رواية وجع مخفي الفصل التاسع9بقلم خديجه احمد


رواية وجع مخفي الفصل التاسع9بقلم خديجه احمد

جاد

نزلت أنا وتُقى عند خالتي
عشان نبلغها بالخبر…
إن تُقى أخيرًا قررت تدي أحمد فرصة.

أول ما دخلنا، استقبلتني بحرارة كعادتها

وضربت كف بكف بمعاتبة خفيفة:
__أمال فين أمل؟ مجتش معاك ولا إيه؟

قلبي شد لحظة.
بصيت لتُقى بسرعة… لقيت التوتر واضح في عينيها.
رجعت بصيت لخالتي وأنا بحاول أبان طبيعي.

مش عايز حد يعرف بتعب أمل.
مش عايز حد يبصلها بنظرة شفقة…
ولا كلمة “يا حرام” تتقال قدامي.

لحقتني تُقى بسرعة وقالت بابتسامة خفيفة مصطنعة:
__جالها دور برد بسيط يا خالتو، ومقدرتش تنزل.

هزت خالتي راسها بأسف وقالت:
__لا ألف سلامة عليها، وصلها سلامي.

هزيت راسي بصمت…
وسكت.
لأن أي كلمة زيادة ممكن تخونّي.

راحت خالتي تنادي على أحمد.

خرج أحمد وأول ما شافني ابتسم ابتسامته المعتادة.
رغم رخامته…
لكن بعتبره زي أخويا، وماليش غيره.

قرب حضني بقوة وهو بيقول:
__إيه يا عم! كده متنساش صحابك!

ضحكت وربتّ على ضهره:
__وأنا أقدر برضه يا حب؟

بعد عني وهو بيبتسم وقال:
__لا طبعًا متقدرش.
وبعدين شاورلي:
__إنت هتفضل واقف كده؟ اقعد.

قعدت،
ولاحظت عينه كل شوية تروح لتُقى.
كانت باصة في الأرض،
بتلعب في طرف السجادة…
واضح إنها متوترة.

حركت إيدي قدام وش أحمد وقلت بسخرية:
__بصلي يا حبيبي، ركّز معايا أنا.

اتوتر وبلع ريقه وقال:
__أمال فين الجماعة؟ مجتش معاك ليه؟

رديت بصوت ثابت رغم الوجع اللي جوايا:
__تعبانة شوية ومقدرتش تيجي.

هز راسه بهدوء وقال:
__تتعوض إن شاء الله.

رجعت خالتي بالقهوة والعصير، ووشها كله ابتسامة:
__والله متعرفش يا جاد كنت واحشني قد إيه.
صحيح يومين بس… حسيتهم عدوا عليا كأنهم سنتين.

ابتسمت وقربت منها وبوست إيدها:
__مينحرمش منك يا زوزو.

وبين الضحك والكلام…
كنت مستني اللحظة المناسبة أقول السبب الحقيقي لنزولنا.

عدلت قعدتي وبصيت لخالتي بابتسامة هادية.

قلت وأنا بحط الفنجان قدامي:
__بقولك إيه يا زوزو… إحنا نازلين النهارده مش زيارة عادية.

رفعت حاجبها باهتمام:
__خير يا حبيبي؟

بصيت لأحمد لحظة…
كان باصص لتقى تاني،
وتقى لسه عينيها في الأرض.

قولت بهدوء متعمد:
__تقى قررت تدي أحمد فرصة.

الكلمة وقعت في القعدة زي قنبلة صغيرة.

خالتي حطت إيديها على صدرها وقالت بفرحة:
__بجد يا بنتي؟!

أحمد اتعدل فجأة…
كأنه كان مستني يسمعها طول عمره.
بص لتقى وهو مش قادر يخبي اللمعة في عينه.

تقى رفعت عينيها أخيرًا وقالت بثبات رغم رعشة صوتها:
__أيوه… فرصة بس.

سكتنا كلنا نستنى تكمل.

قالت بوضوح أكتر:
__لو مرتحتش… مش هكمل.
حتى لو كتبنا الكتاب.
أنا مش داخلة حرب… أنا داخلة حياة.

أحمد قام وقف قدامها خطوة…
صوته كان أهدى من أي مرة قبل كده.

قال:
__وأنا عمري ما هغصبك.
لو في يوم حسّيتي إنك مش مرتاحة… أنا اللي همشي قبل ما تطلبي.

بصيت له كويس…مش هزار، مش غرور، ..ولا استفزاز.

كان بيتكلم بجد.

خالتي دمعت عينيها وهي بتقول:
__ربنا يتمم بخير يا ولاد.

بصيت لتقى لقيتها أخيرًا بصاله…
نظرة مش عداء،
مش تحدي.

نظرة حد بيحاول يصدق.

حركت عيني لأحمد وقلت بنبرة تحذير أخوية:
__خلي بالك منها… لو فكرت بس تزعلها هزعلك !

أحمد ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
__في قلبي يا جاد… مش في عيني بس.

وتقى؟
غمزتلي بخفة كأنها بتقول:
لو لعب… هقتله.

وأنا؟
ضحكت في سري.

يمكن المرة دي…
البيت هيبقى فيه فرح تاني 

اتفقنا ان ميعاد كتب الكتاب هيبقى
آخر الأسبوع
وإنه هيبقى ف البيت مش هنعمل فرح
ودا كان رأي تقى 

ودلوقتي هروح "للمسكره بتاعتي"

وصلت المستشفى…
اتعقّمت و دخلت لها.

لقيتها صاحيه.
وشها شاحب…
وعينيها دبلانة كأنها شايلة تعب الدنيا كلها.

بس أول ما شافتني…
حاولت تبتسم.

قربت منها وابتسمت أنا كمان رغم الوجع اللي بيشد في قلبي، وقلت:
__أخيرًا صحيتي.

ابتسمت بإرهاق وقالت بصوت واطي:
__كنت فين كده؟

قعدت قصادها، ومسكت إيدها بحذر، كأنها حاجة غالية أخاف تتكسر:
__كنت عند تُقى.

عينيها لمعت باهتمام خفيف.
بدأت أحكيلها اللي حصل…
إزاي تُقى وافقت تدي أحمد فرصة…
وإزاي حطت شروطها.

كانت سامعاني باهتمام،
ورغم تعبها…
كان في ابتسامة حقيقية بتتكون على وشها.

قالت بفرحة هادية:
__ربنا يتمم لهم على خير يا رب.

بصيت لها شوية…
مش عارف إزاي وسط وجعها ولسه بتفرح لغيرها.

قلت وأنا بمسح بإبهامي على كفها:
__إنتي لسه بتفكري في غيرك يا أمل؟

ضحكت بخفة وقالت:
__ما أنا عايزة أشوف البيت كله مبسوط…
مش كفاية إنك جنبي؟

الكلمة ضربت قلبي.

قربت منها أكتر وقلت بهدوء:
__البيت من غيرك ملوش معنى.

سكتت لحظة…
وبعدين بصت لي بنظرة فيها خوف مستخبي.

قالت بصوت أهدى:
__جاد… هو أنا شكلي وحش أوي؟

الكلمة كسرتني.

شدّيت إيدها أكتر وقلت بحزم ممزوج بحنان:
__إنتي أجمل واحدة شوفتها في حياتي.
حتى بتعبك…
أجمل.

عينيها دمعت،
مش دموع انهيار…
دموع حد محتاج يصدق.

حطيت جبيني على جبينها بهدوء وقلت:
__وهنعدي ده سوا.
كل جلسة… كل تعب… كل خوف.
سوا.

غمضت عينيها وهي ماسكة في إيدي
كأنها بتتمسك بالحياة نفسها.

وأنا؟
كنت بدعي في سري ..إن الابتسامة دي
تفضل على وشها العمر كله.

______________

أمل

الأيام عدّت…
وكل يوم كان بياخد مني حتة.

شعري بدأ يقع خصلة ورا خصلة…
لحد ما بقيت كل ما أبص في المراية
أحس إن في حد غريب واقف قدامي.

وشي بهتان،
تحت عيني سواد،
وجسمي أضعف من إنه يستحمل نظرة شفقة.

جاد بيعمل كل اللي يقدر عليه.
يمدح فيّ، يضحكني،
يتعامل كأن مفيش حاجة اتغيرت.

بس أنا…
كنت حاسة إني ناقصة.

إحساس إن عندك مرض خبيث
بيخلي كل صباح هدية مؤقتة.
تصحي تحمد ربنا إنك لسه موجودة…
وتتمنى تفضل موجودة لبكره.

الوقت عدى…
وجِه آخر الأسبوع.
النهارده كتب كتاب تُقى.

بصيت لنفسي في مراية صغيرة جنب السرير…
شعيرات قليلة واقفة بعناد فوق راسي،
كأنها بتحاول تتمسك بالحياة زيي بالظبط.

إيدي كانت بتترعش…
مش عشان الشكل،
لكن عشان الإحساس.

إحساس إن المرض بياخد مني حته ورا التانية.

الممرضة خبطت خفيفة ودخلت،
ابتسمت لي بإحراج وقالت:
– لو حابة أساعدك…

هزيت راسي بالموافقة.
قعدت على الكرسي قدامها…
والماكينة بدأت تشتغل.

الصوت كان عالي في ودني،
بس قلبي كان أعلى.

مش بس شعر…
ده كان أنوثة،
ذكريات،
صورة كنت متعودة عليها.

دموعي نزلت في صمت…مش ضعف قد م هو ...وجع.

لكن وسط الصوت الخافت للمكنة…
كان في صوت تاني جوايا بيقول بسخريه:
– اهو… خففتي الحمل عن راسك

بعد دقائق…
خلصت.

راسي فاضية.
بس عيني لأول مرة من فترة…
كان فيها قوة.

مسحت دموعي وابتسمت ابتسامة مهزوزة.

قلت لنفسي:
__النهارده كتب كتاب تُقى…
ومش هخلي المرض ياخد مني فرحتها.

في اللحظة دي الباب اتفتح.
جاد دخل…

وقف مكانه ..عينه وسعت شوية،
وبعدين قرب ببطء.

كنت مستنية أشوف صدمة…
شفقة…
أي حاجة.

لكنه مسك وشي بين إيده وقال بهدوء:
– أول مرة أشوف القمر من غير سحاب.

دموعي نزلت غصب عني.
قلت بصوت مكسور:
– شكلي وحش؟

ابتسم وقال:
– شكلك بطلة.

سند جبهته على جبهتي وهو بيهمس:
– أنا بحبك… بكل حالاتك.
ولو الدنيا كلها قررت تاخد منك حاجة…
أنا هفضل هنا، أمسك إيدك.

بصيت له وقلت بخفة:
– طب يلا روح… عندك كتب كتاب النهارده.

قال بحزم:
– كتب الكتاب يستنى. إنتِ لأ.

سكت لحظة وبعدين ابتسمت:
– لأ… روح. عايزة تحضر عشان تقى تفرح.
وبعدين أنا مش لوحدي… صح؟

شد إيدي أكتر وقال:
– طول ما نفسي فيا… عمرك ما هتبقي لوحدك.

والنهارده…
رغم إن شعري راح،
حسيت إن في حاجة تانية نبتت جوايا.

أمل. 🌿

وزي ما في وقت للفرحة والسعادة
في وقت للحزن والبُكا…
اللي بحاول موصلّوش،
لكن للأسف… أنا على الحافة.

حاسّة إن خطوة واحدة كمان
وأقع في بحر أسود 
مالوش قرار.

كل مرة أضحك فيها قدامهم
بحس إني بعمل بطولة صغيرة،
أخبي رعشة قلبي
وأمسح دمعة بتطلع غصب عني.

أنا مش خايفة من الألم…
الألم اتعوّدت عليه.
أنا خايفة من اللحظة
اللي أبص فيها لنفسي
وألاقي الاستسلام سبقني.

في أوضة المستشفى
الليل بيبقى أطول من العمر نفسه،
والسكون بيزعق في وداني.

ببص للسقف
وأقول:
يا رب…
لو كتبتلي عمر،
اكتبه مليان قوة.
ولو اختبرتني،
ما تسيبنيش لنفسي.

أنا على الحافة…
بس لسه ماسكة طرف الأمل بإيديا.
لسه بقاوم.
لسه بقول لبكرة:
استناني… أنا جاية. 🌿

                   الفصل العاشر من هنا
تعليقات



<>