رواية مفقود بعد حادث غرق الفصل الاول 1 بقلم نور محمد
ابني غـرق أمـام عيـني مـنذ ثلاث سـنوات… لكـن صبـاح اليـوم، وصـلتني رسـالة مـن رقـمه "الخـاص".
دفـنتُ ابني "يوسف" في صيف 2023. كان عمره تسع سنوات.
الجميع أخبروني أن البحر غدّار، وأن الجثة قد لا تظهر أبدًا.
وهذا ما حدث.
لم نجد جثته. دفـنا صندوقًا فارغًا… واسمًا محفورًا على الرخام.
زوجي "خالد" هو من أصرّ على إغلاق ملف البحث مبكرًا.
قال لي وقتها والدموع في عينيه: "إكرام الميت دفنه يا هند… الولد ارتاح، لازم إحنا كمان نرتاح".
صدقته.
كيف لا أصدق شريك عمري؟
مرت ثلاث سنوات ثقيلة كالجبال.
تخلصنا من لعبه، ملابسه، وحتى سريره.
حاولت أن أمسح كل أثر له كي لا أموت من القهر كلما دخلت غرفته.
صباح اليوم، كنت في المطبخ أحضر الإفطار.
هاتفي كان على الطاولة.
فجأة… أضاءت الشاشة.
رسالة واتساب.
تجمدت الدماء في عروقي عندما قرأت الاسم الظاهر على الشاشة.
(حبيبي يوسف)
الرقم الذي سُحب و"أُلغي" منذ سنوات.
الرقم الذي دفنت شريحته بيدي في القبر الرمزي.
قلت لنفسي: "مستحيل… أكيد الشركة باعت الرقم لشخص تاني".
فتحت الرسالة ويدي ترتعش.
لم تكن كلمات.
كانت "صورة".
سقطت الملعقة من يدي… وتوقف الزمن.
الصورة كانت لغرفة نوم… غرفة نوم قديمة بجدران مقشرة.
وفي زاوية الغرفة، يجلس طفل بملابس رثة.
يرتدي نفس "التيشيرت" الأزرق الذي غرق به يوسف.
وفي يده… لعبته المفضلة (الرجل الآلي) مكسورة الذراع.
نفس الكسر الذي حدث قبل غرقه بيوم واحد!
دخل "خالد" المطبخ مفزوعًا من صوت ارتطام الملعقة.
= في إيه يا هند؟ مالك؟
لم أستطع الكلام… فقط رفعت الهاتف في وجهه.
توقعت أن يصرخ… أن يبكي… أن يجن جنونه مثلي.
لكن…
رد فعله كان أغرب من الرسالة نفسها.
تسمر مكانه.
شحب لونه وكأن الدم هرب من وجهه.
ولم ينظر إلى الطفل في الصورة… بل نظر إلى "تاريخ" الرسالة.
ثم همس بصوت مخنوق ومرتعب:
= إزاي؟… أنا اتأكدت إن التليفون اتدمر.
نظرت إليه بذهول.
= تليفون إيه اللي اتدمر؟… أنت قولت إن التليفون غرق معاه!
ارتبك وتلعثم:
= أيوة… قصدي… قصدي أكيد دي لعبة.. ده "هاكر".. أو ذكاء اصطناعي.
خطف الهاتف من يدي وحاول مسح الرسالة.
= هاتيه.. أنا هتصرف.. ما تشغليش بالك بالتخاريف دي.
صرخت فيه:
= دي مش تخاريف! ده ابني! ده التيشيرت بتاعه! دي لعبته المكسورة!
دفعته بقوة وركضت نحو باب الشقة.
= رايحة فين يا مجنونة؟
= هروح القسم.. هروح شركة الاتصالات.. هقلب الدنيا!
أمسك ذراعي بقوة المتوحش، ولأول مرة أرى هذه النظرة في عينيه.
نظرة شخص لا يخاف "على" زوجته… بل يخاف "منها".
= مش هتخرجي من هنا.
قالها بتهديد صريح.
= يوسف مات… والحي أبقى من الميت يا هند.
عضضت يده بكل قوتي حتى صرخ وتركني.
خرجت حافية القدمين، وركضت في الشارع كالممسوسة.
لم أكن أعرف إلى أين أذهب، لكن الهاتف رنّ مرة أخرى.
مكالمة فيديو… من (حبيبي يوسف).
فتحت الخط وأنا ألهث، والدموع تحجب رؤيتي.
ظهرت نفس الغرفة الكئيبة.
ثم اقترب وجه الطفل من الكاميرا.
كان هو… ملامحه التي لم أنسها يومًا.
لكنه كان يبدو أكبر قليلًا… وأنحف كثيرًا.
فتح فمه، وبصوت مبحوح كأنه لم يتكلم منذ دهر، قال جملة واحدة جمدت الدم في عروقي:
= ماما… بابا كدب عليكي… أنا مغرقتش… بابا باعني.
انقطع الاتصال.
وخلفي… سمعت صوت سيارة خالد تقف بفرملة عنيفة، وصوته يصرخ:
= هاتي التليفون ده!
