رواية مدمر بعشقك الفصل السادس6بقلم صباح عبد الله فتحي
كانت كنوز نائمة على أحد الكراسي داخل غرفة الاستراحة للمسافرين، وهي تقبض بيديها على فتحة الثوب الذي تسبب ذلك عصام في تمزيقه. كان أثر الدموع جافًا على خديها، وخصلاتها متبعثرة على وجهها الشاحب المرهق.
وبينما كانت نائمة، كان جاسر يقف عند المدخل، وكل حينٍ وآخر يتلفت حوله مترقبًا، خوفًا من أن يهجم عليهم ذلك المعتوه عصام ورجاله على غفلة.
وفي أثناء وقوفه بتلك الحالة، لاحظ ضوء مصابيح صغيرة تشق الظلام من مكان بعيد. أدرك فورًا أن ما كان يخشاه قد حدث. فأسرع نحو كنوز ليوقظها.
فزعت كنوز من اقترابه المفاجئ، وكادت أن تصرخ، لكن جاسر كان أسرع منها، فوضع يده على فمها، وأشار لها أن تصمت. حتى استوعبت ما يحدث، وفهمت أن الخطر قد اقترب.
سحبها جاسر بصمت، وأسرع ليغادر بها بحذر. وظلا يركضان علي طريق شبه مهجورًا. وهما في حالة من الخوف والترقب…وفي منتصف الطريق، توقفت كنوز، وهي تلهث بشدة، وتحاول إخراج كلماتها المتقطعة بأنفاس متلاحقة:
_خلاص بجد… ما بقيتش قادرة أتحرك… هموت والله لو فضلنا نجري كده.
توقف جاسر هو الآخر، ولم يكن أفضل منها حالًا، وخرج صوته متقطعًا وهو يلتفت حوله بقلق:
_معلش استحملي شوية كمان علشان خاطري… لحد بس ما ألاقي مكان نستخبى فيه أو عربية تعدي من هنا.
_صدقني والله ما بقيتش قادرة أكتر من كده…
صمتت فجأة، وهي تنظر حولها تبحث عن مخبأ تستريح فيه أو تختبئ حتى يبتعد الخطر عنها. فوقعت عيناها على شجرة عتيقة على جانب الطريق. فنظرت إلى جاسر قائلة، وهي تشير بيدها نحوها:
_طيب إيه رأيك نروح نقعد على الشجرة اللي هناك؟ دي كبيرة، والدنيا ضلمة… مش هيشوفونا.
نظر جاسر إلى ما تشير إليه، ثم التفت خلفه حيث تقترب بقع الضوء شيئًا فشيئًا. لم يجد حلًا أفضل، فاكتفى بهز رأسه موافقًا، ثم ركض الاثنان نحو الشجرة.
وبعد ما وصلاً إليها، ووقفا تحت ظلها. تعجبت كنوز عندما رأته يضم أصابع كفيه معًا لتصعدها عليهما. لاحظ صمتها وعدم حركتها، فهتف بضيق:
_إنتِ واقفة بتبصي على إيه؟ اطلعي خلّصي لو سمحتي… مافيش وقت.
انتبهت كنوز، فتقدمت نحوه على استحياء، واستندت بيديها على كتفه، بينما صعدت على كفيه، ليرفعها إلى أعلى قدر المستطاع.
وبعد أن استقرت على أحد فروع الشجرة، مدت يدها إليه لتساعده على الصعود، بينما كانت تتشبث باليد الأخرى في فرعٍ آخر حتى لا تسقط. أمسك بيدها، وبفضل خفة جسده، استطاع الصعود بسهولة. نظر إليها بامتنان، وهتف قائلاً بمزح.
_شكرًا على التوصيلة.
أخفضت رأسها بخجل، عندما تذكرت ما حدث منذ قليل، وكيف كانت قريبةً منه. تساقطت خصلاتها على وجهها، فرفعت يديها لتُرجعهما خلف أذنيها، وهنا لاحظت بقايا عطره العالقة في يديها، ودون أن تدرك استنشقته بعمق، فدقّ قلبها كالطبول، وكلما تذكرت قربها منه ازداد خفقانه قوة، وغاصت مخيلتها في عالمٍ آخر دون أن تدري أو تدرك عواقب ما تفكر فيه.
وبعد وقتٍ من جلوس كلٍّ من جاسر وكنوز فوق الشجرة، غفَت كنوز في أحلامها الوردية، ثم استفاقت منها على أصواتٍ وحركاتِ رجال عمّها وهم يبحثون عنهما. اتسعت عيناها بذعر عندما رأتهم يقفون أسفل الشجرة.
نظرت إلى جاسر، الذي أشار لها بصمتٍ أن تهدأ ولا تُصدر أي صوت. وفي تلك اللحظة، كانت شمس الصباح تشرق معلنةً بداية يومٍ جديد. كسر حاجز الصمت صوت أحدهم قائلًا:
_ما تيجوا نرجع؟ باين عليهم مش هنا.
يرد شخصٌ آخر قائلًا بتعب:
_أنا تعبت طول الليل ندور عليهم، زي اللي بيدور على إبرة في كوم قش.
يردف شخصٌ ثالث، وهو يخرج الهاتف من جيبه:
_طيب أنا هاتصل على فوزي بيه وأقوله إننا بندور عليهم طول الليل ومفيش ليهم أي أثر!
وبالفعل، طلب رقم فوزي، وبعد لحظات أجابه، فأردف الرجل عبر الهاتف:
_صباح الخير يا فوزي باشا.
في الجانب الآخر، رد فوزي بصوتٍ خشن:
_وهييجي منين الخير يا أخويا؟ خلّص… عملتوا إيه؟ لاقيتوا الكلب ده والبنت ولا إيه؟
يرد الرجل محاولًا إثبات صدق كلامه:
_والله يا باشا، إحنا فضلنا طول الليل ندور عليهم، ومفيش ليهم أثر. وبصراحة إحنا تعبنا، وعاوزين نرتاح ولو خمس دقايق ونرجع ندور تاني.
في الجانب الآخر، رد فوزي بغضب:
_يعني إيه تعبتوا؟ وإزاي مفيش ليهم أثر؟ إنت عارف لو رجعتوا لي بإيد ورا وإيد قدام هاعمل فيكم إيه؟
نظر الرجل إلى رفاقه، وقال بيأس:
_أمرك يا باشا.
يرد فوزي عبر الهاتف بتحذير:
_يلا روح شوف شغلك، وخد بالك … لو رجعت إنت أو حد من اللي معاك من غير كنوز والكلب اللي معاها، يبقى حسابكم معايا تقيل… كلامي مفهوم؟
يرد الرجل بخوف:
_مفهوم يا باشا.
ثم أغلق الهاتف، ونظر الي رفاقه وهو يقول بضيقٍ ظاهر على ملامحه:
_يلا يا جدعان، نشوف الزفت ده راح فين هو والآنسة كنوز.
تحركوا خلف بعضهم دون حماس ليكملوا البحث حتى لا يكون الثمن موتهم… وكل ذلك كان يحدث تحت مراقبة جاسر وكنوز من أعلي الشجرة التي كانت بالنسبة لهم جدار الحماية الوحيد المتاح في هذا الوقت.
بينما في منزل عصام…
كان جالس كلٌّ من عصام وفوزي يشربان الخمر معًا. حتى يعود الرجال بصحبة كنوز ذلك المجهول كما يتوقعون.. أردف عصام بخبث، بعد أن أنهى فوزي المحادثة مع أحد رجاله:
_خير يا فوزي؟ طمّني… الرجالة عرفوا حاجة عن كنوز ولا مسكوا الكلب اللي معاها؟
يرد فوزي بغضب وصوتٍ عالٍ:
_لا، لسه مش لاقيينهم… بس ورحمة أمي ما أنا سايبهم غير لما أعلّمهم الأدب وأربيهم من أول وجديد.
يرد عصام بخبث:
_طيب اسمع… أنا عندي فكرة، ومتأكد إن كنوز هتيجي لحد عند رجلك بنفسها.
ينظر فوزي إليه متسائلًا:
_إيه هي؟
يقف عصام قائلًا بمكر:
_هقولك… بس ما تفهمنيش غلط.
فوزي بضيق:
_أخلّص يا عصام… أعصابي مش ناقصة للف والدوران بتاعك ده، اللي فيا مكفّيني، مش ناقصك إنت كمان.
نظر عصام إليه بحنق، وهتف قائلاً:
_طيب اهدى يا خويا… هو أنا اللي قلت لبنت أخوك تهرب من البيت؟ ولا أنا اللي قلت لها تعمل علاقة مع حتة واد زي ده؟
وقف فوزي بغضب:
_بقى كده يا عصام؟ طيب أنا ماشي… سلام عليكم.
قالها وهو يأخذ مفتاح السيارة من على الطاولة، مستعدًا للمغادرة، لكن أمسكه عصام من ذراعه، وهو ينظر إليه بخبث:
_خلاص اهدى يا فوزي… آسف، مش قصدي… بس إنت اللي بتتكلم كأني أنا السبب في كل حاجة.
نظر فوزي إليه بنفاد صبر، بينما قال عصام:
_اقعد بس واهدأ علشان تفهم أنا هاقولك إيه.
جلس فوزي وقال بنفاد صبر:
_أهو قعدنا… أخلّص، هات اللي عندك، علشان تعبان وعاوز أرتاح شوية، وبعدها أفوق للكلاب دول أربيهم.
جلس عصام بجواره، وقال بمكر كالثعلب:
_لو عاوز تصطاد، لازم تحط طُعم في السنارة… علشان السمكة الغبية تقع في الفخ من غير ما تحس.
فوزي بعدم فهم:
_قصدك إيه؟ مش فاهم!
عصام بخبث أكبر:
_هفهمك… بس ركّز معايا علشان تفهم أنا عاوز أقول إيه.
فوزي باهتمام:
_قول اللي عندك يا عصام.
عصام:
_حلو… إيه أكتر حاجة كنوز مستعدة تضحي علشانها؟
فوزي بتفكير:
_خواتها.
ابتسم عصام بخبث وقال:
_تمام… يبقى إحنا هنستعمل إخوات كنوز، ونخليهم الطُعم المناسب اللي هيكون في السنارة… علشان نخليها تيجي لحد عندنا من غير ما نتعب نفسنا.
ثم ابتسم ابتسامة خبيثة وهو يقول بحماس زائف.
_إيه رأيك يا صاحبي في الخطة الجهنمية دي؟
ابتسم فوزي هو الآخر بخبث، وقال بشرود:
_حلوة… وخطة إبليس ذاته ما فكرش فيها… بس في حاجة، إخوات كنوز أنا ماعرفش هم فين.
يرد عصام بتفكير:
_اتصل إنت بس على رجالتك وخليهم يرجعوا، وأنا خلال ساعة هيكون إخوات كنوز عندك.
يرد فوزي بتحذير:
_ناوي تعمل إيه يا عصام؟ دول مهما كان عيال أخويا، ومش عاوزهم يتأذوا حتى لو خدش صغير … فاهم؟
يرد عصام مدّعيًا البراءة:
_عيب عليك يا صاحبي… عيال أخوك عيال أخويا أنا كمان.
______
أثناء ذلك كان رجال فوزي منتشرين علي الطريق يبحثون عن كنوز وجاسر. وقف أحدهم وهو يلهث من شدة التعب، ويتساقط العرق على وجهه، وخرج صوته متقاطعًا:
_أنا خلاص ما بقيتش قادر على الشغل الزفت ده.
يرد شخصٌ آخر، وهو يلهث أيضًا، واضعًا يديه الاثنتين على خصره:
_وأنا كمان تعبت… والجو حر، وغير كده عاملينا نلف طول الليل من غير نتيجة… ما بناخد غير وجع قلب وتهزيق كل شوية.
يرد آخر:
_أكل العيش مر يا صاحبي.
وفجأة، رن الهاتف: رن… رن… رن…
أخرج أحدهم الهاتف من جيبه، وقال وهو ينظر إلى الرقم:
_ده فوزي باشا.
شخصٌ آخر:
_طيب رد بسرعة… شوف عاوز إيه.
فتح الاتصال وقال:
_أيوه يا فوزي باشا.
في الجانب الآخر، رد فوزي متسائلًا:
_إنتوا فين؟
يرد الرجل عبر الهاتف:
_إحنا لسه بندور على الآنسة كنوز… بس خير يا باشا، في حاجة؟
يرد فوزي:
_لا، مافيش… هات الرجالة وارجعوا.
نظر الرجل إلى زملائه، وقال بقلق ممزوج بدهشة:
_خير يا باشا؟ في حاجة؟
في الجانب الآخر، رد فوزي بغضب وصوت عالٍ:
_إنت لسه هتحقق معايا؟! نفّذ اللي بقولك عليه من سكات… إنت فاهم؟
يرد الرجل بخوف واعتذار:
_أنا آسف يا باشا، مش قصدي والله… أمرك، هنرجع أنا والشباب زي ما حضرتك عاوز.
وفجأة انقطع الاتصال، دون أن يرد فوزي مرة أخرى.
قال رجلٌ آخر من رجال فوزي:
_خير في إيه يا عم يوسف؟ عاوز إيه الباشا؟ في حاجة حصلت ولا إيه علشان بيزعق كده؟
يرد المدعو يوسف:
_مش عارف إيه اللي حصل… بس طلب مننا نرجع.
يرد الآخر:
_طيب الحمد لله إنه حس بينا وقال ارجعوا… يلا بقى نرجع، أنا أصلًا هموت وأنام.
يرد يوسف، وهو ينظر يمينًا ويسارًا:
_طيب يلا… وربنا يستر من اللي جاي.
وبالفعل، توجه الجميع إلى السيارة. بينما كان كلٌّ من كنوز وجاسر ينظران من أعلى الشجرة التي يختبئان عليها إلى أثر الرجال وهم يرحلون. قالت كنوز تتنافس بارتياح:
_الحمد لله… مشيوا… هنعمل إيه دلوقتي؟
نظر جاسر ألي أثر سيارة رجال فوزي وهي تبعد ثم نظر إليها قائلاً:
_بصراحة مش عارف.. تعالي نتمشي ممكن نلاقي عربية ولا اي حد نعرف منه أحنا فين بالظبط.
وبالفعل قفز جاسر من أعلى الشجرة، ووقف في الأسفل وهو يمد ذراعيه إليها ليساعدها على الهبوط هي أيضًا. عضّت على شفايفها بخجل وهي تنحني لتستند عليه حتى تقفز. ودون قصد سقطت داخل أحضانه، فقبض جاسر بقوة على خصرها خوفًا أن تفلت من يديه وتسقط، وهو لا ينتبه إلى وضعهما ولا إلى قربهما الشديد من بعضهما. وخرج صوته متلهفًا:
_انتي كويسة؟ حصلك حاجة؟
احمرّت وجنتاها خجلًا منه، وهي تندفع للخلف لتبتعد عنه، وكأنها لدغها ثعبان، وهي تحاول أن يخرج صوتها من شدة خجلها:
_أه.. ها.. كو..يسة. الحمدلله.
تأملها للحظات، فشرد في ملامحها حتى شعرت هي بالخجل، وتمنت لو أنشقت الأرض وابتلعتها حتى تختفي من أمامه في تلك اللحظة. لاحظ خجلها وفرك يديها الذي زاد عن الحد، فابتسم على مظهرها وسار أمامها قائلًا:
_تعالي وادعي نلاقي عربية أو نعرف إحنا فين.
أغلقت عينيها وهي تزفر بعمق، في محاولةٍ لبثّ الاطمئنان بداخلها وترتيب مشاعرها التي كانت تتبعثر كلما نظرت إليه أو اقتربت منه. ثم هرولت خلفه، وسارا معًا على طريقٍ خالٍ لا يوجد فيه أحد سواهما، تحت أشعة الشمس الحارقة في عزّ الظهر، وكان كلاهما لا يكاد يقدر على السير، يجرّان أقدامهما ببطءٍ شديد. وفي منتصف الطريق توقفت كنوز، وهي تلهث بشدة، واضعةً يديها على خصرها، ونظرت إلى جاسر بطرف عينها قائلة:
_أنا خلاص ما بقيتش قادرة أتحرك حتى.
توقف جاسر مثلها، وقال بتعب:
_وأنا كمان تعبت أوي… بس مافيش حتى عربية نركب فيها، ومش عارف ده طريق إيه.
نظرت كنوز حولها بشك:
_مش غريبة شوية إن طريق زي ده مافيش عليه عربية واحدة؟ ده شكله كبير وباين عليه جديد مش قديم يعني.
جاسر:
_مش عارف… بس في يافطة هناك، تعالي نشوف مكتوب إيه عليها.
نظرت كنوز إلى ما يشير إليه، وقالت بيأس:
_دي بعيدة… وأنا مش قادرة أدوس على رجلي حتى.
رد جاسر:
_معلش يا كنوز، تعالي على نفسك شوية علشان نعرف إحنا فين ولا هنرجع إزاي.
ردت كنوز بملل، وهي تتحرك معه:
_طيب يلا… وربنا يقوّينا على ما نوصل.
ابتسم جاسر على مظهرها المرهق، وقال محاولًا التخفيف عنها:
_يا رب… بس تعرفي إحنا عاملين زي السردين المسلوق.
ردت كنوز بنفس الروح:
_سردين إيه؟ ده السردين هيبقى أحسن مننا… ده الشمس بتقلي وتحمّر وتشوي فينا!
ضحك جاسر بصوتٍ عالٍ:
_إحنا غلبنا اللي تايه في الصحرا، بعيد عنك.
ضحكت كنوز، وكأنها أفرغت ما بداخلها من هموم للحظات:
_أيوه والله معاك حق… دي الصحرا بعينها، بس والله مهما كان أرحم بكتير من اللي أنا كنت فيه…
ثم توقفت فجأة، وعادت الدموع إلى عينيها، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة. تذكرت كل ما حدث معها بالأمس، فانفجرت في البكاء:
_أنا خلاص انتهيت… مش عارفة هاعيش إزاي بعد اللي الزفت عصام عمله فيّا، ولا هواجه الناس إزاي، ولا أقول لهم إيه…
نظر إليها جاسر بحزن، وقال بهدوء:
_اهدي يا كنوز… أنا معاكي، ومش هاسيبك. وإنتِ ما عملتيش حاجة غلط علشان تخافي… اللي غلط هو اللي لازم يخاف.
ثم أكمل بصوتٍ مليء بالغضب:
_وأنا بوعدك يا كنوز إني مش هاسيب الكلب ده من غير ما يتحاسب… وده وعد مني ليكي.
نظرت إليه كنوز بتساؤل:
_أنا مش فاهمة… إنت ليه بتعمل كل ده؟ وليه بتعرض حياتك للخطر بالشكل ده علشان بنت إنت ما تعرفهاش حتى؟
رد جاسر بتوتر، وهو يتجنب النظر إليها:
_صدقيني… لما ييجي الوقت المناسب هتفهمي كل حاجة… بس كل اللي بطلبه إنك ما تفهمنيش غلط، وتقبلي أعذاري على اللي حصل… وتعرفي إني ماكنتش أقصد… ده كان قضاء وقدر، ومحدش كان بإيده حاجة.
لكن كنوز ظلت صامتة، على عكس ما توقع. نظر إليها جاسر باستغراب:
_مالك ساكتة كده؟
ثم صمت فجأة عندما رآها تسقط على الأرض، ويبدو أنها فقدت وعيها. صرخ بفزع:
_كنوز!
جلس بجوارها، ووضع رأسها على قدميه، وهو يحاول إفاقتها برفق:
_كنوز… كنوز ردي عليا… إنتِ كويسة؟
فتحت كنوز عينيها بضعف:
_هو… إيه اللي حصل؟
جاسر بقلق:
_مش عارف… إنتِ وقعتي فجأة… إنتِ كويسة؟
أجابت، وهي تمرر لسانها على شفتيها الجافتين:
_أيوه… أنا كويسة الحمد لله… ما تخافش.
وفجأة، اتسعت عيناها بدهشة، وهي تنظر أمامها:
_هم رجالة عمي فوزي رجعوا تاني ولا إيه؟
نظر جاسر حيث تنظر:
_إنتِ بتقولي إيه؟
ثم دقّق النظر، وقال بدهشة:
_ده مراد ابن عمتي!
كنوز بفرحة:
_بجد؟!
جاسر بابتسامة بعد أن تأكد:
_أيوه… والله بجد، ده مراد.
كنوز:
_الحمد لله يا رب العالمين.
توقفت السيارة أمامهما، ونزل منها مراد مسرعًا، وهو يقول بلهفة وقلق:
_جاسر! إنت كويس؟ خوفتني عليك… لما ما رجعتش البيت ولا حتى بترد على التليفون!
وفجاة احتضنه بقوة، فبادله جاسر العناق:
_أنا الحمد لله بخير يا صاحبي… بس عرفت مكاني إزاي؟
رد مراد:
_عن طريق التليفون… من امبارح وأنا بدور عليك وبراقب موقعك، بس العربية عطلت مني وخدت وقت على ما شغلتها تاني.
ثم نظر إلى كنوز وقال باهتمام:
_إنتِ كويسة يا آنسة؟
أخفضت رأسها بخجل، وهي تحاول أن تلمّ شتات حالتها المبعثرة:
_أيوه، أنا الحمد لله بخير، بس إخواتي عاملين إيه؟ وهم فين؟
لاحظ مراد حالتها وثوبها الممزق، فنظر إلى جاسر بتساؤل دون أن يقول شيئًا. هزّ جاسر رأسه بحزن، ففهم مراد ما حدث وشعر بالحزن عليها. فخلع الجاكت الذي يرتديه فوق القميص وأعطاه إلى كنوز لتستر جسدها الذي يظهر من ملابسها الممزقة، قائلًا:
_هم الحمد لله بخير، أنا سايبهم في البيت مع الخادم والحراس، ما تخافيش.
يردف جاسر قائلًا وهو ينظر إلى كنوز: _يلا خلينا نرجع قبل ما يحصل حاجة تانية.
ثم ذهب كلٌّ من كنوز وجاسر ومراد. جلست كنوز في المقعد الخلفي من السيارة، وجلس كلٌّ من جاسر ومراد في المقعد الأمامي، وكان مراد هو من يقود السيارة.
وبعد أربع ساعات من القيادة، توقف مراد أمام بيتٍ صغير من الخشب يقع على البحر. نظرت كنوز إلى الشاطي بفرحة، وهي تقول: _الله، جميل أوي المنظر ده.
رد مراد قائلًا بمغازلة: _ده إنتِ الجمال كله يا ست البنات.
نظر جاسر إلى مراد، ولو كانت النظرات تحرق لكانت نظراته قد أحرقته، وهو يقول بضيق: _احترم نفسك يا زفت، بدل ما أخليك ما تعرفش تتكلم طول عمرك.
رد مراد بخوف: _هو أنا قلت حاجة؟
رد جاسربغيظ: _مراد، ما تنرفزنيش، بيكون أحسن لك.
قالت كنوز بتوتر: _خلاص يا أستاذ جاسر، حصل خير.
نزل مراد وهو يدمدم بضيق بكلمات غير مفهومة لجاسر وكنوز: _أنا والله مش عارف إيه الناس دي، على الصبح مش طايقين نفسهم... أستغفر الله العظيم يا رب.
وقف جاسر خلف مراد وهو يقول ببرود: _بتقول حاجة يا مراد؟
رد مراد بضيق: _لا... بكح... إيه، بلاش أكح كمان.
