رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السادس6بقلم رشا روميه


رواية حتي يجمعنا القدر الفصل السادس6بقلم رشا روميه

الفصل السادس « تسلل خفي ....»
أنت حظي العثر وقنديل طريقي، كمترافقان فرق بيننا برزخ، لكننا لن نفترق، كُتب علينا البقاء والشقاء معًا، ربما أنا لست ما تظن، لكنني سأكون كما ترغب ...

وجدت قُربك بداخل نفسي، أنا من كنت أظن أن لا تلاقي بيننا، إختلفنا وغضبنا وتجنب كل منا الآخر لكني إكتشفت أنني لم أتهاون بحبك يومًا ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

ببداية يوم جديد أسرع "عزت ذو الفقار" بالإتجاه لمصنع البلاستيك الذي يعمل به، مغادرته لبيته بتلك الساعة المبكرة لم يكن للتعجل للذهاب للعمل، بل للسير لمسافة طويلة ليقلل مما سيُنفقه لإستقلال الحافلة، فحتى نفسِه أرهقها ببخلهِ الشديد ...

إستيقظت "ليلى" لتجد نفسها بمفردها كما إعتادت لتبدأ يومها بروتينية معتادة حتى ذهابها للمستشفى لبدء مناوبتها ...

❈-❈-❈ــ

البخل إستنزاف للروح، ليس مجرد سلوك يُلام عليه صاحبه، فكيف عليك كسب الإحترام وقد يستهزء بك من يحط من قدرك، فلم يرفع الشُح بقدر صاحبه يومًا بل يطغى كسر النفس والمذلة عليه، فأصحاب العِزة كالخيل رافعًا رأسه لا تنكسر عيناه ونواصيه شامخة ..

شعر "عزت" ببعض الإرهاق، فمن أين تأتيه الراحة وقد سُلطت عليه نفسه، فقد خاب من ترك نفسه الضعيفة بالتحكم به، إبتعد قليلًا عن تلك الماكينة التي يعمل عليها ليرتاح لبعض الوقت حين لاحظ تجمع بقية العمال بشكل دائري على مرأى منه ...
رشا روميه قوت القلوب 
إتجه صوبهم بفضول شديد لمعرفة عم يتحدثون بهذا الوقت، فتجمعهم مثير للريبة، نظر "عزت" بأعين زائغة تبحث عن سبب هذا التجمع قبل أن يسأل ...
- خير يا جماعة، متجمعين كدة ليه ..؟؟

إلتفت إليه أحدهم موضحًا ..
- تعالى يا عم "عزت" عاوزينك ..

إقترب منهم "عزت" وقد توجس من تجمعهم، لكن فضوله دفعه للإقتراب حين صاح به آخر ...
- أيوة يا عم "عزت"، تعالى معانا ...

ضيق "عزت" عينيه دون فهم لمقصده بينما إستطرد الرجل قائلًا ...
- إحنا رايحين بعد الشغل نبارك لـ"عبد الرحمن" على ولادة إبنه، أهو برضه تبارك له معانا على المولود ...

بُهت "عزت" لما تورط به معهم وقد صور له عقله كيف سيذهب لمباركة المولود دون هدية أو حتى بعض النقود، تباطئ تنفسه وقد سحبت الدماء من وجهه ليجيب بتردد وإرتباك ...
- لا، معلش أنا، أعذروني من المشوار ده، أصل ااا، أصل ااا، أنا عندي موضوع ضروري ولازم أستأذن بدري النهاردة، لو كنت أعرف كنت عملت حسابي ...

مال الرجل بإبتسامة جانبية فلقد توقع تهرُبه من قبل أن يخبره من الأساس، ليجيب بهدوء دون تفاجئ أو حتى إعتراض ...
- براحتك يا عم "عزت" ...

ثم غمغم بنبرة منخفضة للغاية ..
-( ما أنا عارف، عمرك ما كنت حتدفع حاجة يا بخيل إنت ..) ..

مشكلة لم يحسب لها "عزت" حساب، لقد أُرغم اليوم على الإستئذان مبكرًا من العمل وإلا سيتورط بهدية ويغرم المال، ليعود لماكينته التي يعمل عليها متفكرًا بذهن شارد فيما سيفعله حينما يخرج مبكرًا فلا شيء ينتظره أو يهتم به ليفعله ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

لي وطن وحيد يشبه روحي المرهقة، وطن أخفي به آلامي يسمى عُزلة، حتى وإن كنت وسط الضجيج فأنا وحدي أسير بطريقي، من قال إن علي المقاومة، فأنا لا أملك سلاح للحرب، لا تحكم علي ولم تكن يومًا مكاني، فاليد الخالية لا تساوي من إحتضنت الجمر بين حناياها ...

بيت عائلة مكاوي (شقة زهرة وأنور) ...
تهدلت ملامحها البائسة وهي تنظر بسوداودتيها المنكسرتان نحو تلك العلامات التي تركت أثرًا بجسدها بسبب ضرب "أنور" لها بالأمس، تعلقت دمعة بأهدابها السوداء لتغمض جفنيها تطالبها بالرحيل فهي غير مستعدة للمواجهة بأي شكل من الأشكال، حتى لو تطلب منها مواجهة نفسها ...
رشا روميه قوت القلوب 

أخرجت عبائة مغلقة من الأعلى لترتديها وتكون حاجبًا عن الأعين المتسائلة عما حدث، فهي لن تكون أبدًا سبب أي مشكلة بين "أنور" وأهله ...

لفت حجابها بإحكام لتظهر ملامحها بشكل طبيعي بخلاف عينيها المتورمتين إثر بكائها، لكن ما يُخفى أقوى وأعظم، ليت العيون تكشف الخبايا، لكن بداخلنا كسور لا يمكن كشفها ...

هبطت لشقة الحاج "زاهر" بإبتسامة مزيفة تلقى تحية الصباح على "فردوس" ..
- صباح الخير يا ماما "فردوس" ....

تطلعت بها "فردوس" بإقتضاب وهي تضغط بعينيها محاولة إكتشاف ما بها وهي تجيبها ..
- صباح الخير يا "زهرة"، مالك ..؟!! إنتِ تعبانة ولا إيه .. ؟!!

تخوفت "زهرة" من ملاحظة "فردوس" خاصة وأن إنتفاخ عينيها غير طبيعي، لتسارع بالنفي ...
- لا أبدًا، أصل أنا معرفتش بس أنام كويس عشان كدة تلاقي عنيا وارمة شوية ..

أومأت "فردوس" بتفهم ذلك لكن بدون تصديق لما تتفوه به، فإحساسها يخبرها بأنها تخفي شيئًا ما، وبالتأكيد ولدها "أنور" سبب ذلك ..

وبعد لحظة من الصمت أردفت "فردوس" بنبرة حانية ..
- ربنا يهدي لك الحال يا بنتي ..

جالت"زهرة" بعينيها بتهرب حتى لا تدرك "فردوس" السبب الحقيقي ثم سألتها ..
- هي "جميلة" لسه منزلتش ولا إيه ..؟!!

- لا لسه ...

بحركة خفيفة إلتفت "زهرة" قائلة قبل توجهها نحو المطبخ ...
-طيب حقوم أنا أحضر الفطار عقبال ما ينزلوا من فوق ...

أنهت عبارتها وهي تتجه بالفعل نحو المطبخ فيما حاولت "فردوس" مساعدتها ...
- براحتك يا حبيبتي، أنا حقوم أساعدك ...

عادت "زهرة" بشكل كامل بمقابل "فردوس" لترفض تمامًا أن تتعبها في مساعدتها بهذا الأمر البسيط ...
- لا والله، أقعدي إنتِ عشان رجليكِ إللي تعبانة دي يا ماما، ده فطار، حاجة بسيطة يعني مش مستاهلة ...

تنهدت "فردوس" وهي تناظر "زهرة" بحنان وإمتنان لما تفعله معها منذ أن خطت قدمها هذا البيت، لتردد بصوتها الدافئ ...
- ربنا يريح قلبك يا بنتي ...

تحركت "زهرة" نحو المطبخ حتى غابت عن أعين "فردوس" التي أخذت تحدث نفسها بهمس متخوف ...
- ( يا رب بس يا بنتي مكونش ظلمتك بجوازك من "أنور" إبني، أنا عارفة عمايله، وإنتِ غلبانة وطيبة وتستاهلي كل الخير، ده بنتي نفسها مش بتخاف عليا زي ما إنتِ بتخافي عليا كدة، الله يجنبك السوء يا بنتي يا رب) ...

دعوة أم خالصة رغم أنها ليست إبنتها لكنها أصبحت بمقامها، فالحسنة الوحيدة لزواج ولدها هو مجئ "زهرة" لهذا البيت لتَعُمه بقلبها الطيب النقي، فحتى وإن كان أخطأ كلا من "فردوس" و"زاهر" بزواج "أنور" منها؛ إلا أن وجودها معهم بالبيت كان بمثابة ظهور القمر بليل حياتهم، بضوئها الهادئ المريح للنفس الذي يكسر الظلام بهلته ....
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

التغابي والتغافل طريقان لراحة النفس والعقل، فعليك الصمت كأنك لم تفهم، والتجاهل كأنك لم ترى، تلك وسائل الصبر، لكن ببعض الأحيان لا يقوى الصبر على المحاربة ويسقط قناع الرضا، فللحليم شر إذا غضب يجب أن تتقيه بلطفك، وألا توقد النيران إشتعالًا حين تأمن غضب الصابرين ...
رشا روميه قوت القلوب 

شقة محمود مكاوي ...
أغمض عيناه وهو يسحب شهيقًا طويلًا يحاول به كبح غضبه الذي تحاول إثارته زوجته بثرثرتها التي لا تتوقف، فهو كتوم متجاهل لما تفعله طيلة الوقت، لكن لكل شيء حد وصبر، هتف "محمود" بـ"جميلة" بعد إستفزازها الطويل له منذ إستيقاظهم هذا الصباح ...
- اللهم طولك يا روح، فيه إيه يا "جميلة" على الصبح !!! قايمة سنة سنانك عليا ليه يا بنت عمي ...؟!!!

أوسعت من عينيها بإندهاش تنهر "محمود" بطريقتها اللاذعة المعتادة ...
- أنا برضه يا "محمود" ...!!!!

دفع الزفير ليتحكم بنفسه مرة أخرى ولا ينساق خلف هياج أعصابه ليردف بهدوئه الذي يستفزها ...
- عايزة إيه يا "جميلة" ...؟!! خلصيني عشان أفطر وأروح المحل ...

هي تأمن دومًا العواقب، تدري أنه لن يثور عليها، لن يصارخ أو يُستفز كغيره من الرجال، هو صبور للغاية ولن يجرحها أو يهينها أو يعنفها، ليس لضعف منه؛ بل لأنه ذو أخلاق عالية وقدرة على التحكم بنفسه وإنفعالاته، لهذا هي تضغط عليه بكل قوتها فهو لن يطالها بعقاب مطلقًا لحسن أخلاقه من جانب، ولكونها إبنة عمه من جانب آخر ...

رفعت حاجبها بطريقة حادة تطالبه بنبرة تميل للأمر ...
- مش عايزاك تروح المحل النهاردة ...

زاغت عيناه للأعلى بتملل ثم زم شفتيه بغيظ قبل أن يجيبها بهدوء بالكاد يستطيع تمالكه ...
- وأخرتها بقى ....!!!! يعني مين حيشوف الشغل هناك، بابا إللي تعبان يا دوب بيروح ساعتين ويروَّح ؟!!!!! ولا "أنور" إللي إيدك منه والأرض ؟؟!! (ثم عقد أنفه معارضًا بإستفهام عن تغير أحوالها مستكملًا..)، وبعدين إيه حكايتك اليومين دول، مش عايزاني أروح ليه، إيه الجديد يعني ...؟!!

ضمت شفتيها بإستياء لتجيبه بنبرة باردة لا تناسب ما تتفوه به ...
- ما أنا من يوم ما شوفت الست إللي إسمها "أم عبير" دي، وأنا مش عايزاك تروح ..

ضحك "محمود" بتهكم من غيرة "جميلة" التي يراها لأول مرة منذ زواجهم، ليردف ساخرًا ...
- جرى إيه يا "جميلة"، هو أنا بتاع الكلام دة ؟؟!!، وبعدين إنتِ من إمتى بتغيري عليا، جديدة دي ..!!!

أعادت "جميلة" جذعها للخلف بإستنكار وإستهزاء مما يقول ...
- أغير !!!!!، أنا ..أغير ؟؟!!!! وعلى مين ؟!! عليك يا "محمود" !! لأ طبعًا أنا مش كدة خالص، ده لا أنا ولا طبعي ولا طريقتي، وأنا عارفه إنك مش حتبص بره أصلًا هو إنت كنت تطول تتجوزني عشان تبص بره، أنا بس مبحبش حد ياخد حاجة بتاعتي ...

قالتها بتملك وغرور أثار ضيق "محمود" من إعتباره أمر مسلم بحياتها، ومن أين تأتي بالغيرة، والغيرة إحساس محبة، وهو يعلم تمامًا أنه لا يجمعهم أي محبة على الإطلاق، لكن كلمتها التي وصفته بها أثارت إنفعاله وحنقه منها ليرددها بتعجب مستنكرًا قيمته عندها ...
- بتاعتك ....!!!!

دفعت بجانب أنفها بإشمئزاز من توقعه بأنها تغير عليه من سواها ...
- أمال أنت فاكر إيه ؟؟!!!، إوعى تكون فاكرني من الستات إللي بتتشحتف ورا أجوازها دي ؟؟!، أنا واحدة واثقة في نفسي، ولا إنت تقدر تبص بره، ولا بتاع كدة من الأساس، أنا لا بتاعة غيره ولا كلام فاضي من الخايب بتاع الستات الفاضية دي ...

طالت نظرته بتحسر على حاله ونصيبه من الدنيا بزوجة باردة مستفزة كـ"جميلة"، ليردف بتأكيد لكلماتها الأخيرة ...
- عارف، عشان كدة بقولك ريحي نفسك، وخليني أشوف شغلي والبضاعة والمحل إللي فاتح بيوتنا، وأنا متأكد إنك لا بتحبي ولا حتحبي حد غير نفسك وبس ...

لوت فمها بإزدراء وهي ترفع بعينيها بتملل منه لعدم تنفيذ رغبتها وطلبها، فهي لا تريد أن يقترب أحد من ممتلكاتها وهو يعتبر من ممتلكاتها الخاصة الذي يجب ألا يتم المساس به من إمرأة أخرى ...
- يعنى برضه حتروح المحل ؟!!

ضرب "محمود" كفيه بعضهما ببعض من إصرارها العنيد بتنفيذ ما تطلبه بشكل مثير للأعصاب لينهرها بحدة هذه المرة ...
- إخلصي يا "جميلة"، مش كل يوم وجع قلب كدة، خليني أشوف إللي ورايا، بلاش وجع قلب كل يوم على الصبح، روحي حضري الفطار مع ماما، ولا أحلف أمشي من غير فطار !!!

نبرة قوية تهديدية جعلتها تتراجع لكن بدون رضا، فأجابته بغيظ أثناء مغادرتها الغرفة ...
- خلاص، خلاص، نازلة أهو، أعوذ بالله ...

حوار أنهك قواه ليجلس بطرف الفراش يمسح جبهته بعدم تحمل لتلك المخلوقة المستفزة المثيرة للمشاكل التي تفتعلها بنفسها كل يوم، دفع بالهواء كزفير قوي كما لو كان يخرج من أعماق قلبه الذي أنهكه الصبر والإختناق دون إظهار ذلك، فقد تحمل الكثير دون البوح أو حتى إظهار الضيق على ملامحه ...
رشا روميه قوت القلوب 
كما لو أنه كتب عليه الصبر والصمت والضيق معًا، لن يهرب من أي منهم وعليه التقبل الذي أصبح يخنق روحه دون أن يبالي أو يدري ...

غطى وجهه بكفيه لبعض الوقت بعد مغادرة "جميلة" ليردف بداخله متحسرًا ...
-( الله يسامحك يا بابا، غصبت عليا أتجوز بنت عمي وأنا مبحبهاش، ويا ريتها راضية وعايزة تعيش، لأ، دي كل يوم موال و زن ووجع دماغ، الله يسامحك يا بابا) 

حاول إستجماع صبره ووجهه الصلب المتقبل قبل أن يقابل والديه وتناول الطعام برفقتهم حتى يتسنى له الذهاب لتجارتهم التي يعتبرها ملاذه الهارب من "جميلة" ومشاكلها التي كادت تغرقه ببحورها ولا يحمل قشة تنقذه منها ....
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

حيرة تملكت من "عزت" بعد أن ترك المصنع بوقت مبكر اليوم خشية من أن يدفع مقابل تلك الهدية لمباركة زميلهم، وقف أمام المصنع بوجه مقتضب وضيق شديد، فأين سيذهب الآن، وكيف سيمضي الوقت؟!!

تحرك بعشوائية هنا وهناك يتخبط بالطرقات دون وجهة يذهب إليها، فحتى وإن عاد للمنزل فمازالت "ليلى" بمناوبتها بالمستشفى ولن تعود قبل المساء ...

ظل يهيم بالشوارع حتى أنهكه التعب، وبعد وقت طويل قرر العودة للمنزل، فلا داعي للسير لأكثر من ذلك ...

كان "عزت" قد إبتعد كثيرًا عن البيت ليضطر تحمل عناء السير عائدًا بطريقه الذي إبتعد عنه، وصل لأحد الشوارع الهادئة الخالية من الزحام والمارة أثناء عودته ...

وبدون إنتباه وربما ببعض تشتت التركيز لظنه أن الطريق خال ويمكنه العبور بأمان، تفاجئ "عزت" بمشهد أثار فزعه على الفور ....

إنتبه لصوت تلك السيارة المسرعة المتجهة نحوه بسرعتها الفائقة حتى أنه لم يستطع رؤيتها بوضوح نتيجة لسرعتها، تيبس بموضعه وإتسع جفنيه بقوة وهو يشهق بإضطراب فالسيارة ستصدمة لا محالة ...

لم يخلف ظنه كثيرًا فلحظات فقط كانت فاصلة بين دهشته وصدمة السيارة به، فقد أزاحته عن الطريق بقوة ليسقط متدحجرًا أرضًا ليثبت بعدها بلا حراك في منتصف الطريق، لتغطى ملامحه وجسده بالدماء بشكل مؤلم للغاية ...

تجمع المارة بين مشفق ومتأثر بهذا الحادث خاصة بعد فرار السائق الذي لم يتوقف للحظة، بل ترك جسد "عزت" ملقى بإهمال حتى إتصل أحد الغرباء بالإسعاف لنقل هذا الرجل لأقرب مستشفى لمحاولة إنقاذه إن كان مازال على قيد الحياة ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

مستشفى الهلال المركزي ...
بعض الصدف تجعلك تدرك حقائق لم تدركها عن نفسك، فحتى أنت لم تعرف عن نفسك سوى القشور، ففي اللحظة التي تظن أنك وصلت بها للأجوبة تتغير الأسئلة والمراد، ربما توجب علينا السقوط لنعلم من سيكون عونًا لنا ...

تابعت "ليلى" الحالات التي تنظم دخولها بعيادة العظام التي تعمل بها، وضعت علامة فوق أحد الأسماء لتطلب من صاحبها الدخول لغرفة الطبيب ...

أمر متكرر يسير تنظيمه بهدوء وجدية كما إعتادت، لتنتبه لإتصال من الإستقبال يعلن وصول حالة جديدة، مصاب بحادث صدام فاقد للوعي ...

حالة طارئة إستثنائة جعلت الطبيب "علي" يخرج من غرفته قائلًا بنبرة متعجلة ...
- تعالي معايا يا "ليلى" على الطوارئ بسرعة نشوف حالة المصاب ده ...

بخفة شديدة كانت "ليلى" تلحق بالطبيب لتلبي نداء الواجب والإنسانية قائلة ..
- حاضر يا دكتور ...

هاجس إحتل نفسها لتشعر بإختناق مفاجئ وهي تتعجل بخطواتها برفقة الطبيب، دون علم لها بشخصية المصاب إلا أنها توجست وتخوفت دون داعي ...
رشا روميه قوت القلوب 
دلف الطبيب أولًا غرفة الطوارئ قبل أن تلحق به "ليلى"، تأهبت لمساعدة الطبيب بفحص الحالة لكنها حين وقعت عيناها على المصاب تيبست بمحلها وسلطت مقلتيها بذهول وهي تطالعه ...

وجه باهت وفاه مصدوم وأعين مرتعبة، تنظر بعدم تصديق، إنه هو، هو الذي يتجاهلها، هو الذي يضيق ببخله حياتها ويحرمها من حنانه ورعايته، هو الذي تعيش معه كالغريبة بل تظن أنه يكرهها، هو سندها ومن لها بالدنيا، هو كل عائلتها ومأمنها وملاذها، إنه والدها ...

تناقض غريب جعلها تدرك أمر واحد فقط، إنها تخاف عليه وتخشى فقدانه، لقد شعرت ولأول مرة أنها تحبه، بعض الأزمات والمحن تظهر الحقائق المخفية، فلم يعلم موسى أن خرق السفينة كان معروفًا ...

لحظة من الصمت والصدمة تبعه صرخة من تلك المتيبسة دون تمالك لأعصابها المنفلتة بإنهيار ...
- بــابــــــا، بــابـــــــــا ...!!!

تتهاوى القوة التي ظنت أنها تمتلكها بتلك اللحظة، طغت الضبابية على عينيها التي امتلأت بالدموع، بذات اللحظة التي أبصرت بها ما لم تكن تبصره .. حبها لوالدها وخوفها عليه ...
رشا روميه قوت القلوب 

إنهيارها وبكائها لم يكن محل تساؤل فقد أدرك الجميع من هذا الشخص وما يقرب إليها، بوجه مشفق دنت منها زميلتها بالعمل تحاول طمئنتها وسحبها لخارج غرفة الطوارئ ...
- إهدي حبيبتي، تعالي معايا ...

عقب الطبيب بعملية رغم إشفاقه على حال "ليلى" وقلقها على والدها ...
- تعالي معايا إنتِ يا "نهى" مكان "ليلى"...

- حاضر يا دكتور ...

أُغلقت غرفة الطوارئ بعد إعلان الطبيب تجهيز غرفة العمليات فيبدو أن حالة "عزت" تستدعي تدخل جراحي على الفور، بينما حاولت "سوزان" تهدئة "ليلى" خارج الغرفة ...

ربتت "سوزان" برفق فوق كف رفيقتها ...
- إهدي يا "ليلى" كدة، أنا أول مرة أشوفك مش متحكمة في نفسك بالشكل ده، إطمني، وبعدين ما إنتِ عارفة دكتور "علي" وشغله، وإنه دكتور شاطر ولازم حيقوم باللازم عشان باباكِ ...

أتبكي من أجله أم من أجلها، رؤيته مغطى بالدماء ساكن الجسد دب بقلبها إحساس بالوحدة واليتم، شعور لم تنتبه له من قبل، سحبت نفس متقطع وهي تجيب "سوزان" بقلب مرتجف ...
- خايفة أوي يا "سوزان"، خايفة عليه أوي، أول مرة أحس إني خايفة عليه، وخايفة يسيبني لوحدي ...

- مش كدة أمال، إمسكِ نفسك شوية، إن شاء الله حيبقى كويس متقلقيش ...

تصادف مرور "مروة" بالممر متجهة نحو غرفة التمريض لتلاحظ توقف "ليلى" و"سوزان"، أمر أثار إنتباهها لتغير وجهتها متجهة نحوهم، لكن ما أثار فضولها هو شيء آخر تمامًا، رؤيتها لدموع وبكاء "ليلى" ...

"ليلى" التى تمر بكل الظروف السيئة لكنها لم تبكي يومًا، هل هي تشاهق بالبكاء وعدم القدرة على التمالك، إنه لأمر يدعو للفضول والتأثر بذات الوقت ...

بوجه قلق تساءلت "مروة" ..
- إيه دة !!، مالك يا "ليلى"، أنا لسه سايباكِ كويسة، إيه إللي حصل عشان ده كله ؟!!

كانت الإجابة من "سوزان" أولًا وهي مازالت تهدئ من روع "ليلى" بمحبة ..
- باباها عمل حادثة، دخلوه العمليات على طول مع دكتور "علي" ...

وقفت "مروة" إلى جوار "ليلى" تشدد من أزرها ...
- حبيبتي يا "ليلى"، متخافيش، حيبقى كويس إن شاء الله ...

قلة حيلتها دفعتها لرفض مكوثها خارج الغرفة لتهتف بإنفعال حزين ..
- لا لا لا، مش حينفع أفضل واقفة كدة، مش حقدر أستحمل، أنا لازم أدخل وأطمن على بابا ...

تمسكت "سوزان" بذراعها تمنعها من الدخول وهي تنظر نحو "مروة" تنتظر منها الدعم ..
- مينفعش كدة يا "ليلى"، بالراحة، ما تقولي حاجة يا "مروة" !!!!

أنهت "سوزان" عبارتها وهي تميل برأسها تجاه "ليلى"، تشير لـ"مروة" بعينيها للتدخل لتلوي "مروة" شفتيها بشكل جانبي كحركة لا إرادية أولًا قبل أن تتمسك هي أيضًا بذراع "ليلى" الأيمن قائلة ...
- تعالي بس نقعد شوية يا "ليلى" ولما يطلع من العمليات نروح نطمن عليه ...

أخذت "ليلى" تحرك رأسها بالنفي عدة مرات قبل أن تهتف بإرتجاف وتخوف ...
- لأ لأ ، أنا عايزة أروح له دلوقتِ، عايزة أطمن عليه دلوقتِ ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

أروقة متداخلة وقلوب قلقة تحمل أوجاعًا وسكون حزين بين مريض وآخر، أمر معتاد برؤية القلق بأعين الزائرين هنا وهناك، لكن أن يحتل القلق أحد الطواقم الطبية لهو أمر مُلفت للنظر ...

خرج "سامح" من غرفة أحد المرضي الذين قد تعافوا من إحدى عمليات زرع القرنية التي قام بها في زيارته التفقدية الأخيرة له، ليلاحظ تجمع للممرضات بشكل يوحي بالقلق والضيق، زادهم بكاء "ليلى" ومحاولة البقية على تهدئتها ...
رشا روميه قوت القلوب 

أمر أثار إنتباه "سامح" على الفور ليتجه نحوهن مباشرة، بطبعه المحب للمساعدة والأخذ بيد العون بمن يحتاج إليها، تحرك بدون تفكير كمحاولة منه لطمأنة "ليلى" وإكسابها بعض السكينة، فيبدو أن هناك حدث كبير سبب لها هذا الإنهيار الغير معتاد منها، فهي صلبة قوية ليست من النوع الضعيف كثير التأثر، لكن إدراكه للفقد أوحى له بتكرار هذا الإحساس المؤلم تجاه "ليلى" الآن ...

إقبال هذا الشاب تجاههم جعلهم ينتبهون له بقوة، فله حضور هادئ لكنه جذاب، تتعلق به العيون والقلوب، فمن هذا الذي لا يقتحم "سامح" قلبه بسلاسته المنسابة كغدير الماء، حتى ملامحه مريحة النفس محببة للقلوب ..

بدأ تساؤله بنبرته الودودة مخترقًا صمتهم عدا "ليلى" الباكية ..
- خير، إيه إللي حصل ؟!!، فيه حاجة يا "ليلى"؟!!

تساؤل لم تجيبه صاحبته بل تطوعت أخرى بعجالة نيابة عنها ..
- أصل باباها عمل حادثة كبيرة أوي يا دكتور، وهو فى العمليات دلوقتِ مع دكتور "علي" ...

أنهت "نهى" إجابتها وهي تسهم بهذا الوسيم بينما لم تحرك تلك الأنثى به ذرة واحدة بكيانه لينصب تركيزه على تلك المنهارة أمامه يحاول مساعدتها ..
- وهو إللي إنتِ بتعمليه دة دلوقتِ حيفيده بحاجة يا "ليلى" !!!! المفروض تهدي شوية وتقرأي له قرآن وتدعي له يقوم بالسلامة، صح ولا إيه ؟!!

ما كان يريد سوى هداية نفسها ولا غرض آخر له، لتستعيد "ليلى" بعضًا من تماسكها، فما ينطق به لهو صحيح للغاية، فلا فائدة من إنهيارها فلن يفيدها أو يفيد والدها ..

أومأت برأسها إيجابًا بينما أكمل "سامح" حديثه يحثها على الصبر عند البلاء، حديث متوالي ينبع من قلب مؤمن بقضاء الله وقدره، أتمها ببعض آيات من القرآن للصبر والدعاء، كما لو أنه أدرك كيف يسترسل بمغاور النفس ليتبدل الحال بالسكينة والهدوء ...

كان ذلك أمام مرأى جميع الممرضات الآتي إلتففن حول "ليلى" لمواساتها وتهدئتها، حديث جعلهم جميعًا يشدهون به، فيا له من شاب يأسر القلوب والعقول معًا رغم عدم إدراكه هو لذلك ...

كلمات تلقائية لم يدرك "سامح" أثرها بنفس هؤلاء الفتيات، وربما ذلك من حُسن حظه، فلو كان قد إنتبه لنظراتهن لكان سقط ببحور خجله الزائد ولم يستطع التفوه بكلمة واحدة، فما رآه هو فتاة بمصبية وحاول مساعدتها لا أكثر ...
رشا روميه قوت القلوب 

ما تراه عاديًا يراه البعض بعين نفسه وتفكيره، يريدونك أن تسير على هواهم، كما لو كان ليس لك الحرية، قد تنظر كما أنظر لكني أرى ما لا ترى ...

إتسعت عينا "مروة" بغيظ وهي تتابع حديث "سامح" تجاه "ليلى"، لتشتعل نيران أخرى بقلبها، إنها نيران الغيرة، فبالتأكيد يكن لها المحبة وإلا فما الداعي لكل هذا الإهتمام بها ..

تحرك الخجول تاركًا أعين لو كان إنتبه لنظراتها لكان تبدل حاله تمامًا، فما بين عيون معجبة ومحبة وأخرى تتقد نيرانها غيرة وغيظ بينما كان لا ينتبه ولا يبالي، وإستحوذ على تفكيره عودته لعمله ومن بعدها لقاء مسائي لطيف بصديقه المحب "نور" بقهوة عزو كما إتفقا هذا الصباح ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

شقة نسرين الحناوي .... 
بعض القيود نصنعها بأنفسنا، فبعد بقائك بمحبسك تبدأ بتزيين جدرانها، فقد يأتي أذى النفس من أفكارنا، فمن الماء ما يروي وما يغرق أيضًا ...

جلست "نسرين" فوق أريكتها المحببة بزاوية الصالة بعدما أغلقت باب الشقة جيدًا بعد خروج والدتها وإخوانها وبقائها بمفردها ...

إتساع المحيط من حولها تركز ببعض البوصات بين كفها فقط وهي تطالع شاشة هاتفها، أمر معتاد بشكل يومي أجبرت نفسها عليه ...

بسمة رُسمت فوق ثغرها العريض لتظهر أسنانها الأمامية البارزة بإبتسامتها المميزة لتبدأ محادثتها بإندماج شديد عبر أحد صفحات التواصل الإجتماعي، غابت بنشوة زائفة بين تلك الكلمات المكتوبة أمامها فقط كما لو أنها أوجزت سعادتها ببضع كلمات مبهمة بذلك الجهاز ...

ضغطت بأصابعها الطويلة بخفة تدون رسالة جديدة بحماس ...
-[ "خالد" إنت فين ؟ أنا جيت ...] 

ما كانت إلا لحظات قليلة حتى تجاوب معها محادثها بالطرف الآخر بذات الحماس ...
- [ أخيرًا يا قلبي، فينك من بدري ..؟] 

دق قلبها لشعور تمنت أن يجتاحها من قبل، أن تكون محط إهتمام ومحبة أحدهم بلين ولطف، لتسأله بما يرضي نفسها وغرورها ...
-[ إيه، وحشتك ..؟!!]
- [ جدًا يا قلبي ..].

-[ وإنت كمان وحشتني ]
كتبتها "نسرين" عن عاطفة إجتاحتها بالفعل، لانت له بينما لم تذق خطيبها يومًا ولو القليل من هذا اللين واللطف ...

بينما كانت تهيم بشاشة هاتفها، كان رد "خالد" يحمل ضيقًا ظاهرًا ..
-[ لو كنت وحشتك بصحيح كنتِ وافقتِ نتقابل ...!!!]

بالطبع تود مقابلته والتعرف إليه عن قرب، لكنها إصطنعت الثقل حتى يشتاق إليها وتزيد محبته لها ...
-[ أنت فاكرني إيه ؟!!!! زي البنات إياها دي، لا يا حبيبي، أنا واحدة محترمة ..!! ]

-[وإنتِ ليه شايفاني بالشكل القذر دة، يعني ده جزاتي إني بحبك ونفسي أشوفك وأقعد معاكِ، عمومًا خلاص، طالما مش واثقة فيا كدة، إنتِ حرة ....!!] 

كما لو كانت تستمع لنبرته المتضايقة لمجرد قراءتها للكلمات، لتهتف به بعجالة عبر رسالة سريعة ...
-[ إنت زعلت، ما إنت عارف إني مش بقدر أخرج كتير من البيت، وقولت لك على ظروفى كلها، حشوفك إزاي بس، وبعدين هو أنا يعني مهمة عندك أوي كدة ..؟!!]

عادت مرة أخرى تبحث عن هذا الإهتمام الكاذب لهذا المجهول الذي يشعرها بقيمتها وجمالها، ليسارع "خالد" بلطف شديد ...
-[ طبعًا يا حبي، هو فيه في قلبي غيرك إنتِ ...]

-[ يعني مفيش واحدة كدة ولا كدة ....؟!]

-[ أبدًا يا عمري، أبدًا أبدًا، إنتِ أول وآخر واحدة أتكلم معاها، إنتِ حبي الوحيد ..]

أعادت "نسرين" تساؤلها بصيغة أخرى تعطشًا لهذا الإهتمام الزائف ...
-[ بتحبنى بجد ....؟!!]

-[ يااه يا "نسرين" إنتِ لسه بتسألي !!، دة أنا مستني اليوم إللي تخلصي فيه من خطيبك ده وتبقي ليا لوحدي ....]

جرم وخيانة مُعلنة، ليس شخصًا عابرًا لا يدري، بل كلاهما في الخطيئة شركاء، يدري كم هي خائنة، وهي أيضًا لا تخفي مساوئها، جمع يستحق لعنات وبغض، لكن "نسرين" أجابت بضمير غافل ...
-[ خلاص هانت، قريب أوي زى ما قلت لك ....]

-[ وقولت لك أنا عندى إستعداد أساعدك في كل حاجة، المهم أشوفك وأملي عيني بيكِ ....]

زاغت عينا "نسرين" لوهلة قبل أن تتأكد منه بأمر هام أولًا ..
-[ طيب و إللي طلبته منك، عملت فيه إيه ...؟!!]

بثقة شديدة أجابها ...
-[ تم حبيبتي زي ما إتفقنا يا حبي متقلقيش ...]

إجابة من المفترض أن تطمئنها لكنها إضطربت للغاية لتسرع بتحذيره ..
-[ "خالد"، أوعى يا "خالد" أي غلط يحصل .....!!]

-[عيب عليكِ، متخافيش يا حبي، ده أنا "خالد" والأجر على الله ...]

برودة شديدة إجتاحت أوداجها لتنتفض منهية تلك المحادثة على الفور ...
-[ طيب سلام بقى دلوقتِ، باين إخواتي رجعوا من المدرسة ....]

-[ سلام يا حبي، مستنيكِ قريب ...]

أغلقت "نسرين" المحادثة وهي تشعر بالنشوة والسعادة والقلق معًا، لكن يكفيها إحساسها برفقة "خالد"، تتمنى أن تصبح لـ"خالد" و"خالد" فقط، يومًا ما ستتخلص من "نور" وخُطبتِه وتبقى له وحده ...

ورغم مشاعر المحبة التي تكنها لـ"خالد" الذي لم تتعدي علاقتهم محادثة عن طريق وسائل التواصل الإجتماعي، إلا أنها رأت به فارس أحلامها الذي سيخطفها بحنانه من مستنقع حياتها الرتيبة بعد أن تتخلص من خطبتها لـ"نور" الذي أجبرت على خطبتها منه ...

ومع مشاعر المحبة التي تجتاحها كانت هناك مشاعر أخرى دفينة، مشاعر كارهة حاقدة تسعى للإنتقام، همست بصوت يملؤه الكراهية والحقد ...
- ياما نفسي أشوفكم بتتعذبوا زي ما أنا إتعذبت طول عمري، بس خلاص، هانت أوي، وحعرف آخد حقي منكم إزاي، وقريب، قريب أوي أوي كمان ....
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

مستشفى الهلال المركزي ...
ساعات قضاها "عزت" بلا حول له ولا قوة بداخل غرفة العمليات،وقت طال لكن شعرت به فقط من تحترق للإطمئنان عليه ...

وأخيرًا فُتح الباب ليخرج منه "عزت" موضوعًا على سرير متحرك يدفعه أحد طاقم التمريض نحو أحد الغرف ...

حركة تبعتها "ليلى" بخطوات مهرولة وقلب قلق، حتى وصولهم لغرفة ليستقر بها لبعض الوقت ...

جلست "ليلى" إلى جوار والدها وهي تتعمق بنظراتها المشفقة على حاله وهي تراه ملتف بالجبائر مغمض العينين لا يدري عما يدور حوله ...

بخطوات رزينة لحق الطبيب بهم ليطمئن ممرضته الدؤوبة ...
- حمد الله على سلامته يا "ليلى"، هو حالته مستقرة جدًا متقلقيش، شوية كسور ونزيف بس الحمد لله لحقناه ونقلنا له الدم، بس يروح أثر المخدر ويفوق ويبقى تمام إن شاء الله ...

لمعت عينيها بدمعة متأثرة بإمتنان له ..
- شكرًا يا دكتور "علي" 

بإيمائة خفيفة عقب الطبيب قبل مغادرته ...
- حمد الله على سلامته يا بنتي، لو عايزة تفضلي هنا جنبه خليكِ براحتك ...

عادت "ليلى" ببصرها تجاه والدها بنظرة سريعة قبل أن تجيب الطبيب ...
- حطمن بس عليه وأرجع العيادة مع حضرتك وكل شوية آجي أشوفه لحد ما يفوق ...

- على راحتك يا بنتي ...

مع مغادرة الطبيب بقيت "ليلى" لبعض الوقت قبل أن تتركه لتعود لعملها فهي لا تقدر على الغياب، بينما كانت تعود بين الحين والآخر لتلقي نظرة عليه بينما كان يغيب عن الوعي بفعل المخدر لفترة طويلة ...
رشا روميه قوت القلوب 
**
❈-❈-❈ــ

السويس شقة فرح الصعيدي ...
بسعادة غامرة تم تجهيز البيت بأكمله لإستقبال "هاني" ووالديه اليوم، بعض من الراحة إلتمستها "فرح" ووالدتها أثناء تناولهما لطعام الغذاء، حين سألت "فرح" بحيرة ...
- تفتكري يا ماما كان لازم حد من قرايبنا يكون موجود النهاردة عشان أهل "هاني"، يعني عشان منبقاش لوحدنا ؟!!

توقفت "مديحة" عن مضغ الطعام لتجيب إبنتها بقلة حيلة ..
- الصراحة مش عارفة، إحنا بعدنا عنهم من سنين عشان مشاكلهم مع أبوكِ الله يرحمه، ومعنديش إستعداد أدخل حد تاني في حياتنا عشان يبوظها لنا ....

تهدلت ملامح "فرح" بضيق حزين ..
- بس ساعات بقول لو كان لينا قرايب بدل الوحدة إللي إحنا عايشين فيها دي مش كان أحسن ؟!!

تركت "مديحة" ملعقتها عازفة عن الطعام لتعقب بأعين حزينة ...
- مش عايزة أتكلم فى الموضوع دة تاني بقى يا "فرح"، ليه كل شويه تقلبي عليا المواجع ؟!!

رق قلب "فرح" بإشفاق على حال والدتها، التي كلما بدأت بسؤالها عن أهلها تحزن بهذا الشكل، لتردف بندم ..
- خلاص بقى يا "ديحه"، أوعدك آخر مرة أسألك، فرفشي بقى دى خطوبة بنتك النهاردة، مش عايزين نكد وعكننة الله يكرمك ...

أنهت عبارتها ضاحكة لتتابعها "مديحة" بإبتسامتها، رغم ما تخفيه بقلبها من تأثر لوحدة إبنتها، لكن كان حتمًا عليها الإبتعاد عن الجميع حتى تشعر بالراحة ...

هدوء عم الأرجاء لكن يبقى سؤال خفي يتسلل لداخل نفس "فرح"، لم تركت والدتها معيشتها بالقاهرة ومجيئها إلى السويس لتبتعد عن الجميع بعد وفاة والدها، لم هي بعيدة عن أهلها وهم بالمثل لا يعرفون عنها شيئًا مطلقًا ...

❈-❈-❈ــ

مستشفى الهلال المركزي ...
كلنا كالقمر لنا جانب مظلم، نخبئ به ما نخفيه من أنفسنا، بذهن شارد حاولت "ليلى" أداء عملها بينما أخذت تتردد بين الحين والآخر على غرفة والدها للإطمئنان عليه، كذلك زميلاتها اللاتي أوصتهم بذلك حتى يفيق من إثر المخدر والمسكنات التي أُعطت له ...

لكنها بالنهاية لم يكن بيديها حيلة سوى إنهاء مناوبتها والبقاء معه قليلًا حتى حان موعد إنتهاء الزيارة ...

تقدمت إحدى زميلاتها نحوها تحدثها بنبرة خافتة ...
- قومي يا "ليلى" روحي، قعدتك دي مش حتعمل له حاجة، هو زي والدنا كلنا وحناخد بالنا منه، يلا روحي إرتاحي وتعالي الصبح في معاد مناوبتك يمكن يكون فاق من المخدر ...

تطلعت بها "ليلى" بأعين تعيسة مرهقة لبعض الوقت وقد زادها طلب رفيقتها حيرة، لتعاود مرة أخرى بمحاولة أخيرة لإقناعها ...
- يلا حبيبتي، ولو فيه أي حاجة حتصل بيكِ متقلقيش ...

أومأت "ليلى" بخفة لتترك والدها مجبرة، تأمن عليه بين أيدي رفاقها الذين ترك مهاراتهم وأمانتهم بمراعاة المرضى ...

حملت حقيبتها لتعود للمنزل لأول مرة ستبقى به بمفردها وبدونه، نعم هي بالفعل وحيدة طيلة الوقت، لكن البيت إزداد كآبة ووحدة بغيابه، لتدرك مقدار محبتها له التي لم تكن تشعر بها من قبل ...

بآلية قضت ليلتها في إنتظار الصباح لتطمئن عليه قبل بدء المناوبة ...

❈-❈-❈ــ

السويس شقة فرح الصعيدي ..

لصوت تلك الدقات فرحة تبهج النفوس، من كان يدرك أن لصوت دقات الساعة هذا الأثر، مع تمام الثامنة دارت "فرح" بسعادة حول نفسها وهي ترى تطاير فستانها الجديد حولها، فرحة قلب طفلة بملابسها الجديدة، أمر جعل والدتها تضحك ضاربة كفيها ببعضهما البعض ..
- عوض عليا يا رب، بقى دة بالذمة شكل عروسة حتتخطب النهاردة !!!!

توقفت "فرح" عن دورانها لتتقدم نحو والدتها بإبتسامتها المشرقة، قبلتها بمحبة قائلة ...
- وأحلى عروسة كمان، هو يطول ..

- والله وكبرتي يا "فرح" وبقيتي عروسة، ده أكيد أمه داعية له، ثحيح، هم مقالوش جايين الساعة كام ؟!!

فرح: لأ .. بس زمانهم على وصول ...

إنتبهت "فرح" لسماعها صوت محرك أحد السيارات بالقرب من البيت لتلتفت بفرحة كادت تتطاير من عينيها المتوهجتين وهي تشير تجاه الشرفة بحماس شديد ...
- ماما، فيه صوت عربية، إستنى حطلع أشوف من البلكونة ....

تمتمت "مديحة" وهي تلاحق إبنتها بعينيها بمحبة ...
- ربنا يفرحك بإبن الحلال إللي يستاهلك، ويبعد عنك ولاد الحرام يا "فرح" يا بنت "مديحة" يــــــــا رب .....

❈-❈-❈ــ

مستشفى الهلال المركزي ...
مع إنتصاف الليل وسكون أروقة المستشفى وسط ظلام الليل، فحتى بهذا المكان الذي لا ينام، تمر عليه بعض الأوقات بالسكون والهدوء ...

لم يفيق "عزت" بشكل واضح من إثر المخدر، لكنه شعر أثناء تيهته بما حدث له، وبهذا الألم الذي يحتل جسده، هو يتذكر الحادث والألم الذي يليه ووجوده بالمستشفى بين الوعي واللاوعي، تحمد الله على ما وصل إليه وأنه مازال على قيد الحياة، لكنه من داخله يدرك أن ما حدث له ما هو إلا عقاب من رب العالمين ...

إنتشر مفعول المخدر بعد أن دلفت إحدى الممرضات لتزيد جرعته منذ قليل، ليستسلم للنوم ويغيب بعالم عدم الإدراك مرة أخرى ...

بأحد الممرات القريبة من غرفة "عزت"، وقد خلى تمامًا من العاملين، ووسط سكون المرضى المستسلمين للنوم، سمع خطوات خفية تتسلل في هدوء شديد ...

خطوات قلقة ملتفتة بين الحين والآخر بأنه ليس هناك من يتابعها، فتح باب غرفة "عزت" خلسة وبهدوء تام حتى لا يصدر أي صوت يلفت الإنتباه ...

تقدمت تلك الخطوات المتسللة بهدوء شديد وإرتباك تام تجاه السرير الذي ينام عليه "عزت"، ليقف صاحبها لوهلة مخرجًا إبرة بها سائل قاتم، ليدب سِنها بكيس الدم المعلق بذراع "عزت" مخرجًا محتواها بالكامل داخله ...

أمر لم يستغرق سوى ثواني قليلة وكان المتسلل يخرج خفية كما دخل تمامًا دون أن يشعر أو يدرى أحد بما فعل ....

                    الفصل السابع من هنا
تعليقات



<>