رواية مدمر بعشقك الفصل الثاني2بقلم صباح عبد الله فتحي
أمام منزل كنوز، تقف سيارة من أفخم أنواع السيارات، يجلس بداخلها كلٌّ من جاسر ومراد. كان مظهر جاسر الخارجي بسيطًا؛ يرتدي ملابس منزلية عبارة عن بنطال باللون الأسود وقميص باللون الأبيض، أمّا مراد فكان ما يزال يرتدي ملابس العمل، الذي كان عبارة بذلة رسمية باللون الرمادي.
ترجّل كلٌّ منهما من داخل السيارة، وتوجها نحو المنزل لمقابلة ذلك المسمّى فوزي. وقبل أن يندفع جاسر إلى الداخل، لفت انتباهه طفل يبكي بالقرب من جدار المنزل.
نظر مراد إلى جاسر، الذي توقف فجأة، وهتف متسائلًا:إيه في إيه يا جاسر؟ وقفت ليه كده؟ مش هتدخل؟
أجابه جاسر، وهو ما يزال ينظر باتجاه الطفل: في طفل قاعد بيعيّط. ادخل إنت، على ما أشوف مالُه وبعدين هحصّلك.
حدّق مراد هو الآخر ألي ذلك الطفل، وأردف قائلًا بلا مبالاة: ده باين عليه ابن حد من الخدام اللي شغالين في البيت، سيبك منه وتعالى ندخل.
لكن… تقدّم جاسر باتجاه الطفل، ولم يُعِر أي اهتمام لما قاله مراد، فقط رامقه باستحقار، وهتف قائلًا وهو يتقدم في سيره: وفيها إيه يعني لو ابن حد من الخدام؟ مش طفل زي أي طفل؟
وعندما وصل جاسر إلى الطفل الباكي، رسم على وجهه ابتسامة هادئة تشبه شخصيته، وتوقف أمامه وهو يقول بلطف، بينما يضع يده برفق على رأس الفتى ويبعثر شعره: إيه يا بطل؟ إيه اللي مزعلك كده؟ ممكن أعرف؟
رفع زياد رأسه، الذي كان يدفنه بين يديه، ونظر إلى جاسر مندهشًا من ظهوره المفاجئ غير المتوقع، ثم رفع يده إلى وجهه لينزع آثار بكائه، قبل أن يهتف قائلًا: ماليش… مين حضرتك يا عمو؟
كان زياد ينظر بتعجب إلى كلٍّ من جاسر ومراد، الذي تقدم ووقف بجانب جاسر. ركع جاسر على ركبتيه أمام زياد، ورفع يديه إلى وجهه ليمسح له ما تبقى من آثار بكائه، وهتف قائلًا بهدوء، محاولًا كسب ثقة زياد به: اعتبرني صديقك المقرّب، وقولي إيه اللي مزعلك.
صمت زياد للحظات، قبل أن يتحدث بعدما شعر بالأمان تجاه الغريب الراكع أمامه، فأردف قائلًا بحزن، وكأنه رب أسرة يحمل عبء أسرته على كتفيه، وليس طفلًا في الحادية عشرة من عمره: زعلان علشان كنوز أختي، وخايف على إخواتي الصغيرين.
تبادلت نظرات التعجب في صمت بين كلٍّا من جاسر ومراد، قبل أن ينظر جاسر إلى زياد مرة أخرى قائلًا بشك وفضول:طيب إنت ليه خايف على إخواتك، وزعلان علشان أختك كنوز؟
يرد زياد، وهو يشهق في البكاء: بابا وماما ماتوا إمبارح، وجه عمي وضرب كنوز أختي، وشغّلها خدامة، وقال لها لو ما عملتش كل حاجة بيقول عليها هيسيب إخواتي الصغيرين من غير أكل، لحد ما يموتوا من الجوع. وأنا خايف عليهم… عمي ده شرير ووحش أوي، وأنا مش بحبه.
اتسعت عينا مراد بذهولٍ مما يسمعه، بينما ظل جاسر صامتًا، وكأنه كان يعرف ما سيقوله زياد. فقد وضع ذلك احتمالًا أن يكون مصير هؤلاء الأطفال الأربعة بهذا الشكل، لكنّه لم يتوقع أن ينقلب كل شيء بهذه السرعة.
ساد الصمت بينهم، حتى كسره صوت كنوز من خلفهم، قائلة وهي تتقدم نحو زياد، تتألم في سيرها وتعرج على قدمها اليسرى: زياد، بتعمل إيه عندك؟
اقتربت لتعانقه، وهي تكمل حديثها بخوف وقلق واضحين في صوتها: زياد، إنت كويس؟ خوّفتني عليك لما ما لقيتكش مع إخواتك.
ابتعد زياد عن أحضان شقيقته، وهو يقول بمرحٍ مصطنع ليخفي حزنه، مما زاد من استغراب كلٍّ من جاسر ومراد: في إيه يا ست كنوز؟ هو أنا لسه صغير زي نادر ولوجين علشان تخافي عليّ كل شوية؟
ابتسمت كنوز بحنان في وجه أخيها، وهي تجيبه بمرحٍ مصطنع، رغم الحزن والقلق اللذين فشلت في إخفائهما: يا روحي، إنت راجل قوي وسند ليا ولإخواتك بعد ربنا وماما وبابا، بس ده ما يمنعش إني أخاف عليك. وبعدين إنت عارف اللي حصل، وربنا وحده يعلم أنا بقيت بخاف عليك إنت وإخواتك قد إيه.
تنهد زياد وأجابها وكأنه رجل ناضج وليس مجرد طفل: عارف يا كنوز يا حبيبتي، بس ما تخافيش، أنا مش هسيبك أبدًا إنتِ ونادر ولوجين، زي بابا وماما.
شعرت كنوز بغصّة في قلبها، فعانقت زياد بخوفٍ شديد من كلماته التي ذكّرتها بالواقع المخيف الذي يعيشونه الآن، وهتفت قائلة، ودموعها تنهمر على خديها رغمًا عنها: ما تقولش كده تاني يا زياد، إن شاء الله مش هنسيب بعض أبدًا، ومفيش حد هيمشي زي ماما وبابا بإذن الله.
ابتعدت عن شقيقها وهي تمسح دموعها بكفّيها، وهي تقول: يلا تعالى ندخل علشان سيبه نادر ولوجين لوحدهم.
نظر زياد باتجاه جاسر ومراد قائلًا: طيب… بس في عندنا ضيوف.
عقدت كنوز حاجبيها باستغراب، وهي تتبع نظرات زياد إلى حيث ينظر، لتنتبه حينها إلى وجود كلٍّ من مراد وجاسر. غيّم الخجل على ملامحها الشاحبة، وهتفت قائلة وهي تعبث بيديها بخجل: أنا بعتذر… ما خدتش بالي، بس مين أنتم؟ أنا أول مرة أشوفكم هنا.
لكن كان كلًّا من جاسر ومراد كانا غارقين في جمال ورِقّة كنوز، ولم يسمع أيٌّ منهما شيئًا مما قالته. ومع ذلك، لم تُعِر كنوز أهمية لتلك النظرات، ولم تنتظر سماع ردّهما، حين استمعت إلى بكاء لوجين الصغيرة من داخل المنزل. سحبت زياد من معصمه، وتوجهت مسرعة إلى الداخل وهي تقول بقلق: ده صوت لوجين؟
مضت من أمام جاسر ومراد، بينما هتف مراد دون وعي، وهو لم يرفع عينيه عنها وهي تمشي أمامه: يا خرابيت كنوز، وجمال كنوز، ورِقّة كنوز… البنت صاروخ ماشي على الأرض بصراحة.
لم ينتبه مراد لما قاله إلا عندما تلقّى لكمة قوية في وجهه من جاسر، الذي صاح في وجهه بغضب، دون أن يفهم سبب شعوره المفاجئ بالغيرة من نظرات صديقه لتلك الفتاة، ولا سرّ انجذابه إليها: إيه اللي إنت بتقوله ده يا حيوان إنت؟! هو إحنا في إيه ولا إيه؟
يرد مراد وهو يتألم، واضعًا يده على وجهه، في موضع اللكمة التي تلقّاها منذ قليل: وانا أعملك إيه يعني؟! ما إنت شايف البنت رقيقة وجميلة إزاي.
لم يشعر مراد إلا وجاسر يسحبه من ياقة قميصه دون أن ينطق بكلمة، ولم يتركه إلا وهما يقفان داخل المنزل. وقف جاسر أمام مراد، يعدّل له ملابسه وهو يهتف بنبرة محذيرة قائلاً: إنت عارف يا مراد، لو فتحت بوقك بحرف غير «صح ونعم» أو نطقت بكلمة غير اللي أنا هقولها، مش هقولك أنا هعمل فيك إيه.
يرد مراد وهو يعقد حاجبيه باستغراب: مش فاهم قصدك إيه؟
وقبل أن يجيبه جاسر، جاء صوت أحدهم من خلفهما متسائلًا: خير؟ مين أنتم وعايزين مين؟
وقف جاسر بجوار مراد من كتفه الأيسر، وهتف قائلًا بهدوء: الأستاذ فوزي موجود؟
أتي صوت ذلك المتحجّر، فوزي، وهو يهبط من على الدرج، ممسكًا بسيجارة بيضاء ينفث دخانها في الهواء: أيوه موجود… مين حضرتكم؟
ينظر إليه جاسر بغضبٍ واحتقار، لكنه سرعان ما أخفى تلك النظرات، وأردف قائلًا: أقدّم لحضرتك الأستاذ جاسر، صاحب أكبر شركة بيع وتصدير ملابس في أمريكا، وأنا المساعد الخاص يا فندم.
ينظر مراد إليه بدهشة، وأردف بصوتٍ عالٍ دون أن ينتبه: نعم؟!
ضغط جاسر على قدم مراد بقوة، وهو يرمقه بنظرة تحذير حادّة تكاد تحرقه، ثم أردف: نعم يا فندم… حضرتك محتاج مني حاجة؟
أجابه مراد بألم، محاولًا أن يظل هادئًا وألا يظهر ذلك على ملامحه: لا، ولا حاجة… بس كنت بقول «نعم»، وبأكد للأستاذ إن كل اللي بتقوله صح.
نظر فوزي الي مراد وشرد في ملامحه ولمع الجشع في عينيه وهو يخاطر نفسه. لم يلاحظ شيئًا مما يحدث بين مراد وجاسر:(صاحب أكبر شركة بيع وتصدير ملابس في أمريكا؟ ده باين كده كنز جاي لي في الطريق).
تحرك ليقترب من مراد بترحيب حار وهو يدفع جاسر ليبعد عن مراد بطريقة غير لائقة: أهلًا أهلاً وسهلاً بحضرتك يا فندم، بس ممكن أعرف إيه سبب الزيارة غير المتوقعة دي؟
يرد جاسر بدلًا من مراد قائلًا بهدوء مزائف: أصل الأستاذ جاسر وصل مصر إمبارح يا مستر فوزي، وكان ناوي يفتح فرع جديد للشركة في مصر. ولما عرفنا بسمعة شركة حضرتك، قرر يتعامل معاكم تحديدًا. لكن للأسف، سمعنا خبرًا محزنًا على التلفاز إمبارح، وهو خبر وفاة شقيقك، فقرر مستر جاسر ييجي ويقدّم واجب العزاء لحضرتكم.
يرد فوزي وهو يتصنّع الحزن أمام مراد وجاسر، وهتف بخبث واضح: شكرًا على اهتمامك، مستر جاسر. اتفضلوا بالجلوس، البيت بيتكم… بس قولي تحب تشرب إيه الأول؟
يرد مراد، وهو لا يفهم ولا يستطيع قراءة ما يدور في رأس صديقه: ممكن فنجان قهوة.
ينظر فوزي إلى جاسر باستعلاء، وهتف متسائلًا: والأستاذ يشرب إيه؟
يرد جاسر بهدوءٍ مستفز: لو مفيش إزعاج، ليمون بارد.
صاح فوزي بصوتٍ عالٍ، وهو ينظر في اتجاه معيّن: هاتي واحد ليمون، واتنين قهوة يا كنوز.
ولم يمر وقتٌ طويل حتى خرجت كنوز تحمل صينية الضيافة، متجهةً نحو حيث يجلس كلٌّ من جاسر ومراد وفوزي. كانت خطواتها متعثّرة، وعلامات التعب والإرهاق واضحة على ملامحها. وعندما اقتربت لتقديم الضيافة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ انزلقت قدمها لتسقط الصينية فوق رأس فوزي الذي نهض مذعورًا وهو يصرخ متألمًا من شدة حرارة القهوة، وفي ذات اللحظة كانت سوف تقع كنوز وقبل أن تفقد توازنها وتسقط أرضًا، التفّت حول خصرها ذراع جاسر الذي نهض في لمح البصر، وبحركةٍ لا إرادية.
وفي تلك اللحظة، تقابلت الأعين، ليقرع قلب جاسر كطبول الحرب دون أن يفهم السبب. أمّا كنوز، فتحوّلت نظراتها إلى غضبٍ عارم عندما لاحظت نظرته، التي فهمتها على نحوٍ خاطئ. ودون تفكير، دفعته لتُبعده عنها، وفي اللحظة ذاتها صفعته بقوة على وجهه، وهي تصرخ فيه بغضب: إنت يا حيوان! مين سمحلك تقرّب مني بالشكل ده؟
وضع مراد يده على وجهه، وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة: يا نهار سواد!
قف فوزي أمام كنوز، وقد اشتعل غضبًا، وصاح بصوتٍ عالٍ: إيه اللي إنتِ عملتيه ده؟ يا بنت الكل*ب!
تشعر كنوز بالخوف بعدما استوعبت حجم الكارثة التي فعلتها، وهتفت بصوتٍ مرتجف: آسفة والله يا عمي، ما كانش قصدي… اللي حصل ده، والله العظيم ما كان قصدي.
لم يبالي فوزي لخوفها ولا لما تقوله ورد لها الصفعة أثنين ثم أمسكها من ذراعها بعنف، غير مبالٍ بوجود الشابين، وصاح بصوتٍ عالٍ أرعبها أكثر مما حدث: إنتِ فاكراني أهبل علشان أصدق الكلام ده؟! ورحمة أبوكي لأربيك من جديد يا كنوز الكلب!
ثم سحبها خلفه بقوة من يدها، لدرجة أنها تعثّرت أكثر من مرة في خطواتها، لكنه كان كوحشٍ بلا رحمة ولا قلبٍ يشفق على أحد. أمّا مراد، فكان يشاهد كل ما يحدث عاجزًا عن التصرف، بينما ظل جاسر تحت تأثير الصدمة، كأنه في عالمٍ آخر؛ ولأول مرة يتجرأ أحدهم ويرفع يده عليه، فلم يستوعب بعد ما فعلته تلك الحمقاء كنوز.
وبعد لحظاتٍ من الصدمة، أفاق جاسر من شرودة على صوت بكاء الأطفال من حوله، وصوت زياد الذي كان يترجّاه بحرقة أن يذهب وينقذ شقيقته من يد ذلك العم الظالم. حدّق جاسر في زياد بعينين مشتعلتين، ثم التفت بنظره إلى فوزي الذي سحب كنوز أدخلها بالقوة إلى إحدى الغرف، وراح ينهال عليها ضربًا بالكرباج بلا رحمة، بينما تتعالى صرخاتها المتألمة في أرجاء المنزل من قسوة الضربات التي تهبط علي جسدها.
ودون تفكير اندفع جاسر نحو الغرفة كالإعصار، ودون مقدمات أمسك بفوزي وبدأ يلكمه في وجهه مرة تلو الأخرى، لم يتوقف إلا بعدما شعر بارتخاء جسده بين يديه. وحتى بعدما سقط أرضًا كجثةٍ هامدة بلا روح، ظل جاسر ينهال عليه ضربًا، وقد أعمى الغضب بصيرته.
أمّا كنوز، فاستغلت تلك اللحظة وهرعت إلى خارج المنزل، فارّةً من مصيرٍ مظلم ومن واقعٍ مخيف، تمسك بإخوتها الصغار وتركض دون أن تلتفت خلفها. وبعد وقتٍ طويل من الركض، توقفت أخيرًا وهي تحمل لوجين بين ذراعيها، بينما كان زياد ونادر يركضان خلفها، يلهثان بشدة وقد أنهكهما التعب.
جلست كنوز على الأرض، تبكي وتشهق بعنف كلما تذكرت ما حدث منذ قليل، وهي تضمّ إخوتها إلى صدرها بقوة، كأنها تحاول أن تحميهم من العالم بأسره. اقترب زياد منها، ومسح بيده الصغيرة آثار الدموع عن وجهها الذي تشوّه من كثرة البكاء، وهو يقول بصوتٍ مكسور: معلش يا كنوز… ما تعيطيش، علشان خاطري.
قالت لوجين باكية:أنا عطشانة… عاوزة أشرب يا كنوز.
وأضاف نادر بتوسل: وأنا كمان عطشان أوي… عاوز أشرب والنبي.
رفعت كنوز كفيها لتمسح دموعها وهي تتلفت حولها تنظر يمينًا ويسارًا بقلق، وخرج بصوتها متهدّج: أجيب لكم ميّه منين انا دلوقتي؟
نهض زياد سريعًا قائلاً: خليكي إنتي يا كنوز مع لوجين ونادر، وأنا هروح أدور على ميّه وجي.
نظرت إليه كنوز بخوف، وهتفت معترضة: لا يا زياد، ما تروحش لمكان إنت مش شايف المكان عامل إزاي؟ ده باين عليه مهجور ومفيهوش حد… خلّيك انت مع إخواتك وأنا هروح اشوف اي حد اخد منه أزازة ميه.
هزّ زياد رأسه رافضًا: لا يا كنوز، أنا اللي هروح، علشان خايف عليكي تروحي لوحدك.
نهضت كنوز وهي تقول بحزمٍ يخفي خوفها: لا ما تخافش، خليك مع إخواتك، وأنا هرجع بسرعة.
تنهد زياد بيأس وهتف قائلاً: طيب ماشي… بس خدي بالك من نفسك، وما تغيبيش.
تتلفت حولها تنظر لطريق الذي عليه وهي تقول: خليها على الله يا زياد… وخد بالك من نفسك ومن إخواتك علي ما أجي ماشي.
تركت أخواتها وذهبت بحثًا عن الماء، وظلت تسير علي طريقٍ خالٍ لا تمر به سيارة واحدة. كانت تتلفّت حولها بتعب، والشمس تحرق جسدها ببطء، وهي تتمتم بصوتٍ مُنهك تخاطب نفسه: يا رب أنا هلاقي ميّه فين دلوقتي؟ مفيش عربية واحدة عدت من علي الشارع… ومش عارفة ليه قلبي مقبوض بالشكل ده. أكيد علشان بعيد عن إخواتي. يا رب استرها وما يحصلش لهم حاجة، أنا ماليش غيرك.
وبينما تتابع سيرها، لمحت سيارة تقترب من بعيد، فتتوقف فجأة في طريق السيارة وتهتف بأعلى صوتها: استنى… استنى يا عم!
تتوقف السيارة، ويطلّ صاحبها من النافذة، يرمقها بنظرةٍ خبيثة وهو يفرك ذقنه بيده، ثم يقول: خير يا موزة؟ في حاجة؟
تشعر كنوز بالخوف يتسلّل إلى قلبها من تلك النظرات، لكنها أغلقت عينيها لثوانٍ محاولة السيطرة على خوفها، ثم تقول بهدوءٍ متكلف: معلش يا عمو، كنت عاوزة أزازة ميّه لو معاك. معايا إخواتي الصغيرين عطشانين، ومش لاقية ميّه.
تزداد نظرات الرجل خبثًا، فيفتح باب السيارة وينزل قائلًا بنبرة مريبة: من عيوني حاضر، معايا ميّه… بس في صندوق العربية ورا. تعالي نجيبها.
تتراجع كنوز خطوة إلى الخلف، وقلبها يدق بعنف، وعم ذلك هتفت بهدوء قائلة: ماشي يا عمو، بس بسرعة علشان سايبة إخواتي لوحدهم.
يقف الرجل خلف صندوق السيارة، ويتظاهر بالمحاولة قائلًا: ماشي، بس تعالي ساعديني، الصندوق معلق ومش عارف أفتحه.
شعرت كنوز بالارتباك أكثر، وحدسها يصرخ رافض الاقتراب داخلها، لكنها تجاهلت إحساسها وتتقدم بخطواتٍ مترددة. وقبل أن تنطق بأي كلمة، يفاجئها الرجل بوضع منديلٍ أبيض على أنفها، مشبع بمادةٍ مخدِّرة. وخلال لحظات، تشعر كأن الدنيا تدور من حولها، وهي تفقد قواها، لتسقط أرضًا ولم تعد تشعر بشيءٍ مما يحدث بعدها.
