
رواية ارض الدوم بقلم رحمة نبيل
رواية ارض الدوم الفصل السابع عشر17 بقلم رحمة نبيل
السابع عشر [ مريض بها ]
صلوا على نبي الرحمة .
الفصل نزل قبل الصلاة لاني هكون في الخارج بعد الصلاة، لذا رجاء الصلاة اولا والانتهاء من كل شيء ومن ثم قراءته وقتما أردتم، لكن رجاء التفاعل على الفصل تقديرا لمجهود الشخص المسكين اللي كتبه ....
ـــــــــــــــــ
كلَّ ليلةٍ أضعُ رأسي بين يديَّ، مُحاولةً ألّا أتركه يُفكِر.. لأهدأ!
وستظل مُعاناتي الدائمة هي أفكاري،
وسأظلُ أسأل كل من يمرُّ من هنا: كيف يشعرُ مَن لا يَأكله رأسهُ؟
كيف والله؟
ـــــــــــــــــــــــــــ
كان ممسكًا الهاتف بيدٍ متيبسة، كأنها لا تخصّه.
الشاشة ما زالت مضيئة، متوقفة عند الرسالة والصورة، لم يكن يستوعب محتواها بالمرة، ليس وهو بهذه الحالة من التشوش وللتو نجى بصعوبة من بين ذكرياته، وقد كادت موجة سوداء تبتلعه.
عيناه معلّقتان هناك، لا ترمشان، فقط تتّسعان ببطء، كأن الصدمة تحتاج مساحة إضافية لتستقر داخل حدقتيه، يحاول أن يوازن تنفسه ويتحكم بها، وبارتجاف يده .
ابتلع أنفاسه بصعوبة، وأدار نظره بعيدًا للحظة، ثم عاد إليه قسرًا…
بعض الصدمات لا تُصيبك بالانهيار فورًا، تُصيبك بالجمود، تبقِيك واقفًا، تحدّق، ومن ثم تنهار بالكامل .
وهكذا حدث ففي ثواني وبعد مراقبته لتلك الرسالة والصورة التي توضح منزل البارو أنهار مسلم وهو يصرخ يرفع الهاتف بصدمة :
_ لا لا ...لا ازاي ...ازاي وصل ليها ؟؟ ازاي وصــل ليها ؟؟ ازاي لا لا ...رايانا .
هزّ الهاتف بعنف، ضغط على الشاشة، يقفلها، يفتحها، لكن لا شيء.
كانت الصورة تختفي وتعود باستمرار .
حتى كاد أن يصاب بالجنون وهو يصرخ بهستيرية، ينتفض وكأنه كان يغرق وهو يضرب الهاتف بالسيارة يصرخ باسم رايانا، وحاتم شعر بالفزع من المفاجأة، يصرخ بصوت مرتفع كي يقتحم به الفقاعة التي أحاط بها مسلم نفسه يحدق فيه برعب :
_ مسلم ما بك ؟! ما بها رايانا ؟؟
ومسلم فقط ينظر للهاتف بصدمة يصرخ بصوت مرتفع :
_ جوليــــــان ؟! كيف فعلها ؟؟ كيف وصل لها ؟؟ لقد ....جوليان في منزلها...حاتم عد بنا بسرعة، عد بنا بسرعة .
نظر له حاتم بعدم فهم وهو يحاول تهدئته ينظر بعيون مرتعبة صوب الطريق، ويعود بنظراته لمسلم، يحاول مد يده لانتزاع الهاتف ومعرفة ما يحدث :
_ مسلم فقط اهدأ لا افهم ما يحدث، نعود لأين ولماذا ؟؟
رفع مسلم الهاتف أمام عيون حاتم وهو يصرخ برعب زيد مرتجفة :
_ أنت... أنت مش شايف ؟؟ الصورة ..جوليان ...ازاي وصل ليها ؟؟
_ وصل لمين؟؟ مسلم أنا مش فاهم عليك… بس اهدى شوي، وخد نفس، واحكيلي شو اللي بصير معك.
اتسعت الدموع عيون مسلم وهو يرفع الهاتف أمام عيون حاتم وهو يهتف بصوت منكسر مشيرًا لصورة رايانا بشرفة منزلها وتحتها رسالة من جوليان :
_ جوليان ..جوليان مش عارف ازاي بس ...هو وصل ليها...هو عند رايانا، وصل ليها البيت معرفش ازاي بس هو ...حد قاله عليها ....حاتم لف بينا وارجع بسرعة .
وحاتم فقط يراقب انهياره يحاول أن يتمالك نفسه مما يحدث، يوقف السيارة جانبًا بسرعة كي يتدارك ما يحدث، ينظر للهاتف حيث يشير مسلم، يتحدث بصوت مرتجف لا يفهم ما يحدث مع مسلم وهذه أول مرة يتصرف بهذا الشكل :
_ مسلم ..
_ أنت وقفت ليه ؟؟ بقولك ارجع يا حاتم، ارجع قبل ما يأذيها .
رفع حاتم يده وهو يحاول أن يتدارك انهيار مسلم الذي يحياه في هذه اللحظة :
_ مسلم اسمعني الله يخليك .
_ كمان ...كمان الكل هناك، أحمد ويحيى وعيسى ونورهان، حاتم بسرعة، انا مش عارف إزاي وصل لمكانا، تفتكر وصل لاهلي في القاهرة وعرف منهم ؟؟
_ مسلم اسمعني...
_ ممكن يقتل حد فيهم يا حاتم و...
_ مسلـــــــــــم اسمعنــــــي، ما في لا رسالة ولا صورة، ولا في جوليان أصلًا… مسلم اصحى معي، ركّز، التلفون فاضي، ما في إشي عليه، اهدَى، اللي شايفه مش حقيقي .
أنهى حديثه وهو يتنفس بصوت مرتفع وقد بدا وكأنه يركض لأميال طويلة، ومسلم ينظر له بعيون متسعة وقد فقد النطق لثواني مشيرًا للهاتف :
_ بس ...الصورة، من شوية أنت اللي قولتلي اخد التليفون وأشوف رسالة جوليان و...
تحدث حاتم بصوت مرتجف وهو يرى نظرات مسلم الزائغة وكأن أحدهم سحبه من كهف مظلم بعد سنوات من الظلال إلى ضوء مفاجئ، يأخذ منه الهاتف يحركه أمام عيون مسلم يؤكد له ما يتحدث :
_ طلبت منك تاخد التلفون وتراسل أحمد، لأنه بسأل شو ناوي تعمل.
نظر مسلم للهاتف وهو يحاول معرفه ما يحدث حوله، يتحدث بصوت أخذ يخفت تدريجيًا وهو يقلبه بين يديه يبحث عن دليل صحة عقله :
_ بس ... أنا...والله العظيم أنت...يا حاتم ... أنا...كنت نايم وأنت صحتني قولتلي اشوف الرسالة و...حاتم اقسم بالله ده اللي حصل أنت مش مصدقني ؟؟
نظر له حاتم وهو يحاول التماسك أمامه، يضم رأسه بحنان وهو ينظر لعيونه :
_ عادي يا مسلم، بصير معنا نحلم كابوس ونصحى مش متأكدين اللي شفناه حلم ولا حقيقة.
بس هسا أنت صاحي، وأنا معك، وما في إشي صار، تمام ؟!
_ طب ...اتصل بيهم، اتصل بحد يروح يتأكد، هو ممكن .. أكيد...اتصل بحد يتأكد طيب، اتصل بصاحبتها، قولها تتأكد أنها فعلا في البيت صدقني أنا شوفته عندها و...
تنفس حاتم وهو يغمض عيونه بقوة، قبل أن يتجاهله مسلم وهو يرفع الهاتف بين يديه، يحرك أصابعه بين الازرار بسرعة كبيرة يبحث عن رقم ساڤا التي حدثها هذا الصباح وقد كان هذا كل ما يملك ليطمئن أن رايانا بخير .
وبالفعل أتصل قبل أن يمنعه حاتم حتى، يضع الهاتف على أذنه وهو ينتظر أن تجيب عليه ساڤا وبمجرد أن سمع صوتها خرج بسرعة من السيارة وهو يهتف بصوت مرتجف دون مقدمات :
_ رايانا ... أنتِ لسه عندها ؟!
من الجانب الآخر توقفت ساڤا في الطريق بتعجب :
- لا، خرجت من بدري، فيه حاجة ولا ايه ؟؟
- ممكن ترجعي لو سمحتي تتأكدي أنها بخير، أو عايز اكلمها ممكن ؟؟
تعجبت ساڤا طريقته، ولم تكد تتحدث بشيء حتى سمعت صوته خافت بنبرة شعرتها بها غصة :
_ لو سمحتي ارجعي ليها اتأكدي أنها بخير أنا...بس عايز اعرف هي بخير .
_ بقولك لسه سيباها، بعدين ايه اللي حصل لكل ده و...
قاطعها مسلم وهو يضرب السيارة بقبضته والغضب بدأ يتصاعد بين أوردته يسير بها مجرى الدماء:
_ بقولك ارجعي اتأكدي أنها بخير واديني اكلمها، فيه ايه في كلامي صعب يتفهم ؟!
نظرت ساڤا للهاتف بصدمة، هل كان يصرخ بها منذ ثواني ويأمرها، وضعت الهاتف على أذنها وكادت تصرخ به بالمقابل أن يذهب للجحيم، لكنها توقفت حينما سمعت صوت خافت أقرب للتوسل :
_ ارجوكِ يا ترجعي ليها يا تديني رقمها اكلمها أنا، مش عايز غير أتأكد من حاجة منها .
تنفست ساڤا بضيق منه، ومن ثم كادت ترفض، لولا أن نبرته المتوسلة جعلتها تتوقف عما برأسها، نظرت للهاتف ثواني تدرك أنها ترتكب خطأ، لكن هذه رايانا وهذه فرصتها للنجاة من كل عذابها .
ابتلعت ريقها تقول بصوت خافت :
- هبعتلك رقمها .
ومن ثم أغلقت الهاتف دون كلمة واحدة، تاركة مسلم على الطرف الآخر ينتظر من الغيث قطرة واحدة، يرتجف من فكرة أن أفكاره وعقله بدأ ينحدر في خيالاته لهذه الدرجة .
ثواني واهتز الهاتف بين يديه حينما استلم رقمها ينظر له بأعين ضبابية، يبتلع ريقه بضعف، قبل أن يضغط على الرقم يختار أن يتصل به .
كل ذلك وحاتم ينظر له من الداخل بصدمة، يحاول أن يتدارك فكرة أن حالة مسلم بدأت تتدهور مجددًا، وقد صدق حدسه، كانت رايانا محفز لعقله الباطني ليستيقظ ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت أمام المنزل مجددًا وهذه المرة تنظر له بثقة لا بحيرة، لا تدري ما تفعل وتعلم أنها تخطأ وكثيرًا، لكنها سبق واخطأت في اشياء لا تستحق الخطأ حتى، الآن لن تتوقف أمام فرصتها الأخيرة وتدعي الفضيلة .
تنفست بصوت مرتفع لا تعلم إلى ماذا تهدف من كل هذا، النهاية السعيدة لن تصل لها، فحتى إن تجاوز هو كونها راقصة سابقًا، فلن تتجاوز هي وتتصالح مع فكرة رجل جوارها بالحد اللازم لمعرفة ما تخفي عن الجميع .
ابتسمت بسمة صغيرة تلقي بكل أفكارها بعيدًا، تضع في عقلها فكرة واحدة، هي ستستغل هذا الرجل ليساعدها في ترميم نفسها ومن ثم تتركه وتترك الجميع وتذهب إلى بلاد لا يعرفها بها أحدهم، ولا تعرف هي حتى نفسها بها، لكن هذا لن يحدث إلا حينما تطمئن على رايانا وتعلم أنها بخير .
ابتسمت لهذه الأفكار وقد شعرت أنها على الأقل رتبت خطواتها .
استقامة، وتخطيط، ترميم وإصلاح ومن ثم تطمئن على رايانا، واخيرا تـ....
توقفت الكلمات على طرف شفتيها في اللحظة التي طل بها أحمد فتوترت من نظراته لها وكأنه لا يتوقع حضورها .
_ أنت قولت أنك هتساعدني .
ابتسم أحمد بسمة لا معنى لها وهو يمسح وجهه يفكر ما الذي يفعله، كانوا هنا لأجل أرض جدهم فانتهى بهم الحال كداعمين نفسيين لنساء القرية .
أبعد يده عن وجهه يحاول ألا يظهر رفضه لهذا الإقتراب، يتنحى عن باب المنزل وهو يهتف بصوت حاول جعله محايدًا :
_ أكيد طبعًا اتفضلي للغدا معانا الأول، نورهان جوا .
توترت من كلماته وهي تنظر للمنزل وبحسبة بسيطة كانت تفكر في العودة ركضًا لمنزلها تتناول كميات غير محدودة من الطعام حتى التخمة، ومن ثم تنام بلا استيقاظ .
وبرغم كل الأفكار التي كانت تدور برأسها والتي ظهرت واضحة على وجهها، إلا أنها ابتسمت بسمة صغيرة حعلت أحمد يحاول التخفيف من حدته المعتادة.
_ اتفضلي متتكسفيش هي مستنياكِ اساسا .
نظرت له بعدم فهم فاضطر للكذب كي لا يخجلها :
_ قولتلها أنك جاية، مش أنتِ قولتي امبارح أنك هتيجي عشان اساعدك ؟!
هزت رأسها، فأكمل هو :
_ وعشان كده نورهان أصرت نستناكِ على الأكل.
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تتحرك معه للداخل بخجل شديد لاول مرة تستشعره، خاصة في وجود رجل .
جلست على الأريكة التي تقابل المطبخ تبصر نورهان بالداخل تتحرك لتنهي تجهيز الطعام قبل عودة يحيى وعيسى من التبضع .
جلس أحمد أمام ساڤا وهي تنظر له بترقب، وهو فقط ينظر لها دون كلمة قبل أن يدفع صوبها بعض الكتب التي رمقتها بعدم فهم فوضح هو ببساطة شديدة :
_ دي كتب علمية ودينية لأي حد حابب أنه يصحح مسار حياته، صدقيني لو قرأتيها كويس مش هتكوني محتاجة لأي حد يـ...
_ أنا مش بعرف اقرأ كويس .
اتسعت عيون أحمد وشعر بالحمق والتسرع فيما فعل، وهي ابتسمت تبصر صدمته والحرج الذي ملئ وجهه :
_ معظم البنات هنا مش مكملين تعليم، قليل جدا اللي كمل تعليمه في البلد هنا، وبعض البنات وصلوا لمرحلة ووقفوا، أنا بقى متعلمتش خالص واللي اعرفه اجتهاد مني مش اكتر.
نظر لها بصدمة وهو يحاول تحليل كلماتها :
_ ايوة بس ... أنتِ...قولتي أنك...لما بدأتي يعني كنتِ ١٣ سنة، قبل كده مكانش فيه مدرسة هنا تعلمك الأساسيات و...
قاطعته مجددًا ببساطة :
_ أنا مكنتش عايشة هنا وأنا صغيرة، أنا مولودة في القاهرة بس متعلمتش كمان هناك .
اتسعت عيون أحمد بصدمة من هذه الأحاديث، لتبدأ هي التوضيح له ولا تدري السبب، لكنها تحب التحدث مع شخص لا يعرفها، تريد أن تبصر نظرات أخرى غير الازدراء أو الاشتهاء من الرجال .
_ أنا ماما كانت من غجر الدوم بس جدو في فترة ساب العشيرة، وسافر القاهرة واستقر مع العيلة هناك وماما اتجوزت من هناك، لغاية ما ماتت هي وبابا، واندفنوا هناك ورجعت أنا.
نظر لها أحمد بصدمة يحاول تحليل حياتها وربطه بحاضرها، كيف وصلت لهنا إن كان ما تقول صحيح، وهي أبصرت نيته في الاندماج في ذلك الحديث، لذا تجاوزت الأمر تردد برجاء :
_ هتساعدني ؟؟
_ حابة اساعدك ازاي يا ساڤا؟؟
نظرت له بعدم فهم وقد ازداد وجيب قلبها بسبب طريقة نطقه لاسمها، كان ينطق اسمها كما لو كانت امرأة عادية يمكنك التعامل معاها في يومك، وليس مجرد راقصة تقضي ليلتك تراقبها باستمتاع .
_ اول شيء لو حابة اني اساعدك لازم تكوني حاطة قدام عيونك هدف، أيه اللي حابة توصلي ليه من كل ده، بطلتي...شغلتك، عايزة ايه بعدين ؟!
ولم يخفى عليها كلمة " شغلتك" التي نطق بها بتردد وكأنه لا يعلم بما يصنفها، نظرت له بنظرات غريبة جعلته يتوتر وهو يعلم أن الأمر لن يسير في المنحنى الذي يرغبه، لذا عمد إلى إحضارها لتجلس نورهان معها وينسحب هو من كل ذلك .
_ بصي عشان اكون صادق معاكِ، أنا مش معالج نفسي ولا مصلح اجتماعي، أنا اساسا خريج حقوق ومعرفش كتير و...
- بس رغم كده بتساعدني .
اغمض أحمد عيونه وهو يحاول تجاوز كلماتها التي تلقيها في منتصف الحديث دون ترتيب، ابتسم بسمة صغيرة :
_ أنا لسه معملتش حاجة، ومش عارف ازاي اعمل كده بس خلينا نبدأ مثلًا بحياتك وطريقة لبسك وغيرها .
نظرت لثوبها بعدم فهم، تحاول ادراك ما يقصد :
_ لبسي ؟؟ ماله لبسي .
_ مش شبهك .
والكلمة جمدتها بالكامل، فابتسم لها وكأنه يتحدث لنورهان شقيقته :
- ليه متلبسيش فساتين عادية مثلا، لطيفة، فساتين مش ...
صمت ولا يدري كيف يوصل لها ما يريد، كيف يخبرها أن ثوبها يبدو وكأنه دعوة لكل رجل أن يتطاول عليها بما يريد، كان هذا الأمر أشد من احتماله، لذا تنهد وقد قرر تجاوز هذه النقطة وتركها بيد نورهان كي يرفع عن نفسه وعنها حرج الحديث .
_ بصي موضوع اللبس ده خلينا منه، نورهان هتكلمك فيه أنتم بنات وتعرفوا أكثر مني، انا بختار لبسي بالعافية اساسا.
نظرت له بتقييم وكأنها ترى كلماته قبل أن تبتسم وتتحدث بصراحة مطلقة كعادتها :
_ ايوة بس انت ذوقك حلو عامة، شيك وحلو ، هي العيون الملونة وراثة في عيلتك ؟! اصل عيونك أنت واختك ملونة ؟؟
ابتسم أحمد بصدمة من كلماتها، يدفن وجهه بين يديه يرى أمامه طريق طويل حتى يصل مع هذه المرأة لبر الأمان :
- بصي مبدئيًا مينفعش أنك تكلمي راجل بالاسلوب ده، عشان محدش يفهم غلط .
_ اسلوب ايه بالضبط ؟!
_ الأسلوب ده، الصراحة المطلقة وإن أي حاجة في دماغك تقوليها ليه، حتى لو كانت الحاجة دي أنك تشكري في لبسه، دي بتتصنف وقاحة والبعض بياخدها بصورة تانية فـ...
قاطعته وهي تقول ببسمة خبيثة :
_ بس أنا عمري ما شكرت في راجل ولا اتكلمت مع راجل غيرك بالشكل ده، أنت الوحيد .
وهذه الحقيقة كانت مدمرة، وغريبة نسبة لما تفعل في حياتها، حاول أن يتجاوزها ويتخطاها للنقطة الثانية، لكنها صمتت ثواني قبل أن تتساءل بجدية وكأنها أدركت شيء فجأة :
_ صح أنت...كام سنة بالضبط ؟!
نظر لها بحاجب مرفوع وعدم فهم لكنه أجاب بهدوء :
_ ٣٥ سنة .
_ ولسه متجوزتش ولا ارتبطت؟؟ ده عادي ؟!
ابتسم وهو ينظر صوب المطبخ ينادي نورهان بعيونه وكأنه يستغيث بها لتنتشله من هذه الجلسة التي تلعب على كل اعصابه، لا يصدق أنه الآن يجلس ويتحدث مع المرأة بهذه البساطة وكأنها رفيق قديم له .
_ نصيب .
ابتسمت بسمة صغيرة موجوعة وكم تمنيت لو يحصرها في هذه الكلمة وتكون هي النصيب، حسنًا هي لن تكذب، ليس على نفسها وتقول أنها تتمنى لو تمنح لها الحياة بسمة وتهديها أحمد هدية صبر لها .
لكنها تعلم قبل الجميع، شخص مثل أحمد قد يكون ودودًا معها، يعاملها بشفقة، لكنه حين يقرر الزواج لن تكون هي المعنية، وحتى إن داس أحمد كامل مبادئه ووافق على تلويث اسمه بها، أحمد ليس وحيدًا مثلها ليتخطى قرارات عائلته، كما أنها لا تثق بنفسها جوار رجل، وتثق أنها ستنهار وتخرج شياطينها إن قرر رجل أن يلمسها مجرد لمسة بريئة حتى .
لكنها فقط تتمنى، وتحسد تلك الفتاة التي ستنال أحمد زوجًا، أن تنال امرأة هذا الرجل بكل ما فيه لهو شيء كان يمكنها أن تقاتل عليه لآخر أنفاسها، لكن هي ليست في هذه المنافسة حتى لتقاتل، ستنتظر الموت، ربما سيكون الشيء في حياتها الذي يسعى هو لها وليس العكس .
_ ساڤا ...ساڤا أنتِ كويسة ؟؟
ابتسمت ساڤا وهي ترفع عيونها له تحاول اخفاء لمعة القهر التي شعرت بمرارته في حلقها.
_ ايوة معلش، كنت بتقول ايه ؟؟
_ نورهان بتكلمك، بس شكلك مش معانا .
رفعت عيونها صوب الفتاة التي تجاور أحمد والتي كانت تشبهه بشكل كبير، تبتسم لها بسمة لطيفة تقترب منها وهي تعانقها بلطف :
_ ازيك يا ساڤا، فاكراني ؟؟
هزت ساڤا رأسها بنعم وهي تحاول الحديث بكلمة ترحب بها بنورهان، في اللحظة التي أبتعد بها أحمد يتحجج بمكالمة هامة، بعدما ألقى بنظرة لنورهان، وهي تحرك عيونها معه دون شعور، تطلق تنهيدة عالية تحت أعين نورهان التي نظرت لها ومن ثم لأخيها تبتسم بسمة صغيرة تشعر ببداية قصة حب واخيرًا، غير عالمة بما يكمن خلف تلك النظرات ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تتحرك صوب المحل وهي تحمل بين يديها حقيبة صغيرة وقد تطوعت عن شيما في التسوق اليوم، تلزم الأخيرة براحة جوار جدتها ووالدها وهي من ستتولى كل شيء اليوم .
وصلت بالفعل لمحل رجب الذي يتوسط القرية والذي كان أكبرهم، لكن وقبل أن تخطو داخله سمعت رنين هاتفها، وكالعادة القليلون فقط يمتلكون رقمها، لذا أخرجت الهاتف وهي تتحرك الداخل تدور بين المنتجات تجيب بهدوء :
_ الو.
وصمت هو ما قابلها من الجهة الثانية، توقفت أمام أحد الارفف وهي ترفع الهاتف عن أذنها تنظر به ثواني تحاول معرفة صاحب الرقم وقد كانت لا تسجل اغلبية الارقام، لكنها تحفظ بالفعل رقم ساڤا وهذا ليس رقمها، وضعته على أذنها ولم تكد تتحدث بكلمة حتى سمعت صوت خافت لاهث وكأنه كان يركض لأميال :
_ فروشكا .....
توقفت رايانا وتوقف نبضها ثواني، قبل أن تنظر حولها تشعر أن الجميع حولها يبصر وجهها الذي اشتد احمراره في ثواني، رغم أن لا أحد تقريبًا كان حولها .
ابتلعت ريقها وقد تعرفت على صوته قبل كلمته :
_ مسلم ؟!
_ أنتِ كويسة ؟!
تعجبت وهي تحاول أن تجد سبب منطقي لاتصاله وقد كانت هذه المرة الأولى التي يفعل بها، تتساءل من أين احضر رقمها قبل أن تندفع الإجابة المنطقية بعقلها في ثواني، بالطبع ساڤا.
_ فروشكا.
ابتلعت ريقها وهي تجيب سؤاله السابق :
_ أنا..بخير .. أنت كويس ؟!
وقد كان سؤالًا منطقيًا بعد سماعها لنبرة صوته، واتصاله بها بلا مقدمات، تحاول أن تفهم ما يحدث حولها .
_ مسلم أنت كويس ؟؟
ومسلم فقط تنفس الصعداء وهو يتهاوى جوار السيارة يستند عليها يحاول تمالك نفسه، كان كل ذلك خيال وأوهام من عقله، وكأن عقله لا يصدق أنه وجد له نقطة ضعف يستخدمها ضده، وكم آلمه أنها هي تلك النقطة التي ستوصله للجنون .
يا للسخرية، الشيء الوحيد الذي ظن
_ مسلم ؟؟
كانت همسة مرعوبة حينما اختفى صوته ولم يصل لها سوى انفاس رتيبة وكأنها انفاس شخص استسلم أمام الحياة .
_ لا، أنا...
صمت وهو يتنفس بصوت مرتفع، يهمس بصوت مرتجف :
_ أنا كويس بس ....ممكن لو حصل أي حاجة تكلميني على الرقم ده ارجوكِ ؟؟ .
تعجبت رايانا نبرته وشعرت بوجود شيء خاطئ:
_ حاجة زي ايه بالظبط ؟؟
_ أي حاجة ممكن توجعك أو تأذيكِ، لو حسيتي في أي لحظة أنك مش ..مطمنة لحاجة مثلا، كلميني، كلميني عشان اعرف....
" اعيش طبيعي " لكنه كبتها داخله وقد شعر أنه بالغ .
وهذه الكلمات كانت الأخيرة التي يمكن لرايانا أن تتحملها من طرفه، تبعد الهاتف بسرعة عن أذنها بعدم فهم وهي تغلقه بسرعة تحاول التنفس وقد كان هذا الشيء الاول من نوعه الذي تتعرض له، لا تصدق أن ذلك يحدث معها، لا تفهم مسلم، حينًا يكون لينًا، وحينًا يغدو جامدًا.
ومسلم في هذه الحالة كان هشًا مرتعبًا ولو كان في حالته الطبيعية ما تحدث لها يومًا بهذه النبرة .
سمع صوت حاتم خلفه بعدما خرج من السيارة :
- إذن نتحرك ؟!
رفع عيونه لها يشعر بأنه ليس بوعيه، هذا الخوف عليه أن يقتله وينتزعه من جذوره وهو يعلم كيف .
نهض ينفض ثوبه يتحدث بجدية ونبرة ثابتة عكس ما كان منذ ثواني :
_ اتحرك يا حاتم، اتحرك ومتقفش .
نظر له حاتم بعدم فهم، لكنه لم يتحدث بكلمة، وقد تحرك بالفعل بالسيارة، ومسلم حمل الهاتف ينظر له طويلًا، ينظر لرقمها يحفظه بعيونه .
اخرج حاسوبه وأخذ يضغط على بعض الأزرار بسرعة كبيرة يأمل أن شيء لم يتغير منذ رحل، وقد تحقق أمله...
ابتسم وهو يحصل على بيانات جوليان، يرسله لهاتف حاتم ومن ثم حمل الهاتف، كل ذلك كان يحدث وحاتم يقود في طريقه للقاهرة وقد كان على اعتابها تقريبًا .
ــــــــــــــــــــــــــ
على الجانب الآخر كانت رايانا تنظر للهاتف بصدمة كبيرة تحاول ادراك ما يحدث، وقد بدأت تشعر بالتشوش من مجرى الأمور حولها، مسلم كان يصيبها بالجنون، وتسأل الله الرجاحة في العقل حتى ينتهي كل ما يحدث بحياتها .
ابتسمت دون شعور وهي تحمل حقيبة التسوق القماشية تلتقط بعض المنتجات ومن ثم تقدمت صوب الثلاجة كي تحصل على بعض الجبن والمنتجات الاخرى، لكن ما كادت تقترب حتى وجدت شاب تعرفه يقترب من الثلاجة ويسبقها .
توقفت بعيدًا قليلًا تنتظر أن ينتهي من أخذ ما يريد حتى تفعل هي المثل، لكن بمجرد أن أمسك الشاب مقبض الثلاجة حتى أطلق صرخة مرتفعة وتجمد جسده بشكل مرعب، وهي ثواني فقط حتى أدركت رايانا ما يحدث .
الشاب تعرض لصاعقة كهرباء .
صرخت وهي ترفع الحقيبة القماشية الخاصة بها تضرب بها يده وهي تحاول أبعادها عن مقبض الكهرباء، لكن لم تستطع، والشاب بدأ وجهه يحمر وهي تصرخ وصراخ الشاب نفسه يعلو ..
وفي ثواني سمعت صرخة أخرى باسم عيسى، لكنها لم تهتم وهي تركض بين طرقات المحل تصرخ برجب :
_ الكهربا، افصل الكهربا يا عم رجب.
ورجب لم يدرك ما يحدث ينهض عن مكتبه يتحرك صوب صراخ رايانا، التي دفعت باب المخزن جانبًا تهبط به بسرعة كبيرة تبحث بأعين مرتعبة عن مقبس الكهرباء الرئيسة .
في اللحظة التي كان يحيى يحيا بها جحيمه الخاص وهو يبصر جسد شقيقه الأصغر يرتجف من شدة الكهرباء التي تمر بجسده، يصرخ وهو يتحرك بجنون في المكان يبحث عن شيء يبعد به جسده، حتى وقعت عيونه على عبوة بلاستيكية طويلة في المكان حملها بسرعة يركض صوب عيسى وهو يضربه بها محاولًا جذبها بعيدًا عن الكهرباء .
وفي ثواني توقفت الكهرباء في المكان بأكمله ليلتقط يحيى جسد عيسى بسرعة كبيرة بين ذراعيه يصرخ برعب وجسده يرتجف من الخوف :
_ عيسى ...عيسى يا حبيبي، عيسى أنت كويس، يا عيسى .
لكن عيسى بدا كما لو أنه فقد الوعي فجأة، لتتسع عيونه يحيى بصدمة وقد شعر بانسحاب الحياة حوله، وكأن المكان أصبح بلا هواء، يهتف به بصوت مرتجف :
_ عيسى ...عيسى أنت سامعني؟!
عادت رايانا بسرعة لتبصر عيسى بين ذراعي يحيى لتتحرك له بسرعة وهي تنظر له بخوف :
- شيله بسرعة وتعالى على المستشفى، قوم بسرعة خلينا نلحق لو فيه حاجة .
رفع يحيى عيونه لها ثواني قبل أن يحمل جسد عيسى بين ذراعيه مترجفًا من فكرة أن صغيره قد تعرض لأذى :
_ فين ...مش عارف فين المستشفى دي ؟؟
تحدثت رايانا وهي تشير له أن يلحق بها :
- تعالى بسرعة معايا .
وبالفعل ضم يحيى عيسى له بقوة وهو يركض خلفها بخطوات بطيئة قليلًا بسبب حمله لجسد عيسى، وصوت يخرج مترجفًا مرتعبًا :
_ بالله عليك يا عيسى ما تعمل فيا كده، والله العظيم ما هزعلك تاني .
هبطت دموعه دون شعور وقد أبصر جسده أخيه ساكن بشكل مرعب .
وخلفهم نظرت كارا لما حدث بأعين متسعة باكية، هي كانت على وشك نزع الثلاجة من الكهرباء بمجرد أن أخبرها رجب، لكن عيسى سبقها بذلك .
تركت ما كانت تحمل وهي تركض خلف الجميع وقلبها ينبض بالذنب والرعب مما يمكن أن يصيب الشاب الصغير بسببها .
وتحرك الجميع بالفعل صوب المشفى التي كانت تستقر في منتصف القرية على بعد صغير من محل رجب، وقد كانت مشفى صغيرة متواضعة أقرب لمنزل به عدة غرف مصممة لحالات الطوارئ .
دخل الجميع وأولهم رايانا التي كانت تتحرك وهي تنادي أحدهم للمساعدة، ليكون أول من يسمع صوتها هو محمد الذي انتفض من مقعده يخرج من المكتب بسرعة متجاهلًا الجميع يهتف باسمها خائفًا :
_ رايانا !!
لكن رايانا وبمجرد أن أبصرته تحركت له بسرعة تشير خلفها برعب :
- محمد الله يكرمك شوفه، اتكهرب ومش بينطق .
نظر محمد ليدها التي تمسك مرفقه، ومن ثم نظر صوب عيسى الذي كان فاقدًا للوعي بين ذراعي يحيى، يتحرك للغرفة وهو يشير له :
_ بسرعة هاته هنا .
ومن ثم أشار على الفراش وهو يرتدي قفازًا طبيًا، يحمل بين يديه كشاف صغير يتحرك صوب عيسى يفتح عيونه يحاول أن يتبين حالته، ومن ثم فحص النبض والتنفس وتأكد أنه يتنفس، لذا سريعًا عدل وضعيته لوضعية الافاقة، ينتظر أي استجابة من طرفه .
ويحيى خلفه يتحدث بلهفة كبيرة :
_ هو ...كويس مش كده ؟! كويس ؟؟
هز له محمد رأسه وهو يفحصه بدقة يتأكد أن الكهرباء لم تؤثر بشكل كبير على الدماغ، وكل استجابات عيسى كانت طبيعية :
- كويس، بس محتاج أتأكد أكثر، تقريبا الاغماء حصل نتيجة الصدمة والخضة مش أكثر.
دقائق مرت ومحمد يفحص عيسى بجدية شديدة، حتى بدأت علامات الافاقة تظهر عليه، ليتنفس يحيى الصعداء وهو يسقط ارضًا جوار الفراش وصوت محمد يصدح بجدية في المكان :
_ متقلقش الموضوع بسيط، الحمدلله الصاعق اللي أصابه مكانتش شدة الكهربا فيه كبيرة، عشان كده هو تمام، بس هو من الخضة مش أكثر.
ختم حديثه ينتبه صوب رايانا التي كانت تقف جوارهم تراقب عيسى باهتمام شديد وقلق، تعلم أنه شقيق مسلم، لكن فجأة سمعت صوت محمد جوارها وهو يردد بجدية :
_ رايانا أنتِ كويسة ؟؟
نظرت له رايانا بعدم فهم ليلمح في حديثه إلى ما حدث البارحة :
_ امبارح مع عز الدين في الساحة .
صمت ولم يوضح أكثر ليظلم وجه رايانا، تهز رأسها بنعم، فتنهد هو وتحدث بصوت شبه مسموع :
_ طب ممكن لو سمحتي نتكلم سوا بعيد عن الكل ..
وعلى وقع هذه الجملة رفع يحيى رأسه التي كان يستند بها على الفراش، ينظر بشر لمحمد وهو يراه يحاول استمالة زوجة شقيقه أمامه.
نهض وهو ينظر لمحمد بتشنج وقد بدأ يمارس الشيء الوحيد الذي يبرع به في هذه الحياة، إصابة الأخرين بالجنون :
_ أنت بتعمل ايه ؟! بتشقط البنت قدامنا ؟؟
اتسعت عيون محمد بصدمة من اللفظ الذي استخدمه يحيى، ينظر له بعدم فهم :
_ بشقط ؟! أنت مجنون ؟؟ ثم أنت مين اساسًا عشان تدخل بينا ؟!
نظر يحيى صوب رايانا ومن ثم له وقد اشتد غضبه، يتحرك ليقف بينه وبين رايانا بشكل جعل رايانا تنظر لظهره بصدمة واعين متسعة :
_ بينكم ؟؟ بين مين لا مؤاخذة ؟؟
_ أنت عايز ايه ؟؟ أبعد كده وشوف اخوك، مش أنت جاي عشانه، خليك فيه بقى .
ابتسم له يحيى بسخرية :
_ اخليني في مين يا عسل؟! واقف تكلم مرات اخويا قدامي وتقولها نتكلم لوحدنا وتقولي خليك فيه ؟! أنت عبيط ؟!
أطلقت رايانا شهقة عالية وهي تنظر لظهر يحيى بعدم فهم، ومحمد شحب وجهه بقوة وهو يهمس بعدم فهم :
_ مرات اخوك ؟! أنت.... اخو جوزها اللي مات ؟! بس أنت مش من هنا و...
_ ايه حيلك حيلك، جوز مين ده اللي مات يا عم الحلو، إن شاء الله أنت واللي يتشددلك، اخويا لسه عايش يا حبيبي واللي ورايا دي تبقى مراته المستقبلية، فعينك تترفع فيها هعميك .
اتسعت عيون رايانا وهي تراقب ما يحدث بعدم فهم، ومحمد تشنجت كافة ملامحه وهو يربط بين حديث ذلك الشاب، وزيارة الشاب الآخر ذلك اليوم ليبتسم بسمة صغيرة وقد التمع الغضب في عيونه :
_ ومين بقى اللي فهمك أنت واخوك إن الغجر بيقبلوا يجوزوا بناتهم برة القبيلة !؟
ابتسم له يحيى وهو يجيب ببساطة شديدة وملامحه مستفزة لا يدرك ما يفعل وبكل تهور كعادته يتصرف دون تفكير، لا يدري ما يحدث سوى أن الفتاة أمامه تهم شقيقه أكثر مما تعلم هي ذاتها :
_ ومين اللي فهمك إني أنا واخويا مستنيين إذن شوية غجر في الموضوع ؟؟
حاولت رايانا إيقاف يحيى، لكنها للأسف لم تكن تعلم اسمه، لذا صمتت بعجز وهي تنظر صوب محمد الذي مرت بعيونه نظرة خطيرة جعلتها تتراجع وشعور من عدم الاطمئنان تلبسها .
ولولا صوت عيسى الذي صدح في المكان وكسر حدة الأجواء لكان هجم يحيى على محمد في ثانية، لكنه فقط اكتفى بتوجيه نظرة حادة له، ومن ثم تحرك صوب عيسى بلهفة شديدة يطمئن عليه .
ومحمد نظر صوب رايانا ثواني قبل أن يهتف ببساطة ونبرة تخفي شيء خلفها :
_ مفيش مشاكل يا راي اشوفك انهاردة بليل بقى .
ختم حديثه وهو يتحرك خارج المكان ولولا أن حديثه كان بصوت منخفض لنهض يحيى وهجم عليه بشراسة، أما عن رايانا راقبت الجميع وتراجعت وهي ترى أن دورها هنا انتهى تستأذن من الجميع، لكن كان يحيى مشغولًا بالأطمئنان على عيسى، وما تزال كارا تقف في ركن الغرفة تراقب بهدوء شديد وحزن، حتى سمعت صوت يحيى يتوجه لها بالحديث :
_ أنتِ هنا من امتى ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خير وسيلة للدفاع، الهجوم ....
كان يجلس في غرفته داخل الفندق وهو يرتشف بعض المشروبات التي حصل عليها من الحانة التي تقبع في نفس الفندق، ينظر للسماء ينتظر أي رسالة تصله من الرجل الذي كلفه بالعثور على مسلم وحاتم .
يتذكر كيف عثر عليهم في المقام الأول ..
حينما أفاق من صدمته داخل المشفى تحرك على منزل مسلم بحزن شديد يرثي به صديقه الذي عرفه لسنوات طويلة، وبمجرد أن دخل أخذ يتلمس طيف مسلم به، لكن لا شيء كل ما حصل عليه هو فراغ ..
فراغ خانق جعله يسقط ارضًا وهو يلوم نفسه، كيف تمكنوا منهم، وكيف ...كيف لم يصلوا له، هل من المنطقي أن يتهجموا عليهم دون محاولة أحدهم لاذيته وهو الذي ينفذ كافة العمليات ؟!
تنهد بصوت مرتفع وهو يرفع عيونه في المكان، ثم أخرج هاتفه وهو يتصفحه بتعب شديد يتجاهل كافة الرسائل الخاصة برئيسة ينتظر أن يهدأ قبل التحدث مع أحدهم، لكن فجأة أبصر شيء غريب على شاشة هاتفه .
المؤشرات الحيوية للفريق الخاص به والتي كانت مرتبطة ببعضهم البعض تحسبًا لتعرض أحدهم لشيء أثناء العملية، هذه الإشارات الحيوية ورغم توقفها إلا أنها كانت تعمل حتى وقت قليل .
اعتدل في جلسته لا يفهم ما يحدث، حسب ما ذُكر له فهو ظل في غيبوبة ليوم كامل، أي أن الاغتيال تم منذ ساعات طويلة، لماذا يظهر الجهاز أن العلامات الحيوية توقفت منذ ساعات قليلة فقط؟؟ إلا إذا....
انتفض جسده بقوة وهو يصل لإدراك جعله يتنفس بصعوبة وهو يدور بعيونه في المنزل حوله يحاول فهم ما حدث.
انتفض من أفكاره على صوت رنين لهاتف غرفته في الفندق، تحرك له ورفع السماعة يجيب بهدوء وبلغة إنجليزية :
_ مرحبًا ؟
- سيدي هناك شخص ترك لك طرد في الاستقبال، هل تود أن نرسله لك، أم تتسلمه بنفسك ؟!
تعجب جوليان مما يقال، ينظر حوله بعدم فهم يتساءل من الذي قد يرسل له طرد هنا في مصر و...
فجأة توقفت أفكاره حينما اعتدل في وقفته يتساءل بجدية بالغة :
_ مهلًا صف لي الشخص الذي ترك لي ذلك الطرد ؟؟
تحدث الرجل وهو ينظر للعمل أمامه على مكتب الاستقبال بجدية :
_ عفوًا سيدي لم الاحظ الأمر، لقد كان شابًا عاديًا من شركة توصيل محلية هنا، ترك لك ذلك الطرد باسمك .
تنفس جوليان بصوت مرتفع وهو يبتسم بسمة غاضبة، لقد كان هو، وصل له، ذلك الوسخ مسلم لم يفقد جزء من مهاراته للحظة، ضغط على شفتيه بغضب شديد :
_ أرسله لغرفتي .
ومن ثم اغلق الهاتف بقوة وهو يجذب خصلاته بغضب شديد، وصل له في أيام قليلة وهو منذ اسابيع لا يستطيع تحديد مكانه، وحسنًا لو استطاع ما استحق مسلم مكانته داخل المنظمة كأفضل المبرمجين .
انتظر دقائق وقد بدأ يحترق من الفضول، وحينما سمع صوت الطرق انتفض يهرول صوب الباب بسرعة كبيرة، يرى أمامه أحد عمال الفندق ببسمة واسعة، لكنه لم يهتم لأي لباقة في هذه اللحظة وهو ينتزع منه الطرد بسرعة يشكره باقتضاب، ثم اغلق الباب بكل وقاحة جعلت الرجل ينظر له بسخرية وهو يتمتم بضيق :
_ شوية همج .
ومن ثم غادر .
وجوليان تحرك بسرعة صوب فراشه يفتح الطرد بسرعة ليبصر به رسالة ورقية وفلاشة إلكترونية أخذ ينظر لها قبل أن يضحك على خبث مسلم، أرسل له رسالة ورقية فقط كي لا يتتبع أي رسالة إلكترونية .
رفع الورقة يبصر عليها كلمة واحدة :
" إلى العزيز جوليان ( تبًا لك ) "
ومن ثم لا شيء، ضحك جوليان بصوت مرتفع وهو ينتزع الفلاشة الصغيرة يسحب حاسوبه بسرعة وهو يضعها دون تفكير يفتح ما عليها يراقب ما بها، ليجد الكثير والكثير من التسجيلات الخاصة به وهو ينفذ عمليات اغتيال لعشائر مافيا وعصابات كبيرة في العالم، تسجيلات جعلت عيونه تتسع بصدمة وهو يتساءل كيف وصل مسلم لها، ومن المعروف حتى أن المبنى الذي يقوم به بكل عملياته يتدمر بعد الانتهاء، لكن يبدو أن مهمام مسلمة أثناء العمليات لم تقتصر فقط على تأمين المداخل .
تنفس بصوت مرتفع وهو يحاول التفكير في غرض مسلم من إرسال تلك التسجيلات له، وجاءه الرد سريعًا وهو يسمع صوت مسلم يصدح بعد انتهاء عرض التسجيلات في فيديو مسجل له وهو يجلس بهدوء في سيارة ويبتسم بسمة واسعة :
_ مرحبًا عزيزي جوليان، أتمنى أن تكون قد اشتقت لي ..
صمت وهو يشير جواره ويحرك الكاميرا صوب الوجه المجاور له والذي كان حاتم الذي منحه غمزة وبسمة واسعة جعلت أعين جوليان تحتد، ومن ثم عادت الكاميرا صوب وجه مسلم :
_ اشتقت لي ؟؟ أرى ذلك في عيونك التي تحدق في الآن، لكن دعنا ندخل في صلب الموضوع، هذه التسجيلات التي وصلت لك حينما حصلت عليها لم تكن ذات فائدة لي في الواقع بقدر ما ستكون ذات فائدة لكل عزيز في العصابات التي انهيت أحد افرادها، فتخيل أن تكون مستهدفًا من أشد العصابات إجرامًا في البلاد.
نفخ يرسم وجه وكأنه يعاني :
_ اوف الأمر صعب لتخيله حتى، لكن لا بأس دعنا نضع هذا جانبًا تحسبًا من اقترابك مني أو ممن يعنيني ولو بمقدار شعرة، فكر في الأمر، لا شيء لك هنا في بلادي ولا شيء لك عندي، لذا إن لم ترد عيش المتبقي من حياتك تركض ركض الوحوش في البرية، فتجاهلني وعد من حيث اتيت .
صمت مسلم ثواني قبل أن يضيف أخيرًا :
_ وصحيح شكرًا لغبائك الذي جعلك تضع هذه الفلاشة العزيزة داخل حاسوبك الشخصي، اعتقد أنني نلت المزيد والمزيد من المعلومات عنك، وفي خلال ثواني فقط سيكون حاسوب قطعة خردة، وداعًـ
وقبل إكمال حديثه كان جوليان ينتفض عن الفراش وهو يحطم الحاسوب في ثواني ويستخرج الفلاشة يحطمها مانعًا مسلم من الوصول لنظامه الشخصي، يصرخ بجنون :
_ مسلم أيها الحقير ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«وُلِدَ الجُنُونُ مَعَ الهَوَى فِي لَيْلَةٍ
لَمْ يَأْتِ للدُّنْيَا مُحِبٌّ عَاقِلٌ!»
ابتسم وهو يقف أمام رف الكرات الثلجية العملاقة والتي حصل على مكانها من خلال البحث طويلًا، يراقبهم يحاول اختيار كرة مناسبة .
_ مسلم لا تصبني بالجنون، ماذا فعلت مع جوليان ؟؟ وهل بالفعل قمت باختراق جهازه الشخصي ؟؟
ابتسم مسلم بسمة صغيرة وهو يلتقط كرة ضخمة نوعًا ما داخلها شجرة ذات أوراق وردية اللون وكانت اشبه بشجرة ( الساكورا) اليابانية، سحرته وجعلته يبتسم وهو يلتقطها مرددًا بهدوء وهو يتلمس الكرة بحنان :
_ لا اكيد، فيروس زي ده محتاج ابنيه لأيام، ده بس كان تهديد وهو يتصرف بقى مع جهازه بنفسه، ده اسهل ما ابعت أنا فيروس يبوظ ليه الجهاز .
اتسعت عيون حاتم وهو يراقب مسلم ونظراته للكرة والتي كانت تتنافى مع أفعاله وكلماته، وقد بدأ يصدق أن هناك شيطان يسكن رفيقه وليس مجرد حالة نفسية .
_بتطلع عالكرة كأنك بتطلع على ولد صغير… هاد إشي غريب.
_ تفتكر هتعجبها ؟!
_ والله يا خوي أنا لو بنت بتعجبني .
اتسعت بسمة مسلم وهو يستدير صوب حاتم، يردد بنبرة خبيثة وقد كان في هذه اللحظة على يقين بقراره الذي بناه في نفسه .
_ طب وأنت ؟؟
_ أنا شو ؟!
_ مش هتشتري حاجة للبنت اللي بتحبها ؟؟
اتسعت عيون حاتم بقوة وقد شعر أن المكان أصبح ضيقًا فجأة يلتفت صوب الارفف يبحث بهم عن شيء يشغل به نفسه عن أعين مسلم :
_ شايف إنك صدّقت حكيي يومها… أنا كنت بمزح معك بس .
هز مسلم رأسه وقد تنفس الصعداء، وحاتم يتابعه بطرف عيونه يدعي انشغالًا بتمثال لفتاة صغيرة تحمل قطة، يظهر اهتمامًا كاذبًا به وهو يسمع كلمات مسلم .
_ شوف يا اخي وأنا اللي شكيت فيك، الحمدلله طمنتني عشان محسش بالذنب ناحيتك لما ترجع لجوزها .
توقفت يد حاتم عما كان يفعل وهو يستدير صوب مسلم بسرعة كبيرة يهمس بنبرة حادة :
- بترجع لزوجها ؟! بتمزح معي؟ بعد كل إشي صار ؟؟
استدار له مسلم بجدية وقد أصبح وجهه جامدًا :
- وايه اللي صار يا استاذ حاتم ؟؟ وأنت بتتكلم عن مين معلش ؟؟
- مسلم مو ناقصتك هي، أنت بتعرف منيح عن مين عم احكي ؟؟
ابتسم مسلم وهو يتجاهله بكل بساطة يتحرك صوب المكتب الخاص بعمليات الدفع للمنتجات، يضع ما حصل عليه على الطاولة، ومن ثم استدار صوب حاتم الذي كان يلحق به حانقًا، ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى أبصر شيء خلف حاتم جعله يدفع الاخير جانبًا، يلتقطه بانبهار شديد مبتسمًا، ومن ثم وضعه على الطاولة :
- حط ده مع الكرة في نفس العلبة لو سمحت .
ومن ثم انتظر بكل الصبر الذي يمتلكه أن ينتهي الرجل من وضع أغراضه بالحقيبة وخرج من المكان وحاتم يتابعه بصبر يُحسد عليه، يتحرك خلفه صوب طاولة صغيرة تقبع في منتصف المجمع التجاري تابعة لأحد المطاعم .
جلس وأمامه حاتم الذي كان ينتظر أن يحرك مسلم دفة الحوار صوب ما يريد، وحينما وجد مسلم صامتًا تحدث بصوت متردد :
- مسلم اقسم بالله أنني لم أفعل أي شيء ...
_ منذ متى حاتم ؟؟
نظر له حاتم بعدم فهم ليبتسم مسلم بسمة صغيرة :
_ لست احمقًا لاغفل عن نظراتك التي حاتم، أنا أعلمك منذ ثمان سنوات، هل كان الأمر منذ ابصرتها حينما اتينا لمصـ..
_ بل منذ سنوات .
رفع مسلم حاجبه دون فهم، فقص عليه حاتم كل شيء، بداية من رؤيته لها بالصورة وانبهاره ببراءة بسمتها ولطفها، ومن ثم أصبحت تلك البسمة ملجأ لعقله من كل السواد حوله، كانت ملجأ له حينما يشعر أن الحياة فرغت من كل الصفاء .
_ ولم تخبرني ؟؟
_ خفت أن تظننني خنتك مسلم ..
وحسنًا هو يكره الإعتراف بهذا، لكنه يشعر بالضيق من حدوث كل هذا دون علمه، شعور خانق أن حاتم أحب أخته ولم يفكر في اخباره يومًا.
ابتسم له مسلم بضيق يحاول إخفاءه وهو يربت على كتفه بهدوء :
_ صدقني لو كان الأمر بيدي، لما تمنيت لأختي زوجًا أفضل منك، لكن الآن حاتم هي محطمة ولا أعتقد انها مستعدة لخوض تجربة مثل الـ
_ سأنتظرها، سأنتظرها مسلم فقط ...احتاج لفرصة واحدة لتعلم أن الحياة ليست مقتصرة على زوجها، فقط تمنحني فرصة واحدة .
هز له مسلم رأسه وهو يهتف بجدية وصوت بعيد شارد :
_ اعتقد أنك تحتاج لنقل سكنك في الملحق حاتم، على الأقل الآن.
هز حاتم رأسه بجدية يتقبل قراره برحابة صدر :
_ كنت سأخبرك الشيء ذاته، لكنني انشغلت بكل ما مررنا به مؤخرًا .
وكان هذا افضل قرار في رأي مسلم، فهو حينما ترك حاتم بينهم، تركه رفيق له في وجودهم جميعًا، غريبًا على أخته، لكن الآن الرجل كان مغرمًا بأخته، ووجودها أمامه طوال الوقت باب مفتوح للشيطان ...
لذا الأفضل للجميع أن ينعزل حاتم بنفسه عنهم حتى يتبين للجميع مصير تلك العلاقة .
نظر بعيدًا شاردًا وهو يهمس بصوت منخفض :
_ تفتكر يا حاتم هيجي يوم واستريح فيه ؟؟
نظر له حاتم بعدم فهم فتحدث مسلم بصوت خافت شارد وهو يراقب الأشجار حوله يستنشق رائحة الأشجار باستمتاع :
_ تعرف من كتر ما شفت في آخر سنين في حياتي، بدأت أحس إن الراحة الوحيدة ليا لما أموت، ويا عالم الموت هيكون راحة أو لا ..
ابتلع ريقه يراقب تساقط ورقة من الشجرة قبل أن يبتسم بسمة صغيرة مكسورة :
_ أنا خايف ...
ومن ثم صمت لا يدري وصفًا لخوفه، خوفه من المستقبل، خوفه من نفسه، من ماضيه، من مستقبله ؟!
كان الخوف يشمل كل ما يحيط به، والخوف كل الخوف أن يشمل كذلك الجزء الدافئ الوحيد في حياته، المنطقة الآمنة التي يحتفظ بها بعيدًا عن الجميع .
" فروشكا "
_ مسلم .
رفع مسلم عيونه بحاتم ليبتسم له الاخير بسمة صغيرة :
_ خلّيها ع ربك، هو بدبّرها إلك يا أخوي، بس توكّل عليه وما رح يخيّب ظنّك، بجيبلك سعادتك لو من قاع البحار .
ابتسم له مسلم وهو يربت على كفه، وقد كان حاتم الشيء الوحيد الذي جعله حي حتى هذه اللحظة بعقله، شاركه كل لحظة في حياته، ضمد له جروحه، وشاركه اوجاعه .
تنفس وهو يبتسم، ثم صمت حينما اقترب أحد الرجال منهم يحمل بين يديه قائمة طعام مبتسمًا :
- حضرتك هتطلب حاجة ؟!
ابتسم له مسلم بسمة صغيرة وهو يشير لحاتم أن يطلب هو، فسحب منه حاتم قائمة الطعام بينما انشغل مسلم بالنظر للهدية التي أحضرها يبتسم بحنان كلما ابصرها، يفكر في رأسه أنه يحتاج لمراجعة طبيب، وزيارة أسرته قبل العودة لهم ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ خلاص يا حبيبي خلصنا دور التعبان يلا قوم خلينا نرجع بقالك اربع ساعات عامل نفسك ميت .
كانت جملة مغتاظة من يحيى الذي ضرب ذراع شقيقه بغيظ شديد يحاول دفعه لينهض ويرحل معه للمنزل قبل أن يقتل ذلك الطبيب المستفز الذي ما يزال يرسل له نظرات حادة مغتاظة .
لكن عيسى تأوه بضيق :
- ايه يا عم حتى التعب مستكترة عليا ؟!
- تعب ايه يلا احنا هنستهبل ؟؟ أنت متكهرب مش مضروب رصاصة.
_ يا اخي بس بتوجع، بعدين قوم روح أنت لو عايز أنا حابب القعدة هنا .
ختم حديثه وهو يضم ذراعيه بحنق لصدره، بينما يحيى رماه بشر ولم يكد يتحدث بكلمة واحدة حتى سمع صوت طرق على الباب ورأس كارا تطل عليهم بعدما غادرت منذ ساعة تقريبًا معتذرة.
_ مساء الخير بزعجكم !!
ابتسم يحيى بسمة واسعة وهو يدفع عيسى على الفراش يسطحه بالقوة، ثم رفع الغطاء فوقه يربت عليه بقوة بعض الشيء :
_ لا أبدًا مفيش ازعاج ولا حاجة، ده عيسى حبيبي كان لسه بيقول أنه عايز يمشي، فأنا كنت يقنعه يستنى شوية عشان نطمن عليه .
رفع عيسى حاجبه بسخرية يصيح بصوت شبه مرتفع :
_ والله ايه ؟؟ وامي اللي كانت ...
كبت يحيى كلماته وهو يدفع بوجهه بقوة داخل الفراش خلفه مهددًا بصوت حانق وهو يهمس من أسفل أسنانه:
- امك دي اللي هرجعك ليها لو نطقت .
نظر له عيسى بعدم فهم، بينما يحيى رفع وجهه صوب كارا التي كانت تراقب ما يحدث يحاجب مرفوع تضم بين يديها علبة طعام كبيرة :
_ أنا قولت اكيد أكل المستشفى مش كويس عشان عيسى فجبت ليه أكل من البيت و...
قاطع يحيى حديثها وهو يلتقط منها العلبة ببسمة واسعة يضمها له رافضًا أن تُمنح لشقيقه :
- تعبتي نفسك والله، بعدين عيسى ممنوع من الأكل ده، بس انا هاخده مش هكسفك.
رمقه عيسى بغضب وهو يحاول الاعتدال :
_ ممنوع من الأكل ليه ؟؟ أنا متكهرب مش والد قيصري .
حدجه يحيى بغضب وهو يشير له أن يصمت، ثم استدار صوب كارا يبتسم لها بلطف :
_ طب اتفضلي اقعدي استريحي .
_ لا بس عشان معطلكش، همشي دلوقتي وهبقى اطمن على عيسى بعدين .
ولم تكد تتحرك حتى تحرك معها يحيى بسرعة بعدما دفع علبة الطعام على عيسى يتمتم بجدية :
_ اكيد خليني اوصلك .
ولا يدري السبب لكنه منجذب لهالة المرأة، يحذو حذو شقيقه الحبيب الذي غاص حتى أذنيه في حب الفروشكا، وها هو يلحق به وينبهر بجمال المرأة أمامه.
ويبدو أنهم صدقوا حين قالوا أن نساء الغجر ساحرات ...
خرج معها من الباب وهي تبتسم بتوتر وخجل :
- شكرا والله متتعبش نفسك أنا عارفة الطريق و....
صمتت ثواني ثم رفعت عيونها له ليشرد بها ثواني دون شعور وهي أبعدت عيونها تقول بصوت خافت :
- أنا بس حبيت اعتذر عن اللي حصل في محل عم رجب، وهو لولا أن مفيش حد معاه كان جه بنفسه يطمن على أخوك، والله هو كان مكلم كهربائي عشان يصلحها بس نصيبه كده .
اشاح يحيى بيده يحاول تجاهل الحديث في هذا الأمر كي لا ينهار من فكرة أنه كاد يخسر صغيرة بسبب إهمال البعض :
_ يا ستي فكك من عيسى ما هو زي الحصان جوا اهو، المهم تلاجة عم رجب كويسة !!
نظرت له ثواني بعدم فهم قبل أن تضحك فجأة حينما أدركت ما يتحدث به، وهو يراقبها ببسمة، بينما كارا هزت رأسها بيأس:
- اه الحمدلله كويسة، والكهربائي صلحها، متقلقش عليها .
_ مش قلقان ولا حاجة طالما هي كويسة وبتروح ومبسوطة في حياتها فخلاص.
نظرت له بتوتر وشعرت أن الحديث أصبح لا يدور حول الثلاجة، لذا تراجعت خطوات قليلة وهي تفكر في طريقة للهروب بها :
_ أنا محتاجة امشي عشان عمتي معزومة عندنا انهاردة و...
- عمتك دي اللي هي مرات عم رجب ؟!
تعجبت من معرفته لصلة قرابتها بالرجل، لكنها هزت رأسها بنعم فابتسم هو يردد بجدية :
_ قوليلها تحاول تكلم عم رجب من وقت للتاني عشان البطارية بتاعته بتنام ساعات ويفصل .
رمشت وهي لا تفهم ما يقول، لكنها بكل الاحوال هزت رأسها تقول بايجاب وطاعة :
- حاضر .
_ غبية ومش بتفهم القلشات.
رفع صوته وهو يبتسم لها :
_ وقولي لابوكِ يقطع علاقته بأخته عشان متروحيش عند الراجل ده تاني .
ابتسمت بعدم فهم :
- عم رجب ؟! ده طيب جدا والله .
- يا ستي طيب ايه أنا لما بدخل المحل بتاعه بيبصلي كأني داخل اعمل عملية انتحارية وافجر نفسي عند رف الجبن .
_ بس والله بيحبك .
_ هو قالك كده ؟
_ لا بس انا شايفة .
هز رأسه بهدوء وبساطة :
_ ما أنتِ عامية .
_ نعم ؟!
نظر لها بحنق :
_ اللي متشوفش حلاوتي لغاية دلوقتي يبقى عامية والله .
_ حلاوتك وده فين حلاوتك دي ؟؟
_ مش بقولك عامية ؟! يلا روحي البيت شوفي هتعملي ايه مش ناقصين قرف على المسا .
_ أنت اللي جاي توصلني .
_ ما هو عشان غبي، غبي وعامية والله دويتو حلو ما تفكري ؟!
توترت وهي تتراجع عنه تحاول فهم ما يدور حوله طوال الوقت :
_ افكر في ايه ؟!
_ مش عامية بس وهبلة كمان؟؟ nice.
أشار لها لترحل صوب باب المستشفى :
_ شايفة الباب اللي وراكِ ده ؟؟ أخرجي منه ومتجيش تاني هنا، عشان فيه دكتور جوا ماشي يحب على نفسه .
ولم تكد تعترض حتى تحدث بحنق :
_ امشي يابنتي .
هرولت بعيدًا عنه بعدم فهم وهو يراقبها بأعين مستمتعة باللعبة التي يلعبها معها، يتحرك داخل المشفى مجددًا ليحضر شقيقه ويرحل ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقف مع حاتم أمام منزل جده فرج وهو يتنفس بعنف يود الانتهاء من كل ما يحدث حتى يذهب لعائلته ومن ثم يعود لقرية جده، يستريح ويستكين ..
كان حاتم جواره وهو يراقبه بطرف عيونه، حتى سمع صوت الباب يُفتح وامرأة في متوسط العمر تنظر لهم بعدم فهم ولم تتعرف على أحد منهم :
_ ايوة اتفضلوا ؟؟
نظر لها مسلم ثواني يحاول تذكر هويتها، وعجز عن ذلك وهو يسأل مخمنًا :
- حضرتك قريبة جدي فرج !!
- جدك ؟؟
هز مسلم رأسه بهدوء وهو يعرف عن نفسه :
_ أنا مسلم حفيد حليم المريدي .
اتسعت عيون المرأة بصدمة كبيرة وهي تراقب مسلم بعدم تصديق، ذلك هو نفسه مسلم الشاب البرئ النحيف الذي كان قبل سنوات أحد المقترحين لابنتها زوجًا وقد كان أول المرفوضين وقتها .
_ اهلًا يا ...مسلم ؟؟ معلش اصلي مش مصدقة أنه أنت، مش أنت كنت مسافر ؟! سمعت أنك كنت في امريكا ماشاء الله يعني .
ابتسم مسلم بسمة صغيرة وهو ينتظر منها تعريفًا عن نفسها دون أن يجيب شيء لتفهم المرأة ما يقصد بنظراته وهي توضح سريعًا :
_ أنا جميلة، مرات خالك أمير مش فاكرني ؟!
وفي لحظة ومضت ذكرى قديمة في عقله ليبتسم بسمة صغيرة :
_ لا طبعًا ازاي، ازيك يا مدام جميلة .
_ تعالى تعالى ادخل ده أمير هيفرح اوي اوي أنك هنا و .. أميرة بنتي كمان هنا في زيارة، أنت فاكرها مش كده ؟!
ابتسم لها مسلم بسمة صغيرة وكيف ينسى أميرة، الفتاة التي كانت أول اقتراح لوالدته قديمًا بعد التخرج لتكون مخطوبته، جاءوا وغادروا بالرفض، لكنه حقًا لا يعترض على الرفض فهو لو كان امرأة قديمًا ما قبل بنفسه، ولو كان امرأة عاقلة ما قبل بنفسه حتى الآن.
توقف في منتصف منزل جده فرج الكبير والذي كان عكس منزل حليم، كان أشبه بقصر مصغر من حيث البزخ في الزينة وغيرها .
_ أمير بص مين هنا ؟!
فجأة التفت جميع من بالصالون صوب الزائرين يراقبون شاب مفتول العضلات بخصلات سوداء طويلة بعض الشيء، واعين باردة قليلًا يراقبهم ببسمة مجبرة في الغالب، وجواره شاب آخر وسيم الملامح أقل منه في الجسد بعض الشيء .
كانت نظرات التعجب تعلو الأعين، والأنبهار كذلك، خاصة من أعين بعض فتيات العائلة في المكان وقد بدا أن ذلك تجمع عائلي من نوع ما .
أشارت جميلة صوب مسلم وهي تنظر صوب ابنتها بنظرة التقطها مسلم ليضيق عيونه محاولًا فهم ما يحدث حوله :
_ ده مسلم يا جماعة، مسلم حفيد عمو حليم، لسه راجع من امريكا .
سمع حاتم شهقة من جواره وقد كان الأقرب لأميرة، ومن ثم همسات التي وصلت لاذنه مرددة :
_ مسلم ؟؟؟؟ ازاي ؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت من مساعدة شيما فيما تفعل وهي تنهي كل شيء، ثم ملئت طبق حلوى كبير وقد قررت أن تقضي باقي يومها مع بطل روايتها حتى تعثر على بطل روايتها واقعًا .
وشيما جوارها تردد بجدية :
- خلاص يا حبيبتي اطلعي فوق وأنا هكمل .
_ لا معلش خليني اخلص معاكِ كفاية عليكِ تعبك معانا، شيلناكِ همنا كلنا يا شيما .
ابتسمت لها شيما بحب وهي تهتف برضا :
_ على قلبي زي العسل يا رايانا، المهم تكوني بس مبسوطة .
شعرت رايانا أنها على وشك البكاء وهي تجفف يدها بثوبها، ثم تحركت صوب شيما تفتح ذراعيها لها مبتسمة بحب شديد من بين دموعها، تضم لها شيما :
_ أنتِ أحسن شيما واجمل أم في الدنيا يا شيما، أنا محظوظة أنه من بين كل ستات الدنيا البارو اختارك تكوني مراته، الحاجة الوحيدة اللي هشيلها جميلة ليه.
سقطت دموع شيما بتأثر وهي تضم لها رايانا بحب شديد :
_ المهم بس تكوني سعيدة يا رايانا، ربنا يسعد قلبك دائمًا ويرزقك بابن الحلال اللي يقدر قلبك .
ابتعدت عنها رايانا وهي تنظر لها بعيون ملتمعة، تنتهي من ترتيب المطبخ، ومن ثم أخذت طبق الحلوى الخاص بها وتحركت صوب الدرج ولم تكد تصل له حتى سمعت صوت طرق الباب، ومن ثم صوت شيما تفتحه .
توقفت على بداية الدرج تسمع شيما وهي تردد :
_ اكيد يا دكتور اتفضل، نورت البيت، هو بس البارو بيريح جوا بس اتفضل اكيد هخرجه ليك، طالما الموضوع مهم اوي كده
تحرك محمد خلف شيما التي كانت تتحرك به صوب البهو، ليتوقف ينظر لرايانا ببسمة واسعة وهو يردد بصوت هادئ وهو يراقب نظرات رايانا الفضولية نحوه .
_ ايوة الله يكرمك يا ست شيما بلغيه إن الموضوع مهم جدًا، وإن أنا جاي انهاردة ومصمم مش خارج غير لما اسمع منه موافقته على طلبي.
توقفت شيما وهي تنظر له بعدم فهم من ملامحه التي توضح لهفة ظاهرة :
_ خير يابني ؟!
_ خير إن شاء الله، بلغيه اني جاي اطلب منه أيد رايانا .......