رواية الوريث الموعود الفصل الخامس 5 بقلم نور محمد
الخيال اللي كان واقف في الصالة اختفى في رمشة عين، بس ريحة الكبريت والتراب اللي شميتها في المقبرة فضلت مالية المكان. جسمي اتخشب، والوشم اللي على إيدي بدأ "ينبض" تحت جلدي كأن فيه قلب تاني بيقفل ويفتح جوه عروقي.
فتحت باب الأوضة على سلمى براحة، كانت نايمة في هدوء وشكلها ملاكي.. بس لما قربت منها، شفت حاجة خلت الرعب يرجع يغلي في دمي. "اللحاف" اللي عليها كان بيترفع وينزل بحركة منتظمة، بس مش من ناحية صدرها.. الحركة كانت جاية من عند "بطنها"، والضربات كانت قوية لدرجة إنها بتمزق قماش البيجامة من جوه!
"سلمى! سلمى قومي!" هزيتها بجنون.
فتحت عينيها، بس المرة دي كانت عينيها "بيضا" تماماً، مفيش نني، مفيش حياة. بصت لي وضحكت ضحكة مكتومة وقالت بنبرة خشنة: "هو مش مستني لما يتولد يا أحمد.. هو بيتعشى دلوقتي!"
في لحظة، سلمى اتنفضت من على السرير واترمت على الأرض وهي بتصوت صرخة خلت زجاج الشبابيك يتفجر في الشقة كلها. الجيران بدأوا يخبطوا على الباب، بس مكنتش قادر أتحرك. باب الشقة فجأة اتقفل بـ "تكة" غريبة، والكهرباء قطعت.
طلعت كشاف الموبايل، وشفت أبشع منظر ممكن إنسان يتخيله. جلد بطن سلمى بدأ "يشق" حرفياً، بس مش خروج طفل.. كان فيه "دخان أسود" كثيف بيخرج من فتحات جلدها وبيتشكل في ركن الأوضة على هيئة راجل عجوز، هو نفسه جدها، بس ملامحه كانت متآكلة كأنه طالع من القبر حالاً.
"أنت عايز إيه؟! مش خدت دمي وفديتها؟!" صرخت فيه وأنا ماسك السلسلة الفضة.
العجوز شاور بصباعه المهرى على الوشم اللي في إيدي وقال بصوت كأنه احتكاك حجرين ببعض: "الدم اللي سيلته كان (عهد جديد).. أنت مكنتش بتفديها، أنت كنت بتديني الإذن إني أسكن فيك أنت! الطفل اللي في بطنها دلوقتي مجرد (قشرة).. الروح الحقيقية سكنت في عروقك يا بشمهندس."
فجأة، حسيت بوجع رهيب في ضهري، كأن فيه عضم جديد بيتبني، وأسناني بدأت تتلخلخ وتقع في إيدي. بصيت في مراية الدولاب بضوء الكشاف، وشفت وشي بيتحول ببطء لوش "جد سلمى".
"لااااا!" صرخت، بس الصوت اللي طلع مني كان صوت العجوز نفسه.
سلمى بدأت تفوق وترجع لطبيعتها، بصت لي برعب وهي بتزحف لورا: "أحمد؟ أنت شكلك ماله؟ إيه اللي حصل لوشك؟"
حاولت أقرب منها عشان أطمنها، بس إيدي اتحركت لوحدها وهجمت على رقبتها بخفة غريبة. كنت "بشوف" نفسي وأنا بخنقها بس مكنتش قادر أسيطر على جسمي. كنت محبوس جوه عقلي، والكيان اللي سكن فيا هو اللي بيحركني.
في اللحظة دي، الباب اتكسر ودخل "الدكتور رفعت"، بس المرة دي كان معاه "صندوق خشب" قديم ومبخرة. "ابعد عنها يا ملعون!" صرخ الدكتور وهو بيمسك بخور وبيرميه في وشي.
أول ما ريحة البخور لمستني، الكيان اللي جوايا صرخ بوجع، وقدرت أتحكم في إيدي ثانية واحدة. "اقتلني يا دكتور! اقتلني قبل ما أموتها!"
الدكتور رفعت بص لي بحزن وقال: "الحل الوحيد هو (حبس الروح).. لازم ترجع للمقبرة وتدفن نفسك حي لمدة ليلة واحدة.. يا تطلع منها أحمد، يا تطلع منها (هو) وتتحرقوا سوا!"
أخدوني وأنا متكتف بـ "جنزير" فضة، وسلمى كانت بتعيط وتصرخ ورايا وهي ماسكة بطنها اللي رجعت طبيعية فجأة. رجعنا لـ "الخربة" في قلب الصحراء. الدكتور رفعت نزلني القبو، وربطني في التربيزة الحجرية.
"أنا هقفل عليك يا أحمد.. لو الشمس طلعت وأنت لسه بتنطق اسم الله، يبقى اللعنة انتهت. لو طلعت ولقيتك ساكت.. يبقى المقبرة دي لازم تتردم بالخرسانة فوقيك."
قفل الباب الحديد.. وبقيت في الضلمة التامة.
ساعتها بدأت الحرب الحقيقية.. بدأت أسمع أصوات آلاف الناس اللي ماتوا في الأرض دي وهما بياكلوا في وداني. شفت خيالات لتعابين بتخرج من الحيطة وبتلف حول جسمي. والكيان اللي جوايا كان بيحاول يقطع لساني عشان منطقش.
بدأت أقاوم، أقرأ كل اللي حافظه من قرآن، وكل ما أنطق آية، كان جسمي يتنفض ويطلع منه دخان أسود بيحرق جلدي. فضلت على الحال ده ساعات، مش عارف الوقت عدي ولا لسه.
وفجأة.. ساد الهدوء.
سمعت صوت "عصفورة" بتغرد برا. وصوت الباب الحديد بيتفتح ببطء.
دخل شعاع نور الشمس، وشفت الدكتور رفعت واقف بيبص لي بترقب.
"أحمد؟" نادى بصوت مرتعش.
حاولت أنطق، بس حلقي كان ناشف. "دكتور.. أنا.. أنا لسه هنا."
الدكتور اتنفس الصعداء وفك الجنازير. خرجت للنهار، كنت حاسس إني اتولدت من جديد. رجعت البيت، سلمى كانت مستنياني على الباب، حضنتني وهي بتبكي: "الحمد لله يا حبيبي.. الكابوس خلص."
دخلنا البيت، وحياتنا بدأت ترجع طبيعية. البيبي اتولد، وسميناه "يحيى". كان طفل جميل جداً وعينه خضراء زي أمه.
يوم السبوع.. البيت كان مليان ناس وفرحة. شلت يحيى بين إيديا وبصيت في عينيه.. وفجأة، الولد ضحك لي بضحكة خلت الدم يتجمد في عروقي.
ميل على ودني وهمس بصوت "راجل عجوز": "أنت فاكر إنك حبستني تحت الأرض؟ أنا دخلت في (يحيى) من أول يوم في العيادة.. واليوم اللي دفنت فيه نفسك، كان اليوم اللي ثبتُّ فيه رجلي في الأرض دي."
بصيت لـ إيد يحيى الصغيرة.. لقيت "وشم التعبان" بيظهر ببطء على كفه الصغير وهو بيضغط على إيدي بقوة مش طبيعية وهو بيبتسم للكاميرا!
النهاية المرعبة
