رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل السادس والعشرون26والاخير بقلم اسماعيل موسي


رواية الرجل ذو الياقة اللبنية الفصل السادس والعشرون26والاخير بقلم اسماعيل موسي

عاد بدر إلى بيته قبل شروق الشمس
لم يكن في خطواته أثر انتصار، ولا مرارة هزيمة.
فتح الباب، دخل، وأغلقه بهدوء كما لو أنه كان في رحلة قصيرة إلى متجر قريب، لا في نهائي بطولة أشعلت القنوات والمنصات.
الهاتف لم يتوقف عن الاهتزاز،عشرات الاتصالات، مئات الرسائل، طلبات مقابلات عاجلة، تحليلات تستدعي اسمه باعتباره “العقل الذي أسقط الرقم الأصعب”.

لكنه وضع الهاتف على الطاولة الخشبية في غرفة المعيشة، وأطفأه،
في صالة الجيم داخل المنزل، ظل كيس الملاكمة ساكنًا،مرّ بجانبه دون أن يلمسه،لم يعلّق صورًا جديدة، لم يحتفل بصورة، لم يستعد اللقطة الفاصلة.

جلس أمام نافذة تطل على الحقول وفتح كتابًا كان قد تركه قبل أيام. قرأ الصفحة نفسها ثلاث مرات دون أن يتوقف
بدا وكأن ما حدث لا يعنيه
وكأن النهائي لم يكن سوى مباراة عادية
وكأن الضربة الأخيرة لم توقظ شيئًا في داخله ثم تعيده إلى سباته
في الخارج، كانت الكاميرات تبحث عن منزله، لكن البيت بقي مغلقًا، ستائره نصف مسدلة، وصاحبه يتحرك بداخله بإيقاع رجل يعود إلى عادته القديمة: الصمت.

على الطرف الآخر، لم تخمد نار سادين،بعد أيام من النزال، واصلت الظهور في البرامج الرياضية، تصريحاتها أكثر حدّة من السابق.
 كانت تتحدث عن “الخيانة”، عن “استغلال اللحظة”، عن “مدرب يسعى للعودة عبر أسماء أكبر منه”.
قالت إن بدر حاول في الماضي أن يعرض عليها تدريبه، وإنها رفضت مرارًا لأنها كانت تريد أن تبني اسمها بنفسها، أكدت أن خسارتها كانت “تفصيلة عابرة”، وأنها ستطلب مواجهة جديدة قريبًا.
“سأواجه الإسبانية مرة أخرى… وسأسحقها هذه المرة”، قالتها بثقة حادة، كأنها تريد أن تقنع نفسها قبل أن تقنع الجمهور،
الصحافة انقسمت
بعضهم رأى فيها بطلة جريحة تدافع عن كبريائها 
آخرون رأوا أن كلماتها تجاوزت حدود المنافسة
لكنها لم تتراجع،كانت تهاجم باسمه أحيانًا، وتلمّح أحيانًا أخرى، وتؤكد أنها لم تخشَ خبرته يومًا.
وفي كل مرة كانت الكاميرا تقترب، كانت عيناها تحملان ذلك البريق القلق… بريق من لم يتقبل بعد فكرة أن الضربة الأخيرة كانت حقيقية.

عاد بدر إلى عمله اليومى 
إلى لوحاته التي تملأ الجدار الخلفي لغرفة صغيرة اختارها لنفسه
إلى الكتب المكدسة فوق الرفوف، مفتوحة على نصف أفكار، نصف ذكريات
كان نادمًا… ليس لأنه درّب الإسبانية
بل لأنه فتح قلبه للحظة، لأنه سمح لصوت قديم أن يعود،لأنه ظن أن بوسعه الوقوف في الزاوية مرة أخرى دون أن يتحرك شيء داخله، لكنه تعلّم الدرس أخيرًا
عاد إلى عزلته بإرادته هذه المرة، لا هاربًا، بل مختارًا
كان الرجل ذو الياقة الزرقاء، الذي يعمل بيديه نهارًا، ويعيش بين الكتب والألوان ليلًا، أكثر صدقًا من الرجل الذي وقفت حوله الكاميرات

بعد أشهر قليلة، أُعلن عن النزال المرتقب،إعادة المواجهة
الجمهور كان ينتظر رد اعتبار
سادين دخلت الحلبة هذه المرة بغضب واضح، بتركيز معلن، وبإصرار على إنهاء كل الشكوك
الإسبانية دخلت بهدوء مختلف… هدوء من يعرف الطريق
لم يكن بدر في الزاوية، لم يكن في المدرجات،لم يكن في المدينة أصلًا
النزال بدأ بعنف، لكن التوتر كان يثقل حركة سادين،اندفعت باكرًا، ربما أكثر مما ينبغي، الإسبانية امتصت الضغط، كما حدث من قبل،وفي الجولة الثالثة، تكررت الفجوة الصغيرة
ضربة جسدية… انتقال سريع… لكمة مركّزة
لم تكن الضربة نسخة من السابقة، لكنها كانت كافية
ومرة أخرى، وجدت سادين الأرض أقرب مما توقعت
هذه المرة لم يكن هناك جدل
الهزيمة الثانية كانت أثقل، لأنها بلا أعذار

في مساء هادئ، بينما كان بدر يجلس في غرفته يقلب صفحات كتاب قديم، سمع صوتًا مألوفًا عند الباب،مواء خافت، ثم خدش خفيف،فتح الباب ببطء.
كانت ميمي… القطة الصغيرة التي كانت زوجة كيمو واكا في عالمها الخاص، قد عادت،اختفت لأيام طويلة منذ انشغاله بالبطولة، وكأنها هي الأخرى كانت تراقب من بعيد.
نظرت إليه بعينين صافيتين، ثم مشت إلى الداخل بثقة وكأن المنزل لم يتغير،قفزت إلى الأريكة، التفتت حول نفسها، واستقرت.
ابتسم بدر للمرة الأولى منذ وقت طويل
جلس على الأرض قربها، ومد يده يربّت على رأسها، في صالة الجيم القريبة، كان كيس الملاكمة ساكنًا. في الغرفة المجاورة، لوحات لم تكتمل، وعلى الطاولة، كتاب مفتوح على جملة تقول:
“بعض الأبواب لا تُغلق لأننا نخسر… بل لأننا تعلّمنا.”
في الخارج، ما زالت القنوات تتداول اسمه من وقت لآخر،
أما في الداخل، فقد عاد كل شيء إلى بساطته الأولى
الرجل ذو الياقة الزرقاء،وكتبه، ولوحاته،
وقطة عادت إلى البيت… وكأنها تعلن أن الحياة تمضي، بصمت، دون حاجة إلى جمهور.

الخيبة لا تسقط فجأة، بل تتسلل ببطء عبر الشقوق الصغيرة التي نتركها مفتوحة داخلنا.
 تبدأ كظن عابر، كقلق خفيف، ثم تتحول إلى يقين ثقيل يجلس في القلب ولا يغادر.
 وألم القلوب ليس مجرد ذكرى موجعة، بل هو اعتراف متأخر بأننا منحنا أكثر مما ينبغي، أو انتظرنا أكثر مما يجب.
أحيانًا نستحق الألم لا لأننا أخطأنا، بل لأننا تجرأنا وفتحنا قلوبنا مرة أخرى بعد انكسار سابق،فالقلب إذا انفتح بعد الكسر لا يعود كما كان؛ يصبح أبطأ في الثقة، أعمق في القراءة، وأكثر حذرًا من البريق الخادع، ومع ذلك يظل قلبًا يرغب ويحنّ ويخطئ التقدير لأنه يريد أن يصدق.

بدر فهم ذلك متأخرًا، حين أدرك أن عودته إلى زاوية الحلبة لم تكن مجرد تدريب عابر، بل كانت نافذة فتحها نحو ماضٍ لم يلتئم تمامًا.
لم يكن نادمًا على فوز الإسبانية، بل نادمًا على لحظة الحنين التي سمح لها أن تتسلل إليه.
 في المقابل، كانت سادين تغرق في تدهورٍ بطيء تحت الأضواء، بعد هزيمتها الثانية، اندفعت إلى نزالات متتالية كأنها تهرب من فكرة السقوط ذاته، لكن اندفاعها أصبح مكشوفًا وغضبها أسرع من حكمتها.
تلقت هزيمة ثالثة ثم رابعة، وبدأت المدرجات التي كانت تهتف باسمها تنقسم بين من يؤمن بعودتها ومن يهمس بأن القمة لم تكن إلا محطة قصيرة في مسيرتها.
كانت تتدرب بقسوة أكبر، تضرب كيس الملاكمة حتى تؤذي يديها، تصرخ، ترفض الراحة، لكنها في أعماقها كانت تعرف أنها لم تعد تقاتل لتفوز، بل لتثبت، والفارق بين الأمرين قاسٍ ولا يرحم.
مرّت شهور قبل أن تصل الرسالة،في مساء عادي داخل البيت الهادئ، كان بدر جالسًا بين كتبه ولوحاته حين أضاء هاتفه باسمها.
لم تكن الرسالة طويلة، لكنها حملت نبرة مختلفة عن السابق؛ كلمات أقل حدّة، اعتراف غير مباشر بالتسرع، ورغبة في الحديث.
قرأها مرة، ثم أعاد قراءتها دون أن يتحرك شيء عميق داخله لم يغضب، ولم يشتعل الحنين، بل اكتفى بابتسامة باردة رسمت حدًا واضحًا بين الماضي والحاضر.
جلس قليلًا ثم كتب ردًا قصيرًا بجمل كاملة لا تحتمل التأويل، قال فيه إن الرجل ذو الياقة الزرقاء لا  يبحث عن تلميذة ملاكمة، بل يبحث عن خادمة لبيته

أرسل الرد، ووضع الهاتف جانبًا، وعاد إلى هدوئه البسيط،في صالة الجيم داخل المنزل كان كيس الملاكمة صامتًا، وفي الغرفة الأخرى كانت ميمي تستلقي قرب النافذة، ولورين الصامته تعلم كيمو واكا وأحده من خدع البشر ، بينما استقر هو بين كتبه كأن شيئًا لم يتغير، لم يغلق قلبه إلى الأبد، لكنه تعلّم أن فتحه لا يكون بدافع الشفقة ولا تحت وهج الخيبة، بل حين يستحق الأمر حقًا أن يبدأ من جديد.

                          تمت
تعليقات



<>