رواية لاجلها الفصل الثاني والستون62 بقلم امل نصر

رواية لاجلها بقلم امل نصر
رواية لاجلها الفصل الثاني والستون62 بقلم امل نصر

الفصل الثاني والستون ج١

داخل منزله، وقد قرر اليوم أن ينهي الخلاف وسوء الظن بينه وبين زميل المكتب في عمله، عثمان الشاب المكافح المتفوق، الذي كان كالأخ الكبير له في بداية توليه الوظيفة، في تقديم الدعم والمشورة والمساعدة أحياناً كثيرة. وتوترت العلاقة بينهما في الأيام الأخيرة بسبب تقدمه عليه، لا ينكر أن معه الحق، رغم أن الذنب ليس ذنبه، هو شاب تأتي إليه الفرصة فيجاهد ليثبت نفسه، ولا شيء غير ذلك. والدليل على صدق نواياه هو رفضه الذهاب لعشاء العمل في تلك الليلة، مفضلاً الإتيان بصديقه كي يتصافى معه، بدعوة على الطعام تقبلها الآخر بصعوبة وبعد إلحاح من معاذ، وقد بذل الجهد اليوم أن يرضيه وهذا ما أكده الآخر بالفعل بعد الانتهاء من الطعام.
ـ اللهم لك الحمد ولك الشكر، تسلم إيدك يا معاذ، الحمام طعمه يجنن، إنت جايبه من أي محل؟
ضحك المذكور وهو يقوم برفع الأطباق والمتبقي عليها من الطعام، يجيبه بتفاخر وهو يتحرك نحو المطبخ:
ـ أنا مجبش من محلات يا غالي، هي الست الوالدة ربنا يخليها لي، بتجهز وتجمد لي في كل سفرية آخدهم معايا وأنا مسافر، أخزنهم في الثلاجة عندي هنا وأطلع أسويهم وأحمرهم بس كدة.
ـ يا سيدي ربنا يخليها لك يا رب، الستات الكبيرة دي كنز كبير للي يعرف قيمتهم.
ـ اللهم آمين يا رب.
تمتم معاذ وهو يقترب ليرفع باقي الأطباق، ليضيف بصدق وجدية:
ـ ومعرفة الصاحب الجدع كمان كنز، أنا لا يمكن أنسى جدعنتك يا عثمان ويعز عليا قوي إنك تبقى شايل مني.
أومأ الأخير ببعض اللين:
ـ إنت زي أخويا الصغير يا معاذ، وعمري ما أشيل منك بس...
توقف عثمان ليحثه الآخر:
ـ بس إيه يا عثمان؟... كمل يا صاحبي، أنا عارف بالكلام الداير ورا ضهري إني ليا واسطة في الإدارة أو إن ليا علاقات، وربنا وحده اللي عالم إنه مجرد كلام.
قاطعه بها، ليردف بعدها بصدق ما يشعر به:
ـ أنا سايبهم يقطعوا في فروتي براحتهم، ويألفوا في إشاعات، محدش فيهم يستاهل إني أوضح له غيرك إنت يا عثمان، لأن إنت بس اللي تهمني...
زمّ عثمان شفتيه بما يشبه الابتسام، يظهر بعض الاقتناع إليه، رغم ما يدور في رأسه من أفكار وهواجس بسبب الأحاديث المتواترة عن معاذ وتلك الفتاة ابنة مالك الشركة التي تفضحها حتى النظرات:
ـ ربنا ينجيك يا معاذ من أي كلام أو رغي، على العموم أنا عمري ما أشيل منك وأتمنى لك الخير.
رد معاذ بنبرة يتخللها بعض الارتياح شاعراً بتقدمه خطوة نحو استعادة صديقه:
ـ ما هو دا برضه عشمي فيك يا صاحبي، وبكرة تتأكد أكتر، هروح أعلق الكاتل نسويلنا كوبايتين شاي وبعدها نتفرج على الماتش، أنا عندي الدوري الإسباني كله هنا على الشاشة، حتى قلب مع نفسك وشوف على ما أجيلك.
عقب عثمان بمرح وهو يتجه نحو الشاشة التي تحتل نصف الحائط في الردهة المتواضعة للشقة:
ـ أهي دي ميزة إنك تعيش لوحدك من غير ست تعملها مناحة لو قلبت من الفيلم ولا المسلسل اللي بتحبه.
ضحك معاذ من داخل المطبخ صائحاً:
ـ ودا بيت أخوك، عيش يا صاحبي مع نفسك، دا إحنا هنخليها سهرة النهاردة على الماتش والبلاي ستيشن.
رحب عثمان ليتناول الريموت يبدل في القنوات باستمتاع حتى دوى صوت جرس المنزل، همّ أن ينادي معاذ ولكن تراجع في الأخير ليتجه نحو الباب ويفتحه بنفسه كي يرى من الطارق، وكانت المفاجأة التي تمثلت أمامه بتلك الفتاة... مديرة العمل:
ـ آنسة مريم!
طالعته المذكورة بدهشة لا تقل عنه:
ـ إنت إيه اللي جايبك هنا يا عثمان؟ مش دي شقة معاذ؟
أومأ المذكور بصدمة محركاً رأسه وكأنه فاقد للنطق، حتى حينما هتف عليه معاذ سائلاً عمن يقف معه عند الباب، لم يتمكن من الرد وظل مسبهلاً إلى أن أتى معاذ بنفسه ليصعق برؤيتها.
ـ هاي يا معاذ، إنت كمان هتسيبني زي صاحبك من غير ما تقولي اتفضلي؟
وجدها أمامه، تقف بكامل أناقتها المتعالية وتنظر بملامح غير مبالية وكأنه شيء عادي، أن تزوره في منزله شيء عادي بالنسبة لها! عصف به الذهول، بل كاد أن يكذب عينيه لولا وجود الطرف الثالث، صديقه عثمان الذي رأى نظرات التساؤل والشك في عينيه، فخرج صوته متسائلاً بحدة:
ـ حضرتك... في حاجة؟ أصل يعني دي أول مرة... تيجي هنا...
قصد التفوه بالأخيرة حتى يسمعها عثمان الذي كان متجمداً مثل التمثال، فجاء رد الأخرى بما يثبت العكس:
ـ جيت أشوف حجتك يا معاذ، بعد ما اتأخرت على عزومة العشا اللي كلمتك عنها الصبح.
برقت عيناه بهلع لا يصدق تساهلها في لومه بتلك الصورة التي تثير الشك، ليوجه أبصاره نحو عثمان يردد موضحاً إليه:
ـ عشاء عمل، اسمه عشاء عمل حضرتك وأنا كنت تعبان ومقدرتش أحضر.
ـ مقدرتش تحضر ولا قعدتك مع عثمان اللي خلتك نسيت اللي وراك وخدك الوقت معاه؟
قالتها بشيء من سخرية لم يعجب الأخير، فانكمشت ملامحه بشيء من الازدراء، ليرمق معاذ بمقت وكأنه قد أمسك به متلبساً بالجرم، ومن دون انتظار لتفسير آخر تحرك مفضلاً أن ينسحب من بينهما:
ـ آسف يا مريم هانم، على العموم أنا دلوقتي ماشي حضرتك، عن إذنكم.
ـ استنى يا عثمان!
هتف بها معاذ منادياً، وقد تحرك خلفه إلى خارج المنزل بخطوتين، ولكن الآخر لم يلتفت وتوجه مباشرة نحو المصعد ليتركه في مصيبته مع تلك المتبجحة التي دلفت إلى داخل المنزل دون استئذان غير مبالية بذلك المصدوم، وقد تيبست أقدامه في الأرض لحظات، يهدئ من وتيرة أنفاسه المتصاعدة قليلاً حتى يستوعب ما تفعله تلك الخرقاء، ولكن الغضب المشحون بذهوله لم يعطه فرصة للانتظار، ليعود إلى المنزل بملامح مظلمة ازدادت قتامة وهو يطالعها تجول بعينيها داخل أرجاء منزله:
ـ شقتك حلوة قوي يا معاذ، رغم بساطتها تجمع بين الذوق العصري والكلاسيكي، معقول يكون ذوقك!
لم يجبها وقد ظل على وضعه يرميها بشر النظرات، في انتظار الفرصة فقط للانفجار.
ـ أنا بكلمك يا معاذ مبتردش ليه؟
توجهت بها إليه حين استفزها سكونه، ليقطع صمته بملامح تعتليها القسوة قائلاً:
ـ مبردش عشان مينفعش آخد ولا أدّي في الحديث أصلاً في بيتي وأنا لوحدي معاكي، حضرتك أنا سايب الباب مفتوح، عشان قعدتك هنا متنفعش.
باغتها بقوله لترفرف أهدابها بعدم تصديق تسأله:
ـ إيه ده يا معاذ، معقول تكون بتطردني؟ إنت واعي للتصرف اللي بتعمله؟
صرخ بها:
ـ وانتي اللي بتسألي كمان! حضرتك جاية بيت واحد عازب، وحداني، لا يصح قعدتك ولا جيتك من أساسه.
قارعته بمنطقها الغريب، لتضاعف من غضبه:
ـ أمال يصح إنك تسيبني ملطوعة مستنياك، واحدة بنت ناس زيي تقعد بالساعتين على طرابيزة لوحدها في انتظارك، وإنت قاعد هنا بتتساير مع عثمان زميلك في المكتب؟
شعر بالسخونة تغزو خلايا رأسه، ما هذا الذي تتفوه به تلك المعتوهة؟
ـ إنتي بتقولي إييييه؟ أقعد مع صاحبي ولا مقعدش، إنتي إيه دخلك؟ ولا إيه اللي يقعدك لوحدك في المطعم من أساسه؟ والعملاء والزفت الربراب اللي قولتي عليهم، غاروا فين وسابوكي؟ ولا هي يعني وقفت عليا؟ أنا مجرد مهندس في بداياتي، حتى لو شيلت مسؤولية برضه فيه اللي يسد عني وزيادة.
ـ لا يا معاذ مفيش حد يشيل غيرك.
هتفت بها في رد سريع، ثم تابعت تفصح عما تريده بصراحة فجة:
ـ أيوه مفيش حد يشيل وأنا أصلاً مكنتش عازمة حد غيرك، أنا كنت عايزة أتكلم النهاردة معاك براحتي وأقول اللي في قلبي، أنا بحبك يا معاذ وإنت لازم تعرف كدة.
صمت ثقيل خيم على الاثنين في تلك اللحظة، لا يقطعه سوى صوت معلق المباراة عبر شاشة التلفاز، هي في انتظار رد عاطفي منه، وهو قد تصلب في مكانه يحدق في وجهها لثوانٍ دون أن يرمش، وكأن عقله توقف عن العمل.
فانفرجت شفتاه قليلاً، دون أن يخرج منه ولو صوت صغير، وكأنه يبحث عن الهواء أو يحاول النطق رداً على وقاحتها، ثم ومن دون كلمة واحدة، جرّ أقدامه خطوات قليلة ليسقط جالساً على الأريكة التي وجدها أمامه، يمسح بكفه على ملامح وجهه بعنف، وكأنه يلجم وحشاً من الانفلات. اقتربت هي تجلس على الكرسي المقابل له، تردف بمزيد من التوضيح:
ـ ممكن تقول عليا مجنونة، بس أنا متعودتش أخبي حاجة في قلبي، من أول مرة شوفتك فيها يا معاذ وأنا أعجبت بيك، واللي كان غايظني منك هو التجاهل، تجاهل مشاعري اللي أكيد وصلالك، أو يمكن يعني عشان بسبب...
ـ سبب إيه؟
خرج منه السؤال يتبعه حمحمة من حلقه، محاولاً بصعوبة السيطرة على انفعاله، ليأتي ردها بما يصب عليه المزيد.
ـ إنك تكون متردد بسبب موضوع جوازك أو إنجابك لطفل مثلاً وشايفه عقبة ما بينا، بس أنا عايزة أفهمك كويس قوي إنه ميفرقش معايا، سواء تخليها على ذمتك أو تطلقها حتى، في كل الأحوال إنت هتبقى ليا، أنا إنسانة عندي ضمير يعني لا يمكن أبعدك عن طفلك.
هكذا كانت تتحدث بسهولة، غير منتبهة لانقباض عضلات فكه بشكل لا إرادي، وداخله بركان يغلي بعدما تمادت إلى حد الاستهانة بعلاقته بزوجته التي يعشقها.
ـ لولا إنك واحدة ست وفي بيتي أنا كنت عرفت أرد عليكي كويس.
في استنكار منها قطبت حاجبيها باستفسار لرفض لا تتقبله:
ـ يعني إيه؟ مش فاهمة يا معاذ.
انتفض بحسم لا يقبل النقاش، فارداً ذراعه نحو باب الخروج:
ـ يعني مدام حضرتك وصلتيها لكدة، يبقى بجاحة ببجاحة، الباب لساته مفتوح لسعادتك يا سيادة المديرة، وإن كان على الشغل فأنا من بكرة هقدم استقالتي.
انتفضت تقابله بعدم تصديق:
ـ يا نهارك أسود، دا إنت فعلاً بتطردني يا معاذ؟
رد بابتسامة باهتة لا تحمل مرحاً على الإطلاق:
ـ والله أنا لحد الآن مراعي الذوق والأدب، إنما حضرتك لو تحبي أقولها بالمفتشر فدا أبسط ما عندي.
اعتلى الغضب تعابيرها، لا تستوعب رد فعله، وبإنكار منها لرفضه لها ردت:
ـ أنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة، لو خدت طردك ليا على محمل الجد، صدقني دي هتبقى إهانة كبيرة قوي إنت مش قدها، أنا خارجة يا معاذ أسيبك تستوعب مع نفسك، جايز جداً يكون دا تأثير المفاجأة... عن إذنك.
وخرجت تجر أذيال خيبتها دون اعتراف بهزيمتها، تتركه يعود للسقوط على أريكته بتعب واضح، يحاوط بكفيه على جانبي رأسه، من تلك المصيبة التي وجد نفسه واقعاً بها.
........................
أما في البلدة
داخل منزل حماد القناوي، كان الصغير لا يتوقف عن البكاء حتى يأست والدته، لتخرج من شقتها تنزل به الدرج دون أن تعرف لها وجهة، تفضل ألا تزعج أحداً في ذلك الوقت المتأخر من الليل والجميع تقريباً نيام.
قاصدة أن تخرج به إلى الحديقة حتى اصطدمت أبصارها بجدته حسنية، تسير في ردهة المنزل الواسعة، وما إن رأتها الأخرى حتى فتحت ذراعيها بفعل عفوي، لتحمله عنها، تهدهده متسائلة نحوها:
ـ بسم الله الحفيظ، بسم الله عليك يا حبيبي، ماله بس يا بنيتي؟
ردت ليلى تخبرها بملامح متعبة، تفرد في ذراعيها وتحركهما:
ـ والله ما أعرف، هو كل يوم كدة في نص الليل يصحى ياخد رضعته ينام، أو يقعد شوية ويسهرني معاه، حتى لو صحي كذا مرة برضه بيرجع ينام، إلا النهاردة، بقاله ساعتين مطلع عيني، صراخ من غير سبب، لما ختل دراعي، قلت أطلع بيه الجنينة، يمكن يطسه الهوا يسكره ينام عشان أريح أنا كمان وأخطف لي ساعتين، ورايا جامعة بكرة.
طالعتها حسنية بإشفاق وقد لان الصغير معها قليلاً وخف صراخه يستجيب لمداعباتها له ولمساتها الخبيرة كجدة لأحفادها وأم لأبنائها قبلهم:
ـ متشليش هم يا بنيتي وروحي نامي، أنا هاخده معايا أوضتي، يمكن عنده مغص ولا متنكد من لعبكم معاه، إنتي وأمك وعمك حمزة اللي هيتجنن بيه دا كمان...
ضحكت ليلى لتضيف حسنية بسجيتها:
ـ طالعة معايا أنده عليه أصحيه، خليه يتشندل بيه شوية...
ـ لا يا أبوي دا ما هيصدق، مش بعيد ياخده في العربية ويسوق بيه في البلد، زي ما عملها قبل سابق.
تفوهت بها ليلى تسارع لمنعها برجائها حتى لو كان مجرد اقتراح، لتوافقها حسنية وكأنها عادت لرشدها:
ـ أيوة صح دا أنا كنت ناسياها، الجزين ده رغم إنه أكبر عيالي، لكن في العقل أصغرهم في الحتة دي، ما يعرفش يخبئ فرحته أبداً.
شردت ليلى بابتسامة تطالع صغيرها وقد غفى في حضن جدته لتعلق:
ـ وأهو صاحبنا دا كمان نام على سيرة عمه حبيبه، أروح أنيمه في سريره بقى.
تمسكت حسنية بالصغير تمنعها:
ـ لاه روحي الساعتين دول، وأنا هاخده على سريري، أصلي ركعتين التهجد على ما يأذن الفجر، أبقى أبعتهولك مع حد من الولد خليفة ولا حمزة.
حاولت ليلى الاعتراض حتى لا ترهقها إلا أن إصرار حسنية جعلها تنصاع لرغبتها وتصعد هي كي تستريح قليلاً. وما إن شرعت بصعود الدرج بخطوتين حتى دوى هاتفها بصوت اتصال زوجها حبيبها، لتجيبه على الفور باستغراب:
ـ ألو يا معاذ، إنت سهران لحد دلوك، ولا يكونش جايلك قلق زي حالاتنا أنا وولدك؟
قالتها بنبرة ضاحكة، فأتى رده بصوت مثقل باحتياجه لها:
ـ ليلى أنا بحبك قوي، وعايز أسمعها منك، إن إنتي كمان بتحبيني؟
سارعت بتنفيذ رغبته رغم ارتيابها والقلق الذي تسرب إليها من نبرته:
ـ بحبك وبعشقك كمان، يا قلب ليلى وعينها اللي بتشوف بيها، بس إنت مالك؟ في حاجة تعباك؟
جاءها الرد بنبرة يتخللها الارتياح:
ـ ولا أي حاجة، أنا كفاية بس عليا كلمتينك دول أنام وأصحى عليهم وأنا بالي مطمن، منحرمش منك يا أم مؤيد.
.........................
داخل ملهى ليلي فاخر
المكان غارق في أضواء النيون البنفسجية والحمراء، الموسيقى الإلكترونية الصاخبة تهز الأرض. وفي ركن لهما وحدهما، تحدثت روان بنبرة استنكار مبالغ فيها نحو الأخرى التي كانت تدخن السجائر بشراهة وعيناها تقدحان شرراً، بعدما قصت عليها ما حدث:
ـ هو قالك كدة؟ طردك من بيته يا مريم معقول؟ دا اتجنن ده! طب حتى يكون ذوق في رفضه، مش بالعجرفة دي يعني؟ حقيقة أنا اتفاجأت.
جاء رد مريم بصوت حاد ومنخفض من فرط الغضب:
ـ وحياتك لندمه ندم عمره على إهانته ليا، هو مين أصلاً عشان يشوف نفسه عليا ويرفضني؟ هو أنا أي حد؟ كون إني فكرت فيه وفاتحته بنفسي دا بحد ذاته تكريم ليه.
اهتز رأس روان تدعي الطيبة في النصح:
ـ ما أنا عشان كدة كنت بحذرك يا مريم، معاذ دا عنيد زي إخواته، اسأليني أنا عارفاهم ومعاشراهم، كنت عايزة أوفر عليكي التعب وأقولك اكتمي في قلبك وخلاص، باينه كدة بيحب مراته...
ـ ويعني هي مراته دي هتكون أحلى مثلاً عشان يفضلها عليا؟ جرالك إيه يا روان؟
هتفت بها مريم نحوها وكأنها جرحت كرامتها، فتصنعت الأخرى الحزن قائلة:
ـ أنا بفكر معاكي بصوت عالي يا مريم، إنتي دلوقتي حاسة بإهانة الرفض ومعاذ زي ما ذكرتي كدة بيقول إنه هيقدم استقالته، هتعملي إيه بقى؟... هتسيبيه؟
تفوهت بسؤالها الأخير بنبرة في ظاهرها تبدو عادية، عكس ما تضمره داخلها من شوق كاسح لمعرفة المرتقب من تلك المغرورة، والتي التفتت إليها بابتسامة غامضة خالية من أي مشاعر:
ـ ولا حاجة يا قلبي، هروح بيتنا دلوقتي أنام وبكرة بقى أشوف رد فعله الأول، وبعدها أحكم هعمل إيه معاه.
.....................

في اليوم التالي صباحاً
الطاولة التي كانت عامرة بما لذ وطاب، لتضم حولها الأشقاء وزوجاتهما والأطفال. "خليفة" يتناول طعامه باسترخاء، يراقب ردود أفعال ابنتيه وهن يضحكن ويمرحن مع "اعتماد"، التي تتعامل معهن بحنان يفيض رقة، ولا تتوقف عن رعايتهما وكأنها والدتهما الحقيقية.
وعلى رأس الطاولة، يجلس "حمزة" وبجانبه من الناحية اليسرى يجلس ابنه "ريان"، الذي يتحدث دون توقف في كل شيء من أجل أن يلفت انتباه زوجة أبيه "مزيونة"، التي تستمع إليه باهتمام وتشاركه الاستفسار أحياناً حتى على أتفه الأحاديث.
عن قصد منها كي تشغل نفسها عن النظرات الحادة الموجهة إليها من ذلك الحانق، الذي تتهرب منه منذ الأمس وقد كان غائباً تماماً عن أجواء الألفة التي تسود المكان... وقد فاض به من تلك المتلاعبة التي تعلمت الشقاوة على يديه كي تحرقه بنارها.
كلما دوت ضحكتها أثناء تحدثها مع أحدهما، ازداد بداخله احتراقاً، يغمغم بصوت لا يصل لأحد غيره:
ـ ماشي يا مزيونة العبي على كيفك واعملي اللي إنتي عايزاه، برضه هتقعي تحت يدي...
في تلك الأثناء قدمت إليهم ليلى بملابس الجامعة، تقبل رأس والدتها في البداية قبل أن تضع طفلها بين يديها، لتردد الأخيرة بسعادة:
ـ يا صباح الهنا والسرور، مؤيد باشا هلّ يا ناس وملا الدنيا نور.
أثارت كلماتها اللطيفه الابتسامة على الأفواه لتعلق اعتماد:
ـ يا سلام على السجع يا ست مزيونة، إنتي ناقص تألفي شعر!
ضحكت الأخيرة لترد بمرح وبطرف عينيها تراقب ذلك المشتعل:
ـ وماله يا حبيبتي الله أعلم، يمكن ربنا ينفخ في صورتي صح وأعملها، بس ينزل ال...
توقفت تراقب بطرف عينيها ذلك المشتعل وهي تتابع:
ـ ينزل النونو وساعتها تفضى للتعليم والمدرسة اللي قدمنا عليها منازل.
ـ يا حبيبتي ربنا يكرمك وتحققي كل اللي بتحلمي بيه، وأنا معاكي وإن شاء الله أخليكي تطلعي البريمو على الكل.
قالتها اعتماد بدعم أثنى عليه زوجها بمرح لا يخلو من الغيرة:
ـ الله عليكي يا أبلة اعتماد يا اللي مراعية الكل بشطارتك وحنيتك، ياما نفسي أنا كمان يبقى لي نصيب من الاهتمام ده، أرجع أكمل دراسات عليا وأبقى البريمو على مزيونة اللي عايزة تبقى شاعرة.
أثارت كلماته ضحكات الجميع إلا حمزة الذي كان مع الوقت يزداد غيظاً، يراقبها وعروق جبهته تكاد تنطق. عيناه لا تكف عن ملاحقتها وهي تداعب الصغير مؤيد، بعد مغادرة ليلى كي تذهب إلى جامعتها، تارة يراقب يدها وتارة يراقب نظرتها.
حتى انتبه خليفة ليشاكسه:
ـ مالك يا واد أبوي؟ سرحان ولا مش عاجبك إن مرتك تبقى شاعرة؟ لاه عاد، كله إلا حرية المرأة وكبت إبداعها.
ضيق حمزة عينيه نحوه وشيطان نفسه يدعوه أن ينقض عليه ويفسد خريطة ذلك الوجه الجميل المبتسم، على الأقل يجد من يشفي به غيظه، فهمس له كازاً على أسنانه كي يتقي شره:
ـ اتلم يا خليفة، أنا قايم من الصبح والعفاريت بتنطط في وشي، ربي عيالك يا واد أبوي، ربي عيالك.
كبت خليفة ضحكته بصعوبة؛ فشقيقه الهادئ المسيطر دائماً، لا شيء يجعله يصل إلى تلك الدرجة من الحنق إلا واحدة فقط، تلك التي تداعب الصغير بوجه بعدم اكتراث تتعمد تجاهله ببرود لتزيد من اشتعاله.
كم ودّ أن يتسلى عليه قليلاً، ولكنه أعقل من أن يؤذي نفسه على يديه، ليتراجع بكرسيه للخلف قائلاً باستسلام:
ـ لا وعلى إيه يا واد أبوي، هو العمر بعزقة؟ ياللا بينا يا اعتماد أنا وإنتي والبنات نلحق وننجى بعمرنا... قبل البيت ما يولع!
خرجت الأخيرة منه بهمس لم يسمعه إلا اعتماد التي فهمت تشاركته المرح:
ـ وأنا برضه بقول كدة، حمد لله عمتي حسنية طلعت من الصبح عند منى تطل عليها، ياللا بينا يا ولاد على مدارسنا بسرعة اسبقونا على العربية.
أذعن الأطفال راكضين نحو السيارة التي كانت مصطفة في انتظارهم في الخارج، ليتبعهم خليفة بخطوات بطيئة مقصودة وزوجته التي تتأبط ذراعه يدندن لها ببعض الأغاني المرحة.
حتى إذا خرجوا أخيراً وخلت الأجواء عليهما، ساد نوع من الصمت المشحون لا يقطعه سوى صوت همهمات الطفل في يدها. ترك هو الطعام وما زال فمه يلوك إحدى اللقيمات وعيناه انصبتا بتركيز تام عليها، يطالعها بتحفز كذئب يراقب فريسته، حتى قطعت هي الصمت تخاطبه ببراءة:
ـ وه يا حمزة! اللي يشوفك كدة يقول بتحرجم على إنك تخلص عليا، ليه يا بوي القلبة دي بس؟
مالت رقبته نحوها بسخرية مردداً:
ـ ياااا شيخة! وكمان مكلفة نفسك تسألي؟ طب وليه تتعبي نفسك من أصله؟ لا يتأثر ساعتها كمان الجنين اللي معرفش نوعه.
كبتت بصعوبة ابتسامة ملحة على شفتيها تعاتبه بدلال:
ـ أخص عليك يا حمزة، لساك برضه شايل مني من إمبارح عشان مدخلتش معايا ولا عرفت نوع الجنين؟ إشحال إني ما كنت قايلة لك من الأول يا واد الناس، دي رغبتي من الأول، مش عايزة أعرف غير إنه صحي وسليم، أما عن نوعه فدي حاجة في إيد الخالق وأنا سيباها لوقتها.
ـ مزيونةةة!
هتف منادياً نحوها بحزم أوقفها، لينهض عن كرسيه نحوها يلوح بقبضته وبصوت منخفض بفحيح يشبه الأفعى:
ـ بت الأحرار يا اللي اتعلمتي اللوع على يدي، أنا اللي معلمك يا بت، وحافظك أكتر من اسمك، مفكراني غبي وهنسى الخازوق اللي عملتيه فيا إمبارح؟ لا ومن جبروتك تسيبيني نايم على كنبة الصالة زي اللوح وأنا اللي مستنيكي تصالحيني، مستاهلش أنا تصالحيني؟!
كانت تشعر بأنفاسه الغاضبة تلفح بشرتها، وهي لا تملك إلا سلاح البرود في التعامل معه حتى تمتص غضبه:
ـ حمزة إنت عارف إن نومك تقيل، وأنا حاولت أصالحك كتير إمبارح عشان تقوم وتيجي معايا على أوضتك، بس إنت مرديتش تقوم.
ـ كدابة في أصل وشك يا مزيونة، ببلاش شغل اللوع عليّ.
صمتت هذه المرة، وهو في لحظة انتظار القادم منها، تبسمت إليه فجأة تقبل كف يده القريبة من وجهها قائلة بنعومة أربكته:
ـ طب آدي يدك أهي، لو عايزني أبوس رأسك كمان هعملها، هو أنا قد زعلك برضه يا أبو ريان؟
وكأنها ألقت عليه دلواً من الماء المثلج لتطفئ اشتعال رأسه الملتهب بأفكار الأمس وطرق الانتقام، وأشياء أخرى كثيرة أخمدت بفضل حركتها الصغيرة تلك، حتى نسي سبب زعله من الأساس، لتضيع الهيبة في حضرتها وهو يجاهد في الرد عليه بخشونة مصطنعة:
ـ متفتكريش إني هتصالح بحركة هبلة زي دي، أنا زعلي منك كبير قوي يا مزيونة.
تبسمت غير آبهة بتهديده، لتميل بجسدها نحوه بدلال:
ـ وماله يا كبير ناسك، أصالحك بالكبيرة وباللي تحبه كمان، دا حتى البيت فضي علينا، قول وأؤمر وأنا تحت أمرك.
حسناً، لقد ذهب غضبه أدراج الرياح، بل لعنة الله عليه إن استمر في غبائه وترك الفرصة الذهبية. التمعت عيناه فجأة يطالع الأجواء الفارغة حوله ليبتعد عنها قليلاً ويجلس على الكرسي المقابل لها قائلاً:
ـ ماشي يا مزيونة، أنا برضه عقلي كبير، وهحاول أبلع وأتقبل الصلح، مش عشانك، لا دا عشان مؤيد باشا اللي جاعد في حضنك دلوك، أنا برضه عامله خاطر.
ضحكت في الأخيرة حينما أشار بسبابته على الصغير بجدية تثير المرح داخلها، لتنهض فجأة قائلة:
ـ قلب ستّه ده، ربنا يخليه ويحرسه، شالله يجبر بخاطره يا رب، أروح أحطه على فرشته مادام نام وشبع نوم.
قالتها تشرع بالذهاب أمام عينيه المتصيدة، وقد استرخى بجسده بسعادة في انتظارها، ناسياً الخصام من أوله، لكن وما هي سوى خطوتين منها حتى دوى هاتفه بورود مكالمة لرقم لا يعرفه، ما إن استجاب ليرد عليه حتى هتف يفزعها بصوته:
ـ بتقول مين يا واد؟ ماله أخويا معاذ عمل إيه؟

تعليقات



<>