رواية في قبضة العاصم الفصل السادس6بقلم سيليا البحيري

رواية في قبضة العاصم الفصل السادس6بقلم سيليا البحيري

في صباح اليوم اللي بعده

ليل بتتحرك ببطّ في السرير الكبير، راسها تقيلة ودوخة غريبة ماسكاها. تفتح عينيها بالعافية… سقف أبيض، فرش شيك مش بتاعها، وريحت برفانات أجنبية ماليّة المكان.

بتقعد فجأة وهي بتنهج، عينيها بتلف في الأوضة زي حد بيغرق وبدور على حد ينقذه.
إيدها بترتعش وهي بتلمس رقبتها… لمعة سريعة بتفكّرها — إيد قوية مسكاها من ورا… سنّ إبرة… ضلمة.

ليل (بصوت مبحوح):
"أنا… أنا فين؟!… إيه… إيه ده؟!"

بتقوم بسرعة وهي بتهتز، الأرض عاملة زي ما تكون بتتهز تحت رجليها.
بتجري على الباب الخشب الكبير وتفضل تزقه بجنون — مقفول.

ليل (بتصرخ):
"في حد؟!! افتحوا الباب!! حد يسمعني!!"

صوتها بيرجع لها تاني من الصمت… مفيش رد.
بتجري ناحية الشباك، تحاول تفتحه، بس متقفّل كويس من برّا.
تشوف جنينة كبيرة، سور عالي… مفيش روح حواليها.

ليل (بصوت بيترعش من الخوف):
"يا رب… في إيه؟! مين اللي… خطفني؟!"

تمسك راسها وتقعد على الأرض تعيط، دموعها بتنزل وهي بتكلم نفسها:
"كنت في الفرح… كنت مع ماما… أدهم ومازن… وبعدها…!"
(تشهق) "الإبرة!… كان حد ورايا… مستحيل…!"

بتقف تاني وتخبط على الباب بقوة:

ليل (بتصرخ وهي بتعيط):
"افتحوا يا مجانين! عايزين مني إيه؟! ماااماااا!!"

مفيش صوت… بس الهوا برا، وسكون مرعب.

بتبعد عن الباب وتقعد على السرير، تضم رجليها لحضنها وهي بترتعش:

ليل (بصوت مكسور):
"يا رب… يا رب أكون بحلم… بس… كله حقيقي… البرد… قلبي بيجري…"

تبص حواليها بخضة — شنطتها مش موجودة، تليفونها مش موجود، بس شوية لبس جديد محطوطين على الكرسي جنب السرير.

تمسكهم بإيدين مرعوشين، تبصلهم بخوف، وتهمس:
"مين جهّز دول؟ وليه؟!"

تسكت شوية والدموع شغالة، تبص للسقف:
"أنا… أنا اتخطفت بجد…"

وتغرق في عياط صامت، الأوضة كلها ساكتة إلا صوت شهقاتها البسيطة وتكتكة الساعة اللي بتزوّد الرعب.
*******************

صوت خطوات هادية بيقرب من الباب… يتفتح ببطّ.
ليل بتتجمد في مكانها… ويدخل عاصم القاسمي. طويل، شيك، وشه جامد، وابتسامة باردة مالهاش ريحة إنسان.
عينيه فيها لمعة وجع… وانتقام.

عاصم (بهدوء ساخر):
"أهو… فوقتي. كنت فاكر هتفضّلي نايمة للصبح."

ليل تبصله بخوف، تقوم واقفة متلخبطة، تتراجع ورا لحد ما ضهرها يلزق في الحيطة.
صوتها بيرتعش بس بتحاول تقوى:

ليل:
"إنت… إنت مين؟! أنا فين؟ وجبتني هنا ليه؟!"

عاصم يرفع حواجبه بابتسامة بايخة، يحط إيديه في جيبه ويمشي عليها ببطّ.

عاصم:
"سؤال حلو… بس الأحلى إنك تفتكري اسم زياد الزهراوي قبل ما تسألي."

عيونها توسع فجأة، تاخد نفس بخضة:

ليل:
"بابا؟! بابا مالو؟!"

عاصم (يقرب أكتر):
"كل حاجة يا ليل الزهراوي. وجودك هنا… عقاب ليه.
أبوك خَد مني كل حاجة… كل حاجة."

ليل تهز راسها بسرعة وتاخد خطوة لورا:

ليل:
"إنت مجنون! بابا ما بيضرش حد! بابا طيب!"

فجأة عاصم يخبط إيده على المكتب بقوة، ليل ترتعش مكانها.
صوته يعلى لأول مرة، مليان غضب ووجع مكبوت:

عاصم:
"طيب؟! طيب وهو اللي سكت لما عيلتي كلها اتدمرت؟!
لما رائد… أخويا… مات قدّامي؟!"

ليل عينيها تتفتح أكتر، نفسها يتقطع وهي بتحاول تستوعب:

ليل:
"إنت بتقول إيه؟! بابا مالوش دعوة!"

عاصم (يضحك بمرارة):
"مالوش دعوة؟
تحبي الحكايات؟ طب اسمعي مني… مش من أبوكي الكدّاب."

يقرب منها تاني، صوته ينزل كإنه بيحكي لعنة قديمة:

عاصم:
"من سنين… كان في أربع رجالة: خالد القاسمي، زياد الزهراوي، أدهم الزهراوي، ومراد الشرقاوي.
كانوا إخوات. شغل… حياة… كل حاجة.
ولما أبويا خالد تعب وفلوسنا قربت تقع… أبوكي استغل ده وخد كل حاجة ليه."

ليل تصرخ فجأة:

ليل:
"كذاب!! بابا عمره ما يعمل كده!
هو دايمًا بيقول إن عم خالد مات بسلام وماكانش في بينكم مشاكل!"

عاصم (يضحك ضحكة مرّة):
"سلام إيه؟
السلام اتدفن يوم ما أبوكي خان… ويوم ما رائد مات برصاص غدار."

ليل تتجمد ودموعها تنزل:

ليل (بصوت مختنق):
"رائد؟… مات؟ طب… إزاي؟"

عاصم (بصوت واطي مليان حقد):
"اتقتل… واتساب ينزف زي الكلب في الشارع.
وأنا كنت هناك… بشوف دمه… بشوف عينه بتستغيث.
بس كان فات الأوان."

ليل تغطي بوقها بإيديها وتنهار:

ليل (بتصرخ):
"انت كذاب!! بابا مستحيل يعمل كده!! هو بيحبكم!"

عاصم (هادئ قاتل):
"الحب ساعات بيخلي الناس تغلط…
بس غلطته تمنها غالي."

ليل تنفجر غضبًا وتضربه على صدره وهي بتعيط:

ليل:
"إنت مريض! مجنون! المفروض إنت اللي يتحبس، مش بابا!"

هو يسيبها تضرب، وشه مش بيتغيّر، كإنها ولا حاجة.
يمسك إيديها بهدوء غريب ويوقفها.

عاصم (بصوت هادي قوي):
"كفاية… هتتعبي نفسك ليه؟
من النهارده… انسِي مصر، انسِي أبوكي، وانسي اسمك.
إنت هنا… علشان تكوني مفتاح انتقامي."

ليل تحاول تشدّ إيديها، تصرخ بخوف هستيري:

ليل:
"لااا!! سيبني! خلّيني أروح!!"

عاصم يقرب وشّه منها، عينه بتولع انتقام:

عاصم:
"تمشي؟
تمشي لما زياد يحس نفس الوجع اللي أنا حسيته…
لما يعرف إن بنته اتاخدت منه… زي ما أخويا اتاخد مني."

يسيبها ويمشي ناحية الباب، صوته يهزّ المكان:

عاصم:
"اعتبري نفسك ضيفة… في جحيم اسمه عاصم القاسمي."

يقفل الباب بعنف.
ليل تقع على الأرض وتعيط، كتافها بترتعش:

ليل (بتنوح):
"يا رب… ليه أنا؟ ليه أنا؟!"
********************

ليل لسه قاعده على الأرض، عنيها حمراء من كتر العياط، وشها باهت وتعبان.
يخبط حد على الباب خبط خفيف… ويتفتح هادي.

تدخل نيروز السيوفي — بنت في نص العشرينات، شكلها هادي وناعم، شعرها عسلي نازل على كتافها، ووشها فيه طيبة كإنه راحة بعد دوشة العالم.
شايلة صينية عليها كوباية مية وحتة شوكولاتة.

تقف أول ما تشوف ليل بالحالة دي، تتلخبط شوية… وبعدين تقرب بخطوات مترددة.

نيروز (برقة):
"يا نهار… شكلك تعبانة. ممكن أقعد معاكي شوية؟"

ليل ترفع راسها ببطّ، صوتها مبحوح، عينيها تايهة:

ليل:
"إنتِ مين؟! وجبتوني هنا ليه؟! عايزين مني إيه؟!"

نيروز تتنهد وتقعد على طرف السرير، تحط الصينية جنبها:

نيروز:
"أنا نيروز… أخت رامي.
ما تقلقيش، محدش هيأذيكي."

ليل تضحك ضحكة مكسورة، فيها يأس وبكاء:

ليل:
"محدش هيأذيني؟! وأنا اتخطفت واتسحبت من وسط فرح! ده اسمه إيه؟ لعب عيال؟!"

نيروز تبص للأرض بحزن، تحاول تهدى:

نيروز:
"عارفة اللي حصل غلط… بس والله ساعات الناس بتتصرف من الوجع… مش من الشر."

ليل تقوم فجأة، صوتها عالي وأنفاسها بتترجف:

ليل:
"وجع؟! إيه الوجع اللي يخليه يخطفني وأنا مالي؟!
رجعيني بلدي… بالله عليكي!"

نيروز تقوم برضه، تحط إيديها على كتاف ليل بحنية:

نيروز:
"اهدي بس…
وبعدين، ترجعي إزاي؟ إحنا في ألمانيا يا ليل."

ليل عينيها تتسع، صوتها يطلع مخنوق بصدمة:

ليل:
"ألمانيا؟!
إنتي بتهزري؟! قولي إنك بتهزري!"

نيروز تهز راسها بهدوء وحزن:

نيروز:
"ما بهزرش.
اللي جابك هنا عاصم القاسمي… وأنا عرفاه من زمان. مش وحش… بس موجوع… وتايه… وبيعاقب الشبح اللي في دماغه، مش الناس."

ليل تسكت شوية، نفسها بيقطع، وبعدين تهمس كإنها فقدت عقلها:

ليل:
"عايزة أرجع… لماما وبابا…
ما عملناش حاجة… ما لناش ذنب!"

نيروز تمسك إيدها وتضغط عليها بخفة:

نيروز (بحنان):
"هنلاقي حل… بس مش دلوقتي.
استريحي الليلة… وأنا أوعدك أكلم أخويا، يمكن أقدر أساعدك."

ليل تبص لها بعينين مليانين دموع وتتمسك في إيديها كإنها غريقة:

ليل:
"بوعدك؟ بجد؟"

نيروز (تبتسم بسيط):
"بوعدك…
بس بالله عليكي ما تعمليش حاجة متهورة، ولا تخلي حد يشوفك بتعيطي… خصوصًا عاصم."

ليل تهز راسها موافقة، نيروز تمسح دموعها بلطف… وتروح ناحية الباب.
قبل ما تخرج، تبصلها نظرة دافية:

نيروز:
"وبينّي وبينك… فيكي حاجة فكراني بنفسي زمان. قوية… بس موجوعة."

تخرج… الباب يتقفل بهدوء.
ليل تفضل واقفة ثواني… وبعدين تقعد على السرير.
تبص للشباك المقفول بإحكام، والليل برا بيغطي كل حاجة.
تضم نفسها بإيديها وتهمس بصوت مكسور:

ليل:
"ألمانيا… يعني أنا بعيدة عن الكل…
يا رب… أرجع إزاي؟"
********************

ضوّ الصبح البارد بيتسلّل من ورا الستاير في المكتب الكبير، ينوّر الورق المرمّي فوق المكتب الخشب الغامق.
رامي السيوفي قاعد ورا مكتبه، لابس قميص رمادي، عينه تايهة وتعبانة، نفسه متقطع كإنه شايل جبل.
قدّامه واقف عاصم القاسمي بوش ثابت مفيهوش نقطة رحمة، إيديه في جيبه ونظرته مولعة زي جمر.

صوت عاصم يقطع الهدوء:

عاصم (ببرود):
"دلوقتي… الخطوة اللي بعد كده يا رامي. مفيش وقت نضيعُه. عايز التنفيذ يبدأ الأسبوع ده."

رامي (يرفع عينه ببطء):
"تنفيذ إيه بالظبط؟"

عاصم (يقرب من المكتب، صوته تقيل):
"المرحلة الأولى… نكسرها.
البت دي لازم تفهم إن حياتها مبقتش بتاعتها. وإن أبوها هيدفع تمن دم رائد."

رمى رامي نظره عليه… بس مكانش شايفه. كان شايف طفل صغير بيضحك وبيجري في الجنينة… رائد الصغير.
الضحكة تختفي… وترجع صورة عاصم القاسي مكانها.

رامي (بصوت واطي):
"و… وده هيجيب رائد تاني؟"

عاصم (بحدة):
"لأ! بس هيخلي اللي قتله يحس اللي أنا حسّيته يوم أخويا مات غرقان في دمه!"

يسكت رامي لحظات… يخبي رعشة في إيده، ياخد نفس طويل.

رامي:
"تمام… وبعد ما "تكسرها" زي ما بتقول؟"

عاصم (يبُص بعيد):
"ساعتها… هنشوف أبوها هيستحمل لحد إمتى.
زياد الزهراوي راجل فاهم يعني إيه الخسارة… بس شكله نسي طعم الوجع.
أنا بس بفكّره."

رامي يتأمله… قدّامه مش راجل قوي، قدّامه واحد ضايع في سواد الانتقام، بيولّع نفسه قبل ما يولّع غيره.

رامي (بهمس ضعيف):
"عاصم… عمرك فكّرت إنك ممكن تكون غلطان؟"

عاصم (ينط ببصة نار):
"مفيش غلط في الانتقام يا رامي… الغلط الوحيد إنك تتردد."

رامي (يوطّي نظره):
"فهمت… هرتّب كل حاجة."

عاصم يقوم، ياخد الجاكيت الأسود من الكرسي، ويلف ببصة قاطعة:

عاصم:
"عايزها هنا تحت رقابة طول الوقت. محدش يقرب منها غير بإذني."

رامي (بتنهيدة تعبانة):
"زي ما تحب."

عاصم يخرج بخطوات ثابتة.
رامي يقعد لوحده… يبص للباب المقفول ويتمتم بصوت يكاد ميطلعش:

رامي:
"لو تعرف يا صاحبي… إنك بتحارب شبح مش موجود."

يسند راسه على الكرسي، وعنيه تغوص في فراغ مليان ذنب وشَفَقة.
*********************

باب المكتب يتقفل ورا عاصم بعنف خفيف.
صدى رجليه بيطوف في أروقة الفيلا ولحد ما يختفي في السكون.
رامي قاعد لوحده، ساكت ثواني، بيبص للباب المقفول كأنه بيشوف من وراه ظل صاحبه اللي ضاع فظلمة الانتقام.

ياخد نفس عميق… وبعدين يخبط على المكتِب بقبضة مُسكوت عنها غضب.

رامي (بصوت متقطع، كأنه بيكلم عاصم الغايب):
"وبعدين يا عاصم؟ بعد لما الحقيقة تطلع… بعد لما يبان القاتل الحقيقي…
هتقوُل لإزاي لزياد الزهراوي؟ هتبص له في وشه بعد ما خطفت ابنته البريئة؟
هو هيسامحك عشان عشت في وهم الحقد؟"

بيقوم فجأة، ماشي بخطوات مش مستقرة لحد الشباك.
البرّه ضباب، والسما رمادية كأنها بتعكس قلبه المتقلب.

رامي (بغضب ووجع):
"رائد… يا صاحبي…
كان نفسي تكون هنا وتوقفه، وتقوله إن زياد عمره ما كان قاتل ولا خائن!
ضمير عاصم مات يوم موتك… وعقله اتدفن يوم ما دفنّاك!"

يبطل ثواني، ياخد نفس عميق، بيحاول يرجع هدوءه.
يحط ايده على صدره كأنه بيرتب دقات قلبه، وبعدين يهمس بعزيمة واضحة:

رامي (بحزم، صوته بيتقوّى تدريجي):
"لأ… مش هسيب الحقيقة تضيع ورا دموع الانتقام.
أنا اللي هلاقِي القاتل الحقيقي، مهما كان قُريب أو بعيد.
وهورّي الناس مين اللي قتل رائد القاسمي… ومين اللي هدّم حياة الكل بكذبة واحده."

يرجع لمكتبه، ياخد ملف تقيل فيه صور وتقارير مقتل رائد، يفتحه وعينه مولعة نار.

رامي (بصوت واطي لكنه مليان إصرار):
"أقسمتلك يا رائد… مش هاسْكت لحد ما ألاقي اللي عملها.
وهخليه يدفع ثمنها… أضعاف اللي انت دفعته."

ياخد نفس طويل، يطفي سجارة في مطفأة الزجاج، وبنبرة حاسمة يقول:

رامي: "انتهى زمن الحيرة… وبدأ زمن الحساب."
*******************

في مصر – شركة الزهراوي – مكتب زياد

الجو في المكتب تقيل… كأن الهوا نفسه مهموم.
الستائر نصّ مقفولة، نور النهار الشاحب داخل على استحياء على وش زياد الزهراوي وهو قاعد ورا مكتبه الكبير، راسه لتحت، إيديه ماسكا بعض بقوة كأنه ماسك نفسه بالعافية عشان ماينهارش.
على الكنبة اللي قدّامه قاعد مراد الشرقاوي وأدهم الزهراوي… السكون مهيمن على وشوشهم.

صوت الساعة بيعدّ… لحد ما زياد اتكلم أخيرًا بصوت مجروح:

زياد (بصوت مكسور):
"كنت بشوفه عيل يا مراد… كان بييجي مع خالد، يجري ويضحك في الشركة…
كنت اقعده على رُكبتي وأقوله: هتكبر وتبقى زي أبوك.
خالد كان بيثق فيّا كأنه روحي… إزاي؟ إزاي العيل ده يكبر ويخطف بنتي؟"

يرخي راسه أكتر، وصوته يتخنق بالحزن:

زياد:
"ليل كانت دايمًا جنبي… بنتي الوحيدة… نوري الوحيد في البيت ده…
كل ما أبصّ في وشها أفتكر أمها يوم ما اتولدت.
إزاي أستوعب إنها دلوقتي في إيد واحد أنا اللي ربيته؟"

أدهم يقوم يمشي بخطوات هادية ويحط إيده على كتف زياد:

أدهم:
"زياد… ما تلومش نفسك.
إحنا لسه مش عارفين إيه اللي خلاه يعمل كده.
عاصم ما بقاش نفس الطفل اللي عرفناه… حصل له حاجة. حاجة خلّته يصدق المستحيل."

مراد (يتنهد):
"من يوم ما رائد مات، وهو اتغيّر خالص… قطع علاقته بالكل.
حتى بيجاد وسليم مش عارفين يوصلوله.
بس مهما حصل… خطف ليل؟! دي حاجة ما تتبررش."

زياد يرفع راسه ببطء… عيونه حمرا من السهر والبكا:

زياد (صوته بيرتعش):
"لما خالد مات… وعدته أعتني بعاصم كأنه ابني.
ودلوقتي… بأدفع تمن الوعد ده.
دي مكافأة الصدق يا مراد؟ دي نتيجة إن الواحد يبقى أب لحد مش من دمه؟"

يسود الصمت… أنفاس تقيلة في الجو.
زياد يبص لصورة ليل على المكتب… يعدّي صباعه المرتعش على إطارها:

زياد (بهمس موجوع):
"كانت دايمًا تقولي: بابا، اوعدني لو زعلت مني ما تسيبنيش.
وأنا وفيت بكل وعد…
إلا ده… ماعرفتش أحميها."

مراد يتنفس بصعوبة، يخبي تأثره بالعافية:

مراد:
"هنرجعها يا زياد… بوعدك.
هنعمل المستحيل.
والقدر عمره ما يخذل حد بيحب بصدق."

زياد يقف فجأة… صوته خليط من غضب وحزن:

زياد:
"أنا بس عايز أعرف ليه يا مراد!
ليه الكره ده كله؟ أنا عملتله إيه؟
لو كان واجهني… لو سأل قبل ما يخطف بنتي…
كنت هحط عمري كله قدّامه عشان يعرف إني بريء!"

أدهم (يحاول يهدّيه):
"هنعرف الحقيقة… أقسم بالله هنطلعها.
بس لازم تفضل قوي… علشان حور… وعلشان ليل."

دمعة تقيلة تنزل من عين زياد… يهمس:

زياد:
"إزاي أبقى قوي… وبنتي هناك مش عارف حتى هي بخير ولا لأ؟"

الل silêncio يرجع تاني.
مراد يقوم ببطء، يحط إيده على كتف زياد بحزم ودفا:

مراد:
"عشان انت أبو ليل الزهراوي… والآباء ما بيقعوش.
حتى لو قلبهم اتكسر."

زياد يرجّع راسه لتحت تاني… عيناه تغيم بالدموع وصوت أنينه المكبوت يملأ المكان، كأن الأرض نفسها بتتوجع معاه.
*******************

في مقهى هادي في وسط القاهرة – بعد اختطاف ليل بيومين

السماء رمادي، والمطر الخفيف بيخبط على الإزاز بنغمة كئيبة.
في ركن بعيد، قاعد بيجاد الراوي وسليم القيصري، كبايتين قهوة قدّامهم… محدش لمسهم.
عيون بيجاد حمرا من السهر والقهر، وسليم بيحاول على الفاضي يهدي الجو اللي حوالهم.

سليم (بهدوء):
"اهدّى يا بيجاد… الغضب مش هيفيدنا بحاجة دلوقتي."

بيجاد (ينفجر):
"اهدَى؟! بعد اللي عمله؟ بعد ما خطف بنت بريّة وسافر بيها ربنا عالم فين؟!
سليم، ده مش عاصم اللي نعرفه! ده واحد تاني خالص!"

سليم يرفع حواجبه ويتنهد:

سليم:
"أنا مش بدافع عنه… بس أكيد وراه سبب.
يمكن اتجنن من الصدمة… يمكن حد لعب في دماغه."

بيجاد يخبط على الترابيزة بيده… الكوباية تهتز:

بيجاد (بغضب):
"أيوه، حد لعب في دماغه… نديم!
الواد ده من يوم ما رائد مات وهو بينفخ فيه سمّ ويقوله كلام مسموم ومش مفهوم.
بس عاصم؟! كان المفروض يفهمه… كان المفروض يسمعنا بدل ما يصدق الأوهام دي!"

سليم (يحاول):
"يمكن لو كلمناه…"

بيجاد (يقاطعه بعصبية):
"نكلمه؟ إزاي؟!
اختفى! لا تليفون، لا مكان، ولا حتى رسالة!
إحنا بقينا غرب غُرب عنه يا سليم… بعد كل السنين دي!"

ينزل راسه، يمرر إيده على وشه بتعب، وصوته يخفت ويتحشرج:

بيجاد:
"كنت شايفه أخويا… مش مجرد صاحبي.
عشنا كل حاجة مع بعض… وقفنا جنب بعض في أصعب الأيام…
والنهارده يخطف بنت بريئة ويدوس على كل اللي تعلمناه من خالد القاسمي."

سليم (بحزن):
"يمكن ربنا يهديه يا بيجاد."

بيجاد (بمرارة):
"صعب… الحقد لما يعمي القلب ما بيسيبش مكان للنور."

يسكت لحظة، ويتلفت بعيد كأنه بيخبي حاجة جوّاه… عينيه تلمع حزن:

بيجاد (بهمس):
"حتى ربى… دمّرها هو كمان.
هي بتدفع تمن جنانه كل يوم."

سليم (مستغرب):
"ربى؟"

بيجاد (يعدل قعدته بسرعة):
"آه… قصدي إنها اتعذبت زيه.
هي ضاعت… وهو حتى مش شايفها."

ياخد نفس تقيل ويقوم فجأة:

بيجاد (بحسم):
"خلاص يا سليم، قررت.
من النهارده ما لياش علاقة بعاصم ولا بما يفعله.
اللي يختار الانتقام بدل الصداقة… ما يستحقش يكون في حياتي."

سليم يحاول يمسكه:

سليم:
"فكر تاني يا بيجاد… يمكن نقدر نرجّعه بدل ما نسيبه يضيع."

بيجاد (يبصله بثبات وعيونه تلمع):
"لا يا سليم.
اللي ضاع جواه مش بيرجع بسهولة.
بس أنا مش هقف أتفرج…
هكمّل أدور على اللي قتل رائد بنفسي.
ولما يعرف الحقيقة… ساعتها بس هيحس قد إيه خسرنا كلنا."

يحط فلوس على الترابيزة ويمشي تحت المطر، خطواته تقيلة، وصوته الداخلي يهمس:

"ربى… لو تعرفي إني بحبك، كنتي عرفتي قلبي بيتكسر مرتين…
مرة عليكِ، ومرة عليه."

سليم يفضل قاعد، يبص للباب اللي خرج منه بيجاد، ويهمس:

سليم:
"يا عاصم… ضيّعت نفسك، وضّعتنا معاك، وإنت مش حاسس."
*********************

في فيلا الزهراوي – أوضة حور – بالليل

نور خافت طالع من الأباجورة اللي جنب السجادة.
حور الزهراوي ساجدة عالأرض، عنيها مقفولة ودموعها نازلة عالسبحة، وصوتها بيترعش بالدعاء:

حور (بهمس مكسور):
يا رب… يا اللي ما بيردّش حد لجأ له،
احفظها لي يا رب… احفظ ليل، بنتي… نوري…
ما تحرمنيش منها يوم واحد، ما تاخدش حضنها مني، يا رب…
رجّعها لي سالمة… يا أرحم الراحمين…

ترفع إيديها وتبص للدعاء، وتمسح دموعها ببطء وهي بتسلّم.
تقعد على السجادة ساكتة، نفسها مقطوع.

باب الأوضة يتفتح بهدوء، وتدخل ملك الزهراوي شايلة كباية ميّة.
تقف عند الباب لما تشوف وش حور متغرق دموع.

ملك (برقة):
حور… يا حبيبتي، صليتي تاني؟
أنا متأكدة إن مفيش ركعة من ساعة اللي حصلت إلا وانتي بتعيطي فيها.

حور (مبتسمة بوجع):
الصلاة هي اللي فاضلالي يا ملك…
لما بسجد بحسها قريبة مني… بحس إنها سامعاني.

ملك تقرّب وتقعد جنبها، وتمسح دموعها بإيدها:

ملك:
ربنا هيطمن قلبك، والله.
زياد وأدهم ومراد مش هيسيبوا الموضوع يعدي.
بس قوليلي… إيه اللي حصل بين زياد وعاصم؟
إزاي ولد ربيناه بإدينا يعمل كده؟

حور تاخد نفس عميق، وتتكلم بصوت مكسور:

حور:
والله ما عرف يا ملك… لا أنا ولا زياد فاهمين.
عاصم كان كل يوم هنا… بياكل معانا، ويضحك مع ليل وأدهم ومازن.
بعد ما أمه "مريم" ماتت… أنا اللي ربيته.
كنت بخاف عليه زي عيالي…
كنت أحكيله قبل النوم… أمسح دمعته لما يوحشوه أهله.

ملك (بحزن):
فاكرة… كان متعلق بيكي بطريقة تخوّف.
ومريم الله يرحمها كانت دايمًا تقول إنك أختها مش صاحبتها.

حور:
والله كانت أختي… كنت بحبها أكتر من نفسي.
وبعدها بيوم، كنت بوعدها قدّام صورتها إني مش هسيب عاصم ولا رائد ولا ربى.
وفعلًا… كانوا عايشين هنا نص عمرهم… في حضني.

سكتت شوية، ودموعها نزلت تاني، صوتها بيرتعش:

حور:
رائد مات… وربى مسكينة ما بتتكلمش ولا بتتحرك…
وده اللي ربيته زي ابني… يخطف بنتي!
ليه بس؟ ليه؟
مش بس موجوعة… أنا مكسورة يا ملك.

ملك تمسك إيدها بقوة، وعنيها بيلمعوا:

ملك:
يمكن حد لعب في دماغه… حد مرّي عليه وزرع له كره.
بس اللي واثقة منه إنه هييجي يوم ويفهم…
وساعتها هيندم على كل لحظة وجعك فيها.

حور (بصوت ضعيف):
لو الزمن رجع… كنت حضنته أكتر… كنت قلتله كل يوم إنه ابني…
يمكن كان اتغيّر.

تقوم ببطء وتبص من الشباك للسماء السودة:

حور (بهمس):
يا رب… إنت شايف قلبي.
رجّع بنتي لي… واهدِ قلبه…
لإن لو عاصم ضاع كمان… مش هيخسرنا بس…
ده هيخسر نفسه.

ملك تحضنها من غير كلام، دموعهم بتنزل على كتاف بعض، والهوى بيحرّك الستارة كأنه شايل دعاء أم موجوعة طالع للسماء.
*****************

في تايلاند – فيلا عالبحر – بالليل

السما لونها بنفسجي غامق، والموج بيهمس وهو بيلمّس الرمل الأبيض.
ريما الشرقاوي قاعدة في البلكونة، شعرها الأسود الطويل بيتطاير مع الهوا، عينها سرحانة فالبحر…
في إيدها كباية قهوة سايبة بقالها ساعة، ولا شربت منها ولا رشفة.

كامل خرج لابس قميص أبيض واسع وبنطلون قطن، قرب منها بهدوء، وقف وراها وحط إيده على كتفها بحنية.

كامل (بصوت واطي):
لسه بتفكّري فيها، مش كده؟

ريما (بصوت حزين):
ليل كانت هنا من أسبوعين يا كامل… كانت بتضحك، وبتساعدني أجهّز الفستان.
عمري ما كنت أتخيل إن بعدها بكام يوم… تختفي كده.
مش قادرة أصدق إن اللي عمل ده هو عاصم!

تتنهد وتحط الكباية جامد شوية، وعينها تتملي دموع وهي تبصّ للبحر:

ريما:
أنا ربيت عاصم… كنت بلعب معاه، كنت شايفاه زي أخويا الصغير.
كان بيجري ورايا فالجنينة ويضحك… كان يعيّط لما أسيبه وأخرج.
إزاي قلبه يتغيّر كده؟
إزاي طفل كنت أمسح دموعه… يخطف بنت عمو زياد اللي كان بيحبه زي أبوه؟!

كامل يقرب أكتر، يقعد قدامها على الأرض ويمسك إيديها بحنان:

كامل (بنبرة هادية):
يمكن في حاجة إحنا مش فاهمينها…
يمكن هو مش نفس الطفل اللي عرفتيه…
بس أنا اللي مش قادر أشوفك بتعيّطي عشانه.

تبصله باستغراب، وتبتسم بنص دمعة:

ريما:
بتغير من عاصم؟
(تضحك بخفة رغم الدموع) يا كامل… ده كان طفل وأنا مراهقة!

كامل (يتنهد):
ما عرفش… يمكن غيرة، يمكن خوف.
بحس إن كل مرة بتزعلّي فيها… بتبعدي عني شويّة.
نفسي أرجّع ضحكتك اللي كانت أول ما اتجوزنا.
شهر العسل المفروض يبقى فرحة… مش دموع وقلب محروق.

ريما تبتسم وتلمس خده، تمرر صباعها على دقنه الخفيفة:

ريما:
حقك عليّا… والله ما كنت عايزة أضيّع فرحتنا.
بس ليل مش مجرد صاحبة… دي كانت أختي.
ولو كنت مكانها كنت هعمل زيها… بريئة وسهلة وتصدق أي حد.

كامل (يهمس):
وأنا… لو كنتي إنتي اللي اختفيتي…
ما كنتش هسيب الدنيا إلا لما أرجّعك… مهما حصل.

ريما تحضنه فجأة، تمسك راسه على صدرها وتهمس:

ريما:
خلاص… كفاية.
مش عايزة أتكلم في الوجع تاني.
أنا هنا… معاك… وده كفاية دلوقتي.

كامل يرفع راسه ويبص لعينيها المبلولة، يبتسم بخفة:

كامل:
كده أحلى… كنت ناسي صوت ضحكتك عامل إزاي.

ريما تضحك بخجل وتمسح دموعها:

ريما:
لو عارف إن غيرتك اللي هتضحكني… كنت غيرت أكتر!

كامل (يضحك):
اوعي تجرّبيني يا بنت الشرقاوي… الغيرة عندي نار.

ريما (تغمزه):
وأنا عارفة أطفّيها كويس.

يضحكوا سوا، وهو يشدها تقعد في حضنه، يحضنها والموج بيكسر على الشط.
تسكت لحظة، وتحط رأسها على كتفه وتهمس:

ريما:
وعدني… أول ما نرجع مصر، نساعد ندور عليها.
ليل لازم ترجع يا كامل.

كامل (بحزم):
أوعدك يا روحي.
ومش بس كده… اللي لمسها هيتحاسب… مهما كان.

                    الفصل السابع من هنا 
تعليقات



<>