رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الثالث والعشرون23بقلم اسماعيل موسي


رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل الثالث والعشرون23بقلم اسماعيل موسي

تعملقت سادين في التدريبات كما لو أن جسدها كان ينتظر الإذن فقط، وما إن حصل عليه حتى بدأ يطالب بالمزيد. لم تعد تتمرن لتتعافى، بل لتتفوق. صارت صالة الجيم داخل المنزل تضيق بإيقاعها، خطواتها أسرع، تبديلها بين الهجوم والدفاع أدق، ظلها في المرآة يبدو أكبر من مساحته الحقيقية.
لم تكتفِ بما تعلمته سابقا، بدأت تبحث عن أساليب تدريب حديثة، تشاهد مقاطع لمدارس مختلفة، تسجل ملاحظات قصيرة في دفتر صغير، ثم تطبق مباشرة.

 استخدمت أوزانا متغيرة الشدة، جولات زمنية غير منتظمة، تدريبات تعتمد على رد الفعل، تطفئ الأنوار أحيانا وتترك مصباحا واحدا لتتعود عينها على الظل والحركة المفاجئة
لكن البيت لم يعد يكفي طموحها.

في أحد الصباحات ربطت حبلا سميكا بكوتشات عربية مهترئة كانت ملقاة في المخزن، وربطتهما حول خصرها، ثم بدأت الركض في الحقول وهي تجرهما خلفها. كان الصوت الخشن لاحتكاك المطاط بالتراب يقطع سكون المكان، وكل خطوة كانت مقاومة، كل متر انتصار صغير على الثقل. ساقاها اشتدتا يوما بعد يوم، والعرق صار ينساب دون أن يبطئها.

وفي زاوية من الأرض حيث تمتد شجرة قديمة ذات فرع منخفض، صارت تتعلق به يوميا، ترفع جسدها مرات متتالية، تمارين صدر وكتفين، كأنها تتحدى الجاذبية نفسها. كانت أصابعها تتمسك بالخشب بقوة، وظهرها ينقبض بإصرار، لا تعدّ التكرارات بصوت عال، بل تكرر حتى تخونها العضلة ثم تجبرها على محاولة أخيرة.

تمارين الضغط صارت طقسها اليومي، أحيانا بقبضة مغلقة، أحيانا على أطراف الأصابع، وأحيانا ترفع قدميها على حجر مرتفع لتضاعف الجهد. ثم تركض، تركض إلى ما لا نهاية داخل الحقول المفتوحة، بلا مسار محدد، بلا ساعة تقيس، فقط نفس طويل وإصرار أن المسافة التالية ستكون أبعد من السابقة.

وجهها تبدل، لم يعد يحمل آثار الهزيمة القديمة، صار مشدودا بالتركيز، وعيناها عاد فيهما ذلك البريق الحاد الذي يسبق النزالات الكبرى.

أما بدر، فكان يراقب كل ذلك من مكانه الهادئ فوق سطح المنزل
كان يصعد إلى السطح في ساعات الصباح الأولى أو عند الغروب، يضع لوحته أمامه، ألوانه مرتبة بعناية، وريشته تتحرك ببطء محسوب. من هناك كان يرى الحقول تمتد، ويرى نقطة تتحرك بينها بثبات يعرفه جيدا.

لم ينادها يوما وهو يراها تجر الأوزان الثقيله ، لم يطلب منها أن تخفف أو تزيد، فقط تابع بعين خبيرة تعرف الفرق بين الحماس المؤقت والقوة المتنامية. أحيانا يرفع نظره عن اللوحة ليراقب انحناءة كتفيها أثناء السحب، أو انتظام خطواتها وهي تركض، ثم يعود ليرسم.

لوحاته بدأت تتغير أيضا، لم تعد مناظر طبيعية ساكنة كما في السابق، بل صارت تحمل حركة، خطا سريعا في الأفق، جسدا يركض، شجرة تتدلى منها ذراع مشدودة، كأنه لا يرسم الحقول بل يرسمها هي وهي تعود أكبر مما كانت.

كان يتعمد ألا يكون قريبا جدا، يترك لها مسافتها لتتضخم بطريقتها، لكنه في داخله كان يعرف أن ما يحدث ليس مجرد استعادة لياقة، بل ولادة ثانية، وأن الفتاة التي كانت تخشى الوقوف صارت الآن تطارد المسافة، وأن الحقول التي استقبلتها يوما بصمت باتت اليوم شاهدة على تعملقها.

تضخمت قوة سادين في اللكمات بشكل لم يعد خافيا حتى على الجدران.
كيس الملاكمة في صالة الجيم داخل المنزل لم يعد يتأرجح كما كان من قبل، بل صار يُقذف إلى الخلف بقسوة، يرتطم بالسلسلة المعدنية في السقف ثم يعود بعنف، فتستقبله بضربة أخرى أقسى. لم تعد تضرب لتثبت لنفسها أنها قادرة، بل كانت تضرب لتختبر الحد الأعلى لقوتها.

الضربة المستقيمة صارت أثقل، صوتها مختلف، مكتوم وعميق، كأنه طرق على باب مغلق. الضربات الجانبية صارت تلتف بكامل الجذع، الكتف يقود الحركة، والورك يدفع معها كأنها تعلمت أخيرا كيف تُسخّر جسدها كله خلف قبضتها. كانت تضرب باستمرار، دون انقطاع، جولات طويلة بلا راحة، حتى تحمر مفاصلها ويشتد عرقها، لكنها لا تتراجع.

أحيانا كان بدر يدخل الصالة بعد أن ينتهي صوت الارتطام ليجد آثار قبضتها واضحة على جلد الكيس، فيكتفي بهزة رأس خفيفة ويخرج دون تعليق،ثم بدأت مرحلة أخرى من التدريب،لم يعد الأمر مجرد قوة، بل سيطرة
تدربت على إخضاع المنافسين داخل المساحة الضيقة المرسومة على أرض الصالة، تتخيل خصما أطول منها، تتحرك حوله، تغلق عليه الزاوية، تجبره على التراجع خطوة بخطوة حتى "يُحاصر" بين الحبال الوهمية والجدار. كانت تتدرب على الضغط المستمر، لا تترك مساحة للتنفس، ضربات قصيرة متتالية على الجذع، ثم رفع مفاجئ نحو الوجه.

بدر بدأ يدخل أحيانا ليجسد لها دور المنافس، يهاجم بخفة ويهرب، يرفع دفاعه متعمدا، يفتح ثغرة صغيرة، يختبر سرعة رد فعلها. لم يعد يتعمد تلقي الضربات كما سابقا، بل يدفعها إلى التفكير، إلى قراءة الحركة، إلى إغلاق المسافة
لكن أكثر تدريباتها غرابة وذكاء جاء بمحض الصدفة
كيمو واكا.
الهر الذي كان دوما يراقب من الأعلى صار جزءا من اللعبة. كان بطبعه سريع الحركة، يركض فجأة عبر الممرات ثم يختفي تحت الطاولة أو خلف الأريكة، بعينين لامعتين وتحدٍّ صامت.

بدأت سادين تستخدمه كخصم هارب
تركض خلفه داخل المنزل وحوله، لا لتقبض عليه بالطبع، بل لتتدرب على الملاحقة، على تغيير الاتجاهات بسرعة، على قراءة الحركة قبل حدوثها. كان ينطلق فجأة نحو الحديقة، فتتبعه حتى الباب، يدور حول جذع الشجرة، فيختفي، فتتوقع مساره الآخر.

لم تكن تمسكه، كانت تتعلم كيف لا تفقد الهدف حين يختفي لثوان
كيمو واكا كان يركض بخفة، يختبئ، يراقبها من زاوية بعين نصف مغلقة، ثم ينطلق مجددا، وكأنه يفهم أنه جزء من تدريب لا يُعلن. حتى أختها كانت تضحك وهي تراها تركض خلف الهر ثم تتوقف فجأة لتغير اتجاهها كما لو أن خصما بشريا أفلت منها.

هذا التدريب جعل حركتها مختلفة، أخف، أسرع في التحول من الهجوم إلى الملاحقة، من الثبات إلى الانفجار
ومع كل يوم كان الكيس يتأرجح بعنف أكبر، والمرآة تعكس جسدا مشدودا بالثقة، وعيونا لا تلاحق فريسة بدافع الغضب، بل بدافع التركيز الكامل.

من سطح المنزل كان بدر يراقب أحيانا المشهد كله، سادين تضرب، تطارد، تغير مسارها فجأة، والهر يختفي ويعود، فيبتسم ابتسامة صغيرة لا يراها أحد

كان يعرف أن القوة ليست فقط في القبضة، بل في القدرة على الإصرار، على الملاحقة، على عدم الاستسلام حين يبتعد الهدف.

وسادين لم تعد تلك التي تسقط بضربة قاضية، بل صارت تلك التي تلاحق، تضغط، وتفرض إيقاعها حتى النهاية

بدأت سادين تبحث عن مدرب خبير كما تبحث المقاتلة عن خصم يوازي طموحها
لم تعد تكتفي بتوجيهات بدر ولا بتدريبها الذاتي، كانت تريد اسما معروفا، خبرة طويلة، شخصا يستطيع أن ينقلها من مرحلة القوة الخام إلى احتراف حقيقي.

تواصلت مع أكثر من نادٍ، أكثر من اسم لامع في الساحة.
الردود كانت متشابهة وإن اختلفت العبارات
"الجدول ممتلئ."
"لدينا ارتباطات مع لاعبين في بطولات قادمة."
"الاستثمار في لاعبة بلا سجل احترافي مخاطرة."
بعضهم كان صريحا أكثر من اللازم، شهرتهم أكبر من أن يراهنوا على فتاة لم تخض سوى نزالات متقطعة، فتاة يعرف الجميع قصتها القديمة وسقوطها، ويفضلون لاعبة تملك سجلا نظيفا يمكن تسويقه بسهولة.

كانت تعود من مكالماتها ووجهها مشدود، لا تبكي، لكنها تزداد صمتا. الكبرياء يمنعها من إظهار خيبة الأمل، والطموح يرفض أن يستسلم،حين علم بدر بالأمر لم يواجهها مباشرة
لم يقل دعيني أتدخل،لكنه استخدم علاقاته القديمة في عالم الملاكمة، أسماء يعرفها منذ سنوات، رجال يدينون له بمعروف قديم في بطولة هنا أو مساعدة هناك
لم يفعل ذلك تحت الأضواء، بل بهدوء تام
مكالمة قصيرة، لقاء مختصر، توصية محسوبة
وبعد أسابيع قليلة حصلت سادين على ما أرادته
مدرب خبير، صاحب سجل طويل، معروف بأساليبه الصارمة وقدرته على صناعة أبطال من لاعبين غير متوقعين.
دخلت البيت يومها بخطوات ثابتة، عيناها تلمعان لا بفرح طفولي بل بفخر صريح. وقفت أمام بدر في صالة الجيم، وضعت حقيبتها أرضا وقالت بنبرة مرتفعة قليلا:
"حصلت على مدرب."
لم تنتظر رده، أكملت بابتسامة جانبية تحمل شيئا من الغرور:
"مش مدرب هاوي زيك… مدرب خبير. وهبدأ نزالات قريب جدًا… وهاسحق كل خصومي."
لم ترتبك، لم تخفف عباراتها
كانت تعلن استقلالها، وكأنها تريد أن تثبت أنها لم تعد في حاجة إلى ظل أحد، نظر إليها بدر لحظة، ثم هز رأسه بهدوء وقال:
"كويس." لا سخرية، لا دفاع، لا اعتراض ،وذهبت.
بدأت معسكراتها التدريبية خارج المنزل، ساعات طويلة، تدريبات منهجية، تحليل فيديو، خطط تكتيكية أدق مما اعتادت عليه. قوتها السابقة صارت الآن منضبطة، هجمتها باتت محسوبة، دفاعها أكثر صلابة،ثم جاء أول نزال احترافي لها،لم يكن الجمهور يعرفها جيدا، لكنهم سمعوا عنها
اسم عاد من غياب طويل
دخلت الحلبة بثبات غير مسبوق، كتفاها مرفوعان، نظرتها صلبة،خصمتها كانت أكثر خبرة منها في السجلات، لكن أقل تعطشا،من الجولة الأولى فرضت سادين إيقاعها
ضغط مستمر، ضربات مركزة على الجذع، تحرك جانبي سريع، ثم هجمة مفاجئة نحو الوجه
في منتصف الجولة الثانية كانت الخصمة تتراجع بلا توازن، ومع نهاية الثالثة سقطت أرضا تحت وابل من الضربات النظيفة،فازت بسهولة،لم تكن ضربة حظ، بل إعلان عودة،
ثم جاء نزال ثان، وثالث، ورابع.
الانتصارات تكررت، بعضها بالضربة القاضية، وبعضها بقرار واضح من الحكام. لم تعد مجرد لاعبة واعدة، بل صارت الاسم الصعب داخل وزنها
بدأت الصحافة تذكرها، المحللون يتحدثون عن شراستها، عن قدرتها على إنهاء النزال بسرعة، عن عينيها اللتين لا ترتجفان تحت الضغط،اسمها انتشر،لكن في خضم ذلك، خفت التواصل
لم تعد تعود إلى البيت القديم إلا نادرا، مكالماتها مع بدر قلت، رسائلها صارت مقتضبة إن وُجدت
كانت مشغولة، محاطة بفريقها الجديد، بعالم آخر يتحرك بسرعة أكبر من الحقول الهادئة،أما بدر، فكان يتابع كل نزال
يجلس أحيانا في صالة الجيم الفارغة داخل المنزل، الشاشة أمامه تبث نزالها، وعيناه تراقبان التفاصيل التي لا يراها المعلقون.
يلاحظ زاوية كتفها، تأخرها نصف ثانية في تفادي ضربة، قوة دورانها، طريقة إغلاقها للمسافة،يشعر بشيء ثقيل في صدره
ليس غيرة، ولا غضبا،بل خذلان هادئ
كأنه كان جزءا من الطريق، ثم اختفى اسمه من الخريطة
ومع ذلك، لم يتوقف عن المتابعة،لم يفوت نزالا واحدا
كان يعرف أنها لم تكن لتصل إلى هناك لو لم تعد تؤمن بنفسها، ولو لم تُحيِ الملاكمة روحها من جديد
ورغم المسافة، ورغم الصمت، كان يبتسم كلما رفعت يدها معلنة فوزا جديدا،
وكأن جزءا منه يقف هناك في الحلبة، حتى لو لم تلتفت إليه.

تعليقات



<>