رواية هوس من اول نظرة الجزء الثاني2 الفصل الثالث والثلاثون33بقلم ياسمين عزيز
دفعته عنها بشراسة و كأن لمسته أحرقتها..
كان جسدها بأكمله يرتعش و هي تضم طفليها
نحوها و الذين تشبثا بها بخوف بعد أن رصدت
أعينهم الصغيرة تلك السيارات الكبيرة و الرجال
الضخام ذوي الملابس السوداء اللذين كانوا
يحيطون بهذا العملاق الغريب و يسدون مدخل
العمارة ....
صرخت يارا و هي ترمق صالح بغضب
شديد كانت كلبؤة شرسة تدافع عن صغارها:
- شيل إيدك و إوعى تقرب مني.....
تراجع صالح إلى الخلف و هو يرفع كفيه
إلى الأعلى باستسلام و عيناه مثبتتان عليها
و على تفاصيلها التي إشتاق إليها بجنون...
تحدث بصوت حاول أن يكون هادئا بينما كان
يجاهد حتى يسيطر على نفسه كي لا يتقدم
نحوها و يأخذها في عناق ساحق ليعوض كل
السنوات التي حرم منها :
- يارا تعالي... أنا مش هاذيكي انا بس عاوز
أتكلم معاكي...أرجوكي متخافيش مني ".
كانت يارا تنظر باتجاهه و تحديدا وراءه
صدرها كان يعلو و يهبط من شدة الخوف
تستمع لصراخ سارة و أمير و الآخرون اللذين
يحاولون تجاوز حراس صالح دون فائدة...
علت الضوضاء و عم الهرج و المرج تجمع
نصف سكان الحارة أمام العمارة..
تساقطت دموعها بعجز و هي تزيد من إحتضان
الصغيرين إليها و اللذين لم يتبه صالح لوجودهما
حتى الآن.... راقبت بصمت سيف الذي سمح
له ناجي بالمرور متجها نحوها و هو يرمقها بعيون
مذهولة توقف أمامها ليهمس بعدم تصديق :
- إنت بجد يارا...
إلتفت نحو صالح الذي أمسكه من ذراعه بعنف
حتى يبعده من أمامه لأنه حجبها عن مرمى بصره
متمتما من جديد :
- هي إيه الحكاية... دي يارا بجد و إلا واحدة
شبهها....
أزاحه صالح و هو يتقدم حتى أصبح هو الاخر
أمامها مباشرة مما جعلها تنكمش على نفسها
اكثر...و كم آلمه ذلك بشدة فآخر شيئ كان يريده
هو أن تخشاه...
تحدث برقة و هو يبتسم لها :
- إحنا لازم نمشي من هنا... الناس كلها بتبص
علينا يارا... أنا مش هأذيكي و الله انا تغيرت
اوي و لو عاوزة تتأكدي إسألي سيف..
ضرب سيف على ظهره حتى يتدخل و يساعده
في إقناعها ليتأوه الاخر هاتفا بضيق :
- يا عم بالراحة... اه فعلا هو تغير كل حاجة
فيه تغيرت إلا إيده...بس إحنا فعلا لازم نروح
من هنا... تعالي معايا و.... مين دول ".
قطب جبينه بغرابة عندما وقع بصره فجأة
على الصغيرين اللذين كانا يبكيان بصمت...
تبادل سيف نظرات مبهمة مع صالح الذي
سقط على ركبتيه فجأة و هو يشهق بقوة
ثم مد يده لمسح على رأس أحدهما قبل
أن يسأله :
- مين فيكوا سليم....
أخفى الصغير وجهه في ملابس والدته
بينما رفع صالح عيناه نحو هاتفا بصوت
مختنق :
- دول عيالي يا سيف...أنا مش مصدق ...
خلف يارا و تحديدا على الدرج كانت أم إبراهيم
تنزل السلم بخطوات بطيئة و هي تجاهد ان لا تقع
كانت تمسك بيدها عصا المكنسة التي لم تجد
غيرها كسلاح في شقتها الآمنة..
حدقت في المشهد أمامها بذعر و بسرعة إلتقطت
عيناها إبنتها سارة اللتي كانت لا تزال تحاول
المرور من حاجز الحرس بينما كان أمير
يحاوط جسدها بحماية و يمنع اي شخص يقترب
منها..
رأتها تصرخ و تشير إليها نحو يارا لتحول
بصرها حيث أشارت...إستندت على عصا
المكنسة و هي تسرع نحوها لتجدها تبكي
بصمت هي و أطفالها و أمام ذلك الرجل الضخم
الذي بدا وجهه مألوف لها...
لم تنتظر كثيرا لترفع العصا إلى الأعلى
و هي تنوي ضرب صالح بها بعد أن تذكرت
أنه هو نفسه زوجها الذي هربت منه....إعترض
طريقها أحد الحرس ليأخذ منها العصا لكنها
صرخت في وجهه تدفعه :
- إنتوا عاوزين إيه من بنتي... سيبوها في حالها ".
رمقها صالح بنظرة سريعة لا مبالية و عاد ليهتم
بالصغيرين و والدتهم بينما إلتفت نحوها سيف
ليوقفها :
- يا حاجة لو سمحتي إحنا مش جايين نعمل
مشاكل هنا...إحنا جايين نرجع يارا لجوزها
و عيلتها....
تلوت أم إبراهيم و هي تدفع الحارس الذي
أشار له سيف بتركها ثم صاحت من جديد :
- بس هي هربت منه زمان و مش عايزة
ترجعله خليه يطلقها و يسيبها في حالها
هو بالعافية...إوعى من قدامي خليني أطمن على
البت اللي محجوزة هناك على الحيط زي
الفرخة و عيالها....
كتم سيف ضحكته على هذه السيدة البدينة
ثم إنزاح من طريقها لتندفع نحو يارا التي
تشبثت بها حالما رأتها أمامها و هي تتمتم برعب :
- متسيبنيش يا طنط داه عاوز ياخذني من هنا
بالعافية عشان يحبسني من ثاني زي زمان....
طبطبت أم إبراهيم علي ظهرها لتطمئنها و هي
ترمق صالح بغل :
- متخافيش يا حبيبتي..طول ما أنا عايشة أنا مش هخلي حد يمس شعرة منك..
وجهت حديثها نحو صالح و هي تلاحظ
الحشد في الخارج :
- بقلك إيه يا إسمك إيه أنا هاخذ بالبنت
على شقتي فوق و إنت حصلني.. إنت و اللي
معاك عشان مينفعش نفضل كده فرجة
للي رايح و اللي جاي...
إنتفض صالح من مكانه يشير لها برفض
و لهفة :
- إنت هتاخديها على فين؟
مصمصت أم إبراهيم شفتيها بعدم
رضا و هي تعلق :
- شوف الراجل اللي يشوفه متدهول عليها
كده ميقولش إني دي هي نفسها اللي كان
موريها الويل... هاخذها شقتي يا عنيا
متخافش مش ههرب بيها و مش هتقدر تأخذها
كمان... داه انا بإشارة واحدة مني بس و محدش
هيطلع منكوا من هنا سليم....ها قلت إيه
نتفاهم بالمعقول و إلا نقلبها خناقة ".
قلب سيف عينيه بملل قبل أن يتولى
إجابتها :
- لا إحنا عاوزين نتفاهم بالمعقول
بس مش عشان خايفين من حضرتك
لا عشان يارا و العيال...مش كده يا صالح
همس مستدركا قال بإشارة مني قال...
نفض صالح ملابسه و قد إستعاد ثباته و رباطة
جأشه ثم إلتفت نحو ناجي ليخبره أن ينتظره في
السيارات خارجا بعدها إلتفت نحو أم إبراهيم
يحدثها قائلا :
-ممكن نعرف مين حضرتك ؟
أم إبراهيم و هي تنظر له بثبات :
- يارا كانت عندي طول السنين اللي فاتت
و انا بعتبرها زي بنتي و مسؤولة عنها ".
ما إن تحرك رجال صالح نحو السيارات حتى
إندفعت سارة و أمير و وراءهم رباب ووسام
الذي كان يحاول الاعتناء زوجته الحامل
و التي لا تكف عن الحركة رغم خجله
الشديد من فعلته.....
هدرت سارة بقوة و هي تسأل :
- يارا إنت كويسة؟
أومأت لها الأخرى و هي تبتعد عن
أم إبراهيم لتتفقد ريان و سليم...
أشاح أمير وجهه للجهة الأخرى بصمت
عندما إلتفت عيناه بخاصتي صالح
الذي كان يوجه له نظرات اللوم و العتاب
قبل أن يسأله :
- داه انا كنت بموت قدامك... يا خسارة ياصاحبي ".
إندفعت سارة لتجيبه مكان زوجها :
- إنت مش من حقك تلوم أي حد...
إحنا عملنا كده عشان ننقذها منك و من إبن
عمك...لو مخبيناهاش كان زمانها ميتة هي
و عيالها".
تدخل سيف حتى يمنع شجارهما فهو يعرف
سارة متهورة :
-خلاص بقى الناس بتتفرج علينا...انا بقول
خلينا كلنا نروح البيت عندي و نتفاهم".
أم إبراهيم برفض فكلام سيف لم يعجبها : شقتي فوق و إلا هي مش قد مقام البهاوات ".
سيف و هو يحاول إستجماع ما بقي من
صبره الذي بدأ ينفذ من هذه السيدة :
- حضرتك ليه حاسس إنك واخذة موقف
عدائي مننا..
رمقته ام إبراهيم بطرف عينيها و هي
تحيط كتف يارا بذراعها بينما دفعت الطفلين أمامها برفق :
- إنت لسه هتحس... بقلك الناس بتتفرج
علينا و سيرتنا هتبقى على كل لسان...
مسح سيف وجهه بعنف و هو يتمتم بصوت
منخفض جدا :
- أستفغر الله العظيم يا رب...لالا الست
دي مش هيقدر يغلبها غير كلاوس...هو فين
الواطي ملحقنيش ليه...
ضيق عينيه مستدركا لوهلة قبل أن يتذكر
انه قد أرسله للفيلا ليأخذ زين لموعد التطعيم....
لوى شفتيه بضيق قبل أن يبتسم بخبث مؤكدا :
- بردو هخليه ييجي عشان انا متأكد إن الولية
دي مستحيل هتقبل تخلي يارا ترجع لجوزها
و مش بعيد تصحى الوحش من سباته (يقصد
صالح القديم) و هتبقى حرب خصوصا إن
بنتها متجوزة أمير الخطيب ".
أفاق من أفكاره ليجد نفسه هو الوحيد
الذي لازال أسفل الدرج بينما صعد الآخرون...
صفع جبينه و يلتحق بهم ليتفاجئ بفتاة
مجنونة تزيحه من أمامها و تركض على
الدرج و تدلف شقة أم إبراهيم... تثبت
سيف من العنوان ثم دلف وراءهم...
فور دخولها الشقة هرعت يارا نحو غرفتها
مع صغارها الذين كانوا لا يزالون خائفين
ضمتهم نحو صدرها و هي تحاول تفسير
ما حصل بطريقة مبسطة تناسب عقولهم
الصغيرة حتى تهدأ من روعهم :
- حبايب مامي كفاية عياط بقى محصلش
حاجة...
طبعا الأطفال كانوا بيتكلموا بلهجة الأطفال كلامهم مش واضح بس بنفهمه]
رفع ريان عيناه نحوها و هو يقول من شهقاته:
- بس الراجل الوحش اللي برا كان عاوز يضربنا
و إنت كنتي بتعيطي ".
لامت يارا نفسها لأنها جعلت أطفالها يتعرضون
لهذا الموقف...فلو عاد بها الزمن إلى الوراء و علمت أن صالح قد لحقها لما رجعت لشقة ام إبراهيم....
تنهدت و هي تحيط وجهه الصغير بكفيها لتمسح
دموعه العالقة بأهدابه :
- إنتوا فاهمين غلط انا بس بعيط عشان تخضيت
لما لقيته قدامنا و إحنا نازلين بس إنتوا شفتوه
هو معملناش حاجة....و طلع معانا الشقة عشان
عايز يتكلم مع تيتة شوية و بعدين هيمشي....
أنا هطلع اشوفه هو عاوز إيه و إنتوا هتقعدوا
هنا تلعبوا ماشي ".
تمسك بها سليم رافضا تركها و هو يقول :
- بس إحنا خايفين يا مامي".
تصنعت يارا الضحك و هي تطمئنه:
- حبيبي خايف من إيه؟ طنط رباب و طنط
سارة و انكل أمير و وسام برا و كمان تيتة
إنتوا خايفين من إيه؟ لا بجد انا زعلت
مش كنت بتقلي دايما إنك بطلي الشجاع ".
أومأ لها الصبي و هو يمسح دموعه و قد تحمس
من كلام والدته ليقول :
- حاضر يا ماما إحنا مش هنخاف و هنفضل
هنا لغاية ما الراجل الشرير يروح".
قبلتهما يارا بحب ثم قامت لتحضر لهما بعضا
من ألعابهما حتى ينشغلا بها ثم خرجت.....
إبتسمت بلطف و خجل عندما إعترضها سيف
أمام باب الغرفة ليقول لها :
- كده يا يارا...كل السنين دي مختفية هنا
طب كنتي جيتيني و انا كنت خذتلك حقك
منه....
إلتفت نحو صالح ليجده ينظر نحو يارا
بلهفة يمسك نفسه بصعوبة حتى لا يأتي
إليها ثم اضاف :
- صالح قتل آدم و فاطمة من أربع سنين
لما إكتشف اللي عملوه معاكي انا مش بدافع
عنه صدقيني بس عاوز أقلك إن ربنا
إنتقملك منه أضعاف اللي عمله فيكي...
و خليكي فاكرة إن انا هكون في صفك
في اي قرار تاخذيه بس قبل ما تقرري
فكري كويس في عيالك هما محتاجين
ابوهم....
قاطع حديثه صوت ام إبراهيم من بعيد :
- إنت بتلين دماغ البت بكلمتين عشان تخليها
ترجع معاكوا..
نفخ سيف بضيق و هو يحدث يارا بصوت
خافت : إنت إزاي مستحملة الولية دي
اربع سنين بحالهم ".
يارا بابتسامة هادئة : دي أطيب
ست ممكن تقابلها في حياتك... هي بس
عشان خايفة عليا...
حرك رأسه بشك بينما توجهت يارا لتجلس
بجانبها بعد أن دعتها قائلة :
- تعالي يا حبيبتي أقعدي جنبي أما نشوف
الأستاذ داه عاوز إيه؟
تبادل صالح و سيف نظرات ذات مغزى
ليشير له الاخير بالهدوء ثم اخرج هاتفه
و يرسل رسالة نصية لكلاوس يقول له فيها
أن يخبر عائلة يارا بأنهم قد وجدوها
ثم ارسل العنوان....
.
خبأ الهاتف في جيبه ثم جلس بجانب
وسام بعد أن حياه بخفوت لينصت
إلى الحوار الدائر بين صالح الذي
كان يتحدث بهدوء و صبر دون أن يزيح عيناه
عن يارا التي كانت تخفض رأسها مكتفية بالصمت
و بين تلك السيدة المسماة بأم إبراهيم ....
تحدث صالح بهدوء بعد أن وجد ان ام إبراهيم
مصرة على أن يطلق يارا و يذهب في حال
سبيله :
- حضرتك عاوزاني أطلقها و اسيبها في حالها
هي و عيالي؟
تشدقت ام إبراهيم بلامبالاة رغم أنها بداخلها
كانت ترفض ما تقوله :
- أنتوا مش اول إثنين تطلقوا و في بينهم
عيال..و اللي المحكمة تحكم بيه إحنا ننفذه ".
صالح بصبر : إحنا ممكن نحل المشكلة من غير
محاكم...يارا لسه مراتي و انا عاوزها هي و عيالي
و اعتقد إن داه من حقي".
شتم بصوت منخفض عندما لاحظ نظرات يارا
المتوسلة نحو تلك السيدة و تمسكها بها ثم اردف
حتى يطمئنها :
- أنا عندي فيلا صغيرة ممكن تعيش فيها
مع الاولاد و انا هرجع القصر...
أم إبراهيم بتفاوض : و ليه متقعدش هنا
و اديك عرفت العنوان و أهلا وسهلا بيك في
أي وقت...
صالح برفض : لا طبعا انا مش هرضى
ولادي يقعدوا بعيد عني بعد كده و في مكان مش
ملكي ... أنا أبوهم و انا المسؤول عنهم
و لو حضرتك لسه خايفة على يارا مني
و لو إن داه ملوش داعي فإنت ممكن تيجي تعيشي
معاها ".
أم إبراهيم بصدمة : إنت عاوزني أسيب
بيتي....
صالح : أديكي قلتيها بيتك...يعني مش
بيت يارا و لا بيتي عشان أولادنا يقعدوا
فيه..
إلتفت نحو يارا ليضيف بصوت هادئ حتى
لا يخيفها أكثر :
- إنت ناسية إن عندك عيلة... مامتك
لسه هتتجنن عليكي و لحد دلوقتي مش
مصدقة إنك م.......
خفض رأسه بعد أن فشل في نطق تلك
الكلمة المخيفة لكنه ما لبث ان رفعه مجددا
عندما سمعها تبكي...
ضمتها ام إبراهيم نحوها و هي تهدأها :
- خلاص يا حبيبتي كفاية عياط لو العيال
شافوكي هيخافوا أكثر...
إلتفت صالح نحو الغرفة التي خبأت فيها
يارا صغاره و هو يقبض بيده على ذراع الكرسي
تمنى لو بإستطاعته ان يقتحمها و ياخذ
صغاره في أحضانه و يعوضهم عن أيام
غيابه... قلبه يرفرف بداخله و هو يتخيل
وجود نسخ صغيرة منه على قيد الحياة
إنه أب منذ أكثر من ثلاثة سنوات و هو لا يعلم حتى...
إنتبه لصوت يارا التي قالت بصوت مرتعش:
- هو معاه حق بس انا مش عاوزة أروح معاه.....
تدخلت سارة تدعمها :
- مفيش حد هيقدر يجبرك تروحي اي
حتة إنت مش عاوزاها...و أعلى ما في خيله
يركبه ".
قلب سيف عيناه بملل و هو يحدث
نفسه :
- صالح الوحش قلب كتكوت...لو كنتوا شفتوا
وشه الحقيقي مكانتش واحدة فيكوا تجرأت
تتكلم قدامه كده...
وقف من مكانه حتى ينهي هذا الجدال الذي
طال اكثر من اللازم و لم يأت بأي نتيجة
و قد نفذ صبره :
- أنا بقول خلينا نتفاهم بالذوق و مفيش
داعي لتلقيح الكلام ميغركوش البدل اللي
إحنا لابسينها هاااا و متنسوش كمان يارا لسه مرات صالح و في بينهم عيال كمان و إلا عاوزين تيتموهم بالحياة مش كفاية إنها خبت عليه وجودهم و داه حرام شرعا و قانونا و هو لو قدم بلاغ في المحكمة
فالقاضي مش بعيد إنه يحكمله بحضانتهم
و يارا عارفة كويس إن جوزها يقدر يشتري
القاضي و المحامي و المحكمة كلها....
همست تهاني لرباب التي كانت تتابع هي الأخرى
ما يجري بصمت : هو المز اللي شبه براد بيت
داه ماله عمال يحرم و يحلل كده لوحده
يعني يارا حرام عليها عشان خبت موضوع الولاد
أما جوزها حلال عليه لما يدفع رشوة و يشتري
المحكمة.... أما عجايب.....
حولت نظرها نحو صالح ثم سيف و بعده أمير
ووسام ثم عادت لتهمس لها من جديد :
-أحييييه على رأي الأخت رية و سكينة
انا ليه حاسة إني
دخلت موقع تصوير مسلسل تركي بالغلط...
لكزتها رباب و هي تهمس لها بحنق :
-إتلمي يا تهاني إنت هتكرشي على جوزي كمان...
تهاني بضيق مصطنع :
- طبعا هو أنت فاكراني عنصرية داه هو
الوحيد اللي عنيه رزقا في اللمة دي كلها ...
رباب : طب إخرسي خلينا نسمع هما بيقولوا
إيه؟
وقفت سارة من مكانها متحدية سيف
رغم منع أمير لها لكنها لم تنصت له
لتهدر بحدة :
- إنت بتهددنا...فاكرنا هنخاف منك طبعا
ما إنتوا تعودتوا تفتروا عالغلبانة دي
حتى لما طفشت منكوا لحقتوها و عايزين
تخربوا حياتها من ثاني...جوزها اللي بتتكلم عنه داه
مش هو نفسه اللي ضربها و كان هيسقطها
اكثر من مرة لو لا أخوه و مراته اللي كانوا
بيأخذوها المستشفى غصب عنه...و آخر مرة
حبسها في أوضة باردة بعد ما جرجرها من
شعرها عالسلم و بهدلها قدام الكل...جوزها
اللي مقدرش يحميها من إبن عمه و الشغالة
اللي ياما حذرته منها و قالتله إنها بتكرها و
بتأذيها بس هو مصدقهاش..
أشارت نحو يارا و هي تكمل بغضب
عارم :
- إنت عارف انا لقيتها فين و إزاي؟
طفقت سارة تحكي لهم و تصف لهم
حالة يارا عندما وجدتها في تلك الليلة
بين يدي ذلك المجرم و الذي لو لا مساعدة
شكري ذلك الحارس الذي كلفه أمير زوجها
بمراقبتها خفية حتى يحميها من كل تلك
المشاكل التي كانت تقع فيها لكانتا ميتتين
الآن....
ذلك السر الذي أخفته سارة عن والدتها
حتى اليوم حتى لا تقلق عليها كشفته
الآن مما جعلها تصدم بشدة و تحتضن يارا
بخوف أكبر و قد زادت رغبتها في حمايتها
أكثر....
إنتهت سارة من سرد ما حصل ليعم
الصمت...الجميع كان في حالة من الذهول
و أكثرهم صالح رغم انه كان على علم
ببعض الأجزاء... رفع عيونه نحوها و هو
يشعر بالعجز من جهة لا يريد تركها هي و أطفاله
هنا و من جهة أخرى لا يستطيع إرغامها
على مرافقته....خاصة بعد كلام زوجة
امير الذي أكدت له أنه ليس لديه حق
المطالبة بها و بأطفاله بعد الآن.....
قطع صمتهم طرقات عنيفة على باب
الشقة ليقف سيف من مكانه حتى يفتح
الباب فهو كان على علم بهوية الطارق...
فتح الباب لتندفع ميرفت إلى الداخل
و هي تهتف بلوعة و بكاء :
- بنتي فين؟؟
أشار لها سيف إلى الداخل لتركض
بحثا عنها... و ما إن وقع بصرها عليها
حتى صرخت بصوت عال
- يارا بنتي...
سارت نحوها يارا لتحتضنها بقوة و هي
تنظر خلفها بسعادة عندما وجدت والدها
و شقيقها أيضا اللذين إندفعا نحوها
حتى يحتضناها بحب...
كان لقاءا مليئا بالمشاعر جعل الجميع
يبكون من تأثرهم حتى سارة القوية
أجهشت بالبكاء مخفية وجهها بين
أحضان زوجها التي تولى مهمة تهدأتها....
نظرت تهاني حولها لتجد الجميع
يحتضنون بعضهم لتقف من مكانها
و تجلس بجانب ام إبراهيم هامسة بغيرة:
- شفتي يا خالتي كل واحدة في حضن
جوزها إلا أنا...دول متعمدين يغيضوني على
فكرة إكمني السنجلة الوحيدة اللي هنا..
بعدك طبعا ".
لكزتها ام إبراهيم التي كانت تمسح
دموعها حتى تتوقف عن ثرثرتها الفارغة
لكن الأخرى اكملت و هي تنظر نحو
العائلة التي كانت تحتضن بعضها : هما خلاص
هياخدو البت جولي معاهم.....
أومأت لها والدة سارة رغم أنها لم تكن
متأكدة من قرار يارا بعد...فالامور قد تشابكت
و أصبحت معقدة جدا و أكثر ماكان يقلقها
ذلك المدعو سيف الذي بدأ متمسكا
بعودة يارا لزوجها اكثر منه حتى....
جلس الجميع في أماكنهم لتقف تهاني
و السيدة سلوى (ام إبراهيم) حتى
يقدموا لهم واجب الضيافة فهم نسوا
ذلك في غمرة صراعهم...و ما إن رآها
صالح تغيب خلف باب المطبخ
حتى وقف من مكانه نحو تلك
الغرفة... رغم علمه بأنه لا يجوز فعل
ذلك بدون إستئذان لكنه لم يستطع ان
بتحمل اكثر وجوده في مكان واحد مع
أطفاله دون أن يراهم....
وضع يده المرتعشة على مقبض الباب
ثم حركه للأسفل ليفتح أمامه...شعر صالح
بدقات قلبه تتسارع و كأنه خرج للتو من
سباق عندما وقعت عيناه على طفليه
اللذين كانا يلعبان فوق الفراش الواسع
الذي كانوا بتقاسمونه مع والدتهم....
توقف مكانه و هو يستند على الباب وراءه
بعد أن عجز عن إكمال سيره و هو ينظر إليهم
بلهفة بالغة....
كانا توأم متطابق يشبهان بعضهما كثيرا
مع إختلاف لون العيون فسليم عيونه
بنية كوالده أما ريان فقد ورث عيون والدته
الخضراء الغامقة....
إبتسم و هو يجلي صوته محدثا إياهم :
- سليم....
إلتفت نحوه كلا الطفلين اللذين ناظراه
بخوف بعد أن تعرفا عليه فقد ظنا أنه هو
ذلك الرجل الشرير الذي كان يريد ضربهم
قبل قليل....
صاح أحدهما لينادي والدته ليسرع نحوه
الاخر و يحتضنه بحماية و هو يطمئنه انه
بجانبه و لن يدعه يؤذيه.. كلماته اللطيفة
التي كانت تفوق عمره جعلت صالح يبكي
بندم و حسرة دون شعور منه و هو يتذكر كيف كاد
يقتلهم اكثر من عندما كانا جنينين في بطن والدتهم سار نحوهما بهدوء و هو يقول محاولا
إرضاءهم :
- حبايبي متخافوش انا بس جيت عشان أعتذر
منكوا...
صاح سليم في وجهه و هو يرمقه بغضب :
- لا إنت كنت هتضرب ماما... و هي كانت
بتعيط ".
نفى برأسه محاولا من جديد فيبدو ان
طفله هذا عنيد جدا و لن يستطيع إقناعه
بسهولة :
- بس أنا دلوقتي اللي بعيط عشان....
صمت قليلا و هو يهمس بصوت منخفض
مدعيا الحزن :
-عشان مامتك ضربتي...
مسح دموعه بأصابعه ثم إتجه نحوه
مستغلا تفاجئ الصغيرين بكلامه و هو
يضيف :
- بص إزاي انا بعيط....
توقف ريان عن البكاء و هو ينظر له
ليتثبت في مظهره قبل أن يندفع
نحوه و يرمي بجسده الصغير عليه
و هو يصرخ :
- بابي.. إنت بابي صح.....
كان صالح يقف بجانب السرير مما سهل عليه
إلتقاط الصغير بسرعة و إحتضانه...لقد
كانت مفاجأة غير متوقعة ابدا بالنسبة
له أن يتعرف عليه احد أبناءه اللذين
لم برهم من قبل بل و لم يكن يعلم بوجودهم
حتى....
كان يقبله بجنون و هو يبكي و ينتحب
و أحيانا يهمس له بعبارات..أيوا يا حبيبي
انا بابي... يا روح بابي..انا آسف... آسف أوي...
ظل يقبله قرابة الخمس دقائق حتى شعر
باستكانه الصبي في أحضانه و ما إن أبعده
حتى ضحك له ببراءة و هو يقول له :
- إنت تأخرت علينا اوي يا بابي كنت فين...
أنا و سليم كنا بنستناك كل يوم عشان تييجي
و تاخذنا نتفسح أصل ماما مش بترضى
تأخذنا و بتقول إنها بتخاف علينا من
الوحش الشرير....
ضمه من جديد نحو و هو يتنفس رائحته
الطفولية ثم نظر نحو سليم الذي كان
مترددا في الذهاب إليه لكن ما إن فتح
له صالح ذراعه الاخر حتى عانقه بقوة...
بعد بعض الوقت جلس صالح علي حافة
السرير و هو يجلس صغيريه على
ساقيه...أحضانهم الصغيرة جعلته يشعر
و كأنه اليوم قد ولد من جديد...أحاسيس
جديدة تولدت بداخله...ذكرته بقول
فريد له ذات مرة و هو يصف له مشاعر
الابوة : بتحس إنك بتشوف حتة من قلبك
بتمشي قدامك على الأرض ...
قبلهم للمرة الالف و تفاجأ انهم لم يتذمروا
كما تفعل يارا الصغيرة فيبدو أنهم هم أيضا
كانوا مشتاقين له...
سألهم بعد أن تذكر أن ريان تعرف عليه دون
أن يخبره بهويته:
- ممكن اعرف إزاي عرفتوا إن انا بابي ".
أجابه ريان ببساطة : من التلفون... اصل
مامي كل ليلة بتخلينا نشوف صورك و بتقلنا
إنك هتيجي قريب عشانا....
وقف الصغير على ساقي والده ليتعلق
برقبته و هو يحتضنه قائلا بحزن :
- هو إنت هتروح ثاني يا بابي...
حاوط صالح ظهره بيده ليقربه منه
و هو يجيبه بنفي :
- لا طبعا يا حبيبي انا هاخدكوا معايا
من هنا...هنروح بيتي انا عندي بيت كبير
اوي و فيه جنينة كبييييرة و فيها شجر و ورد
و العاب كثيييير انا كنت بجهزها عشانكوا ".
تساءل سليم الذي بدأ و أنه اكثر هدوءا
من شقيقه : انا مش عايز أسيب مامي لوحدها".
ضحك صالح ثم أجابه لا إحنا هناخد مامي
معانا...انا و إنت و.....
رمش بعينيه و هو يشعر بنغزة في قلبه
بعد أن إنتبه انه لا يعرف أسماء أطفاله
لكنه تدارك نفسه بسرعة ليطبع قبلة على
جبين ريان و يكمل :
- و حبيب بابي داه و ماما كلما هنروح
بيتنا الكبير...
اومأ له الصغيران بحماس ليقف صالح من
مكانه و هو لا زال يحتضنهما بقوة ثم خرج
من الغرفة.....
في تلك اللحظة كانت يارا تخرج بدورها
من المطبخ لتتفاجئ به يحمل
طفليها...تمسكت بالصينية التي كانت ترتعش
بين يديها و هي تراقبهما بقلب منفطر
فقد كان الصغيرين يحتضنان والدهما اللذين
حرما منه بقوة و كأنهما يخافان أن يختفي
من جديد....
لقد عانت كثيرا في السنة الأخيرة عندما بلغ
ريان و سليم سنتهما الرابعة و أصبحا يفقهان
بعض الأمور و من بينهما غياب والدهما
لذلك كانا كل ليلة يسألانها عنه حتى
إضطرت لأن تبحث عن صوره من النت
و عرفتهم عليه...و أخبرتهم انه سافر لبلاد
بعيدة جدا و إنه سوف يأتي يوما ما...
توجه صالح نحو مكان جلوس عائلة يارا
ثم إنحنى لينزل الصغيرين و هو يقول بفخر :
- أقدم لكوا ولادي....
