كل حركة صغيرة منها كانت تعبّر عن معاناة جسدها المنهك، وسعالها المتواصل لم يترك لها لحظة راحة، عيونها شبه مغمضة من التعب، ويبدو أن حرارتها مرتفعه للغاية.

جلست إسعاد بجوارها تمسك يدها الصغيرة، بينما كانت رحمة تحضر الحقنة الأخيرة، ووجهها يحمل القلق والحذر معا.

رحمة بصوت هادئ وحازم: يلا يا حبيبتي، دي هتساعدك تبقي أحسن.

رفعت جنة يدها على وجهها، ولمعت الدموع في عينيها، وحركت رأسها بنعاس ورفض: مش عايزة حقنه، والنبي يا تيتا مش عايزة.

أمسكت إسعاد كتفها برفق: معلش يا حبيبتي، علشان تبقي أحسن وتخفي.

امسكتها إسعاد بقوة، ونظرا لتعبها الشديد لم تستطع جنة المقاومة.

اعطتها رحمة الحقنة ببطء، فارتعشت جنة من الألم، وبدأت دموعها تنساب بغزارة، لم تستطع التحرك، فصرخت بصوت مخنوقة: اااه، والله هخاصمكم يوم ويوم 

امسكت إسعاد يدها الصغيرة أكثر، محاولة أن تمنحها بعض الراحة: معلش يا حبيبتي، علشان تبقي حلوه وترجعي تلعبي. 

جلست رحمة بجانبها، وقالت بحزم حنون وهي تمسك الترمومتر بيدها: يلا افتحي بوقك يا جنة…

وضعت الترمومتر بفمها، وبعد قليل نظرت إلى الرقم، فوجدت الحرارة لا تزال مرتفعه: لسه حرارتها عالية، بس إن شاء الله مع الإبرة والكمادات هتبقي كويسة، بس لو مخفتش وديها لدكتور يشوف عندها ايه، دى بقالها يومين على الحال دى !! 

قالت إسعاد بهدوء، وهي ما زالت تنظر إلى جنة الممددة على الفراش: مش مستاهله دكتور، دول شويه برد وكحه، وأصلا الجو وحش اليومين دول وكل العيال واخده الدور دى، إن شاء الله مع الدوا وشويه الينسون هتبقي زى الفل.

ثم نهضت ببطء وأضافت: أنا هقوم أعمل لها كوبايه ينسون اشربهالها دافيه كده، لحد ما اسويلها الفرخه واعملها جمبها شوربة خضار. 

نظرت إليها رحمة تسألت باستغراب: هو رشدي مش سايب معاكي فلوس كفاية ولا إيه؟

ردت إسعاد بثقة متعبة: معايا يمشينا لحد آخر الشهر علشان كدة بقول نستنى بس يومين كده.

صمتت رحمة لحظة، ثم أومأت برأسها: ماشي خليكي أنتِ، أنا هروح أعملها الينسون، والشوربة.

خرجت رحمه بينما التفتت إسعاد نحو جنة، وانحنت قليلا نحوها، فلانت ملامحها وهي تضع يدها على شعرها المبتل بالعرق: سلامتك يا حبيبتي، ربنا يشفيكي يا رب.

لكنها لم ترد، فقط تنفسها الثقيل ارتفع وانخفض ببطء، وجسدها الصغير استسلم للتعب.

فيلا سليم وماسة، 2:00 بعد منتصف الليل.

كانت الغرفة يعمها السكون، وفجأة بدأت عينا ماسة تتحركان، وهي تحلم بكل شيء يعود مرة أخرى.

اخذت تحرك رأسها يمينا ويسارا، وهي تتمتم: معلمتش حاجه، أنا مظلومة، متعملش فيا كده حرام عليك، معملتش حاجه.

بدأت دموعها بالهطول وهي لا تزال مغمضه عينيها وتهز رأسها نافيا مرارا، وصوت تمتمتها بات يعلو شيئا فشيئا.

تسلل صوتها المذعور إلي أذني سليم، استيقظ مذعورا، اعتدل في جلسته، فتح الأباجورة سريعا، ثم مد ذراعيه وأحاطها، وبيده الأخرى أخذ يمسح على شعرها ثم على وجهها: في إيه؟ اهدى، بس يا عشقي أنتِ بتحلمي..

ولكن صوته الحنون لم يصل إلي عقلها المرتعب في الحلم الذي يراه، فتحولت تمتمتها إلي صرخات مفزوعه، فما كان من سليم إلا محاولة إيقاظها.

سليم بخوف: ماسة، اصحي يا حببتى أنتِ بتحلمي.

وفجأة فتحت عيناها وانتفضت تصرخ بفزع، وهي تهتف بأسمه كنداء استغاثة: اااه سليييييييم.

احاطها بذراعيه، وقال بنبرة حنونه متلهفه: أيوه يا حببتى أنا جمبك أهو، أهدي أنتِ بتحلمي. 

تشبثت به، وانكمشت داخل أحضانه، تبكي بحرقة، وجسدها يهتز، كلماتها تتعثر، فضمها اليه أكثر: بس يا حبيبتي، بس خلاص أنا جنبك.

التفت سريعا، والتقط كوب الماء وقدمه لها: اشربي.

اخذت تحتسي الماء بارتجاف واصابعها تهتز فوق يده،  كان قلبه ينقبض وهو يراها تتصارع مع البكاء، ومجرد ما انتهت، تشبثت به مرة أخري بقوة، وغرست أظافرها في جلده وهي تصرخ بفزع راجي: متسيبنيش يا سليم، علشان خاطري متسيبنيش، خليك جنبي، أنا خايفة.

نظر إليها بابتسامة دافئة، ومسح على شعرها ثم على خديها بحنان: أنا جنبك يا حبيبتي… جنبك يا عشقي، مستحيل أسيبك، أنا أهو.

قالت وهي تنتحب: متخليهمش ياخدوني يا سليم… أنا معملتش حاجة، والله.

اومأ برأسه بعينين اغرورقت بدموع الوجع لوجعها: أنا عارف، ومحدش يقدر ياخدك مني، أنا جنبك، متخافيش، تعالي في حضني.

سحبها إلى صدره وأحاطها بذراعيه، ووضع قبله طويله على جبينها، كف يربت على ظهرها، والآخر يستقر على رأسها، بينما هي كانت تضم نفسها إليه وترتجف، كأنها سقطت في بحيرة من ثلج. 

دموعها تنهمر، وأنفاسها متقطعة، فقال سليم كمحاولة لتهدئتها: هشش… بس اهدى، أنا جنبك، متخافيش… هشش.

نظرت إليه بعينين متوسلتين: بجد مش هتمشي؟ 

نظر لها داخل عينيها بتأكيد، وهو يمرر يده على وجهها بثقة وطمأنينة: مش همشي… مش همشي، هفضل صاحي جنبك، مش هنام.

همست أخيرا باستسلام: ماشي…

وظل هكذا، يضمها بشدة، وهو الآخر يحتضنها كأنه يزرعها داخله، شفتيه استقرتا على رأسها، يحاول تهدئدتها لا كزوج، بل كمن يحتضن طفلة رضيعة، يحاول أن يحميها من العالم كله.

بقيت ترتجف لوقت طويل، ثم هدأت أنفاسها شيئا فشيئا، وعادت إلى نوم ثقيل.

أما سليم… فبقي مستيقظا، عيناه مفتوحتان في العتمة كما وعدها، وكأنه يحرس نومها، أو ينتظر الفجر ليبدأ حربه من أجلها.

12:00 ظهرا بتوقيت المالديف.

كانت مي تجلس في الشرفة أمام البحر، تحدق في الأفق الواسع، حيث تمتد الزرقة بلا نهاية، والنسيم خفيف يلامس وجهها، لكن يديها كانتا مستقرتين على معدتها كأنها تحاول تهدئة وجع عنيد.

تمتمت بضيق مكتوم: هموت وأعرف بيقعد ساعة بيعمل إيه في الحمام… أوف.

نهضت من مكانها واتجهت نحوه، ثم طرقت الباب بعصبية: رشدي! بتعمل إيه كل ده في الحمام؟ بتولد!

جاءها صوته من أسفل الدش: لمي نفسك يا مشمش وبلاش طولة لسان، عايزة مني إيه؟ ما تسبيني براحتي.

ردت بضجر: هكون عايزة ايه يعنى! عايزه أخش الحمام! مش معقول ساعة كاملة بتستحمى!

ردت مستنكرا: طب ما تدخلى الحمام التانى، بتعكري مزاجي ليه؟ دى أنتِ غريبه جدا.

ردت بتزمر: لا، أنا بحب الحمام بتاعي.

تنهد حاول أخذها على قد عقلها: معلش روحي التاني، دى حلو وأمور وهواه بحري.

ثم صمت قليلا وقال بوقاحه: أو ادخلي دى وأنا جوه.

اتسعت عيناها وصرخت بحدة: أدخل إزاي يعني يا قليل الأدب!

ضحك بخفة مستفزة: عادي، يعني مفيش حاجة جديدة هتشوفيها ولا أنا هشوفها.

صاحت به: والله أنت سافل وقليل الأدب! كمل ولاده في الحمام يا رشدي.

ثم تحركت وهي تدبدب في الأرض بتذمر وضجر، ودخلت الحمام الآخر.

وبعد أن انتهت، وقفت أمام الحوض تغسل يديها، وحين رفعت رأسها لاحظت أن الدرفة العلوية للخزانة مفتوحة، همت لتغلقها ولكن تعلقت عيناها بزجاجة دواء صغيرة، توقفت والتقطتها، وقرأت الملصق، فوجدته دواء للمعدة.

زمت شفتيها باستغراب: رشدي جايب دوا معدة ليه؟

ثم هزت كتفيها بلا اهتمام: يلا مش مهم، والله شطور يا رشدي إنك جبته، قلبك حاسس إن بطننا هتوجعنا من العك اللى بناكله هنا. 

أخذت العلبه وخرجت تبحث عن ملعقه، ثم فتحت علبة الدواء لتأخذ منها علها تهدئ الوجع، لكن عندما فتحتها لم تجد بداخلها سائل، بل وجدت مسحوقا أبيض ناعما، تجمدت ملامحها لحظه! 

فهذه لم تكن زجاجة دواء، بل كان الكوكايين الذي أخفاه رشدي ووضعه فيها.

قطبت حاجبيها، تقلب الزجاجة، وتنظر إليها بتركيز، لم تفهم وظنت أنها من النوع الذي يتحلل بالماء، دخلت تبحث عنه فلم تجده.

تنفخت باختناق ثم قامت بلاتصال بااروم سيرفس لطلب ماء مقطر تحل به الدواء لتسطيع تناوله..

داخل الحمام، كان صوت المياه يتدفق ورشدي ما زال مستمتعا بأخذ حمامه، وهو يدندن بعض الأغاني التى تروق له.

بعد دقائق، طرق الباب، وجاء احد الاشخاص ومعه ماطلبت، شكرته بهدوء، وأغلقت الباب خلفه، ثم عادت إلى الطاولة، وضعت  الماء داخل الزجاجة، رجت ثم رجت، ثم سكبت القليل من المسحوق في ملعقة رفعت الملعقة إلي فهما…

                         
تعليقات



<>