رواية أوار جنية الظلام الفصل السادس عشر16الاخير بقلم ندي محمود توفيق

رواية أوار جنية الظلام الفصل السادس عشر16الاخير بقلم ندي محمود توفيق
بعد مرور ساعة تقريبًا كان فارس قد تجهز وأخذ كل شيء سيحتاجه معه واهمهم تلك المخطوطة وغادر المنزل بعدما ودع أخيه وكذلك زوجته التي أوهمته بأنها ذعنت لأوامره ولن تذهب معه، لكن فور رؤيتها له وهو يستقل بسيارته وينطلق بها تسللك دون أن يشعر بها أي من ماهر أو سمر وغادرت المنزل واستقلت بسيارة سمر بعدما تمكنت من سرقة المفتاح دون أن تشعر بها وانطلقت بالسيارة تشق طريقها بسرعة عالية لكي تلحق بزوجها...
توقف فارس بسيارته بالموقع المحدد بعدما استغرق الطريق ربع ساعة تقريبًا، أخذ نفسًا عميقًا وظل مكانه داخل السيارة يحاول الأستعداد نفسيًا لتلك المهمة التي قد لا يخرج منها حيًا كما تقول الأسطورة أو البردية الملعونة.
مد يده والتقط هاتفه وأجرى اتصال بصديقه " عز " ووضع الهاتف فوق أذنه ينتظر الرد، حتى وصله صوته العابس وهو يجيب:
_ايوة يافارس 
أجابه فارس بصوت قوي وهو يدخل في صدر الموضوع فورًا دون مقدمات:
_ أنا عند المقبرة ياعز عرفت السر وهفحتها وادخل ارجع البردية لمكانها 
هب عز واقفًا من مكانه بصدمة وهتف باندهاش وعدم استيعاب:
_عرفت السر ازاي وإيه اللي يوديك وحدك.. ازاي متقوليش حاجة زي كدا يافارس !!
أخذ نفسًا بهدوء وأكمل فارس برزانة:
_اسمعني مش وقته الكلام ده ، أنا عايزك دلوقتي تكون جمب راندا ومتسيبهاش لغاية ما كل حاجة ترجع لطبيعتها ونخلص من " أوار " لأن أوار ممكن تشتغل الفرصة وتحاول تأذي أي حد 
انفعل عز وصاح بغضب يوبخه:
_راندا أنت كنت هتصرف ، لكن أنت ازاي تروح هناك وحدك.. أنا هجيلك دلوقتي 
نهاه فارس فورًا بغضب هاتفًا:
_متجيش يا "عز " وافهمني راندا محتجاك اكتر مني دلوقتي ، أنا كدا كدا نهايتي معروفة 
ضيق عينيه بتعجب وسأل بعدم فهم:
_يعني إيه نهايتك معروفة؟!
أطلق فارس زفيرًا حارًا وأجاب بأسى:
_البردية كان مكتوب فيها أني لو دخلت المقبرة مش هطلع منها يعني مفيش طريقة للخروج منها
فغر " عز " عينيه وشفتيه بذهول وراح يصرخ به به بعصبية متناسيًا وجوده داخل المستشفى:
_وأنت رايح تنتحر يعني ، أياك تدخل يافارس اكيد هنلاقي طريقة تاني يافارس نخلص بيها من الجنية دي 
أجابه فارس بإصرار وهدوء:
_مفيش طريقة تاني يا " عز " هي دي الطريقة الوحيدة المقبرة مش هتفتح غير بدمي ومحدش يقدر يرجع البردية لمكانها غيري ، وخلاص مش بعد ما قطعنا الشوط ده كله ووصلت لغاية هنا هرجع .. لازم اتخلص الشر اللي حررته، وأنت إياك تيجي ورايا وتسيب راندا خليك جمبها ، أشوفك على خير سلام يا صاحبي 
انهي عباراته وأغلق الاتصال دون أن يترك فرصة لـ " عز " يحاول فيها أن يعيده عن قراره ثم فتح باب السيارة ونزل ووقف يتلفت حوله يتفقد المكان ويتأكد من أنه وحيد بتلك المنطقة الأثرية الصحراوية، تقدم بخطواته في بطء تجاه النقطة المحددة التي يحفظها عن ظهر قلب ويوجد بها المقبرة ثم وقف عندها، وتنفس الصعداء متذكرًا كيف كانت البداية وكيف أصبحت النهاية، كان هو بداية اللعنة وسيكون نهايتها، بدأت الحكاية بفضول قاده إلى جحيم مُهلك وستنتهي بواقع مختوم بدماء الموت.
أخرج سكين صغيرة من جيبه وقربها من باطن يده ورفع رأسه للسماء وهو يأخذ نفسًا طويلّا ويخرجه زفيرًا متهملًا، ثم ضغط بالسكين على يده وسحبه بعنف فجرحته وبدأت الدماء تخرج من جرحه وتسيل من يده وتسقط على الأرض، كان هو يتابع لحظات سقوط الدماء من يده على الأرض منتظرًا ظهور المقبرة، لكنه انتفض مفزوعًا عندما شعر بكف يد يمسك بكفه فالتفت برأسه للجانب ليجد زوجته تنظر له مبتسمة بقوة وشجاعة، اتسعت عيني فارس بصدمة وهو يحدق بها.. ولم يلبث ليتفوه بكلمة واحدة حتى بدأت العاصفة الشديدة تهب والضباب والرمال ملأت كل مكان حولهم فلم يتمكنوا من رؤية شيء، ولا إراديّا هو ضمها لصدره خوفًا عليه من تلك العاصفة حتى رأى أمامه المقبرة قد ظهرت أخيرّا وفتحت بابها أمامهم، فابتعدت ليلى عن أحضانه ونظرت لفارس بدهشة امتزجت بفرحتها واحتضنت كفه وابتعدت خطوة أمامه وهي تجذبه خلفها هاتفة:
_يلا يافارس ندخل بسرعة
لكنه لم يتحرك ساكنًا وظل متصلبًا بأرضه يرمقها بغضب وخرج صوته الرجولي متحشرج ومرعب:
_أنتي مش هتدخلي معايا يا ليلى 
اختفت ابتسامتها وحل محلها القوة والعزم وهتفت بشراسة:
_هدخل يافارس مش هسيبك وحدك 
صرخ بها في صوت جهوري منفعلًا جعلها تنتفض بأرضها خوفّا منه:
_قولتلك مش هتدخلي أنتي مبتفهميش ليه، لو دخلتي مش هتطلعي وأنا ولا يمكن اسمح أنك تواجهيي المصير ده معايا ، هو أنا بعمل كل ده ليه مش عشان تعيشوا انتوا مرتاحين من غير خطر !! 
استعادة رباطة جأشها وتحلت بحكمتها وهدوئها الساحر، ثم اقتربت منه بدفء ورفعت كفيها تحاوط وجهه بكفيها ومالت برأسها على رأسه لتتلاقي جبهتهم وتتلامس في مشهد رومانسي تملأة مشاعر الغرام والتضحية، وخرج همسها المبحوح مع عيناها الدامعة تقول:
_أنا لا يمكن الاقي الراحة والسلام في دنيا أنت مش موجود فيها يافارس، مصيرنا واحد لو مكتوبلنا منطلعش تاني فأنا راضية بالمصير ده، أنا قولتلك قبل ما تطلع من البيت لو فيها موت يبقى هنموت مع بعض، أنا مقدرش اعيش من غيرك ياحبيبي، لو أنت مطلعتش من جوا أنا هعيش ميتة.. فـ على الأقل خليني اكون معاك ولو هموت يبقى اموت جمبك
امتلأت عيني فارس بالعبرات الحارقة ثم راح يمطرها بوابل من قبلاته يوزعها على وجهها وضمها لصدره معانقًا إياها بشدة، ثم أبعدها عنه واحتضن كفها الناعم بين كفه الكبير بقوة فابتسمت هي له وهمست بعينان تملع بالأمل:
_هنخلص من اللعنة دي وهنطلع متقلقش
هز رأسه مؤيدًا الامل المنبعث في عيناها ثم تحرك معها باتجاه بوابة المقبرة ودخلوا معًا وفور دخولهم انغلق الباب خلفهم، فالتفتت ليلى خلفها بفزع امتزج ببعض الخوف بينما فارس فهمس لها بخفوت:
_متخافيش أنا معاكي
هزت رأسها بالموافقة وهتفت:
_ماشي يلا شوف مكان البردية فين ورجعها مكانها بسرعة
ابتعد عنها فارس وبدأ بالبحث في المقبرة عن تلك الزجاجة المعدنية الذهبية التي اخرج منها البردية، بينما ليلى فرأت " أوار " تقف أمامها بأحد زوايا المقبرة وتبتسم بشيطانية، فاتسعت عيناها بارتيعاد وكانت على وشك أن تنبه زوجها طالبة منه الإسراع في بحثه، لكن ارتفع صراخها المميت وهي تمسك برأسها وسقطت على الأرض جالسة وهي مستمرة في الصراخ وتقول:
_ابعدي عني كفااااية
التفت لها فارس مفزوعًا واسرع إليها يجثي على الأرض أمامها يمسك بيديها يحاول أبعادها عن رأسها ويسألها بهلع:
_ليلى مالك.. ليلى 
صاحت به وهي تحاول السيطرة على نفسها وعدم الاستماع لوساوس تلك الجنية والوقوع تحت تأثير سحرها:
_ملكش دعوة بيا سيبني وروح حط البردية بسرعة
ظل متسمرًا يحدق في زوجته بمشاعر مختلطة ما بين الصدمة من ردة فعلها والقلق عليها حتى وجدها ترفع راسها وتنظر له بطريقة مرعبة وتصرخ به وهي تدفعه بعيدًا عنها:
_مستني إيه قوم يلا
التفت برأسه للجانب فرأي " أوار " تقف تتابعهم بهيئتها الشيطانية المرعبة وهي تزم شفتيها بأسى تتصنع الحزن عليهم، فاستقام واقفًا فورًا وترك زوجته تعاني من محاولاتها لمحاربة تلك الجنية ومنعها من السيطرة عليها، وأكمل بحثه عن الزجاجة بسرعة وتلهف وإصرار حتى وجدها أخيرًا فرفعها بفرحة انتصار قوية وقبل أن يضع البردية بالداخل اختل توازنه وسقطت الزجاجة والبردية من يديه عندما وجد ليلى تجذبه من الخلف وتضع السكين على رقبته، فبحركة احترافية منه تمكن من الإفلات منه ودفعها بعيدًا عنه والتفت برأسه ينظر لها فسرت القشعريرة في جسده من منظر زوجته التي أصبح وجهها يميل للسواد وممتلأ برموز وطلاسم فرعونية وعيناها سوداء كالليل الكاحل، فأدرك أنها لم تتمكن من مقاومة " أوار " كثيرًا وسقطت فريسة لسحرها بالنهاية.
تركها واسرع لكي يلتقط الزجاجة والبردية مرة أخرى لكنها عادت وقفزت فوق ظهره تحاول منعه، بينما هو فحاول أبعادها عنه بكل قوته الجسدية لكن كانت قوتها تفوق قوتها أضعافًا رغم نعومة وضعف عضلات جسدها الأنثوية إلا أنها اكتسبت قوة غير طبيعية وتستخدمها ضده لمحاربته ومنعه، وسط محاولاته في الإفلات منها سقط على الارض وسقطت هي فوقه، دفعها بعيدًا عنه فسقطت بعيدًا عنه ومال هو الجانب يمد يده ليلتقط البردية لكنها عادت تشكيله وتشل حركته مجددًا وبيده السكين تنوي قتله فصرخ بها في صور جهوري:
_ليلى فوووووقي
لكنها كانت مغيبة تمامًا لا تراه ولا تسمعه فقط تنفذ ما تطلبه منها " أوار " ، رفعت السكين في الهواء وقالت بابتسامة شر وصوت مرعب وغليظ:
_سأقتلك قبل أن تفعلها، حتى لو لن اتمكن من العودة للحياة وأخذ روحك لكنني سأعيش حرة لن اعود لسجني وأنت ستموت هنا وبإيدي زوجتك
تقوصت تعابير وجه فارس واحتدت بالغضب العارم وهو يجز على أسنانه بوعيد حقيقي، ورغم أنه لم يتخيل قط أن يرفع يده ويأذي ليلى، لكن الضرورة تبوح المحظورات فرفع كفه في الهواء وهوى به فوق وجه ليلى التي ارتدت بعيدًا عنه عن أثر صفعته لها وسقطت على الأرض، بينما هو فوثب واقفًا دون أن يكترث لها وهرول يلتقط البردية ثم الزجاجة ويضع البردية بداخلها وأغلقها وهو يبتسم بانتصار وشر، فور إعادته البردية  إلى مكانها الاصلي تحررت ليلى من سحر " أوار " وفاقت وهي مازالت ساقطة على الأرض وإذا بها تشاهد " أوار " أمامهم وهي تصرخ وتهتز بشكل مرعب وهيئتها تزداد بشاعة وسوءًا ورعبًا، أما فارس فكان يتابع ما يحدث بها بنشوى وسعادة غامرة على عكس ليلى التي كانت مضطربة وخائفة ولا تفهم شيء أو ما الذي حدث لها، استمرت معاناة " أوار " للحظات وهي تصرخ حتى تلاشت تدريجيّا واختفت من أمامهم، فتنفس فارس براحة وفرحة والتفت تجاه زوجته التي تجلس فوق الأرض وتحدث حولها بارتيعاد، فهرول نحوها وجلس أمامها ثم حاوط وجهها بكفيه في حنو متمتمًا:
_ليلى أنتي كويسة ياحبيبتي ؟ 
هزت رأسها بالايجاب وهي ترمقه بتيه ثم سألته:
_هو أنا إيه حصلي وأنت ازاي حطيت البردية وامتى لقيتها.. أنا مش فاكرة حاجة
تذكر صفعته القاسية لها ونظر في وجهها فرأى أن الصفعة قد تركت آثارها على وجنتها فمال بوجهه نحوها وطبع قبلة دافئة فوق وجنتها وهمس معتذرّا بندم:
_أنا آسف ياحبيبتي غصب عني عملت كدا والله 
ضيقت عيناها باستغراب وسألته بعدم فهم:
_عملت إيه أنا مش فاهمة حاجة .. احكيلي يافارس حصل إيه بالتفصيل 
تنهد فارس الصعداء ونظر لها بضيق بسيط وقال:
_   أوار  قدرت تسيطر عليكي وبقيت مغيبة مش حاسة بنفسك وكنتي بتحاولي تمعنيني ما ارجع البردية لمكانها 
اتسعت عيني ليلى بصدمة وهتفت بلتهف تسأله في قلب واهتمام:
_أنا أذيتك أو عملتلك حاجة.. أنت كويس ؟ 
ابتسم لها بعشق وقال مبتسمًا مازحًا بلطف:
_معملتيش حاجة اطمني أنا كويس، رغم أنك كنتي هتعملي بس أنا لحقت نفسي
ارتمت ليلى بين أحضانه تعانقه وهي تتنفس بسرعة وقالت في صوت آسف وحزين:
_أنا حاولت والله يافارس اخليها متتمكنش مني بس مقدرتش 
مسح على ظهرها بدفء وقال في عبوس بعد أن تلاشت ابتسامته:
_خلاص كل ده انتهى خلينا في الخطوة الجاية رغم أنه مفيش أمل والبردية كانت بتقول مفيش خروج من المقبرة بس يمكن نطلع 
ابتعدت عنه وقالت في ثقة وعينان تلمع بوميض الأمل:
_هنطلع يافارس .. أنت دائمًا كنت بتقولي الاستسلام يعني النهاية الفعلية لكن طول ما أنت بتحاول يبقى في طريق موجود أكيد وفي أمل 
عادت الابتسامة لوجهه مجددًا وهو يتمعنها بنظرات إعجاب وغرام كأنه يقع في حبها للوهلة الأولى، بينما هي فاستقامت واقفة وجذبته ليقف معها وتهتف بجدية:
_خلينا ندور ونقرأ الرموز الموجودة في النقبرة يمكن تلاقي طريقة نقدر نفتح بيها الباب
هز رأسه بالموافقة وبدأ في البحث معها، كل منهم يبحث من جهة مختلفة والهدف كان واحد هو النجاة بأرواحهم من تلك اللعنة التي حبسوا داخلها...
                                        ***
داخل منزل سامي....
كان ماهر واقفًا أمام النافذة الزجاجية بالصالون ينظر إلى الحديقة بالخارج في شرود وحزن شديد، يشعر بأن قلبه يتمزق أربًا خوفًا على أخيه الذي تركه يذهب للموت وحده، والآن الندم ينهشه نهشه وصوت عقله لا يتوقف عن توبيخه والصراخ به أنه كيف ترك أخيه وحده.. قد لا يراه ثانية ويفقده للأبد وهو لن يكون معه سيواجه مصيره وحيد.
فقد ترك بين أصعب اختيارين في حياته من جهة أخيه ومن جهة حبيبته وزوجة أخيه، فتحتم عليه أما أن يرافق أخيه أو يقوم بدور الحماية لتلك الأمانة التي تركت له، لكنه الآن يشعر بأن عقله سينفجر من شدة التفكير في أخيه وهو يتساءل ماذا يفعل الآن هل انهي تلك اللعنة واستطاع الخروج أم أصبح هو أيضًا سجين داخل ثنايا الجحيم.
التفت بزعر للخلف فجأة على أثر صوت صياح سمر وهي تنادي عليه وتركض فوق الدرج هاتفة :
_الحقني ياماهر .. ليلى مش موجودة 
أجاب ماهر بصدمة وارتيعاد:
_مش موجودة ازاي يعني راحت فين ؟
وصلت سمر إليه وهي تلهث من الركض وهتفت بصوت متقطع وهي تلتقط أنفاسها :
_عربيتي من موجودة شكلها اخدت عربيتي وطلعت ورا فارس 
راح يرفع كفه يمسح على وجهه وهو يطلق زفيرًا ناريًا بغضب وقلق ثم صاح بسمر:
_انتي سبيتيها وحدها ليه ياسمر أنا مش قولتلك عينك متغفلش عنها 
قالت سمر بقلة حيلة مبررة تصرفها الخارج عن إرادتها:
_أنا كنت معاها معرفش إيه اللي حصلي ونمت إزاي مصحيتش غير دلوقتي ولقيتها مش موجودة 
تأفف بغيظ وتمتم:
_أكيد أوار هتسيطر عليها وتخليها تحاول تمنع فارس ومش بعيد تأذيه
صمتت سمر وهي تحدقه باندهاش واضطراب، أما هو فأخذ يجوب يمينًا ويسارًا بعصبية شديدة، فهتفت سمر وهي تقترح عليه فكرة بشجاعة وجزم:
_طب واحنا هنقعد مستنين كدا هنا وحاطين أيدينا على خدنا يلا نروح وراهم ونطمن عليهم 
التفت لها وحدقها مطولًا يفكر في اقتراحها فوجد أنه الحل الأنسب في وضعهم ولا يوجد أمامهم غيره فإجابها مؤيدًا وموافقًا لرأيها:
_طيب يلا بينا 
أسرعت إلى غرفتها بالأعلى واحضرت حقيبتها وهاتفها وعادت له مسرعة وغادروا معًا المنزل واستقروا بسيارته التي انطلق بها بسرعة مرعبة يشق بها الطرقات في عجالة...
                                      ***
داخل المستشفى تحديدًا داخل حجرة واسعة تضم عدد من الأفرشة وفوقها المرضى ( عنبر )، كان " عز " مسطحًا على أحد تلك الأفرشة فاقدًا للوعي، وعندما فتح عيناه واستعاد وعيه وجد فتاة من ضمن طاقم الممرضين تقف بجواره تقوم بتركيب محلول علاجي له، نظر له بتعجب ولا يفهم ماذا حدث له وكيف انتهي به الحال فوق فراش المرضى بتلك الحجرة، حاول تذكر ما حدث بعد مكالمته لفارس، فآخر ما كان يتذكره أنه كان ينوي الذهاب لصديقه وسيترك راندا تحت رعاية أحد أصدقائه بالمستشفى.. لكنه لا يتذكر ما الذي حدث بعدها !.
خرج صوته بخفوت وسأل الممرضة في فضول:
_هو أنا إيه اللي حصلي ازاي اغمى عليا وجيت هنا؟ 
ابتسمت له الفتاة بود وقالت في لطف:
_فضلت تكح ياشمهندس بشكل مش طبيعي فجأة ونفسك مكنتش قادر تاخده وبعدها اغمى عليك بس الدكتور لما كشف عليك قبل ما تفوق لقي أنك بقيت أفضل ومبقيش في أي حاجة في الصدر 
رفع " عز " حاجبيه بدهشة وحدقها بعينان متسعة وهو لا يفهم كيف اختفى ذلك المرض الذي صابه فجأة ثم سألها وهو ينظر إلى المحلول:
_لما أنا مبقيش فيا حاجة بتعلقي المحلول ده ليه ؟
إجابته الممرضة موضحة له:
_ده محلول فيتامينات متقلقش الدكتور كتبه ليك
مال برأسه للجانب الآخر بعيدًا عنها وهو يتنفس الصعداء بأسى متذكرًا مكالمة صديقه وأنه لم يتمكن من اللحاق به أو حتى توديعه، جذبه من همومه صوت الفتاة وهي تبتسم له وتقول بعينان لامعة:
_في خبر حلو كمان 
التفت لها وركبها بحيرة وسأل :
_ !خبر إيه ؟
هتفت الممرضة في نبرة ودودة وفرحة:
_مرات حضرتك المدام راندا فاقت وحالتها مستقرة كمان وهينقلوها غرفة عادية كمان شوية
نزل الخبر عليه كالصاعقة التي سمرته مكانه ففغر شفتيه بذهول واتسعت عينيه بعدم تصديق وسرعان ما حلت السعادة الغامرة معالمه بدلًا من الصدمة وقال بتلهف وهو يحاول نزع المحلول عن يده:
_شليلي المحلول ده طيب هقوم اشوفها
هتفت بالرفض نافية نفي قاطع:
_لا لا مينفعش خليك لغاية ما تخلص المحلول، أنت كدا كدا مش هتقدر تدخل العناية دلوقتي ولغاية ما المحلول يخلص هتكون اتنقلت لغرفة عادية وتقدر تشوفها
أخذ يردد الحمد لله مرارًا وتكرارًا وهو يبتسم باتساع ولا يطيق الانتظار حتى يراها ويسمع صوتها ويضمها لأحضانه ويروى روحه المتعطشة لقربها.
                                         ***
عودة إلى فارس وليلى داخل المقبرة.....
مر وقت ليس بقصير داخل تلك المقبرة وهم يحاولون العثور على مخرج لكن دون جدوى، حتى أن الوهن بدأ يظهر على محياهم وانفاسهم بدأت تضيق وأصبح الأكسجين شبه معدوم.
كانت ليلى مازالت تقاوم  وتحاول الصمود على العكس من فارس الذي أصبح جسده هذيل ولا يقوى على الوقوف أو التنفس فسقط على الأرض وهو يحاول أخذ أنفاسه بصعوبة، التفتت ليلى نحوه بهلع على أثر سماعها لصوت ارتطام جسده بالأرض فهرولت نحوه وجثت بجواره وهي ترفع رأسه تحاول جعله يقف على قدميه لكن لا يقوي فهتفت برعب وصوت مرتجف:
_ لا يافارس ابوس ايدك ياحبيبي قاوم وحاول أنا متأكدة هنلاقي طريقة وهنخرج
أجابها بصوت ضعيف بالكاد يسمع:
_مفيش طريقة يا ليلى حاولنا ومفيش أي أمل، سامحيني ياحبيبتي أنا السبب في كل ده
هتفت ليلى بغضب وجسد يرتجف من الخوف عليه:
_متقولش كدا عشان خاطري 
التقط كفها ورفعه لشفتيه ولثمه بقبلة دافئة مبتسمًا لها بحزن كأنها ابتسامة وداع، بينما هي فامتلأت عيناها بالعبرات وسالت كالشلالات فوق وجنتيها وهي تهز رأسها بالنفي وتبكي وتهتف له تتوسله:
_لا يافارس لا خليك معايا .. فارس
وجدته بدأ يغلق عينيه معلنًا عن قرب نهايته وخروج روحه فعانقته وهي تبكي بهستيريا وتصرخ وإذا بها فجأة يقذف في ذهنها لحظة جرحه ليده وانفتاح البوابة بدمائه، فابتعدت عنه بسرعة واسرعت تبحث في الأرض عن السكين وعندما وجدتها التقطتها وعادت إليه ومسكت بكف يده ناوية جرحه في محاولة لاستخدام دمائه مجددًا في فتح البوابة، ودون تردد أو تضييع وقت جرحته وطبعت كفها فوق كفه لتملأ يدها بدمائه وركضت باتجاه الباب وطلعت كفها فوق الباب وانتظرت إلى ما يقارب خمس ثواني تقريبًا وإذا بعيناها تتسع بصدمة وهي ترى الباب يفتح أمامها ويظهر المخرج والدرج حتى رأت السماء المزينة بالنجوم فضحكت بفرحة غامرة وهي تلتقط أخيرًا اكسجين نقي فعادت بسرعة إلى زوجها وحاولت سحبه إلى قرب الباب حتى يتمكن من التقاط بعض الأكسجين ورغم ثقل جسده إلا أنها حاولت بكل ما اوتيت لديها من قوة حتى نجحت، وكل ذلك فعلته في حوالي ثلاث دقائق فجلست بجوار فارس وبدأت في محاولة إنقاذه بالأنعاش الرئوي والتنفس الصناعي وهي تتوسله ببكاء:
_يلا افتح عينك ابوس ايدك يا فارس قوم متسبنيش وحدي
استغرقت وقت طويل وهي مستمرة في جلسة الأنعاش لقلبه ودموعها تنهمر بغزارة فوق وجنتيها، توقفت عن الأنعاش ومالت علي وجهه وبدأت في التنافس الصناعي ، فجأة وجدته يفتح عينيه ويلتقط نفسًا عميقًا ممتلأ بالاكسجين فابتعدت عنه وحدقته بدهشة امتزجت بسعادتها الغامرة، وراحت تفتح له ازرار قميصه العلوية حتى يتمكن من التقاط من أنفاسه جيدًا، بينما هو فكان صدره يعلو ويهبط من سرعة تنفسه ودخول الأكسجين لقلبه الذي توقف بالفعل وعاد للحياة مجددًا، كانت تراقبه ليلى وعيناها تضحك قبل شفتيها من فرط فرحتها بعودتها للحياة ثم ارتمت عليه تعانقه بقوة وهي تهمس:
_الحمدلله يارب ، كنت عايز تسيبني لمين وحدي يافارس 
انتبه للباب المفتوح بجواره فالتفت برأسه للجانب وإذا به يرى السماء والحياة بالخارج فابعد ليلى عنه وسألها بصوت ضعيف مذهولًا:
_!فتحتي الباب ازاي ؟
ابتسمت له بثقة وقالت في حب:
_أنا مش قولتلك هنطلع مكنتش هقبل بالنهاية دي ، جرحتك وفتحت البوابة بدمك 
رمقها بهيام وإعجاب للحظات متأملًا في ملامحها وبلحظة تساءل هل كان احمق وساذج للدرجة التي جعلته يفكر في الانفصال عنها، بينما هي فاستقامت واقفة ومدت يديها له لتساعده على الوقوف وهي تهتف له بحماس:
_يلا بينا نطلع عشان نرجع بيتنا
استقام واقفًا بمساعدتها وهو يبتسم لها بعشق ثم سار معها للخارج صعدوا الدرج حتى وقفوا على الرمال في الصحراء والتفتوا برأيهم للخلف ليجدوا البوابة تغلق وتختفي المقبرة ويصبح لا وجود لها، فالتفتت هي تجاه فارس وقالت ضاحكة بعدم تصديق:
_احنا طلعنا يافارس وخلصنا من اللعنة وأوار أخيرًا 
كان هو يجوب بنظره حوله في محاولة لاستيعاب أن كل شيء انتهي بالفعل وعادوا لحياتهم الطبيعية مجددًا، التقطت عيناه سيارته وهي مازالت بنفس المكان الذي تركها به، فأدرك أن ما يعيشه الآن واقع وليس وهم أو حلم، عاد بنظره إلى ليلى يرمقها بوجه تغمره الفرحة ، ودون وعي كان يميل عليها ويضمها لحضنه ويرفعها عن الأرض يدور بها في حركة دائرية وهو يضحك بهستيريا، شاركته الضحك وهي متشبثة برقبته بقوة ، حتى انزلها على الأرض وحاوط وجهها بين كفيه هاتفًا بنظرة مفعمة بالهوى والحب:
_لولاكي أنا كان زماني ميت دلوقتي ، أنتي النور والأمل اللي خرجني من الضلمة ، قوتيني ورفضتي تستسلمي وحاربتي لآخر لحظة ، اللي مرينا بيه خلاني اقع في حبك للمرة الألف وأدرك فعلًا أنك نور حياتي ومن غيرك حياتي ملهاش لون ولا تتعاش، ربنا يخليكي ليا يا لؤلؤتي
ابتسمت له بسعادة شديدة امتزجت بمشاعر العشق والحياء من تغزله الجميل بها فوجدته يميل عليها ويلثم وجنتها بقبلات حارة ثم يمسك بكفها بين كفه الكبير ويهمس لها مبتسمًا وهو يجذبها معها:
_يلا بينا 
تقدموا بخطواتهم تجاه السيارة فإذا بهم يجدوا كل من ماهر وسمر وهو يقفون ويتلفتون حولهم ويبدو عليهم أنهم يبحثوا عنهم، فصاح فارس مناديًا على أخيه الذي التفت تجاهه وفور رؤيته له اسرع إليه شبه ركضًا وعانقه بحرارة وهو سربت على ظهره بقوة في فرحة ويهتف:
_الحمدلله أنك طلعت كويس 
كانت سمر بدورها تعانق ليلى وتطمئن عليها أما ماهر فابتعد عن أخيه وسألهم بفضول:
_خلاص خلصنا من الشر وأوار 
هزت ليلى رأسها له بالأيجاب وهي تبتسم باتساع وفرحة شديدة، فابتسم ماهر بسعادة مماثلة وربت على كتف أخيه متمتمًا:
_طيب يلا بينا نرجع البيت و احكولنا التفاصيل
                                          ***
داخل المستشفى...
كان " عز" جالسًا على أحد المقاعد بردهة المستشفى ويحدق فيرالفراغ بشرود وهو عابس وحزين ففرحته بشفاء راندا  ناقصة بغياب صديقه وقلقه عليه، أخرج هاتفه وقرر الاتصال بماهر هله يعرف أي شيء ويطمئنه.
كان ماهر يقود السيارة بطريقهم للمنزل وجميعهم يتبادلون الأحاديث بمرح وضحك ، عندما ارتفع صوت رنين الهاتف التقطه وقرأت اسم المتصل في الشاشة فابتسم ومد يده بالهاتف لفارس يقول:
_ ده " عز " رد عليه أكيد متصل بيا عشان يطمن عليك 
التقط الهاتف من يده وأجاب على صديقه بمرح هاتفًا:
_لسا مموتش متقلقش قاعد على قلبك 
تملكت الدهشة من " عز " للحظات وهو يستوعب صوت فارس حتى أجاب بعدم فهم:
_!أنت مدخلتش المقبرة ولا إيه ؟
هتف فارس ضاحكًا بصوت ينبض بالحياة:
_دخلت ورجعت البردية ونهيت كل حاجة الحمدلله
تهللت أسارير " عز " وأخذ يحمد ربه من شدة فرحته ووراح يسأله:
_وطلعت ازاي طيب ؟
فارس بإيجاز:
_لا دي حكاية طويلة أما اشوفك هبقى احكيلك 
هتف عز براحة وسعادة:
_حمدلله على سلامتك يابشمهندش أو حمدالله على سلامتنا كلنا ، وليك عندى خبر حلو كمان 
أجابه فارس بثقة وصوت رزين يحمل من السرور ما يكفي ليشعر به:
_من غير ما تقول متوقع، راندا فاقت أكيد صح 
_ أيوة الحمدلله 
تابع فارس بود وحب أخوي صادق:
_سلملي عليها وأنا بكرا هاجي اشوفها واطمن عليها أن شاء الله 
رد عليه بالموافقة ثم ودعه وأغلق الأتصال وهو يضحك بفرحة وراحة فقد اكتملت سعادته الآن ، الجميع بخير وتلك اللعنة أنتهت أخيرًا، دقائق معدودة وجاءت إليه الممرضة وهي تخبره بأن راندا تم نقلها للغرفة ويمكنه الذهاب لرؤيتها.
وصل إلى غرفتها في ظرف لحظات من فرط تلهفه وسرعته إليها، فتح الباب ودخل فوجدها متسطحة فوق الفراش وتحدق في الفراغ وهي ساكنة وهادئة تمامًا، لكنها التفتت عندما سمعت صوت الباب يُفتح وابتسمت بحب فور رؤيتها له، بينما هو فظل يتمعنها بعينان تقول بلغة العشق ما لا يمكن للسان أن ينطقها من كلمات، ثم تقدم نحوها واقترب منها وجلس على طرف الفراش بجوارها ، رفع أنامله ومسح على شعرها بحنو ثم مال عليها وطبع قبلات متتالية بدفء فوق وجنتها هامسًا بكلمة يتفوهها لأول مرة:
_حمدلله على السلامة ياحبيبتي
حدقته راندا باستغراب وذهول من تصرفه وما قاله فابتعد هو عنها ونظر في وجهها مبتسمًا وقال مازحًا في مرح:
_إيه مصدومة ليه ما أنتي عارفة كل حاجة ، شيلي الصدمة دي للي جاي عشان هو ده الصدمة بجد 
خرج صوتها الناعم والضعيف أخيرًا وهو تجيبه مبتسمة:
_مفيش صدمة أكبر من كدا بنسبالي 
شعر كأن صوتها أعاد لقلبه الحياة فراح يلتقط كفه ويلثمه بحرارة متمتمًا:
_صوتك وضحكتك وعيونك وكل حاجة فيكي وحشتني أوي يا راندا
اتسعت عيناها بحيرة ممتزجة بالخجل الشديد منه وقالت في عدم استيعاب:
_ عز هو أنت بجد بتقولي الكلام ده ولا أنا بحلم
هز رأسه لها بالنفس مبتسمًا وقال غامزًا بعشق:
_لا مش بتحلمي ده حقيقة ويلا شدي حيلك كدا عشان تخفي بسرعة وترجعي تقفي على رجلك لأن وراكي تجهيزات كتير يا عروسة 
تجمدت تعبيراتها بصدمة وهتفت بعدم فهم:
_ممكن واحدة واحدة عليا وتفهمني أنا واحدة طالعة من غيبوبة ولسا تعبانة .. مين دي اللي عروسة أنا اتجوزت مين وأنا نايمة ؟
قهقه عاليًا وقال موضحًا لها وهو يبتسم بخبث ويشير لنفسه في ثقة:
_لسا متجوزتيش بس هتتجوزي العبد لله أن شاء الله ولا مش موافقة
رمشت بعيناها عدة مرات تحاول استيعاب ما تسمعه ثم إجابته ضاحكة بخفة واستحياء شديد:
_أنا حاسة هدخل الغيبوبة تاني ، أنت بتعرض عليا الجواز ياعز في المستشفى وأنا يدوب مفتحة عيني مكملتش ساعة !!
قال ضاحكًا في فرحة:
_خير البر عاجله المواضيع دي التأجيل فيها مش حلو وبيجيب الفقر ، المهم أنتي قولتي إيه ياعروسة؟
انزوت نظرها عنه وهي تضحك بخجل ثم رفعت رأسها ونظرت له بغرام واعتدلت في نومتها ثم مالت عليه وارتمت بين ذراعيه وهي تجيبه دون تردد:
_موافقة طبعًا 
                                          ***
بعد مرور ثلاث أشهر ........
داخل احدى قاعات الأفراح الضخمة بالقاهرة كان يجلس فارس بجوار ليلى على مقاعدهم حول إحدى الطاولات الصغيرة ويشاهدون العريس والعروس وهم يرقصون على إحدى الأغاني الرومانسية، فمالت ليلى تجاه فارس واقتربت منه ليتمكن من سماعها وقالت:
_رغم صدمتي وأني لغاية دلوقتي مش مستوعب فكرة أن عز وراندا اتجوزوا وأن محدش أبدًا كان يتوقع حاجة زي كدا بس فرحانة جدًا ليهم وبالأخص لعز 
ابتسم فارس وأجابها مؤيدًا وهو يتذكر راندا كانت غارقة في مشاعرها المسمومة تجاهه ومتجاهلة ذلك العاشق المسكين المتيم بحبها:
_فعلًا مين كان يصدق ، ربنا يسعدهم ويهنيهم 
رددت خلفه " أمين " وهي مستمرة فى متابعتهم باستمتاع وفرحة، ثم التفتت برأسها تجاه الطاولة التي يجلس عليها ماهر وسمر وقالت ضاحكة:
_أخوك لولا أن سمر أصرت أن يبقى في خطوبة الأول لفترة صغيرة كان مستعد يكتب الكتاب في لحظتها
رد فارس مبتسمًا برزانة:
_معلش ياحبيبتي لهفة البدايات بقى خليهم يعيشوها شوية 
التفتت له وحدقته بصدمة ثم هتفت مغتاظة:
_قصدك إيه يعني أن الجواز وحش بعدين وأنك مش مبسوط دلوقتي 
اتسعت عيني فارس بدهشة وراح يضحك بسرعة في خوف متداركًا ما قاله وهو يقول مازحًا:
_لا الكلام ده يجيب نكد لسنين قدام مين قال أني مش مبسوط ، هو حد يبقى متجوز القمر ده ومش مبسوط بس الجواز في الاول بيبقى ليه لهفة وفرحة مختلفة عشان كدا بقولك خليه يعيشوا يومينهم 
مالت برأسها بعيدًا عنه وهي تتصنع عدم الرضا عن كلامه رغم أنها تضحك على خوفه وحالته.
على الجانب الآخر كانت سمر تراقب تعبيرات وجه ماهر العابس وسألته بضيق:
_مالك مضايق ليه يا ماهر ؟
أجابها بتذمر أشبه بتذمر الأطفال:
_كان لازم يعني الخطوبة دي مش كان زمانا عاملين فرحنا زيهم دلوقتي 
كتمت ضحكتها وردت عليه برقة وحنو محاولة مسايسته كالطفل:
 لازم الخطوبة أنا في حجات كتير لسا مش جاهزة معايا ومحتاجة اجيب واعمل حجات كتير عشان لما نتجوز أكون مبسوطة بفرحي وبشقتنا .. يرضيك يعني مبقاش فرحانة وجايبة كل اللي نفسي فيه قبل فرحي وفي بيتي 
زم شفتيه بحنق وقال في صوت رجولي غليظ:
_ لا ميرضنيش وأنتي يرضيكي الحال ده اللي أنا فيه 
إجابته ضاحكة بقوة:
_ماله حالك ياحبيبي اسم الله عليكي ، معلش كلها شهرين ونتجوز أنت مستعجل كدا ليه ياماهر مسيرنا نتجوز أن شاء الله ونبقى العمر كله مع بعض 
نظر لها مغتاظًا وقال بوقاحة مقصودة منه وهو يرميها بطرف عينه :
_لما نتجوز هبقى اقولك مستعجل ليه !
فغرت شفتيها بصدمة واشتعلت نيرانها من الغيظ ثم قالت وهي تهب واقفة:
_تصدق أنا غلطانة أني قاعدة جمبك أنا هروح اقعد جمب ليلى وخليك وحدك 
قهقه عاليًا ثم قبض على ذراعها واجلسها مكانها عنوة هاتفًا بحدة:
_اقعدي مكانك بلا ليلى 
جذبت ذراعها من قبضته وأخذت ترمقه بوعيد ثم اشاحت بوجهها بعيدًا عنه وهي تبتسم بخجل...
                                        ***
بعد انتهاء الحفل عاد فارس وليلى إلى منزلهم، فتح فارس الباب ودخل هو أولًا ثم لحقت هي به ووقفت مكانها للحظة وهي تتذكر لحظاتهم الأخيرة كيما كانت مشحونة بالاضطرابات والخلافات التي كادت تنهي علاقتهم للأبد، لكن رغم أن ما مروا به في الفترة السابقة يبدو في مظهره الخارجي أنه شر إلا أنه يحمل الخير أيضًا لهم في طياته، فقد كان لـ " أوار " الفضل في اشتعال الحب في قلوبهم تجاه بعضهم مجددًا، أدركوا أن كلاهما لا يستطيع الانفصال عن الآخر، كلاهما قدر الآخر ومصيره المحتوم.
همست تحدثه وهي تبتسم برقة:
_فاكر يافارس كنا ازاي قبل ما نسافر ويحصل معانا كل اللي حصل ونمر بالمحن ده مع بعض
فهم ما ترمي إليه فاقترب منها وقال في ضيق وهو يحاوطها ذراعيها يكفيه في حب:
_ليه السيرة دي يا ليلى وليه بتفتكري الذكريات الوحشة دي
 :قالت في رزانة تامة وهدوء
_بالعكس احنا كل اللي مرينا بيه ده بداية من مشاكلنا للمقبرة واللعنة خلانا ندرك قيمة بعض ويمكن لو مكناش مرينا بكل ده مكناش هنكون دلوقتي مع بعض مكملين ولسا حبنا موجود وأكبر من الاول كمان 
سكتت للحظات ثم أخذت نفسًا عميقًا وسألته بفضول واهتمام:
_ممكن أسألك انت ليه كنت رافض نجيب أطفال وصدقني أنا بجد محتاجة اسمع السبب ده دلوقتي واعرف وهقولك ليه بعد ما تقول 
تنهد فارس بضيق وقال وهو ينوي الرفض تجنبًا لاي خلاف قد ينشب بينهم:
_....ليلى ملوش لـ
قاطعته وهي تتوسله بحكمة ولطف:
_ارجوك قولي ومتقلقش مش هنتخانق ولا هزعل منك والله بس أنا عايزة اعرف 
تنفس الصعداء بقوة وأخرج زفيرًا حارًا ثم تحدث وهو يخبرها مغلوبًا:
_الدكتور قالي أن فرصة أنك تجيبي أطفال شبه مستحيلة والأفضل أنك متعرفيش الكلام ده لأنه ممكن يأثر على نفسيتك ولو في نسبه بسيطة للحمل يمحيها تمامًا وخليتك تاخدي العلاج على أنه مشاكل بسيطة وبالعلاج هتخفي ويحصل الحمل ، ولما العلاج مجبش نتيجة فكرت أني اقولك اني مش عايز أطفال على أساس أن ده ممكن يخفف عنك شوية لما تعرفي أني مش فارق معايا ومش عايز أطفال بس أنتي للأسف فسرتي كل ده بطريقة تاني خالص وقولتي أني بخونك ومتجوز عليكي، حاولت احل المشاكل بينا من غير ما اقولك واخليكي تقتنعي اني مش بخونك لكن انتي كنتي مصممة ووصلت بيكي أنك قررتي الطلاق وبعدها الوضع بقى يزداد سوء بينا زي ما أنتي عارفة ومكناش بتعرف نتكلم خمس دقايق على بعضهم من غير خناق فمعرفتش اقولك بالحقيقة 
تلألأت عيناها بالعبرات حزنًا عليه وعلى نفسها وما فعلته بهم بسبب سذاجتها وعدم ثقتها بزوجها، في الوقت التي كانت فيه ترسم هي سيناريوهات في عقلها عن خيانته لها كان هو يفكر في طريقة لإخفاء مرضها حتى لا تكتشفه ويؤثر على نفسيتها، جرحته بالكلمات وأهانته في كرامته وأصرت على هجره والانفصال عنه ورغم كل هذا تحملها ولم يبغضها.
اقترب منها وارتمت في حضنه وهي تبكي وتختفي معاشرة بأسف وحزن شديد:
_أنا آسفة ياحبيبي سامحني أنا جرحتك كتير أوي بسبب غبائي كان لازم اثق فيك اكتر
مسح فارس على ظهرها بحنو وهو يبتسم ويلثم شعرها بقبلاته الدافئة ويقول:
_خلاص الماضي خلص يا ليلى وملوش لزمة نعيط عليه دلوقتي ، احنا الاتنين غلطنا كتير في حق بعض وفي النهاية عرفنا قيمة بعض والحمدلله لسا مع بعض أهو ومفيش حاجة قدرت تفرق بينا، وبإذن الله هنكمل العلاج وربنا هيكرمنا بطفل قريب 
ابتعدت عنه وجففت دموعها بعينان لامعة بوميض مختلف ومميز وعلى ثغرها ابتسامة ساحرة وهمست له بنظرة ذات معنى:
_مش محتاجين علاج خلاص المستحيل بقى حقيقة 
احتلت الصدمة تعابيره وسرعان ما ارتفعت البسمة لثغره وراح يسألها بعدم تصديق:
_بتتكلمي جد ولا بتهزري 
ليلى بضحكة تثبت فرحتها الغامرة:
_لا مش بهزر أنا حامل 
فغر شفتيه وهو يبتسم باتساع وما لبث أن تحولت ابتسامته لقهقهة عالية وهو يحملها ويدور بها فرحًا.
كانت البداية بائسة لا يرى من خلالها أي بصيص أمل والآن كُتبت النهاية بخطوط السعادة التي تزين الأمل من جديد وتصنع المستقبل   
                    تمت بحمد الله 

تعليقات



<>